علم اصول الفقه الميسر
الطبعة : الطبعة الاولى  
المؤلف : سميح عاطف الزين
عدد الصفحات :   416
تاريخ النشر :   1990




الفصل الأول - في اللّغة

اللغَة
اللغةُ أصواتٌ يُعبّرُ بها كلّ قومٍ عنْ أغراضِهِمْ. ويقال: لَغَوْتُ أيْ تكلمتُ. وقالَ تعالى: {وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا} [سورة الفرقان: 72]. أي إذا مرّوا بالباطِلِ. وفي الحديث: «منْ قالَ في الجمعةِ صهْ فقد لغا» أي تكلّمَ. واللغةُ من لغا إذا لهجَ بالكلامِ. وأمّا تعريفُ اللغةِ فهو «كلّ لفظٍ وُضِعَ لمعنى».
وطريقةُ معرفةِ اللّغاتِ الروايةُ فقط.
سبَبُ وضع اللغة:
اللغةُ كما ورد في تعريفها هي عبارةٌ عنِ الألفاظِ الموضوعةِ للمعاني، فلما كانت دلالةُ الألفاظِ على المعاني مستفادةً من وضعِ الواضعِ كانَ لا بدَّ من معرفةِ الوضعِ ثمَّ معرفةِ دلالةِ الألفاظِ. والوضعُ هو تخصيصُ لفظٍ بمعنى، ومتى أُطلقَ اللّفظُ فُهِمَ المعنى، وسببُ وضعِ اللغةِ هو أنَّ الإنسانِ محتاجٌ إلى غيره من أبناءِ جنسهِ لأنّهُ لا يستطيعُ العيش منفردًا، ولا يقدر على تأمين حاجاته الأساسية والضرورية في سبب بقائه، ودرء الأخطار التي تواجهه، وتلافي المخاطر التي تعترضه حفاظًا على وجوده إلَّا بالتعاون مع من هم من جنسه. فكانَ لا بدَّ لهُ منَ الاجتماعِ معَ غَيرهِ من بني الإنسان، ومن هنا كانَ اجتماعُ الإنسانِ بالإنسانِ أمرًا طبيعيًّا؛ فالإنسانُ اجتماعيٌّ بطبعِهِ، وهذا الاجتماعُ بَينَ الناسِ لا يَتِمُّ فيهِ التعاونُ إلا بأن يَعرِفَ كلٌّ منهم ما لدى الآخرِ، فاحتيجَ إلى شيءٍ تحصلُ بهِ المعرفة. ومن هنا جاء سببُ وضع اللغة لأنَّ هذه المعرفة لما في الذِّهنِ يمكن أن تتم وفقًا لتركيب الإنسان إما باللّفظِ أو الإشارة أو المثال. واللفظُ أفيدُ منَ الإِشارةِ أو المثالِ لعمومهِ. إذ اللفظُ يشملُ الموجوداتِ، محسوسةً ومعقولةً، ويشملُ المعدوماتِ، ممكنةً أو ممتنعة، لإمكانيةِ وضعِ اللفظِ بإزاءِ ما أُريدَ من تلكَ المعاني، بخلافِ الإشارةِ، فإنّه لا يمكن وضعُها إزاءَ المعقولاتِ ولا الغائبِ ولا المعدومِ، وبخلافِ المثالِ، فإنّه يتعذَّر أو يتعسّرُ أن يحصَلَ لكلّ شيءٍ مثالٌ يطابقُهُ، لأنَّ الأمثلةَ المجسّمةَ لا تفي بالمعدوماتِ. وأيضًا فإنَّ اللّفظَ أيسرُ منَ الإشارةِ والمثالِ، لأنَّ اللّفظَ مركّبٌ منَ الحروفِ الحاصلةِ منَ الصّوتِ، وهو يحصلُ منَ الإنسانِ طبيعيًّا، فكانَ اتخاذُه وسيلةً للتعبيرِ عما في النفسِ أظهرَ وأولى. ومن هنا كانَ سببُ الوضعِ للّغاتِ هو التعبير عما في النفسِ، وكانَ موضوعُها هو الألفاظَ المركّبةَ من الحروفِ. واللّفظُ قَد وُضعَ للتعبيرِ عمّا في الذِّهنِ وليسَ للماهيّةِ، فهوَ غيرُ الفكرِ، فالفكرُ هو الحكمُ على الواقعِ، إذ إن الفكر عبارةٌ عن نَقلِ الواقعِ بوساطةِ الإحساسِ إلى الذّهنِ مع معلوماتٍ سابقةٍ تفسّرُ هذا الواقعَ، بخلافِ اللّفظِ فإنّهُ لم يُوضعْ للدّلالةِ على حقيقةِ الواقعِ ولا على الحكمِ عليهِ، بل وُضِعَ للتعبيرِ عمّا في الذّهنِ، سواءٌ طابقَ الواقعَ أم خالفهُ. لأنَّ إطلاقَ اللّفظِ دائرٌ معَ المعاني الذّهنية دونَ الخارجيةِ. فإذا شاهدنا شَيئًا فظننا أنّهُ قلمٌ أطلقنا عليه لفظَ القلمِ، فإذا دَنَونا منهُ وظنناهُ مِلعقةً أطلقنا عليهِ لفظَ المِلعقةِ، ثمّ إذا دَنونا منهُ وظنّنا أنّهُ سكِّينٌ أطلقنا عليهِ لَفظَ السكّين، فالمعنى الخارجيّ لم يتغيّر معَ تغيرِ اللّفظِ، فدلَّ على أنَّ وضعَ الألفاظِ ليسَ للواقعِ الخارجي بل للصورة المنطبعةِ في ذِهنِ الإنسانِ، وأيضًا لو قلنا: سميرٌ جالسٌ. ووضعنا الألفاظَ التي تفيد معنى جلوس سمير، ثُمّ وَقَفَ سميرٌ أو مَشَى أو نامَ فتبدلت الوضعيات التي يتقلّب فيها سمير مما يستدعي تبدّل الانطباع الذهني عنه والإتيان بألفاظ أخرى تفيد الحالات التي هو فيها، مما يدل على أن وضع الألفاظ أو اللغة ليس متعلقًا دائمًا بالواقع القائم أو بالحقيقة القائمةِ بل هو تعبيرٌ عمّا في الذّهنِ. فالألفاظُ وُضعتْ ليُفيدَ الوضعُ النّسبَ الإسناديّةَ أو التقيُّديّةَ أو الإضافيةَ بينَ المفرداتِ يضمّ بعضها إلى بعضٍ كالفاعليّةِ والمفعوليّةِ وغيرِهما، ولإفادةِ معاني المركباتِ من قيامٍ وجلوسٍ، فلفظ «سميرٌ جالسٌ» مثلًا، وُضِعَ ليستفاد بهِ الإخبارُ عن مدلولهِ بالجلوسِ أو غيرِهِ، وليسَ القصدُ منَ الوضع أن يُستفادَ بالألفاظِ معانِيها المفردةُ التي تُصوّرُ تِلكَ المعاني بلِ القصدُ منْ وضعِ اللّفظِ إفادة النسبِ ليحصلَ التعبيرُ عما في الذّهنِ.
وأمّا وضعُ اللّغاتِ فهوَ أنَّ اللغاتِ كلّها اصطلاحيةٌ فهي منْ وضعِ الناسِ ولَيْسَتْ من وضعِ الله تعالى، واللّغةُ العربيّةُ كسائرِ اللّغات وضعَهَا العربُ واصطلحوا عليها فتكونُ من اصطلاحِ العربِ وليستْ توفيقًا من الله سبحانُه وتعالى. وأمّا قولُهُ تعالى: {وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاء كُلَّهَا} [سورة البقرة: 31] فإنَّ المرادَ مُسمّياتُ الأشياءِ لا اللّغات، أي عَلّمَهُ حقائقَ الأشياءَ وخواصها، أي أعطاهُ المعلوماتِ التي يستعملها للحكمِ على الأشياءِ التي يحِسّها فإنَّ الإحساسَ بالواقعِ لا يكفي وحدَهُ للحكمِ عليهِ وإدراكِ حقيقتهِ بل لا بُدّ من معلوماتٍ سابقةٍ يُفسّرُ بوساطتِها الواقعُ. وأمّا تعبيرُ القرآنِ الكريمِ بكلمةِ الأسماءِ فإنّهُ قد أطلقَ الاسمَ وأرادَ المسمّى كما يدلّ على ذلكَ الواقعُ، فإنَّ آدمَ عَرَفَ الأشياءَ ولم يعرف اللغات، فكلُّ ما يُعرفُ ماهيّتُهُ ويُكشفُ عن حقيقتِهِ هو محلُّ التّعليمِ والمعرفةِ، واللغةُ إنّما هي وسيلةٌ للتعبيرِ لَيسَ إلّا، فسياقُ الآيةِ يدلُّ على أنَّ المرادَ من كلمةِ «الأسماءَ كلّها» المسمّياتُ أي الحقائقُ والخواصُّ. وأمّا قولُهُ تعالى: {وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ} [سورة الروم: 22] أي لغاتِكُمْ فلا دلالةَ فيهِ على أنَّ اللغاتِ من وضعِ الله تعالى لأنَّ معنى الأيةِ: ومنَ الأدلّةِ على قدرةِ الله كونُكم تختلفونَ في اللغاتِ، وعبادته إلهًا واحدًا كل بحسب لغته أي بما يعبّر عما يجيش في نفسه من حقيقة الإيمان، وهذا دليل آخر على أن اللغات من صنع الناس وأن الله سبحانَهُ وتعالى لم يضع لغاتٍ مختلفةً، إذ لو كانتِ اللّغاتُ توقيفيّةً عنِ الله عزَّ وجلَّ لَلَزِمَ تقدُّمُ بعثةِ الرّسُلِ على معرفةِ اللّغاتِ حتى يعرّفوا الناسَ اللّغةَ التي وضعها الله ثُمَّ بعدَ ذلكَ يبلّغونهم الرّسالةَ. لكنَّ البعثةَ متأخرةٌ والدليلُ على هذا قولُهُ تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ} [سورة إبراهيم: 4] وبِهذَا يَثْبُتُ أنَّ اللغَةَ ليستْ توقيفيّةً عن طريقِ الوَحي أي من وضعِ الله عزَّ وجَلَّ بل هي من وضعِ الإنسانِ.
الحكمة في وضع الألفاظ العربية:
إذا قُيّضَ لكَ أن تَتَبحّرَ في لغتكَ العربيّةِ. وتقِفَ على مكنوناتها. وتطّلِعَ على سرِّ الوضعِ فيها، والطريقةِ التي تمشّى عليها الواضعُ في صياغةِ أُصولها، وكيفَ أحسنَ التفريعَ على تلكَ الأصولِ مع مراعاةِ التناسُبِ بينَ كل أصلٍ وفرعهِ، لم تملكْ نفسَكَ عنِ الإعجابِ بذهنِ العربِ الشفّافِ الذي عَرَفَ كيفَ يحوِّلُ الكلماتِ الجامدةِ إلى حياةٍ.
ولولا ظهورُ اختلالٍ في بعضِ متونِ اللغةِ، واضطراب في أوضاعها لكانتِ الصلةُ بينَ المعنى الحقيقيّ والمعنى المجازي أسْطَعَ من جبينِ البدْرِ في جوْفِ الظلماءِ. ولما كنّا نرى في بعضِ الكلماتِ بَوْنًا شاسعًا بحيثُ كادَتْ تنعدمُ أيُّ رابطةٍ بينَ المعاني المختلفةِ للكلمةِ الواحدةِ، وهذا أكبر دليلٍ على أنّ اللغةَ التي انتهتْ إلينا قدِ اعتورَتْها أيدي التصحيفِ والتحريف والإفساد، بعدَ أن تظاهرتْ عليها عواملُ العُجْمَةِ، وبعدَ أنْ تفرّقَتِ القبائلُ العربيّةُ في جميعِ الأطرافِ، كادتْ تلحقُ بشقيقاتها اللغاتِ الساميّةِ، لو لمْ يحفَظْ لها كيانَها القرآنُ الكريمُ.
وها نحنُ نوردُ لكَ شيئًا من تلكَ الألفاظِ الناطقة بحكمةِ واضعيها. فقد قالوا: أسْرَفَ الرجلُ مالَهُ: إذا بذّرَهُ وأنْفَقَهُ في غيرِ حاجةٍ. وهو مشتقّ من السّرقةِ وهي دُوَيْبةٌ سوداءُ الرّأسِ سائرها أحْمَرُ تَقَعُ على الشجرةِ فتأكلُ وَرَقَها وتُفْسِدُها. وقريبٌ من هذا المعنى قولهم بذّرَ مالهُ: إذا أفسدَهُ وأنْفَقَهُ إسرافًا، وهو مجازٌ عن قولهم: بذرَ الحَبّ إذا نَثَرَهُ في الأرضِ وبذّرَ الشيءَ إذا فَرّقَهُ فكأنّ المبذّرَ لمالِه يبدّدُهُ وينثرهُ في الأرضِ حتى يضيعَ أو يلتقطَهُ عابرُ سبيلٍ.
ألفاظ اللغة العربية وأقسامُها:
وضعَ العربُ ألفاظًا معيّنة للدلالةِ على معانٍ مُعيّنةٍ، فكانَ اللّفظ هو الدالّ على المعنى، وكانَ المعنى مدلولًا عليهِ باللّفظِ، ولهذا كانت أبحاثُ اللغةِ أبحاثًا عن الألفاظِ وحدها، وأبحاثًا عن الألفاظ والمعاني، وأبحاثًا عن المعاني. ومن هنا كانت الألفاظُ الموضوعةُ ثلاثةَ أقسامٍ:
أولًا: «دَلالَةُ المـــُطابَقَةِ، وهيَ دلالةُ اللّفظِ على تمامِ مُسمَّاهُ، كدَلالَةِ الإنسان على الحيوانِ النّاطقِ، وسُمّيَ بذلكَ لأنَّ اللفظَ طابقَ معناهُ».
ثانيًا: «دلالَةُ التضمّنِ، وهيَ دلالةُ اللّفظِ على جُزْءِ المسمّى، كدلالَةِ الإنسانِ على الحيوانِ أو على النّاطقِ فقط، وسُمّيَ بذلكَ لتضمنّهِ إيّاهُ، وسُمّي تضمّنًا لكونِ المعنى المدلولِ في ضمنِ الموضع لهُ».
ثالثًا: «دَلالَةَ الالتزامِ، وهيَ دلالَةُ اللّفظِ على لازمهِ، كَدَلالةِ الأسَدِ على الشجاعةِ، وسُمّيَ بذلكَ لكونِ المعنى المدلولِ لازمًا للموضوعِ لهُ. والمقصودُ باللزومِ، اللزومُ الذهنيّ أي الذي ينتقلُ الذهْنُ إليهِ عندَ سماعِ اللّفْظِ».
الكلام:
الكلامُ حرفٌ وصوتٌ، فَقَطّعُوهُ وجزّأوهُ على حركاتِ أعضاءِ الإنسانِ التي يخرجُ منها الصوتُ، وهو من أقصى الرّئةِ إلى منتهى الفَمِ، فوجدوه تسعةً وعشرينَ حرفًا لا تزيدُ على ذلكَ، ثمّ قَسّموها على الحَلْق والصّدْرِ والشّفَةِ واللثّةِ، ثمّ رأوا أنّ الكفايةَ لا تتمّ بهذه الحروفِ التي هي تسعةٌ وعشرونَ حرفًا، ولا يحصُلُ المقصودُ بإفرادِها، فركّبوا منها الكلامَ ثُنائيًّا وثلاثيًّا ورباعيًّا وخُماسيًّا، هذا هوَ الأصلُ في التركيب وما زادَ على ذلكَ فَمُسْتَقِلّ.
فلم يضعوا كلمةً أصليّةً زائدةً على خمسةِ أحْرُفٍ إلّا بطريقِ الإلحاقِ والزيادةِ لحاجةٍ.
أجناس الكلام:
يكونُ على وجوهٍ: فمنهُ ما يختلفُ لَفْظُهُ ومعناهُ، وهو الأكثر والأشهرُ: رجل. قلم. سيف. أسد.
ومنه ما يختلفُ لفظُهُ مع وَحْدَةِ المعنى: سيف عضب. ليث أسد.
ومنهُ ما يتفقُ لفظهُ ويختلفُ معناهُ، مثل: عين، التي تُطْلَقُ على العينِ الباصِرَةِ، والمالِ، والعين الجارية، والميزانِ.
ومنهُ قضى: بمعنى: حَتّمَ، وأمَرَ، وأعْلَمَ، وصَنَعَ، وفَرَغَ.
ومنهُ ما يجتمعُ تحتهُ الضدّانِ. مثل: جَلَل للكبيرِ والصّغيرِ وللعظيم أيضًا، والجَوْن للأسْودِ والأبيضِ، والرّجاء للرّغبةِ والخوفِ، والقُرْء للحيضِ والطّهْرِ، والغابر للباقي والماضي، والناهل للعطشانِ والذي قد شرِبَ حتى ارتوى.
ومنهُ ما يتقارَبُ لفظهُ ومعناهُ: كالحَزْمِ والحزْنِ، فالحزم منَ الأرضِ أرْفَعُ من الحزْنِ، وكالخضْمِ وهو بالفمِ كلّهِ، والقَضْمِ وهو بأطرافِ الأسنانِ.
ومنهُ ما يختلفُ لفظهُ ويتقاربُ معناهُ: مَدَحهُ إذا كانَ حيًّا، وأبنَّهُ إذا كانَ ميتًا، وعادَهُ إذا كانَ مريضًا، وزارَهُ إذا كانَ مُعافى.
ومنهُ ما يتقاربُ لفظهُ ويختلفُ معناهُ: مثل: «حرج» إذا وقع في الحرجِ! وتَحَرّجَ إذا تَبَاعَدَ منَ الحَرجِ، وكذلكَ فَزِعَ إذا أتاهُ الفَزَعُ، وَفَزَّعَ عن قلبهِ إذا نُحّيَ عنهُ الفزعُ.
هذا الاختلافُ في المعاني والتَّفاوُت في الألفاظِ المعَبّرَةِ عنْ معانٍ لهُ واقِعٌ، يشيرُ إلينا ألّا نأخذَ معنًى واحدًا من أيّ جملةٍ حتى نعودَ إلى مصادرها ومتفرّعاتها، كيْ يكونَ فَهْمُنا للجملةِ فَهْمًا مبنيًّا على واقعٍ وحقيقةٍ.
مناسَبة الألفاظِ للمَعاني:
أصواتُ الخيلِ: الشّخيرُ منَ الفمِ، والنّخيرُ منَ المِنْخَرَينِ، والكريرُ منَ الصّدرِ، مثل المدّ والمتّ والمـــَطّ.
إذا انحسرَ الشّعْرُ عن مُقَدّمِ الرّأسِ فهو أجْلَح، فإنْ بَلَغَ الانحسارُ نصفَ رأسِهِ فهو أجلى وأجلَه.
وكالنّقش في الحائطِ، والرّقْشِ في القرطاسِ، والوشمِ في اليدِ، والوسمِ في الجلدِ، والرشمِ على الحنطةِ والشعيرِ، والوشيِ على الثوبِ. واللسبِ منَ العقربِ، واللسعِ منَ الحيّةِ. والضربُ بالرّاحةِ على مقدمِ الرّأسِ: صَقْع. وعلى القفا صَفْعٌ، وعلى الخدِّ أيضًا. بسط الكف: لَطْمٌ، وقَبْضُهُ: لَكْمٌ. وبكلتا اليدين: لَدْمٌ. وعلى الجنبِ بالإصبعِ: وَخْزٌ، وعلى الصدْرِ والجنبِ: لَكْزٌ. وعلى الحَنَكِ والذقنِ: وَهْزٌ.
وإذا أخرجَ المريضُ صوتًا رقيقًا فهوَ الرنينُ، فإنْ أخفاهُ فهو الهنينُ. فإنْ أظهرهُ فخرجَ خافيًا، فهوَ الحنينُ. فإنْ زادَ فيهِ، فهو الأنينُ، فإن زادَ في رفْعِهِ، فهوَ الخنينُ.
فانظرْ إلى مناسبةِ الألفاظِ معانيها. وكيفَ فاوتَ العرَبُ في هذهِ الألفاظِ المقترنةِ المتقاربةِ المعاني، فجعلوا الحرفَ الأضعَفَ فيها والألْيَنَ والأخفى والأسهَلَ والأهْمَسَ لما هو أدنى وأقلّ، وأخفّ عَمَلًا أو صوتًا، وجعلوا الحرْفَ الأقوى والأشدّ والأظهرَ والأجهرَ لما هُوَ أقوى عَمَلًا وأعظم حسًّا.
مصطلحات لغوية عند العرب:
قالوا: كلّ ما علاك فأظَلّكَ فهو سماءٌ. كلّ أرضٍ مستويةٍ فهيَ صعيدٌ، كلّ حاجزٍ بينَ شيئين فهو موبِقٌ، وكلّ بناءٍ مُرَبّعٍ فهو كَعْبَةٌ. كلّ بِناءٍ عالٍ فهو صَرْح. كلّ شيءٍ دبّ على وَجهِ الأرضِ فهو دابّةٌ. كل ما يُسْتَعَارُ منْ قَدّومٍ أو شفرةٍ أو قدرٍ أو قصعةٍ فهو ماعون. كل بستانٍ عليهِ حائطٌ فهو حديقةٌ. كل كريمةٍ منَ النساءِ والإبلِ والخيل وغيرِها فهيَ عَقيلةٌ، كلّ صانعٍ عندَ العربِ فهو إسكافٌ، كل ما ارتفع منَ الأرضِ فهو نجْدٌ.
وقالوا: أصلُ الورد: إتيانُ الماءِ، ثم صارَ إتيانُ كلّ شيءٍ وِرْدًا، ويُقالُ رفعَ عقيرتهُ أي صوتَهُ، وأصْلُ ذلكَ أنّ رجُلًا عُقِرَتْ رجلهُ فرفَعَهَا وصاحَ، فقيلَ بعدَ ذلك لكلِّ مَنْ رَفَعَ صوتهُ: رفعَ عقيرَتَهُ، ويقولون بينهما مسافةٌ، وأصلُهُ منَ السّوفِ وهو الشّمّ. والظّمأُ: العَطَشُ وشَهْوَةُ الماءِ. ثمّ كثر حتى قالوا: ظمِئْتُ إلى لقائِكَ. والرائدُ: طالبُ الكلإِ، وهو الأصلُ ثم صارَ لكلّ طالبِ حاجةٍ.
وقالوا: التّشهّي عامّ، والوَحمُ للحبلى خاصّ، الغسلُ للبدنِ عامّ، والوضوءُ للوجهِ واليدينِ خاصّ. والنّومُ في الأوقاتِ عامّ. والقيلولةُ نصفَ النّهار خاصّ. الطّلَبُ عامّ، والتوخيّ في الخيرِ خاصّ. الهربُ عامّ، والإباق للعبيدِ خاصّ. السّهَرُ في الخير والشرّ، والأرَقُ لا يكونُ إلّا في المكروه وحْدَهُ.
كما أنه كان للعربِ ألفاظٌ تختصّ بمعانٍ لا يجوزُ نَقْلُها إلى غيرِها، تكونُ في الخير والشرّ والحسنِ وغيرهِ، «مكانك» وُضِعَتْ للوعيدِ، قالَ الله تعالى: {مَكَانَكُمْ أَنتُمْ وَشُرَكَآؤُكُمْ} [سورة يونس: 28]، ومن ذلكَ: «ظَلّ فلانٌ يَفْعَلُ كذا» إذا فَعَلَهُ نهارًا «وباتَ يَفْعلُ كذا» إذا فَعلهُ لَيْلًا، ومنَ الخصائصِ في الأفعالِ قولُهم: ظننتُني وحسبتُني وخلتُني. ولا تقالُ إلّا في ما فيهِ أدنى شَكّ. ويقالُ للقِطْعَةِ منَ الشّعْرِ: القليلة. ولِلْقِطْعَةِ منَ القطنِ: السّبيخةِ، وللقطعَةِ منَ الصّوفِ: العَمِيّة.
ويُقالُ: فلكٌ مشحونٌ. كأسٌ دِهاقٌ. وادٍ زاخرٌ. بحرٌ طامٍ. نهرٌ طافحٌ. مجلسٌ غاصّ بأهلِهِ. والشّعْر للإنسانِ. الصوفُ للغنمِ، الوَبرَ للإبلِ، الرّيشُ للطيرِ، الزغبُ لِلْفَرْخِ، الزّف للنعامِ، ويقالُ: الصباحةُ في الوجهِ. والوَضاءَةُ في البشرةِ, والجمالُ في الأنفِ، والملاحةُ في الفمِ، والحلاوةُ في العينينِ، والظَّرفُ في اللسانِ، والرشاقةُ في اليدِ، واللباقةُ في الشمائلِ، وكمال الحسنِ في الشعرِ. ومن أهم المعاني الخاصّةِ والتي يستوقفُ الخاطرَ في هذهِ اللّغةِ غناها في التعبيرِ العاطفيّ مراتبُ العِشق التي تتدرّجُ صعودًا من الاستحسانِ إلى المحبّةِ فالتتيم، فالولهِ فالصّبابةِ فالهيامِ، والجوى والوجدِ والشغفِ مما لا نَظيرَ له في غيرِ هذه اللّغة الكريمة.
وقالوا: الأسماءُ التي لا تكونُ إلّا باجتماعِ صفاتٍ، وأقلّها اثنتانِ. من ذلكَ: المائدةُ لا تُسمّى مائدةً حتى يكونَ عليها طعامٌ، لأنّ المائدة من مَادَ يميدُ إذا أعطاك، وإلا فاسمُها خِوَانٌ. والكأسُ لا تكونُ كأسًا حتى يكونَ فيها شرابٌ وإلّا فهي قَدَحٌ أو كوبٌ. والحلّةُ: لا تكونُ إلا ثوبينِ إزارًا ورداء منْ جنسٍ واحدٍ، فإن اخْتلفا لَمْ تُدْعَ حلةً. والظعينةُ لا تكونُ ظعينةً حتى تكونَ امرأة في هودجٍ على راحلةٍ. ولا يُقالُ «عِهْن» إلا إذا كان مصبوغًا وإلا فهو صوفٌ. ولا يُقالُ خِدْرٌ إلّا إذا كانَ على جاريةٍ، وإلّا فهو سِترٌ. ولا يُقالُ للرّوْثِ: فَرْثٌ إلّا إذا بقيَ في الكَرِشِ.ولا يُقالُ للذهبِ: تِبْرٌ إلّا إذا لمْ يُصَغْ. ولا يُقالُ للبئر: جُبّ إلا إذا كانَ محفورًا بعواملِ الطبيعةِ لا ما حَفَرَهُ الناسُ. ولا يكونُ السّغَبُ جوعًا إلّا إذا رافقهُ التعبُ.
الإعرابُ يميّز المعاني ويُوقِفُ على أغراض المتكلمين:
فالعربُ يُفرّقونَ بالحركاتِ وغيرها بين المعاني، فيقولونَ مِفتح للآلةِ التي يُفْتَحُ بها، ومَفْتَح لموضعِ الفتْحِ، ومِقصّ لآلةِ القَص، ومِقَصّ للموضعِ الذي يكونُ فيهِ القصّ. ومِخْلَب للقدحِ الذي يُحْلَبُ فيهِ، ومَحْلَبُ للمكانِ الذي تحلبُ فيهِ ذواتُ اللّبنِ.
يقولون: امرأةٌ طاهرٌ منَ الحيضِ، لأنّ الرّجُلَ لا يَشْركُها في الحيضِ.
ويقولونَ: امرأةٌ طاهرةٌ منَ العُيوبِ، لأنّ الرّجُلَ يَشركُها في هذهِ الطّهارَةِ.
وكذلكَ قاعدٌ للمرأةِ التي تَقْعُدُ عن الأزواجِ وعنِ الحيضِ، وقاعدةٌ من القعودِ. ويقولونَ: هذا غلامًا أحسن منهُ رجلًا، يريدونَ الحالَ في شخصٍ واحدٍ.
ويقولونَ: هذا غلامٌ أحْسَنُ منهُ رجلٌ؛ فهما إذًا شخصانِ. ويقولونَ: كمْ رجلًا رأيتَ في الاستفهامِ، وكم رجلٍ رأيتُ في الخبرِ، ويُرادُ بهِ التّكثيرُ. وهُنّ حجّاجُ بَيْتِ الله إذا كنّ قَدْ حَجَجْنَ. وحواجّ بَيْتِ الله إذا أردنَ الحَجّ. ويقولونَ: جاءَ الشتاءُ والحطَبَ، إذا لم يُرِدْ أنّ الحَطَبَ جاءَ معَ الشتاءِ، بل أُريدَ الحاجةُ إليهِ. فإنْ أُريدَ مجيئُهُما قيلَ: والحطبُ.
التصريف:
يُقالُ: القاسِطُ للجائرِ، والمـــــُـقْسِطُ للعادِلِ، فتحوّلَ المعنى بالتصريفِ منَ الجَوْرِ إلى العَدْلِ.
ويقالُ: خافَ: فزعَ، ومخوف: ما يفزَعُ منهُ. وتَخَوّف الشيءَ: تَنَقّصَهُ.
ويقالُ: استَقَدّ الأمر: استمرّ، والقديد: اللحم المقدّد، والقُداد: وَجَعُ البطنِ، وهكذا كلّ تصريفٍ: هو تحويل الأصلِ الواحد إلى صَيَغٍ متعدّدةٍ.
الجزاء على الفِعْل بمثل لفظه:
{إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ (14) اللّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ} [سورة البقرة: 14 ـــــــ 15] أي يجازيهمْ جزاءَ الاستهزاءِ. {وَمَكَرُواْ وَمَكَرَ اللّهُ} [سورة آل عمران: 54] {فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللّهُ مِنْهُمْ} [سورة التوبة: 79] {نَسُواْ اللّهَ فَنَسِيَهُمْ} [سورة التوبة: 67]، {وَجَزَاء سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا} [سورة الشورى: 40] ومثلُهُ قولُ الشاعرُ:
ألا لا يَجْــهَـــلَـــنْ أحَـــدٌ عَــلَيْـــنَا فَنَـــجْــهَلَ فَـــــوْقَ جَـــهْـــلِ الجاهــلينـــا

المتوارِدُ والمترادِفُ:
الأصلُ أنْ يكونَ بإزاءِ كلِّ معنى عبارةٌ تدلّ عليهِ، غيرَ أنّهُ لا يمكن ذلكَ لأنّ هذهِ الكلماتِ متناهيةٌ، وكيفَ لا تكونُ متناهيةً، وموارِدُها ومصادِرُها متناهيةٌ، فدعت الحاجةُ إلى وضعِ الأسماءِ المشتركةِ.
ثم وضَعُوا ألفاظًا مختلفة لمعنى واحد، لأنّ الحاجةَ تدعو إلى تأكدِ المعنى والتّحريضِ والتّقريرِ، فلوّ كُرِّرَ اللّفْظُ الواحدُ، لَسَمُجَ ومُجّ.
لذلكَ خالفوا بينَ الألفاظ، والمعنى واحد.
وينقسمُ ذلكَ إلى ألفاظٍ متواردةٍ، وألفاظٍ مترادفَةٍ.
المتواردةُ: كما تُسمّي الخمرَ عُقارًا وصهباءَ وقَهْوَةً وسلسلًا. والسبعَ لَيْثًا وأسدًا وضرغامًا.
المترادفة: إقامةُ لفْظٍ مقامَ لفظٍ لمعانٍ متقاربةٍ، مثل: محّصَ كلامهُ وهذّبَ عبارَتُه، وأصلحَ الفاسدَ، ولمّ الشعثَ، ورتقَ الفتْقَ، وشعبَ الصدعَ، وهذا أيضًا ما يحتاجُ إليهِ البليغُ في بلاغتِهِ، فيُقالُ: خطيبٌ مُصْقعٌ، وشاعرٌ مُفْلِقٌ. وعلى ذلكَ فالمترادِفُ يُغني اللغةَ لكنّهُ خلافُ الأصلِ، والأصلُ عدَمُ الترادُف، فإذا تردّدَ لفظٌ بينَ كونِه مترادِفًا أو غير مترادِفٍ كانَ حملهُ على عدمِ الترادُفِ أولى، إذِ إن الأصل في اللّفْظِ أنْ يكونَ موضوعًا لمعنى لم يُوضَعْ لهُ لفظٌ آخرُ.
واختلافُ الألفاظِ على المعنى الواحدِ يُرَسّخُ المعاني في القلوبِ والصدورِ، ثمّ رأوا أنّهُ يضيقُ نطاقُ النّطقِ عنِ استعمالِ الحقيقةِ في كلّ اسمٍ، فعدَلوا إلى المجازِ والاستعاراتِ.
الاسم ينقسم حقيقة ومجازًا:
الحقيقة: في اللغةِ مأخوذةٌ منَ الحقِّ، والحقّ هو الثابتُ اللازِمُ، نقيضُ الباطلِ، ويقالُ حقيقة الشيء: أي ذاتُهُ الثابتةُ اللازمةُ ومنهُ قولُهُ تعالى: {وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ} [سورة الزمر: 71] أي وجبت.
والحقيقةُ إمّا لغويَّةٌ أو شرعيَّةٌ أو عُرْفِيَّةٌ:
1 ـــــــ الحقيقةُ اللغويّةُ: هي اللفظُ المــُستَعملُ فيما وُضِعَ لهُ أوّلًا في اللغةِ كاستعمال الأسد للحيوان المفترس المعروف.
2 ـــــــ الحقيقةُ الشرْعيّةُ: هي اللفظُ الذي وَضَعَهُ الشّارعُ لمعنى يَدُلّ عليهِ فيما وُضِع له أولًا في اصطلاحِ الشرع كألفاظ الصلاة والزكاة بمعناها الشرعي.
3 ـــــــ الحقيقةُ العرفيّةُ: هيَ الشائعةُ في عُرْفِ الاستعمالِ اللغويّ، أي التي انتقلتْ عنْ مسماها اللغويّ إلى غيرِهِ للاستعمالِ العامّ في اللّغَةِ بحيث يُهجَرُ الأوّلُ، ويستعمل الثاني «وهيَ عامّةٌ وخاصّةٌ». فالعامة ما عليه أهل بلد أو بلاد معينة كلفظ دابة الذي هو في اللغة لكل ما يدب على الأرض، وفي العرف للحصان والحمار فقط، والخاصة ما عليه اصطلاح أهل فن أو علم أو حرقة مثل كلمة الفاعل عند النحاة.
المجَاز:
المجاز: مأخوذٌ في اللغةِ من الجوازِ، وهو الانتقالُ من حالٍ إلى حالٍ، ويُقالُ: (جازَ فلانٌ من جهةِ كذا إلى جهةِ كذا: اجتازَ، أو عبرَ).
ويُعْدَلُ عنِ الحقيقةِ إلى المجازِ لمعانٍ ثلاثةٍ: الاتساع، والتوكيدِ، والتشبيهِ. فإن قدّمَتِ الثلاثة تَعَيّنَتِ الحقيقةُ. فمن ذلك قولُهُ، صلى الله عليه وآله وسلم، في الفرسِ: بحر. فالمعاني الثلاثةُ موجودةٌ فيهِ. وقولُهُ تعالى: {وَأَدْخَلْنَاهُ فِي رَحْمَتِنَا} [الأنبياء: 75] مجازٌ وفيهِ المعاني الثلاثةُ، أمّا السّعَةُ فلأنّهُ زادَ في أسماءِ الجهاتِ والمحال. وأمّا التشبيهُ فلأنّهُ شَبّهَ الرحمة، وإنْ لمْ يصِحّ دخولها بما يجوزُ دخولُهُ، فلذلكَ وضَعَها موضعَهُ. وأمّا التوكيدُ، فلأنّه أخْبَرَ عنِ المعنى بما يُخْبِرُ بهِ عنِ الذّاتِ.
وقولُهُ تعالى: {وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ} [سورة يوسف: 82] ووجهُ الاتساعِ فيهِ أنْ يَسْتَعْمِلَ السؤالَ لشيءٍ لا يجوزُ في الحقيقةِ سُؤالُهُ، والتَّشبيهِ أنها شُبِّهتْ بمنْ يجوزُ سؤالُهُ بعلاقةِ الحال والمحَلِّ، والتوكيدِ لأنّهُ في ظاهرِ اللّفْظِ وَجّه السؤالَ إلى ما لا يجيبُ، أو لا يَقْدِرُ على الإجابَةِ. وجميعُ أنواعِ الاستعاراتِ داخلةٌ تحْتَ المجازِ.
مِن أقسَامِ المجاز:
(أ) السّبَبِيّة: وهي على أربعةِ أقسامٍ: السببيّةُ القابليّةُ وهي تسميَةُ الشيءِ باسمِ قابِلِهِ مثل قولهم: سال الوادي، أي: الماء، الذي في الوادي، لأنّ الوادي سببٌ لهُ فأطلق السّبَبَ على المسبّب.
(ب) السببية الصورية: كتسميةِ اليدِ قدرةً، لأنّ القُدرَةَ صورةُ اليدِ، لحلولها فيها حلول الصورةِ في المادةِ. مثل: {يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ} [سورة الفتح: 10] أي: قُدْرَةُ الله فوقَ قُدْرَتِهِمْ، فإطلاقُ اليدِ على القُدْرَةِ من بابِ إطلاقِ اسمِ السّبَبِ الصوريّ على المسبّب.
(جـــــــ) السببيّة الفاعليّة: نزل السحابُ، أي المطرُ، وذلكَ بإطلاقِ اسمِ فاعلِ الشيءِ عليهِ، لصدور المطَرِ عنِ السّحابِ.
(د) السببيّة الغائيّة: كتسميةِ العنَبِ خمرًا في قوله تعالى: {إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا} [سورة يوسف: 36]. أي: عنبًا فأطلقَ الخَمْرَ على العنب، لأنّ الغايةَ منْ عصْرِهِ أنْ يكونَ خمْرًا، وهو ما يُسمّى بعلاقة «الأوْل» فقد آلَ العنبُ إلى خَمْرٍ.
ثانيًا ـــــــ المسبّبيةُ: كقولهِ تعالى: {وَيُنَزِّلُ لَكُم مِّنَ السَّمَاءِ رِزْقًا} [سورة غافر: 13]، فالرّزقُ لا ينزلُ منَ السّماءِ. لكنّ الذي ينزلُ مَطَر ينشأُ عنهُ النبات الذي يَتَكَوّنُ منهُ طعامُنا ورزقنا، فالرزقُ مسبّبٌ عنِ المطرِ، فهو مجازٌ علاقتُهُ المسبّبيةُ.
ثالثًا ـــــــ المشابهةُ: كتشبيهِ الشجاعِ بالأسَدِ، والعالمِ بالبحر، وهي قائمةٌ على الاشتراكِ في صفةٍ يجبُ أنْ تكونَ ظاهرةً في المشبّهِ بهِ أكثرَ منْ ظهورها في المشبّهِ، بحيثُ ينتقلُ الذّهنُ إليها، فيفهمُ القَصْدُ عندَ القرينَة كون ثبوتها لهُ.
رابعًا ـــــــ الجزئيّةِ: قولُ الشاعرِ:
كم بَعَثْنَا الجَيْشَ جرّا رًا وأرْسَـــلْنَـــا الـــعُـــيُونَـــا
فالعينُ جُزْءٌ منَ الجاسوسِ، ولها شأنٌ كبيرٌ فيهِ، فأُطْلِقَ الجزءُ وأُريد الكلّ، لذلكَ يُقالُ: إنّ العلاقةَ هنا الجزئيّة.

خامسًا ـــــــ الكليّة: قولهُ تعالى: {وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ} [سورة نوح: 7].
والمقصودُ بالأصابعِ أطرافُها، فهي مجازٌ، علاقتُهُ الكليّة.
سادسًا: اعتبار ما كان: قولهُ تعالى: {وَآتُواْ الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ} [سورة النساء: 2].
ولا ينبغي أنْ يُظَنّ أنّ الله سبحانهُ وتعالى أمَرَ بإعطاءِ اليتامى الصغار أمْوالَ آبائِهِم، فهذا غير معقولٍ، بلِ الواقعُ أنّ الله أمرَ بإعطاءِ الأموالِ مَنْ وَصَلُوا إلى سِنّ الرّشْدِ، بعدَ أن كانوا يتامى، فكلمةُ اليتامى مجازٌ. لأنها استُعْمِلَتْ في الراشدينَ، والعلاقةُ اعتبارُ ما كانَ.
سابعًا: اعتبارُ ما يكونُ: قولُهُ تعالى: على لسان نوح عليه السلام: {إِنَّكَ إِن تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلَا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا} [سورة نوح: 27].
إنّ فاجرًا وكفارًا مجازانِ لأنّ المولودَ حينَ يُولَدُ لا يكونُ فاجِرًا ولا كفّارًا، لكنّهُ قد يكونُ ذلكَ بعدَ الطّفولةِ، فأُطْلِقَ الفاجرُ على المولودِ وأُريدَ بهِ الرجلُ. والعَلاقةُ اعتبارُ ما يكونُ أو ما يسمّى بـــــــ «الأوْل».
ثامنًا: المحلية: قولُه تعالى: {فَلْيَدْعُ نَادِيَه (17) سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ} [سورة العلق: 17 ـــــــ 18].
المقصودُ في الآيةِ الكريمةِ مَنْ في النّادي من عشيرتهِ ونظرائِهِ، فهو مجازٌ أُطلقَ فيه المحلّ، وأُريدَ به الحالُّ، فالعلاقة «المحليّة».
تاسعًا ـــــــ الحاليّة: قولُهُ تعالى: {إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ} [سورة المطففين: 22].
النّعيم لا يحلّ فيه الإنسانُ، لأنّهُ معنى من المعاني، وإنما يحلّ في محلّه، فاستعمالُ النّعيم في محلّه مجازٌ، أُطلق فيه الحالُّ وأُريدَ المحلّ، فعلاقتهُ الحاليّة.
عاشرًا: المضادة: وهيَ تسميةُ الشيء باسْمِ ضدّهِ كقوله تعالى: {وَجَزَاء سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا} [سورة الشورى: 40]، فأطلقَ على الجزاءِ سيّئَةٌ والجزاءُ حَسَنَةٌ. أو المضادة المنزلةُ منزلةَ التناسبُ والتشابُهِ، بوساطة تمليحٍ أو تهكّمٍ، كما يُقالُ للبَخيلِ: حاتمٌ، وللجبانِ: أسدٌ.
المجَاز اللغوي:
هو اللفظُ المسْتَعْمَلُ في غير ما وُضع له، لعلاقةٍ مانعةٍ من إرادةِ المعنى الحقيقيّ. على أنْ يكونَ مُتّصلًا بإحدى القرائن.
أمّا العلاقَةُ بينَ المعنى الحقيقي والمجازي، فقد تكونُ المشابهةُ أو غيرها، والقرينةُ قد تكون لفظيّةً، وقد تكونُ حاليّةً.
فقولُ الشاعر:
فإنْ أمْرَض فما مَرِضَ اصْطباري وإنْ أُحْمَمْ فما حُمَّ اعتزامي
فالمجاز «أمرض» السبب: لأن الاصطبار لا يمرض.
والعلاقةُ المـــُـــشابهَةُ (توضيح العلاقة) شَبّهَ قلّة الصبرِ بالمرضِ لما لكلّ منهما مِنَ الدّلالةِ على الضعفِ (القرينة) لفظيّة.
وقولُ الآخر:
بلادي وإنْ جارَتْ عليّ عزيزةٌ وقومي وإنْ ضنّوا عليّ كرامُ
المجاز: بلادي السبب، لأن البلاد، لا تجور والعلاقة غير المشابهة (توضيح العلاقة) ذكر البلادَ وأرادَ أهلها، فالعلاقة المحليّة (القرينة) لفظيّة وهي جارَتْ.
المجاز العقلي:
المجاز العقليّ إسنادُ الفِعْلِ أو ما في معناهُ إلى غير ما هو له لعلاقَةٍ مانعةٍ من إرادةِ الإسنادِ الحقيقيّ، على أن تكونَ معهُ قرينةٌ.
الإسنادُ المجازيّ يكونُ إلى سببِ الفعل، أو زمانهِ، أو مكانهِ، أو مصدرهِ، أو بإسنادِ المبني للفاعل إلى المفعول، أو المبني للمفعول إلى الفاعل.
كقول الشاعر:
دعِ المكارمَ لا تَرْحَلْ لبُغْيَتها واقعُدْ فإنّكَ أنتَ الطاعم الكاسي
فكأنّه يقولُ: لا تَرْحَلْ لِطَلَبِ المكارمِ، لأنّكَ ستُطْعِمُ غيرَكَ وتَكسُوه، بل اقعُدْ كلًّا على غيركَ مطعومًا مكسوًّا! فأسندَ الوصفَ المبنيّ للفاعلِ إلى ضميرِ المفعول.
وقوله تعالى: {وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرآنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ حِجَابًا مَّسْتُورًا} [سورة الإسراء: 45] فقد جاءت كلمة «مستورًا» (بدل ساتر).
وقوله تعالى: {إِنَّهُ كَانَ وَعْدُهُ مَأْتِيًّا} [سورة مريم: 61] فمأتيًّا بدلُ آتِ، فاستعملَ اسم المفعولِ مكان اسمِ الفاعل.
ومِنَ الهيّنِ أن تعرِفَ أنّ هذا الإسنادَ غيرُ حقيقيّ، لأنّ الإسنادَ الحقيقيّ هَو إسْنادُ الفاعل إلى فاعِلِهِ الحقيقيّ، فالإسنادُ إذًا هنا مجازيّ، ويُسمّى بالمجاز العقليّ، لأنّ المجازَ ليسَ في اللفظِ كالاستعارةِ، بل في الإسْنادِ وهو يُدْرَكُ بالعقلِ.
وخُلاصةُ القولِ أنّ الحقيقةَ هي اللفظُ المستعملُ فيما وُضعَ لهُ أوّلًا، كالأسدِ المستعملِ في الحيوانِ المفترسِ. والمجازُ هو اللفظُ المستعملُ فيغيرِ ما وُضعَ له أولًا لما بينهما من العلاقةِ كالأسدِ المستعملِ في الرجلِ الشجاع. العلاقة المشابهة.
والمجازُ ثلاثةُ أقسام: أحدها أن يكونَ في مفرداتِ الألفاظِ كقولكَ: رأيتُ أسدًا يخطبُ، تعني «الرجُلَ الشجاعَ».
والثاني أن يقع في المركّبات فقط، كقول الشاعر:
أشابَ الصغيرَ وأفنى الكبيرَ كَـــــرُّ الغداةِ ومَـــرُّ العَشيّ
فالإِشابَةُ والإِفناءُ والكرّ والمرّ حاصلةٌ حقيقةً، لكنّ إسنادَ الإِشابَة والإِفْناء إلى كرّ الغداةِ ومرّ العشي إسنادٌ إلى غيرِ من قامَ بهما. فهو مجازٌ لأنّ الله تعالى هو الفاعِلُ للإِشابةِ والإِفناء.
والثالثُ أن يكونَ في الإِفرادِ والتركيبِ معًا كقولكَ لمن تداعبهُ (أحياني اكتحالي بطلعتك) أي سرّتْني رؤيتُك، فاستعمل الإحياءَ في السرور، واستعملَ الاكتحالَ في الرؤية، وذلك مجازٌ، ثم أسْنَدَ الإحياء إلى الاكتحال مع أنّ المحْيي هوَ الله تعالى، فيكونُ المجازُ في الجملةِ والمفرداتِ وفي التركيبِ معًا.
ويُشْتَرَطُ في استعمال المجازِ وجُودُ العلاقةِ بينَ المعنى الحقيقيّ والمعنى المجازيّ وهذهِ العلاقةُ بينَ المعْنَيَيْنِ لا بُدّ من أن تكونَ من أنواعِ العلاقةِ التي استعملها العرب.
والعلاقات المقرّرَةُ عندَ العربِ في الإطلاقِ المجازيّ كثيرةٌ وصلتْ عندَ بعضهم إلى خمسٍ وعشرين، وعندَ بعضهم الآخرِ إلى إحدى وثلاثين، وعندَ بعضٍ إلى اثنتي عشرَةَ علاقة، وقد أتينا على ذكرِ أهمّها.


الاشتِقاق:
هو صِيَاغَةُ الفِعْلِ أو اسمِ الفاعِلِ أو اسمِ المفعولِ أو الصفة المشبّهة أو بقيّةِ المـُشتقّاتِ مِنَ المصدَرِ على الطريقةِ العربيّةِ سواء أكان مسبوقًا بما يماثلهُ منَ الاستعمالِ الجزئيّ أم لا.
حديث قدسي: (أنا الرّحمنُ خَلَقْتُ الرّحِمَ وشَقَقْتُ لها اسمًا من اسمي). والاشتقاقُ أخْذُ صِفَةٍ من أُخرى مع اتفاقِهِما معنًى ومادّةً أصليّةً وهيْئةَ تركيبٍ، ليدلّ بالثانيّةِ على معنى الأصلِ بزيادةٍ مفيدةٍ. كضاربٍ من ضَرَبَ، وحذرٍ من حَذِرَ... أما اسم الجنّ فمُشْتَقّ من الاجتنانِ.
والجيمُ والنونُ تدلّانِ أبدًا على السترِ، تقولُ العربُ للدرعِ جُنّةٌ ويقالُ أجنّةُ الليْل، وهذا جنين. والإنس من الظهورِ، يقولونَ آنسْتُ الشيءَ: أبْصرْتُهُ.
التعريب:
صوْغُ الكلمةِ الأعجميّةِ صياغةً جديدةً بالوزنِ والحروفِ، حتى تُصبحَ لفْظةً عربيّةً في وزْنها وحروفِها وحينئذٍ تكونُ لفظةً مٌعرَّبَةً.
والتعريبُ جائزٌ لكلّ عربيّ إذا كانَ مجتهدًا في اللغة العربيّةِ لأنّ التعريب لم يكُنْ وضعًا أصليًّا بل هوَ صياغَةٌ على وزن مخصوصٍ بحروفٍ مخصوصةٍ والتعريبُ كالاشتِقاق وكالمجاز ضرورةٌ من ضرُورات حياة الأمّة، وضرورةٌ من ضرورات حياة اللغة العربيّة وبقائها. فكلمةُ «تلفون» أُخِذَتْ كما هيَ، لأنّ وزنها وزنٌ عربيّ: فعْلُول، ومنها عربون، وحُرُوفها كلّها عربيّةٌ. والعربيّةُ قبلت التعريبَ. وهَضَمَتْ كثيرًا منَ الكلمات وحَوّلتها إلى كيانها.
الكِنَاية:
الكنايةُ لفظٌ أُطْلِقَ، وأُريدَ به لازمُ معناهُ، مع جواز إرادة المعنى، نفسه.
والكنايةُ ثلاثةُ أقسامٍ:
1 ـــــــ تكونُ الصّفَةُ المكنّى بها إمّا صفةً قريبةً، نحو: رَحْبُ الصدْر أي لطيفٌ طويلُ الأناة، وإمّا صفَةً بعيدةً، نحو:
طويلُ النجاد رفيعُ العماد كثيرُ الرمــاد إذا مــــا شتا
طويلُ النجاد: أي حمالةُ سيفه طويلةٌ، ولزمَ من طول حمالة سيفه طولُ قامتِه، وهذا يدلّ عادة على شجاعة صاحِب القامة الطويلة.
رفيعُ العِماد: أي عظيم المكانة في قومِه وعشيرته. كثيرُ الرّماد: يدلّ على كثرَةِ حَرْق الحطَبِ ثمّ كثرة الطّبخ، وكثرة الطبخ تدل على كثرة الضيوف، وكثرةُ الضُيوف تقضي كثرَةَ الإطعام فكثرةَ الإَنفاق وكل هذا دليلٌ على الكَرَم.
2 ـــــــ يكونُ الموصوفُ المــُكنَّى عنهُ إمّا معنًى واحدًا، نحو: حيوانٌ ناطِقُ كنايةً عن الإنسان، وإما مجموعةُ معانٍ، نحو: حيّ مستوي القامة عريضُ الأظفارِ، كناية عن الإنسان أيضًا.
3 ـــــــ الكنايةُ عن النسبة، هيَ أن نَنْسب إلى موصوفٍ صفةً أو صفاتٍ.ونُثْبِتَها فيه، ويكونُ صاحبُ النسبة إمّا مذكورًا، نحو: المجدُ بين ثوبي عليّ، فقد نُسِبَ المجدُ إلى عليّ وأُثْبِتَ فيه. وإمّا غير مذكورٍ، ويُسمّى هذا تعريضًا، نحو: خَيرُ الناس مَنْ نَفَعَ الناسَ، كناية عن نفْي الخيرية عَمّن لا ينفَعُ الناسَ.
والكنايةُ من ألطف أساليبِ البلاغَةِ وأدقّها. وهيَ أبْلَغُ من التصريح لأنّ الانتقالَ فيها يكون من الملزوم إلى اللازمِ، فهو كالدّعوةِ ببيّنَةٍ. ومن خواصّ الكنايةِ أنها تمكّنُ المرءَ من التعبير عن أُمورٍ كثيرةٍ يُتحاشى الإِفْصاحُ بذكرِها إمّا احترامًا للمخاطب أو للإِبهام على السامعين، أو للنيلِ من خَصْمِهِ من دون أنْ يدَعَ لهُ سبيلًا عليه، أو لتنزيهِ الأُذنِ عما تنبو عن سمَاعهِ كما في تعبير الله سُبحانُه وتعالى لما عبّرَ عنِ الغايَةِ منَ المعاشرَةِ الزوجيّةِ وهيَ التناسلُ، رَمَزَ إلى ذلك بلفظ الحرث {نِسَآؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ فَأْتُواْ حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ} [سورة البقرة: 223]...
واللباس: {هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ} [سورة البقرة: 187].
الفرقُ بَين الكناية والمجاز:
وأمّا الفرق بينَ الكنايةِ والمجازِ فظاهرٌ، لأنّ الكنايةَ يجوزُ فيها إرادةُ المعنى الأصليّ أما المجازُ فلا يجوزُ، فلو قلنا: أمْطَرَتِ السّماءُ لم يجزْ أنْ تكونَ قد أمْطرتِ النباتَ على حقيقةِ معناهُ.
القصر:
القَصْرُ تخصيصُ شيءٍ بآخر، وهو إمّا قَصْرُ صفةٍ على موصوفٍ نحو: «ما رازِقٌ إلا الله»، وإمّا قَصْرُ موصوفٍ على صفةٍ، نحو: «إنما الدنيا غُرورٌ»، والمراد بالصفةِ، الصفةُ المعنويّةُ التي تدلّ على معنى قائم بشيءٍ، سواءٌ كان اللفظُ الدالّ عليهِ جامدًا أو مُشتقًا، فِعلًا أو غَيْرَ فْعْلٍ، وليس المرادُ بها الصفةَ النحويّةَ، أي النعتَ:
والقصر نوعان: حقيقيّ وإضافيّ.
فالحقيقيّ هو: حَصْرُ المقصور عليه في الحقيقة والواقع. بحيثُ لا يتعدّاهُ إلى غيرهِ أبدًا، نحو: لا إلهَ إلا الله، فليسَ في الحقيقةِ والواقع إلهٌ غيرُ الله تعالى، ومثل لا يروي مصرَ منَ الأنهارِ إلّا النيلُ. وإنما الرازقُ الله، وفي هذين المِثالينِ قُصِرَتِ الصفَةُ على الموصوفِ، ويُسمّى القصْرُ في هذه الحالِ قصرًا حقيقيًّا، لأنّ الصفَةَ في كلّ مِنَ الأمْثِلَةِ الثلاثَةِ لا تفارِقُ موصوفَها في الحقيقَةِ والواقعِ إلى موصوفٍ آخر.
الإضافي: أن يختصّ المقصورُ بالمقصورِ عليه بحسبِ الإِضافَة «أي النسبةِ» إلى شيءٍ معينٍ كقوله تعالى: {وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِن مَّاتَ أو قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ} [سورة آل عمران: 144] فقد قصرَ الموصوفَ، وهو محمّدٌ، على الصفةِ. وأداةُ القصر النفيُ، ومثل: إنما حسنٌ شجاعٌ. ولا يُقْصَدُ من هذين المثالين أنّ هذه الصفة لا توجَدُ في غيرِهما من جميعِ أفرادِ الإنسانِ، فإنّ الواقعَ خلافُ ذلكَ ولأجلِ هذا المعنى يُسمّى القصرُ في هذه الحالِ قصرًا إضافيًّا.
ويُعْرَفُ قصرُ الصفَةِ على الموصوفِ وقصْرُ الموصوفِ على الصفةِ بأنّ كلّ مُقدّمٍ مقصورٌ وكلّ مؤخرٍّ مقصورٌ عليهِ.
فإنْ كانَ المقدّمُ صفةً فهوَ قصرُ صفةٍ على موصوفٍ، نحو: «ما شاعرٌ إلّا أنا» وإنْ كانَ مَوْصوفًا فهو قصرُ موصوفٍ على صفةٍ، نحو: «ما أنا إلّا شاعرٌ» ويُعدّ المقدّمُ وحقّهُ التأخيرُ، مقصورًا عليه، نحو: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ} [سورة الفاتحة: 5] ويعدّ الخبرُ المعرّفُ بأل مقصورًا، نحو: «ما هو إلّا الفاضلُ».
الإيجاز والإِطنابُ والمساواة:
المساواة:
أنْ تكونَ المعاني بقَدرِ الألفاظِ، والألفاظُ بقَدرِ المعاني، لا يزيدُ بَعْضُها على بعضٍ: كقوله تعالى: {وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنفُسِكُم مِّنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِندَ اللَّهِ} [سورة المزمل: 20].
وقولِهِ تعالى: {وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ} [سورة فاطر: 43].
وقولِ طرفة بن العبدِ:
ستُبدي لكَ الأيّامُ ما كنت جاهلًا ويأتيـــكَ بالأخبار مَـــنْ لمْ تُــــزَوّدِ
فالألفاظُ فيها على قَدرِ المعاني، ولو حاوَلْتَ أن تزيدَ فيها لفظًا، لجاءتِ الزيادة فَضْلَةً، ولو أرَدْتَ إسقاطَ كلمةٍ لكانَ ذلكَ إخْلالًا.
الإِطناب:
الإطنابُ زيادةُ اللفظِ على المعنى لفائدةٍ: كقوله تعالى: {رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَن دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِنًا وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ} [سورة نوح: 28] وقوله: {تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا} [سورة القدر: 4].
فلفظةُ «روح» زائدةً، لأنّ معناها داخلٌ في عموم اللفْظ المذكور قبلهُ وهو الملائكةُ، و«لي» و«لوالديّ» زائدٌ أيضًا، لدخول معناه في عمومِ المؤمنِينَ والمؤمِنات، وهذه الزيادَةُ لم تجئ عبثًا بل جاءت للطيفةٍ مِنَ اللّطائِف البلاغيّة التي تزيدُ قيمةَ الكلام، وترفَعُ من معانيه.
ففي المثال الأوّل ذكر الخاصّ قبل العامّ، فتقديم الخاصّ على العامّ للتنويه بشأنه.
وفي المِثال الثاني ذكر العامّ قبل الخاصّ، والغرضُ من ذلكَ إفادةُ الشّمُول معَ العناية بالخاصّ.


وقولُ عنترةَ:
يــــدعونَ عـــنترَ والــرّمـــاحُ كأنها أشْطـــانُ بِــــئْرٍ في لَبَـــان الأدْهــــم
يدْعونَ عنترَ والسيوفُ كأنها لَمْعُ البوارقِ في سحابٍ مُظْلمِ
والمقصودُ بالتكرار تقريرُ المعنى في نَفْس السّامع وتثبيته. ويُستعملُ في مَوَاطِنِ الفَخْر والمدح والإِرشاد والإِنْذار.
الإِيجَازُ:
الإِيجاز قسمان: إيجازُ قصرٍ، وإيجازُ حذفٍ.
1 ـــــــ إيجاز القصر: قِلَةُ الألفاظ في الدّلالَة على كثرة المعاني من غير حذفٍ، كقوله تعالى: {أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءهَا وَمَرْعَاهَا} [سورة النازعات: 31] فقد دلّ الله سُبحانُه وتعالى بكلمتين على جميع ما أخْرَجَهُ منَ الأرْض، قُوتًا ومتاعًا للناس: منَ العُشب والشّجرَ واللّباس والماء والنار. وكقوله تعالى: {أَلاَ لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ} [سورة الأعراف: 54]وفي هذه الآية ترى أنّ الألفاظَ القليلةَ اتّسَعَتْ للمعاني الكثيرة والأغراض المتزاحمة، ولم تحذَفْ أيّ كلمةٍ أو جملةٍ. وهذا النّوْعُ من الإِيجاز يسمّى إيجازَ قصرٍ.
2 ـــــــ إيجاز حذفٍ: تُحْذَفُ كلمةٌ أو جملةٌ أو أكثرُ مع قرينةٍ تعيّنُ المحذوفَ:
(أ) نحو حذف كلمة: (واسأل القرية) أي أهْلها. ومثل: {حُرّمَتْ عليكُمُ المَيْتَةُ}. أي تناوُلها أو أكلُها.
(ب) حَذفُ جملةٍ: كقوله تعالى: {وَأَلْقِ عَصَاكَ فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ وَلَّى مُدْبِرًا} [سورة النمل: 10] أي فألقاها فاهتزّت.
(جـــــــ) أكثر من جملةٍ مثل قوله تعالى: {فَسَقَى لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ (24) فَجَاءتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاء قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا} [سورة القصص: 24 ـــــــ 25] حَذَفَ جُمْلًا عدّةً إذْ ينبغي أنْ يقال: فذَهَبَتَا إلى أبيهما وقصّتا عليه ما كانَ مِنْ أمْر موسى فأرسلَ إليه {فَجَاءتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاء}، وسببُ الإِيجاز في هذه الأمثلَةِ هو الحذْفُ، ولذلكَ يُسمّى إيجازَ الحَذْف.
الجملة الخَبرية والإِنشائية:
1 ـــــــ الجملةُ الخبريّةُ ما تحتملُ الصدقَ والكذبَ بالنسبة إلى تحقّق معناها أو عَدَمِه، بقطْع النّظَر عن قائلها، بِصدْقِه عُرِفَ أمْ بكذبه فقولكَ: سافرَ الحاكمُ، صادقٌ إذا ثبتَ السفرُ، وكاذبٌ إذا لم يثبُتْ. والجملةُ الخبريّةُ إمّا أنْ تكونَ فعليّةً أو اسميّةً.
2 ـــــــ أما الجملةُ الإِنشائيّةُ فهي التي لا تحتملُ الصدقَ والكذبَ لأنّ تحقّقَ مدلولها مُتوقّفٌ على النطق بها: مثل أكْرمْ مَنْ تشاءُ، فجملةُ «أكرمْ مَنْ تشاءُ» لا تدلّ على حصول الإِكرام أو عدَمهِ لتحتمِلَ الصّدْقَ والكذب، بل هيَ أمرٌ، والجملةُ الإِنشائيّةُ قِسمان: طلبيّةٌ وغيرُ طلبيّةٍ.
ـــــــ تتحقّقُ الطلبيّةُ في الأمْرِ والنّداء والتهديد: افْعَلْ ما تشاءُ، والإِرشاد: عاشر الأتقِياءَ، والدعاء: ارْحَمْنَا يا الله، والنهْي والتمني والترجّي والاستفهام.
ـــــــ الجملةُ غيرُ الطلبيّة كالتعجّب، ما أجملَ البحْرَ، والقسم: والله. وفعلي المدح والذمّ: نعمَ وبئْسَ: نِعْمَ الرجلُ الكريم، وبِئْسَ الرجلُ البخيلُ، ورُبّ وكم الخبريّة: كمْ عالمٍ.
المعنى المشترك:
اللفظُ الواحِدُ الدالّ على مَعْنَيَين مختلفين فأكثرَ دلالةً على السواء عندَ أهْل اللغة، مثل: العم: أخو الأب، والعم: الجمعُ الكثيرُ.
قال الراجزُ:
يا عمر بن مالكٍ يا عمّا أفْنَيْتَ عمّا وجبرت عمّا
الأول أرادَ به العمّ، والثاني، أرادَ به أفنيتَ قَومًا، وجبرتَ آخرين.
ومن الألفاظ المشتركة في معانٍ كثيرةٍ: لفظُ العين: العين: النّقْدُ من الدّراهم والدّنانير. والعين: عينُ الإنسان الباصرة. والعين: العينُ النابعة. والعينُ: عينُ الشيء ذاتُهُ. أو الدابّة نفسُها. والعين: عين الجيش الذي يتجسّسُ له. والعين: عين اللصوص. والعين: فمُ القِرْبة. وعينُ القوم: سيّدُهُمْ. والعين: الجاسوسُ. والخالُ ـــــــ مثلًا ـــــــ لهُ معانٍ. فيُطْلَقُ على أخي الأمّ، والمكان الخالي، والعصر الماضي، والشامَة في الوَجْه، ويجوزُ استعمالُ المشترك في جميع معانيه على سبيل الحقيقة، بدليل وقُوعِه في القرآن. قالَ تعالى: {إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ} [سورة الأحزاب: 56] والصلاة من الله مغفرةٌ ومنْ غيره استغفارٌ. وتخصيصُ المشترك في معنى من معانيه لا بُدّ له من قرينةٍ تُخصّصه في ذلكَ المعنى وإن انعدَمَت القرينَةُ وجبَ حمْلُهُ على جميع معانيه.
المحسّنات المعنويّة:
التورِيَة:
التورية: أن يَذْكُرَ المتكلّمُ لفظًا مفردًا له معنيان، أحدهما قريبٌ، والآخرُ بعيدٌ فيرادُ البعيدُ منهما ــــــــ ويورى عنه بالقريب.
التورية نوعان: مرشحة: وهي ما اقترنت بشيء مما يلائم المعنى القريب، نحو: {وَالسَّمَاء بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ} [سورة الذاريات: 47] أي بقوّةٍ وقد اقترنت بالبناء الذي يُلائم المعنى القريب، وهو الأعضاء المعلومة.
ومجرّدة: وهي ما لم تقترن بشيء من ذلك، نحو: {وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُم بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُم بِالنَّهَارِ} [سورة الأنعام: 60] هنا جرحتم أي ارتكبتُم الذّنوبَ، ولم تقترن بشيءٍ مما يلائم المعنى القريب وهو تفريق الاتصال بآلةٍ حديديّةٍ أو نحوها.
وكقول الشاعر:
فقالت: رُحْ بربّكَ من أمامي فقلتُ لها بربك أنت روحي
فالمعنى القريب في روحي: اذهبي والمعنى البعيد «الروح».
أصونُ أديمَ وجهي عَنْ أُناسٍ لِقاءُ الموْت عندَهُمُ الأديبُ
ورَبّ الشعْر عِنْدَهُمُ بغيضٌ ولــو وافــى به لهُمُ «حَبيبُ»
فكلمة حبيب لها معْنَيَان، أحدُهما المحبوبُ وهو المعنى القريبُ الذي يَتَبَادَرُ إلى الذّهْن بسبب التمْهيد له بكلمة بغِيض. والثاني اسمُ أبي تمّام الشاعر وهو حبيبُ بنُ أوسٍ.
الطبَاق:
الطباق: الجمْعُ بينَ الشيء وضدّه في الكلام وهو نوعان:
(أ) طباقُ الإيجاب وهو ما لم يخْتَلِفْ فيه الضدّان إيجابًا وسَلْبًا.
(ب) طباق السّلْب وهو ما اختلف فيه الضدّان إيجابًا وسلبًا.
قال تعالى: {وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقَاظًا وَهُمْ رُقُودٌ} [سورة الكهف: 18] وقال، صلى الله عليه وآله وسلم: «خيرُ المالِ عينٌ ساهرة لعينٍ نائمةٍ»، فإذا تأمّلْتَ وجدتَ كُلّا منهما مُشْتَمِلًا على الشيءِ وضدّه.
المثالُ الأوّلُ مٌشْتَمِلٌ على الكلمتينِ: «أيقاظًا ورقود»، والمثال الثاني على «ساهرة ونائمة».
وقالَ الله تعالى: {يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلاَ يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللّهِ} [سورة النساء: 108].
وقال الشاعر:
ونُنْكِرُ إنْ شئْناعلى النّاسِ قَوْلهمْ ولا يُنْكِرُون القوْلَ حينَ نقولُ
المثالانِ الأخيرانِ كلّ منهما مُشْتَمِلٌ على فعلينِ منْ مادّةٍ واحدةٍ، أحدهما إيجابيّ والآخر سلبيّ. وباختلافِهِما في الإيجاب والسّلبِ صارا ضدينِ.
المقَابلة:
المقابلةُ: أنْ يُؤتَى بمعنَيَينِ أو أكثرَ، ثم يُؤتى بما يُقابلُ ذلك.
قال، صلى الله عليه وآله وسلم، للأنصارِ: «إنّكُمْ لتكثرونَ عندَ الفَزَعِ، وتَقِلّونَ عندَ الطّمَعِ». وقالَ تعالى: {وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَآئِثَ} [سورة الأعراف: 157].
وقال الشاعر:
يا أُمّةً كانَ قُبْحُ الجور يُسْخطهـــا دهرًا فأصبحَ حسنُ العدل يُرضيها
وقال:
قد يُنعمُ الله بالبلوى وإن عظُمتْ ويبتـــلي الله بــــعض القـــــومِ بالنّـــعَـــــمِ
وقال ابن بطوطة في وصف مصر:
هيَ مجْمَعُ الواردِ والصّادِرِ، ومحَطّ رَحْلِ الضعيفِ والقادرِ. بها ما شئْتَ من عالمٍ وجاهلٍ، وجادّ وهازلٍ وحليمٍ وسفيهٍ ووضيعٍ ونبيهٍ وشريفٍ ومشروفٍ ومنكرٍ ومعروفٍ، تموجُ مَوْجَ البحْرِ بسكّانها وتكادُ تضيقُ بهم على سَعَةِ مكانها.
الأسْلوبُ الحكيم:
الأسلوب الحكيمُ: تلقّي المخاطَبِ بغيرِ ما يَتَرَقّبهُ، إمّا بحمْلِ كلامهِ على خلافِ مرادهِ، تنبيهًا إلى أنّ هذا هو الأولى بأنْ يسألَ، وإمّا بإجابةِ السّائلِ بغيرِ ما يطلبُ تنبيهًا لهُ، على أنّ هذا هو الأهمّ. كقولهِ تعالى: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالحَجِّ} [سورة البقرة: 189].
فأصحاب رسولِ الله صلى اللهُ عليه وآلهِ وسلَّم، سألوه عنِ الأهِلَّةِ لِمَ تبدو صغيرةً، ثمّ تزدادُ حتّى يتكاملَ نورُها، ثمّ تتضاءلُ حتى لا تُرى؟
وهذه مسألةٌ من مسائلِ علْمِ الفَلَكِ يحتاجُ فَهْمُها إلى دراسةٍ دقيقةٍ، فَصَرَفَهُمُ القرآنُ الكريمُ عن هذا بِبَيانِ أنّ الأهِلَّةِ وسائلُ للتوقيتِ في المعاملاتِ والعباداتِ، إشارةً منهُ إلى أنّ الأَوْلى بهم أن يسألوا عن هذا. {يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلْ مَا أَنفَقْتُم مِّنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ} [سورة البقرة: 215] سألوا عن حقيقةِ ما يُنفِقُونَ فأُجيبوا ببيانِ طُرُقِ الإِنفاقِ تنبيهًا إلى أنّ هذا هو الأجْدَرُ بالسؤالِ عنهُ.
وكما وقعَ للقبعثريّ حين قالَ له الحجّاج: لأحْمِلَنّكَ على الأدْهَمِ فقالَ القبعثريّ: مِثْلُ الأميرِ مَنْ حَمَلَ على الأدْهَمِ والأشْهَبِ. أراد الحجّاجُ بالأدهَمِ: «القَيْد» فحملهُ القبعثري على «الفَرَسِ الأسودِ» بأنْ ضمّ إليهِ الأشْهَبَ تنبيهًا إلى أنّ هذا هو الأَوْلى بمثله.
ومثل قول الشاعر:
جــــــــــاءنـــي ابــــــــني يـــــومًا وكنــــتُ أراهُ لــــــــــيَ ريحـــــــــــــــــانةً ومصـــــــــــــــــــدرَ أُنْـــــــــــــــسِ
قال: ما الروحُ؟ قلتُ: إنّكَ روحي قال: ما النّفسُ، قلتُ إنّك نفسي
المحسّناتُ اللفظيّة:
الجِناس:
الجناس: أنْ يتشابهَ اللفظانِ في النّطْقِ، ويختلفا في المعنى، وهو نوعان:
(أ) تامّ: وهو ما اتفقَ في أُمورٍ أربعةٍ هيَ: نوعُ الحروف وشَكْلُها وعَدَدُها وترتيبُها.
(ب) غير تامّ: وهو ما اختلفَ فيهِ اللفظانِ في واحدٍ من الأمورِ الأربعةِ كقوله تعالى: {وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُوا غَيْرَ سَاعَةٍ} [سورة الروم: 55].
وقول الشاعر:
وسمّيتُهُ يحيى ليحيا فَلَمْ يكُنْ إلى ردِّ أمْرِ الله فيهِ سبيلُ
فلفظُ السّاعةِ تَكَرّرَ مرتينِ ويعني مرة يوم القيامة، ومرّةً أُخرى الساعاتِ الزّمانيّة، وفي المثالِ الثاني تكرّرَ يحيى مع اختلافِ المعنى واتفاقهِما في نوعِ الحروفِ وشَكْلها وعددِها وترتيبها، وهذا هو الجناس التّام.
وقوله تعالى: {فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ (9) وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ} [سورة الضحى: 9 ـــــــ 10]. وقوله تعالى حكايةً عن هرونَ يخاطبُ موسى: {خَشِيتُ أَن تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرَائِيلَ} [سورة طه: 94].
قالت الخنساءُ:
إنّ البـــــــكاءَ هـــــــــو الشفـــــــــا ءُ من الجوى بينَ الجوانحْ
وإذا تأمّلْتَ في الطّائفَةِ الثانيةِ رأيتَ اختلافًا في ركنٍ من أركانِ الوفاقِ الأربعةِ المتقدمةِ، كالاختلافِ بينَ «تقهر وتنهر»، و«الجوى والجوانح»، و«بين وبني» ويُسمّى ما بَيْنَ كلِّ كلمتين في الطائفةِ الثانيةِ من تجانسٍ، جناسًا غير تام.
السَّجْع:
السجعُ توافُقُ الفاصلتين في الحرفِ الأخير، وأفضلُهُ ما تساوت فِقَرُهُ.
قالَ الرسولُ، صلى الله عليه وآله وسلم: «اللّهُمّ أعطِ منفِقًا خلفًا، وأعطِ ممسكًا تلَفًا».
وقال: «رَحِمَ الله عَبْدًا قالَ خيرًا فغنمَ، أو سَكَت فَسَلِمَ».
وقال عليّ، كرَّمَ الله وجهه: «إلى الله أشكو منْ معشرٍ يعيشونَ جهالًا، ويموتونَ ضلالًا، ليسَ فيهِمْ سلعةٌ أبوَرَ من كتابِ الله إذا تُليَ حقّ تلاوتِه، ولا سلعةٌ أنفَقَ بَيْعًا ولا أغلى ثمنًا من كتابِ الله إذا حُرّفَ عن مواضعهِ، ولا عندهم أْنكَرُ منَ المعروفِ، ولا أعرَفُ منَ المــــُـــنْـــكَرِ...
وقيلَ: الحرّ إذا وَعَدَ وفى، وإذا أعانَ كفى، وإذا مَلَكَ عَفا.
وكتب هشام لأخيه بعدما بَلَغَهُ أنّهُ أظْهَرَ رَغْبَتَهُ في الخلافَةِ:
«أمّا بَعْدُ فَقَدْ بَلَغَني استثقالُكَ حياتي واستبطاؤكَ مماتي، ولعمري إنّكَ بَعْدِي لواهي الجناح، أجذَم الكَفّ، وما استوجَبْتُ منْكَ ما بَلَغَني عنكَ».
والخلاصةُ أنّ البلاغَةَ في الكتابةِ والأساليبِ كما يلي:
تعريفُ البَلاغة:
البلاغةُ تأديَةُ المعنى الجليلِ واضحًا بعبارةٍ صحيحةٍ فصيحةٍ، لها في النفسِ أثَرٌ خَلّابٌ، معَ ملاءَمَةِ كلِّ كلامٍ للموْطنِ الذي يقالُ فيهِ، والأشخاصِ الذينَ يُخاطبونَ.
فإذا اختلّ ذلك وقعَ بما وقع فيه الفضلُ بنُ قُدامة حين مخاطبة هشامِ بنِ عبدِ الملكِ:
صفراءُ قدْ كادَتْ ولما تفعَلِ كأنها في الأفقِ عينُ الأحولِ
وكانَ هشامٌ أحولَ، فأمرَ بحبسِهِ.
وكما وقعَ جريرُ بن عطيّةَ التميميّ في مدحِ عَبْدِ الملكِ بن مروانَ حين قالَ في مطلعِ قصيدتهِ:
أتصحو أمْ فُؤادُكَ غيرُ صاحِ عشيّةَ همّ صحبُكَ بالرّواحِ
فاستنكرَ عبدُ الملكِ هذا المطلع، وردّ عليهِ بقوله: «بلْ فؤادكَ أنتَ!».
والبلاغةُ تنطوي على عِلْمِ البيانِ والمعاني والبديع.
علم البيان: وسيلةٌ لتأديةِ المعنى بأساليبَ عدّةٍ من تشبيهٍ ومجازٍ وكنايةٍ.
علم المعاني: تأديةُ الكلامِ بمطابقتهِ لمقتضى الحالِ مع وفائهِ بغَرَضٍ بلاغيٍّ يُفْهَمُ ضِمْنًا من سياقهِ وما يحيطُ بهِ منْ قرائنَ. كالقصرِ ـــــــ والإيجاز والإطناب إلخ...
علمُ البديع: المحسنات: المعنويّة، كالتوريةِ والطّباقِ والمقابَلَةِ. واللفظيّة، كالجناسِ والسّجعِ.
الأسْلوب:
عُرِّفَ الأسلوبُ بأنّهُ المعنى المصوغُ في ألفاظٍ مؤلّفَةٍ على صورةٍ تكونُ أقْرَبَ إلى نَيْلِ الغَرَضِ المقصودِ منَ الكلامِ، وأفعلَ في نفوسِ سامعيهِ.
وينقسمُ أُسلوبُ الكتابةِ نوعينِ: فكريًّا وأدبيًّا.
المرادُ من الكتابةِ أداءُ المعاني التي في نَفْسِ الكاتبِ للقَارئ، فالأصلُ إذًا في التعبير للمعاني، ثمّ تأتي بعدَ ذلكَ الألفاظُ التي تؤدّيها كما هيَ لدى الكاتب. فالمسألةُ تنحَصرُ في أمرينِ: المعاني والألفاظِ. ومن هنا اخْتَلَفَتْ عنايةُ الكتّابِ بالمعاني والألفاظ، فمنهُمْ مَن وجّه عنايتهُ إلى المعاني أوّلًا، وأخضَعَ الألفاظَ إلى الدقّةِ في أدائها، ومنهم مَن وَجّهَ عنايَتَهُ إلى الألفاظِ أوّلًا، وضحّى بشيءٍ منَ المعاني في سبيلِ الألفاظِ، لذلكِ انقسمَ الأسلوبُ في الكتابةِ قسمينِ أحدهما فكريّ، والآخر أدبيّ. ولكلٍّ منهما نسيجٌ خاصّ يخالفُ الآخر.
الأسلوبُ الفكْريّ:
يختارُ الكاتبُ فيه الأفكارَ التي يريدُ أداءها لجدّتها أو قيمتِها أو ملاءمتها لمقتضى الحال، ثمّ يرتِّبُ هذه الأفكارَ ترتيبًا معقولًا ليكونَ ذلكَ أدعى إلى فَهْمِها، وحسْن ارتباطِها في ذهْن القارئِ. وأخيرًا يُعبّرُ عنها بالألفاظ اللائقَة بها. وفي الأسلوب الفكريّ يكونُ المفكِّر طبيعيًّا أساسيًّا صادرًا منْ نَفْس صادقةٍ. والمعارفُ العقليّةُ هيَ الأساسُ الأوّلُ في بنائه. ولا يَظْهَرُ فيه أيّ أثَرٍ لصفةٍ الانفعال. وتمتازُ عبارتُهُ بالدّقة والتحديد والاستقصاءِ.
والأصلُ فيه أنْ يقومَ على العقْل ونشر الحقائق الفكريّة والمعارف التي يحتاجُ الوصولُ إليها لجهْدٍ وتعمّقٍ. ويتكوّنُ في جُمْلَتِه من عنصرين أساسيّين: أحدهما الأفكارُ والثاني العبارةُ.
الأسْلوبُ الأدَبيّ:
الكاتبُ لا يقفُ عندَ الحقائق والمعارف، ولا يكونُ قصْدُهُ الوحيدُ تغْذيَةَ العقْل بالأفكار، بل يُقَرِّبُ هذه الحقائقَ وينفعلُ معها، ويختارُ أهمّها وأبرزَها الذي يستطيعُ أنْ يجدَ فيه مَظْهَرًا لجمالٍ ظاهرٍ أو خفيٍّ، أو معْرضًا لِعِظَةٍ أو اعتبار، وداعيًا لتفكيرٍ أو تأثيرٍ. ثمّ يفسّرُ ما اختارَهُ تفسيرًا خاصًّا به بما يَخْلَعُ عليه منْ نفْسِهِ المتعجّبَة أو الراضية أو السّاخِطَة، ثمّ يحاولُ نَقْلَ هذا الانفعال، أو إثارَةَ مِثْلِهِ في نفوس القُـــرّاءِ ليكونوا مُتعجّبينَ أو مُغْتَبِطِينَ راضينَ أو ساخطينَ. والأسلوبُ الأدبيّ يعتمدُ على الانفعال، والعناية بإظهاره في المعاني. والألفاظ التي يؤدّي بها أفكارَهُ. والاهتمامُ فيه منصبّ على قُوّة الانفعال أو العاطفَة والمشاعر.
لذلكَ لا يمكنُ أنْ تؤدّى الفَلْسَفَةُ والتشريعُ والعلومُ التجريبيّة وما شَاكَلَهَا، إلّا بالأسلوب الفكريّ. كذلكَ لا يمكِنُ أنْ يُؤدّى الشِّعرُ والخطابةُ والقصة وما شابههما بغير الأسلوب الأدبيّ.
فالأسلوبُ الفكريّ واجبٌ في أداءِ الأفكار. والأسلوب الأدبيّ يقومُ على إثارة الناس وتحريضهِمْ على العَمَلِ الذي يُرادُ منهم. ومنْ هنا نجدُ الأسلوبَ الفكريّ يفشو في الأمّةِ، وهيَ في حالِ نهضتِها وعنفوانِ سيرِها التصاعديّ، والأسلوبُ الأدبيّ يشيعُ في الأمّةِ عندما تكونُ سطحيّةَ التفكيرِ أو في حالَةِ الترفِ. لذلكَ نرى الشِّعر يضعفُ في بدايةِ الدعوةِ الإسلاميّةِ ويشيعُ الأسلوبُ الفكريّ في الخطَبِ والأحاديثِ.
وكانَ القرآنُ الكريمُ أروَعَ مَثَلٍ في الأسلوبِ الفكريّ، وكانَ أكثرُهُ قائمًا على هذا الأسلوبِ، وإن كانَ قَدْ حوى أروَعَ ما في الأسلوبِ الأدبيّ، لكنّهُ يلتزمُ في الأسلوبِ الفكريّ منَ الدقّةِ والتحديدِ.
وقدِ انتعشتْ في الأمّةِ بهذا العصْرِ أحاسيسُ النهضَةِ، فهيَ في حاجة إلى الأسلوبِ الفكريّ لتأديَةِ الحقائقِ للناسِ، وإنْ كانتْ لا تستغني عن الأسلوبِ الأدبيّ في تحريضِ النّاسِ على العَمَلِ، ولكن بعدَ وضعِ الفكرِ الذي تُريدُ أنْ يسودَ أذهانهمْ.
خُلاصَة القَول:
إنّ اللغةَ العربيّةَ تنقسمُ مفردًا ومُرَكّبًا.
المركب:
المركَّبُ ما دلّ أحَدُ جُزْءيْهِ على جزءٍ من المعنى، وقد صيغَ لإِفهامِ السّامعِ النسبَ والمعاني المركّبَة بعدَ علمهِ بأوضاعِ المفرداتِ.
وينقَسِمُ المركّبُ ستّةَ أقسام: الاستفهامُ والأمْرُ والالتماسُ والسؤال والخبرُ والتنبيهُ. فالمتكلّمُ صاغ المركّب من المفرداتِ، وألّفهُ منها لإِفهامِ الغيرِ ما في ضميرِهِ، فتارةً يفيدُ الطلبَ وتارةً يُفيدُ الإِخبارَ. فإنْ أفادَ الطّلَبَ بذاتهِ أي بالوضع يُنْظَرُ فيهِ، فإن كانَ الطلبُ للماهيّةِ فهو الاستفهامُ، كقولكَ ما حقيقةُ الإنسان؟ وهلْ قامَ زيْدٌ؟ وإنْ كانَ الطلبُ لتحصيلِ الماهيّةِ مع الاستعلاءِ على المطلوبِ منهُ، فهو الأمْرُ، كقولِه تعالى: {وَأَقِيمُواْ الصَّلاَةَ وَآتُواْ الزَّكَاةَ} [سورة البقرة: 43]، وإنْ كانَ الطلبُ لتحصيلِ الماهِيّةِ معَ التساوي فهو الالتماسُ، كَطَلَبِ الشّخْصِ من نظيرِهِ، وذلكَ عندما تقولُ لصديقكَ: أعطني القَلَمَ وخُذِ الكتابَ، وإنْ كانَ الطّلَبُ لتحصيلِ الماهيّةِ معَ التذلّلِ، فهو السؤالُ كقولِ العبْدِ: اللهمّ اغفرْ لي! اللهمّ ارْحَمْني!.
وإن كانَ المركّبُ تنبه به على مقصودك فهو التنبيهُ. ويشمل الترجّي والتمني والقَسَم والنداءَ.
أما الخبر فهو ما يحتمل الصدق والكذب لذاته، مثل قولك: صليتُ الظهر فإن طابق الواقع فهو الصدق وإن خالفه فهو الكذب.
والقرآن المجيد، ذلك الكتاب البليغ الذي يناسب بين المفردات في إطار السياق بحيث يصعب عليك تبديل لفظه بأخرى من دون أن تضر بتراكيب الكلمات وتناسبها.
لذلك يهدينا التركيب نفسه إلى المعاني الدقيقة لمفردات الكلمات لأنها وضعت في موقع متناسب جدًّا مع تلك المعاني، فإذا أردنا أن نعرف بالدقة معنى اللفظ كان علينا مراجعة ما قبلها وما بعدها، لمعرفة ما يتناسب معهما من معنى لهذه الكلمة، فمثلًا لو أردنا، أن نكتشف معنى «قصد» في هذه الآية الكريمة: {وَعَلَى اللّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ وَمِنْهَا جَآئِرٌ وَلَوْ شَاء لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ} [سورة النحل: 9].
لو أردنا ذلك لقارنّا بين القصد، والجائر، فنعرف معنى القصد. لأنه جاء في مقابل الجائر الذي يعني المائل، فالقصد يكون هو المستقيم، والجائر هو الظالم فالقصد يكون هو العادل.
أو إذا أردنا التعرف على معنى «نفش» في هذه الآية:
{وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ} [سورة الأنبياء: 78].
لو أردنا ذلك لما كان علينا إلا قياس كلمة نفشت بالحرث والغنم والحكم. مما نعرف أنه إتلاف الحرث من قبل الغنم، وهكذا.
وقد جاء رجل إلى صحابي فسأله عن معنى «الأب» الذي جاء في الآية الكريمة، وفاكهة وأبًّا، فلم يعرفه. وجاء علي، كرَّم الله وجْهَهُ، وقال: ما مفاده أن معنى اللفظ موجود في الآية نفسها لأن الله سبحانه يقول: {وَفَاكِهَةً وَأَبًّا (31) مَّتَاعًا لَّكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ} [سورة عبس: 31 ـــــــ 32].
فالفاكهة لكم والأبّ لأنعامكم.
المُفْرَد:
ينقسم المفردُ ثلاثةِ أقسام: اسمًا وفعلًا وحرفًا.
الاسم: ما دلّ على معنى في نَفْسِهِ، ولا يلزمُ منهُ الزمانُ الخارج عن معناهُ لنيتهِ، وهو إمّا أنْ يكونَ كليًّا أو جزئيًّا.
فالكليّ ما يَصِحّ أنْ يشتركَ في مفهومهِ عدَدٌ منَ الأنواعِ كحيوانٍ وإنسان. والجزئيّ ما لا يصِحّ فيهِ ذلكَ مثل: سمير وفؤاد، ومثل الضمائر: هيَ، وهَو.
الفعل: ما دلّ على حدَثٍ مقترنٍ بزمانٍ محَصّلٍ، والحدثُ هو المصدرُ وهو اسمُ الفِعلِ، والزمانُ المــُحَصّلُ، هو الماضي والحالُ والمستقبلُ.
الحرف: هو ما دل على معنى مقترن بغيره، فإن لم يقترن بغيره فلا معنى له، وحتى يفهم معناه الذي وضع له يجب أن يقترن بلفظ آخر دال على معنى.
الأحرف وأهميتها:
ولحروف العربية خصائص تستدعي الإعجاب فعلًا. ذلك أن العرب عزموا بالاستقراء وطول الإدمان مدلولات بعض الحروف عند دخولها في تركيب الألفاظ، فقالوا مثلًا:
ــــــــــ إن الحاء إذا تطرفت دلت الكلمة المختومة بها على معنى الاتساع والامتداد والانتشار مثل: باح ـــــــ ساح ـــــــ فاح ـــــــ راح ـــــــ فلح إلخ...
ــــــــــ والشين إذا وقعت في أول الكلمة دلت على التفريق ومثل: شتت، أو على الظهور مثل شقَّ.
ــــــــــ كل ما كان ثانيهِ تاءٌ أو ثاء أو دال أو ذال أو صاد أو طاء: يدل على القطع والكسر مثل: بتَّ ـــــــ قدَّ ـــــــ قصَّ ـــــــ قضم ـــــــ قطع ـــــــ قطم ـــــــ قطف ـــــــ قطر إلخ...
ــــــــــ الغين إذا وقعت في صدر الكلام فهي تدل على معنى الخفاء، مثل: غاب ـــــــ غاص ـــــــ غاض ـــــــ غرب ـــــــ غمس ـــــــ غبن وغام.
ــــــــــ النون والفاء إذا بدأت بها اللفظة فتدل على الخروج، مثل: نفح ـــــــ نفد ـــــــ نفر ـــــــ نفخ ـــــــ إلخ...
ــــــــــ والحاء والجيم تدلان على الستر والحجز مثل: حجز ـــــــ حجر ـــــــ حجل.
ــــــــــ الميم تدل على القطع والاستئصال والكسر مثل: جزم ـــــــ جذم ـــــــ جرم ـــــــ حسم ـــــــ حطم ـــــــ قضم ـــــــ خضم ـــــــ خرم إلخ...
ــــــــــ حرف الهاء يدل على الحمق والغفلة، مثل: بلْهَ ـــــــ تَفْه ـــــــ عَتُه، وذلك كلّه من باب التغليب.
وهنالك الألفاظ الدخيلة مثل لفظة «جان» فكل ما انتهى بهذه اللفظة فهو فارسي المصدر مثل: مرجان ـــــــ صولجان وباذنجان... وفارسي الأصل أيضًا ما بدأ من الأسماء بالنون والراء إذا كان ثانيه ساكنًا، مثل: نرْد ـــــــ نرْجس ـــــــ نرجيلة؛ أو اجتمع فيه: الطاء والجيم مثل: طنجرة وطازج.
والحروف العربية تكون على أصناف هي: حرف الإضافة ـــــــ حروف العطف ـــــــ حرف النفي ـــــــ حروف التنبيه ـــــــ حروف النداء ـــــــ حروف التصديق والإيجاب ـــــــ حروف الاستثناء ـــــــ حرف المصدر ـــــــ حرف التخصيص ـــــــ حرف تقريب الماضي من الحال ـــــــ حروف الاستقبال ـــــــ حروف الشرط ـــــــ حروف اللامات.ويمكن إيرادها بحسب أصنافها على النحو التالي:
حرف الإضافة:
حرفُ الإضافةِ ما يفضي بمعاني الأفعال إلى أسماء وهو ثلاثة أقسام:
القسم الأوّل:
ما يقتصر على كونهِ حرفًا مثل: من، إلى، حتى، في، ب، ل، رب، واو القسم.
1 ـــــــ «من» لابتداءِ الغايةِ: سرتُ مِنْ بغدادَ... وللتبعيضِ: أكلتُ منَ الخُبْزِ، ولبيانِ الجنسِ: خاتمٌ من ذهبٍ، وزائدة: ما جاءني من أحدٍ.
2 ـــــــ «إلى» لانتهاءِ الغايةِ: سرتُ إلى بيروتَ. وبمعنى مع، كقوله تعالى: {وَلاَ تَأْكُلُواْ أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ} [سورة النساء: 2].
3 ـــــــ «حتى» بمعنى إلى.
4 ـــــــ «في» للظرفيّة: زيدٌ في المدينةِ.وبمعنى «على» كقولهِ تعالى: {وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ} [سورة طه: 71] وقد يُتَجَوّزُ بها: نظرتُ في العالمِ الفلاني.
5 ـــــــ «ب» للإلصاق: به داءٌ. وللاستعانة: ضربْتُ بالعصا. والمصاحبة، اشتريتُ السيفَ بقِرابه. وبمعنى «على» قالَ الله تعالى: {وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِن تَأْمَنْهُ بِقِنطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُم مَّنْ إِن تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لاَّ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ} [سورة آل عمران: 75]، وبمعنى من أجل، قال الله تعالى: {وَلَمْ أَكُن بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا} [سورة مريم: 4] وقد تكونُ زائدة كقولهِ تعالى: {وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ} [سورة البقرة: 195].
6 ـــــــ «ل» للاختصاص: المالُ لزيدٍ، وزائدة مثل: «رِدفٌ لكم».
7 ـــــــ «رب» للتقليل، ولا تدخُلُ إلّا على النكرةِ: رب رجلٍ عالم.
8 ـــــــ «واو القسم»، مثل: والله وبالله وتالله.
القسم الثاني:
ما يكون حرفًا واسمًا: على، عن، ك، مذ، منذ.
1 ـــــــ «على» للاستعلاء: على زيدٍ دَيْنٌ (حرف) غَدَت مِن عليهِ ما تمّ ظمئُها (اسم).
2 ـــــــ «عن» للمباعدة كقولهِ تعالى: «فَلْيَحْذَر الذينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أمْرِهِ» (حرف) وجلستُ عنْ يمينِهِ (اسم).
3 ـــــــ «ك» للتشبيه. زيدٌ كعمروٍ (حرف)، ومثل قول الشاعر: يَضْحَكْنَ عن كالبَرِد (اسم).
4 ـــــــ «مذ، منذ» لابتداءِ الغايةِ في الزمانِ: ما رأيتهُ مُذْ أو مُنْذُ يومِ الخميسِ، وقد يكونانِ اسمينِ إذا وقع ما بعدهما اسم مرفوع مثل: ما رأيتك مذ يومان أو جملة اسمية كقول الأعشى:
وما زلت أبغي الخير مذ أنا يافع وليدًا وكهلًا حين شبت وأمردا
أو فعل ماض مثل: صلى أخي مذ غربت الشمس.
القِسْم الثالِث:
ما يكون حرفًا مثل حاشا، خلا، عدا، فإنها تجرّ ما بعدها على أنها حرفٌ وقد تنصبُهُ على أنها فعلٌ.
حُروف العَطفِ عشرَةٌ:
أربعةٌ منها تشتركُ في جمْعِ المعطوفِ والمعطوفِ عليهِ في حُكْمٍ، غيرَ أنها تختلِفُ في أمورٍ أُخرى، وهذه هي: «و، ف، ثم، حتى».
1 ـــــــ «الواو» للجمع المطلَقِ غير مقتضيةٍ ترتيبًا ولا معيّةً.
2 ـــــــ «الفاء» وتقتضي الترتيبَ السريعَ كقولِه تعالى: {وَكَم مِّن قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا فَجَاءهَا بَأْسُنَا} [سورة الأعراف: 4]، وقولِه تعالى: {لَا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذَابٍ} [سورة طه: 61]، وقولِهِ تعالى: {وَإِن كُنتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُواْ كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَّقْبُوضَةٌ} [سورة البقرة: 283] فإنّه وإن كانَ الإسحاتُ بالعذابِ مما يتراخى عن الافتراءِ بالكذبِ، وكذلكَ الرّهْنُ مما يتراخى عن المداينةِ، غيرَ أنّهُ يجبُ تأويلُهُ بأنّ حكمَ الافتراءِ الإسحاتُ وحُكْمَ المداينة الرّهينة.
3 ـــــــ «ثمّ» تدلّ على التراخي: {وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِّمَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى} [سورة طه: 82]، وتَرِدُ بمعنى الواو كقولهِ تعالى: {فَإِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ اللّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ} [سورة يونس: 46]. لاستحالةِ كونهِ شاهدًا بعدما لم يكنْ شاهِدًا.
4 ـــــــ «حتى» موجبة لكونِ المعطوفِ جزءًا منَ المعطوفِ عليهِ، نحو: ماتَ النّاسُ حتى الأنبياءُ. فالأنبياء جزءٌ من الناس.
وثلاثة منها تشترك في تعليق الحُكم بأحَدِ المذكورين وهي: أو، أمّا، أم.
1 ـــــــ أو وأما: يقعانِ في الخَبرِ والأمرِ والاستفهامِ.
(أ) في الخبرِ للشكل، مثل: جاءَ أحمدُ، أو حسنٌ، وجاءَ إمّا أحمدُ وإمّا حسنٌ.
(ب) في الأمر للتخيير: أطعِمْ أحْمَدَ أو حسنًا، وأطعِمْ إمّا أحمدَ وإمّا حسنًا، وللإجابةِ، مثل: رافقِ الحسنَ أو الحسينَ.
(جـــــــ) في الاستفهام مع الشك في وجود الأمرينِ.
2 ـــــــ أم مع العلمِ بأحدهما والشك في تعيينِه.
وثلاثة منها تشترك في أن المعطوف مخالف للمعطوف عليه في حكمِه: وهي: لا، بل، لكن.
مثل: جاءني زيدٌ لا عمرُ. بلْ عُمَرُ. وما جاءني زيدٌ لكنْ عُمَرُ.
حروف النفي:
هي: ما. لا. (لم، لما) لن. إن بالتخفيف.
1 ـــــــ ما: لنفي الحالِ أو الماضي القريب من الحال. مثل: ما تفعلُ، ما فَعَلَ.
2 ـــــــ لا: لنفي المستقبلِ: وإمّا أن يكونَ خبرًا. مثل: لا رجلَ في الدارِ، وإمّا نهيًا لا تفعلْ. أو دعاءً لا رعاكَ الله.
3 ـــــــ لم ولما: لقلبِ المضارع إلى الماضي مثل: لمْ يفعلْ ولما يفعلْ.
4 ـــــــ لن: لتأكيد المستقبلِ، كقولهِ تعالى: {فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ وَلَن تَفْعَلُواْ} [سورة البقرة: 24].
5 ـــــــ إن: لنفي الحالِ، مثل قولهِ تعالى: {إِن كَانَتْ إِلاَّ صَيْحَةً وَاحِدَةً} [سورة يس: 29].
حُروف التنبيه:
هي: ها، ألا، أما.
مثل: ها أفعلُ كذا، ألا زيدٌ قائمٌ، أما إنك خارجٌ.
حُروف النداء:
هي: يا، أيا، هيا، أي، أ، وا.
1 ـــــــ يا: لنداء البعيد والقريب والمتوسط وهي صالحة لكل نداء.
2 ـــــــ أيا، هيا، أي: لنداء البعيد.
3 ـــــــ أ: لنداء القريب.
4 ـــــــ وا: للندبة.
حُروف التصديق والإيجاب:
هي: نعم، بلى، أجل، جَيْرِ، إي، إن.
1 ـــــــ «نعم» تصديقُ لما سبقَ من قولِ القائلِ: أقام زيد؟ نعم قام زيد.
2 ـــــــ «بلى» لإيجابِ ما نُفيَ، مثل: لمن قال ما قام زيدٌ بلى قام ـــــــ أي قام.
3 ـــــــ «أجل» لتصديقِ الخبرِ لا غير، مثل: أجل. لمن سأل قام زيدٌ.
4 ـــــــ «جير، إن، إي» للتحقيق، مثل: جيرِ لأفعلنّ كذا. إن الأمر كذا. إي والله.
حُروف الاستثناء وَهي أربعة:
إلّا، حاشا، عدا، خلا.
ما حضرَ الغائبونَ إلّا إيّاكَ. شَرِبَ التلاميذُ الخمرةَ حَاشا سليمٍ. سقيتُ الأشجارَ عدا شجرةً. عرفتُ الأسماءَ خلا اسمٍ.
حَرفا المصدَر:
ما، أنْ، مثل: ما أعْجَبَ ما صنعتَ أي صنعك. «أنْ»: أُريدُ أنْ تفعلَ كذا، أي فعلك.
حُروف التحضِيض:
وهي: لولا، لوما، هلا، ألا. ألَا فَعَلْتَ كذا! إذا أردْتَ الحَثّ على الفِعْلِ.
حَرف تقريب الماضِي من الحال:
قد، مثل: قد قامَ زيدٌ.
حُروف الاستقبال:
وهي: السينُ، سوف، أنْ، لا، إنْ. في قولكَ: سيفعلُ... سوفَ يفعلُ، أُريدُ أنْ تَفْعَلَ، إنْ تفعلْ.
حُروفُ الشرط:
هي: إن، لو، في قولكَ: إنْ جِئتَني. لو جئتني لأكرمتكَ.
حروف اللامات:
لام التعريف: الرجل. لام جواب القسم، مثل: والله لأفْعَلَنّ كذا، والموطّئَة للقسمِ في قولهِ: والله لئنْ أكْرَمْتَني لأكْرِمَنّكَ. ولام جواب لو. وإلا. في قولك: لو كان كذا لكان كذا.
ولام الأمر: مثل: ليفعلْ كذا.
ولام الابتداء: مثل: لزيدٌ منطلقٌ.
استعمال الحروف:
وللحروف أهمية بالغة في فهم كثير من الآيات القرآنية الكريمة. من أجل ذلك رأينا أن نورد كيفية استعمال القرآن الكريم لتلك الحروف وما تدل عليه:
الهمزة: تكون حرفًا ينادى به القريب والمتوسط وتكون للاستفهام، وحقيقة طلب الفهم، وقد تدخل على الفاء نحو: {أَفَمَن كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّهِ} [سورة هود: 17]. وعلى الواو، ونحو: {أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ} [سورة الروم: 9].
وقد تخرج عن الاستفهام الحقيقي فترد معاني الإنكار الإبطالي نحو: {أَفَأَصْفَاكُمْ رَبُّكُم بِالْبَنِينَ وَاتَّخَذَ مِنَ الْمَلآئِكَةِ إِنَاثًا} [سورة الإسراء: 40].
أو الإنكار التوبيخي: {أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ}؟.
أو التعجب: {أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ} [سورة الفرقان: 45].
أو التحقيق: {أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَن يُحْيِيَ الْمَوْتَى} [سورة القيامة: 40].
إذ: قد تكون ظرفًا نحو قوله تعالى: {فَقَدْ نَصَرَهُ اللّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُواْ} [سورة التوبة: 40]. أو يكون مضافًا إليه في زمان صالح للاستغناء عنه نحو يومئذٍ وحينئذٍ: {وَانشَقَّتِ السَّمَاء فَهِيَ يَوْمَئِذٍ وَاهِيَةٌ} [سورة الحاقة: 16]. والأصل فهي يوم تنشقّ واهية، ونحو: {وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ} [سورة البقرة: 127].
إذا: تأتي على وجهين: الأول أن تكون للمفاجأة فتختصّ بالجمل الاسمية ولا تحتاج إلى جواب الشرط، نحو: {فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَى... فَإِذَا هُمْ خَامِدُونَ ... فَإِذَا هُم بِالسَّاهِرَةِ}.
والثاني: أن تكون ظرفًا للمستقبل متضمّنة معنى الشرط وتختصّ بالدخول على الجملة الفعليّة، نحو: {إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِّنَ الْأَرْضِ إِذَا أَنتُمْ تَخْرُجُونَ} [سورة الروم: 25]. وقوله تعالى: {فَإِذَا أَصَابَ بِهِ مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ} [سورة الروم: 48]. ويقول الشاعر:
والنفس راغبة إذا رغَّبتها وإذا تُرد إلى قليل تقنع
أل: حرف تعريف وهي نوعان عهدية وجنسية:
أن تكون عهديّة نحو قوله تعالى: {إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ} [سورة التوبة: 40] ونحو قوله تعالى: {إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ} [سورة الفتح: 18]. وتكون الجنسية: لاستغراق الأفراد نحو قوله تعالى: {وَخُلِقَ الإِنسَانُ ضَعِيفًا} [سورة النساء: 28] أي وخلق جميع الناس ضعفاء.
ألا: تكون للتنبيه نحو قوله تعالى: {أَلا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاء} [سورة البقرة: 13]. وتكون للتحضيض: {أَلَا تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ} [سورة النور: 22].
إلّا: للاستثناء نحو: {فَشَرِبُواْ مِنْهُ إِلاَّ قَلِيلاً} [سورة البقرة: 249]. وبمنزلة غير نحو قوله تعالى: {لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا} [سورة الأنبياء: 22]. أي لو كان فيهما غير الله لفسدتا.
وتأتي شرطية نحو قوله تعالى: {إِلاَّ تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللّهُ} [سورة التوبة: 40]. وهذه الكلمة مؤلَّفة من إن ولا ـــــــ إن: الشرطيَّة؛ ولا: النافية.
إلى: حرف جرّ انتهاء الغاية والمراد، وتدلّ على بلوغ آخر الشيء المتلبّس به الفعل وليس المراد بالانتهاء الآخر. وتكون زمانية نحو: {أَتِمُّواْ الصِّيَامَ إِلَى الَّليْلِ} [سورة البقرة: 187]. أي إلى أول الليل. ومكانية نحو: {مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى} [سورة الإسراء: 1]. وتكون بمعنى المعيَّة، نحو: {مَنْ أَنصَارِي إِلَى اللّهِ} [سورة آل عمران: 52]؟ أي مع الله ونحو قوله تعالى: {وَلاَ تَأْكُلُواْ أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ} [سورة البقرة: 188]. أي مع أموالهم.
أم: تكون عاطفة وتكون متَّصلة، تتقدم عليها همزة التسوية نحو: {سَوَاء عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ} [سورة المنافقون: 6]. ونحو: {سَوَاء عَلَيْنَا أَجَزِعْنَا أَمْ صَبَرْنَا} [سورة إبرهيم: 21]. وتكون منقطعة فتكون مسبوقة بالخبر المحض، نحو: {تَنزِيلُ الْكِتَابِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِن رَّبِّ الْعَالَمِينَ.. أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ} [سورة السجدة: 2 ـــــــ سورة يونس: 38]. ومسبوقة بهمزة لغير الاستفهام بل للإنكار، ويسمّى الاستفهام الإنكاري نحو قوله تعالى: {أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِهَا} [سورة الأعراف: 195]. ومسبوقة باستفهام نحو قوله تعالى: {هَلْ يَسْتَوِي الأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُمَاتُ وَالنُّورُ} [سورة الرعد: 16]. إنما سميت منقطعة لانقطاع ما بعدها عمّا قبلها، فكل منهما كلام مستقلّ لا ارتباط لأحدهما بالآخر ومعناها الإضراب ولهذا دخلت على هل في قوله تعالى: {أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُمَاتُ وَالنُّورُ}. لأن الاستفهام لا يدخل على الاستفهام. وتقع زائدة للتأكيد نحو قوله تعالى: {أَفَلَا تُبْصِرُونَ (51) أَمْ أَنَا خَيْرٌ} [سورة الزخرف: 51 ـــــــ 52]. والتقدير هنا يكون أفلا تبصرون أنا خير.
أمّا: حرف شرط وتفصيل، نحو قوله تعالى: {أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ... وَأَمَّا الْغُلَامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ... وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ} [سورة الكهف: 79 ـــــــ 82]. وقد يترك تكرارها نحو قوله تعالى: {فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُواْ بِاللّهِ وَاعْتَصَمُواْ بِهِ فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِّنْهُ وَفَضْلٍ} [سورة النساء: 175]. أي وأمّا الذين كفروا فسينالهم غضب إلخ...
إمّا: مركّبة من: {إن وما} وهي للإبهام نحو قوله تعالى: {وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللّهِ إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ} [سورة التوبة: 106]. وهي للتخيير نحو قوله تعالى: {قُلْنَا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِمَّا أَن تُعَذِّبَ وَإِمَّا أَن تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْنًا} [سورة الكهف: 86]. ونحو قوله تعالى متحدثًا عن السحرة الذين واجهوا موسى عليه السلام: {إِمَّا أَن تُلْقِيَ وَإِمَّا أَن نَّكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقَى} [سورة طه: 65]. وللتفصيل نحو قوله تعالى: {إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا} [سورة الإنسان: 3].
أو: حرف عطف: الشكّ من جهة المتكلِّم نحو قوله تعالى: {قَالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الْأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ (112) قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أو بَعْضَ يَوْمٍ} [سورة المؤمنون: 112 ـــــــ 113].
وللإبهام: وهو إخفاء المتكلِّم مراده عن السامع نحو قوله تعالى: {وَإِنَّا أو إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أو فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ} [سورة سبأ: 24].
وتكون بمعنى (لا) إذا وقعت بين نفْيَين نحو قوله تعالى: {وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أو كَفُورًا} [سورة الإنسان: 24]...
وللتخيير: ولا يجوز فيه الجمع فتقول هذا أو ذاك، والإباحة ويجوز فيه الجمع نحو قوله تعالى: {فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أو أَشَدُّ قَسْوَةً} [سورة البقرة: 74].
أيّ: تكون شرطًا نحو: {أَيًّا مَّا تَدْعُواْ فَلَهُ الأَسْمَاء الْحُسْنَى} [سورة الإسراء: 110]، وتكون استفهامًا نحو قوله تعالى: {أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَـذِهِ إِيمَانًا} [سورة التوبة: 124]. وتكون موصولًا نحو قوله تعالى: {لَنَنزِعَنَّ مِن كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمَنِ عِتِيًّا} [سورة مريم: 69]. أي الذي هو أشدّ.
وتكون صفة للنكرة نحو قوله تعالى: {وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ} [سورة لقمان: 34].
الباء: أن تكون للتعدية نحو قوله تعالى: {ذَهَبَ اللّهُ بِنُورِهِمْ} [سورة البقرة: 17]. {وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِن طُورِ سَيْنَاء تَنبُتُ بِالدُّهْنِ} [سورة المؤمنون: 20] أي تنبت الثمر الذي يعطي دهنًا للمصباح. ونحو قوله تعالى: {اهْبِطْ بِسَلاَمٍ} [سورة هود: 48] أي معك الاستعانة، نحو قوله تعالى: {بسم الله الرَّحْمـنِ الرَّحِيمِ} أي نستعين باسم الله. والسببيَّة: نحو قوله تعالى: {إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ} [سورة البقرة: 54] أي بسبب اتخاذكم العجل إلهًا. والمقابلة: نحو قوله تعالى: {ادْخُلُواْ الْجَنَّةَ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} [سورة النحل: 32] أي مقابل أعمالكم. والظرفية: نحو قوله تعالى: {نَّجَّيْنَاهُم بِسَحَرٍ} [سورة القمر: 34]: أي سَحَرًا. والمجاوزة: بمعنى عن، كقوله تعالى: {وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاء بِالْغَمَامِ} [سورة الفرقان: 25]: أي عن الغمام. والمرادفة: نحو قوله تعالى: {مَنْ إِن تَأْمَنْهُ بِقِنطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُم مَّنْ إِن تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لاَّ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ} [سورة آل عمران: 75]، والتوكيد: نحو قوله تعالى: {وَكَفَى بِاللّهِ شَهِيدًا} [سورة النساء: 79].
وأخيرًا تأتي للقَسَم نحو: (بالله).
بل: حرف إضراب فإن تلتها جملة كان معنى الإضراب للإبطال نحو قوله تعالى: {وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُّكْرَمُونَ} [سورة الأنبياء: 26] أي بل هم عباد وليسوا أولادًا كما زعموا. وتكون للانتقال من غرض إلى آخر نحو قوله تعالى: {قَدْ أَفْلَحَ مَن تَزَكَّى (14) وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى (15)‏ بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا} [سورة الأعلى: 14 ـــــــ 16]. وقد تكون بمعنى: (إن) نحو قوله تعالى: {بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ} [سورة ص: 2]. وقد تكون بمعنى (هل) نحو قوله تعالى: {بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ} [سورة النمل: 66].
حرف الفاء العاطفة: تفيد الترتيب والتعقيب نحو قوله تعالى: {ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا} [سورة المؤمنون: 14]. ونحو قوله تعالى: {فَرَاغَ إِلَى أَهْلِهِ فَجَاء بِعِجْلٍ سَمِينٍ (26) فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ} [سورة الذاريات: 26 ــــــ 27]. ونحو قوله تعالى: {فَتَابَ عَلَيْهِ} [سورة البقرة: 37] ونحو قوله تعالى: {فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ} [سورة القصص: 15]. وتكون جواب الشرط نحو قوله تعالى: {وَإِن يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدُيرٌ} [سورة الأنعام: 17]. ونحو قوله تعالى: {إِن تُرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنكَ مَالاً وَوَلَدًا (39) فَعَسَى رَبِّي أَن يُؤْتِيَنِ خَيْرًا مِّن جَنَّتِكَ} [سورة الكهف: 39 ــــــ 40]. ونحو: {إِن تُبْدُواْ الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ} [سورة البقرة: 271]. ونحو: {وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللّهِ فِي شَيْءٍ} [سورة آل عمران: 28]. ونحو {إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللّهَ فَاتَّبِعُونِي} [سورة آل عمران: 31].
الكاف: للتشبيه نحو قوله تعالى: {كالبنيان المرصوص} والتعليل نحو قوله تعالى: {وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ} [سورة البقرة: 198] أي واذكروا الله لأنه هداكم.
والتوكيد: وهي الزائدة نحو قوله تعالى: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} [سورة الشورى: 11] أي ليس شيء مثله، إذ لو كانت للتشبيه لصار المعنى ليس مثل مثله شيء وهذا محال.
اللام: للاستحقاق نحو: {الْحَمْدُ للّهِ... الْعِزَّةَ لِلّهِ... وَيْلٌ لِّلْمُطَفِّفِينَ}: أي الذي يستحقّ الحمد والعزة هو الله، والذي يستحقّ الويل هم المطفّفون. لام الاختصاص: نحو قوله تعالى: {لَّهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ} [سورة البقرة: 116]. لام التعليل: نحو قوله تعالى: {وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ} [سورة العاديات: 8] أي من أجل حب المال فهو بخيل؛ ونحو قوله تعالى: {وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ} [سورة النحل: 44]. ونحو قوله تعالى: {لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللّهِ حُجَّةٌ} [سورة النساء: 165].
وأن تكون لتوكيد النفي مسبوقة بما كان نحو قوله تعالى: {وَمَا كَانَ اللّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ} [سورة آل عمران: 179]. ونحو قوله تعالى: {لَّمْ يَكُنِ اللّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ} [سورة النساء: 137] وأكثرهم يسمّيها لام الجحود لملازمتها الجحد أي النفي، والصواب تسميتها بلام النفي لأن الجحد إنكار ما تعرفه لا مطلق الإنكار لقوله تعالى: {وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا كُلُّ خَتَّارٍ كَفُورٍ} [سورة لقمان: 32]. وتكون بمعنى (إلى) نحو قوله تعالى: {بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا} [سورة الزلزلة: 5]. وقوله تعالى: {كُلٌّ يَجْرِي لأَجَلٍ مُّسَمًّى} [سورة الرعد: 2]. وقوله تعالى: {وَلَوْ رُدُّواْ لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ} [سورة الأنعام: 28] وأن تكون بمعنى على نحو قوله تعالى: {وَيَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ} [سورة الإسراء: 109]. ونحو قوله تعالى: {وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ} [سورة الصافات: 103]. ونحو قوله تعالى: {وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا} [سورة الإسراء: 7] أي فعليها.
وأن تكون بمعنى بعد. نحو قوله تعالى: {أَقِمِ الصَّلاَةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ} [سورة الإسراء: 78]. وفي الحديث صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته، أي بعد رؤيته.
وتكون للتوكيد وهي اللام الزائدة لتقوية عامل ضعيف نحو قوله تعالى: {إِن كُنتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ} [سورة يوسف: 43]. ونحو قوله تعالى: {مُصَدِّقًا لِّمَا مَعَهُمْ} [سورة البقرة: 91]. ونحو قوله تعالى: {فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ} [سورة هود: 107]. ونحو قوله تعالى: {نَزَّاعَةً لِّلشَّوَى} [سورة المعارج: 16]. وأحيانًا تحذف اللام كقوله تعالى: {وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ} [سورة يس: 39] أي قدَّرنا له منازل، ونحو قوله تعالى: {وَإِذَا كَالُوهُمْ أو وَّزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ} [سورة المطففين: 3]. أي كالوا لهم ووزنوا لهم.
لو: حرف شرط يدل على تعليق فعل بفعل فيما مضى نحو: {وَلَوْ شَاء رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ} [سورة الأنعام: 112].
للتقليل: كالحديث: تصدّق ولو بشقّ تمرة.
للتمنّي: نحو قوله تعالى: {وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُواْ لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّؤُواْ مِنَّا} [سورة البقرة: 167].
وتكون شرطيّة: أداة امتناع لامتناع نحو قوله تعالى: {وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا} [سورة الأعراف: 176]. فهذا يلزم فيه امتناع الثاني لامتناع الأول.
لولا: تدخل على جملة اسمية ففعليَّة لربط امتناع الثانية بوجود الأولى فتقول: لولا النيل لعطشت مصر، فامتنع العطش عن أهالي مصر لوجود النيل.
ونحو قوله تعالى: {وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلا أَن رَّأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ} [سورة يوسف: 24] فوجود برهان الله في عقل وقلب يوسف، عليه السلام، منعه أن يهتمَّ بها. ونحو قوله تعالى: {لَوْلَا أَنتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ} [سورة سبأ: 31]. أي: وجودكم أنتم منعنا أن نؤمن. ونحو قوله تعالى: {فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنْ الْمُسَبِّحِينَ (143) لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ} [سورة الصافات: 143].
للتحضيض والعرض: نحو قوله تعالى: {لَوْلَا تَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ} [سورة النمل: 46] أي استغفروه، ونحو قوله تعالى: {أَوْ تَأْتِينَا آيَةٌ} [سورة البقرة: 118] أي ائتنا بآية. والفرق بين التحضيض والعرض أن التحضيض طلب بحثٍّ وإزعاج والعرض طلب بلينٍ وتأدّب. نحو قوله تعالى: {لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ} [سورة المنافقون: 10] هنا للعرض. وتكون للتوبيخ والتنديم: نحو قوله تعالى: {وَلَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُم مَّا يَكُونُ لَنَا أَن نَّتَكَلَّمَ بِهَذَا} [سورة النور: 16]. أي هلا حين سمعتموه. أي {الإفك} قلتم ما ينبغي لنا أن نتكلّم بهذا. فهذا توبيخ لهم وحثّ لهم على الندم على ما قالوا:
من: تأتي لابتداء الغاية: وهي الغالب قوله تعالى: {وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا} [سورة الفرقان: 48]. أي نزول الماء كان ابتداء من السماء بغاية إيصاله إليكم لنحيي به بلدًا ميتًا ونسقيه مما خلقنا أنعامًا وأناسيّ كثيرًا... وتأتي للتبعيض نحو قوله تعالى: {حَتَّى تُنفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ} [سورة آل عمران: 92].
ولبيان الجنس نحو قوله تعالى: {يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ} [سورة الكهف: 31]. وللتعليل نحو قوله تعالى: {مِمَّا خَطِيئَاتِهِمْ أُغْرِقُوا} [سورة نوح: 25].
وللبدل: نحو قوله تعالى: {أَرَضِيتُم بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الآخِرَةِ} [سورة التوبة: 38] أي بدل الآخرة. ونحو قوله تعالى: {لَن تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلاَ أَوْلاَدُهُم مِّنَ اللّهِ شَيْئاً} [سورة آل عمران: 10].
والمرادفة: نحو قوله تعالى: {إِذَا نُودِي لِلصَّلَاةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ} [سورة الجمعة: 9].
وللتوكيد: نحو قوله تعالى: {مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِن وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ} [سورة المؤمنون: 91]. فهي هنا زائدة للتوكيد لأننا في استطاعتنا الاستغناء عنها وتبقى الآية مفهومة. والاستغناء هنا نحويًّا فقط، فليس هناك زائد في كلام الله، بل لكل حرف منه فائدة لا يمكن الاستغناء عنها.
القُرآنَ عَرَبيٌّ:
لم يشتمل القرآنُ الكريمُ على كلمةٍ واحدةٍ غيرِ عربيّةٍ مُطلقًا بل كلهُ عربيٌّ، والدليلُ على ذلك قولهُ تعالى: {إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا} [سورة الزخرف: 3]. وقوله: {بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُّبِينٍ} [سورة الشعراء: 195]. وقولهُ: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ} [سورة إبراهيم: 4]. فلو اشتملَ القرآنُ على غيرِ اللّغةِ العربيّةِ لكانَ مخالفًا لهذهِ الآياتِ، ويكونُ الرّسولُ، صلى الله عليه وآله وسلم، قد أُرسِلَ بغير لسانِ قومِهِ، والقرآنُ يُطلَقُ على مجموعِهِ وعلى جزءٍ منهُ، فلو كانَ جزءٌ غيرَ عَربيّ لما كانَ منَ القرآنِ، وأيضًا فإنَّ الله تعالى يقولُ: {وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا أَعْجَمِيًّا لَّقَالُوا لَوْلَا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ} [سورة فصلت: 44]. فنفَى أن يكونَ أعجميًّا.
وأمّا اشتمالُ القرآنِ على ألفاظٍ مأخوذةٍ منَ اللّغاتِ الأخرى كاشتماله على لَفظِ «القسطاسِ» وهي روميّةٌ ومعناها الميزانُ، وعلى لفظِ «الاسْتَبْرَقِ» ومعناها الدّيباجُ الغليظُ، وعلى لفظِ «سِجّيلِ» ومعناها الحجرُ منَ الطينِ وهما لفظتانِ فارسيّتانِ فإنّهُ لا يكونُ بذلكَ مشتملًا على كلماتٍ غيرِ عربيّةٍ لأنَّ هذهِ الألفاظَ قد عُرّبَتْ فصارت معرّبَةً، فهو مشتمِلٌ على ألفاظٍ مُعَرَّبةٍ لا على ألفاظٍ غيرِ عربيّةٍ. واللفظُ المعرّبُ عَربيٌّ، كاللفظ الذي وضعتْهُ العربُ سواءٌ بِسواءٍ. والشّعرُ الجاهليّ قدِ اشتملَ على ألفاظ معرّبةٍ من قَبلِ أن يٌنَزَّلَ القرآنُ مثلَ كلمةِ «السّجنجل» بمعنى المرآةِ في شعرِ امْرِئِ القيسِ وغيرِها منَ الكلماتِ عندَ كثيرٍ من شعراءِ الجاهليةِ. والعربُ كانوا يعدّون اللّفظَةَ المعرّبةَ عربيةً كاللفظةِ التي وضعوها سواءٌ بسواء. والتّعريبُ لَيسَ أخْذًا للكلمةِ منَ اللّغاتِ الأخرى كما هي ووضعها في اللّغةِ العربيّةِ بلِ التَعريبُ هَو أن تُصاغَ اللّفظةُ الأعجميّةُ بالوزن العربيّ فتصبحَ عربيّةً بعدَ وضعِها على وزنِ الألفاظِ العربيّةِ أو على قَولِهِمْ على تفعيلةٍ من تفعيلاتِ اللّغةِ العربيّةِ، مِثْلَ أفْعَلَ وَفَعَلَ وَفَاعَلَ وافْتَعَلَ وَانْفَعَلَ وغيرِها. فإن وافقتْها ووافقتْ حروفُها حروفَ اللغةِ العربيّةِ أخذوها، وإنْ لم تكنْ على أوزانِ التّفعيلاتِ العربيّةِ ولم توافق أيَّ وزنٍ من أوزانِ العربِ حَوَّروها بزيادةِ حرفٍ أو بنقصانِ حرفٍ أو حروفٍ وصاغُوها على الوزنِ العربيّ، وكذلك يفعلونَ في حروفِها فيحذفونَ الحرفَ الذي لا ينسجمُ معَ اللّغةِ العربيّةِ، ويضعونَ بدلًا منهُ حرفًا من حروفِها حتى يُصبحَ جزءًا منها. فالتّعريبُ هو صوغُ الكلمةِ الأعجميّةِ صياغةً جديدةً بالوزنِ والحروفِ حتى تُصبحَ لفظةً عربيّةً في وزنها وحروفِها.
وبمناسبةِ الحديثِ عنِ الألفاظِ المعرَّبةِ قد يردُ سؤالٌ وهوَ: هلِ التّعريبُ خاصٌّ بالعربِ الأقحاحِ الذينَ وضعُوا اللّغةَ العربيّةَ ورُوِيَتْ عَنهُم أمِ التّعريبُ جائزٌ لكلِّ عربيّ في كلِّ عَصرٍ؟
الجوابُ عن ذلكَ: التّعريبُ جائزٌ لكلِّ عربيّ في كلِّ عَصرٍ شرطِ أن يكونَ مجتهدًا في اللُّغةِ العربيّةِ. لأنَّ التّعريبَ ليسَ وضعًا أصليًّا بل هُوَ صياغَةٌ عَلى وزنٍ مخصوصٍ بحروفٍ مخصوصةٍ. هذا هو واقعُ التّعريبِ، وأمّا الوضعُ فخاصٌّ بالعربِ الأقحاحِ وحدهُم، ولا يجوزُ لغيرِهِمْ، لأنّهُ إيجادٌ من شَيءٍ غيرِ موجودٍ من الكلامِ. والاصطلاح ابتداء فلا يصحُّ إلَّا لأهلِ الاصطلاحِ، لكنَّ التّعريبَ ليسَ إيجادًا لشيء غيرِ موجودٍ بل هو اجتهادٌ في الشيءِ الموجودِ، وهوَ ليسَ اصطلاحًا ابتداءً بل هُو اجتهادٌ فيما جرى الاصطلاحُ عَلَيهِ. فإنَّ العربَ قَدْ حدّدتْ حروفَ العربيّةِ بحروفٍ معينةٍ وعددٍ محدّدٍ، والتّعريبُ هوَ صَوْغُ لفظةٍ من هذهِ الحروفِ على وزنٍ منَ الأوزانِ العربيّةِ.
ومن هنا كانَ جائزًا لكلِّ مجتهدٍ في اللّغةِ العربيّةِ، فهو كالاشتقاقِ سواءٌ بسواءٍ. فالاشتقاقُ أن تصوغَ من المصدرِ فعلًا أو اسمَ فاعلٍ أو اسمَ مفعولٍ أو غيرَ ذلكَ منَ المشتقّاتِ مِن حروفِ العربيّةِ وعَلى استعمالِ العربِ، سواءٌ أكانَ ما صغتَهُ قد قالتْهُ العربُ أم لم تقلْهُ. والمشتَقُّ لا خلافَ في جوازهِ لكلِّ عالِمٍ بالعربيّة، فكذلكَ التّعريبُ لأنّهُ صياغةٌ وليسَ بوضعِ، ولهذا فإنَّ التّعريبَ ليسَ خاصًّا بالعربِ الأقحاحِ بلْ هَو عامٌّ لكلّ مجتهدٍ باللّغةِ العربيّةِ، غَيْرَ أنّهُ ينبغي أنْ يُعْلَمَ أنَّ التعريبَ خاصٌّ بأسماءِ الأشياءِ وليسَ عامًّا لكلِّ لفظٍ أَعجميّ. فالتّعريبُ لا يُدخلُ الألفاظَ الدّالّةَ على المعاني ولا الجُمَلَ الدّالةَ على الخيالِ، بل هو خاصٌّ بأسماء الأشياءِ ولا يصحُّ في غيرها مطلقًا. والعربُ حينَ عَرَّبتْ إنّما عرّبت أسماءَ الأشياءِ ولم يجرِ التّعريبُ في غيرِها. فإنهم بالنّسبة إلى المعاني قدْ وضعوا الاشتقاق وبالنّسبةِ إلى التخيّلاتِ والتّشبيهاتِ قد وضعوا المجازَ ولم يستعملوا التّعريبَ إلَّا في أسماءِ الأشياءِ، ويدخلُ فيها أسماءُ الأعلامِ مثلَ إبراهيمَ. ولهذا لا يجوز التّعريبُ إلّا في أسماءِ الأشياءِ وأسماءِ الأعلامِ ولا يجوزُ في غيرِهما، أمّا غيرُ أسماءِ الأشياءِ وأسماءِ الأعلامِ فإنَّ مجالَ أخذِها واسعٌ في الاشتقاقِ والمجازِ. فإنَّ الاشتقاقَ مجالٌ واسعٌ لأخذِ المعاني والتعبير عنها مهما بلغت من الكثرةِ والتّنوُّعِ، وكذلك المجازُ مجالٌ خصبٌ لأخذِ الخيالِ والتّشبيهاتِ والتّعبيرِ عنها مَهما كانت، ومن هنا كانَ لزامًا على علماءِ اللّغةِ العربيّةِ أن يُوجدُوا ألفاظًا جديدةً للأسماءِ والمعاني الجديدةِ ولا مناصَ لهم من إيجاد هذهِ الألفاظِ الجديدةِ وإلّا وقفوا عنِ السيرِ معَ الحياةِ ومتطلّباتِها، ووقفوا عن بيانِ حُكمِ الشرعِ في وقائعَ وأشياءَ لا بدَّ من بيانِ حكمِ الشّرعِ فيها. واللّغةُ العربيّةُ نفسُهَا إنّما تبقى وتحيا بالاستعمال فإذا وُجِدَتْ معان جديدةٌ ضروريّةٌ لحياةِ الأمّةِ ولم توجَدْ في اللّغةِ العربيّةِ ألفاظٌ تعبّرُ بها عنها انصرفَتِ الأمّةُ حتمًا إلى لُغَةٍ أخرى لتعبِّرَ بها عمّا هُوَ من ضروريّاتِها وبذلكَ تجمدُ اللّغةُ ثم معَ الزّمنِ تُتْرك وتُهجر.
ومن هنا كان التّعريبُ كالاشتقاقِ والمجازِ ضرورةً من ضروراتِ حياةِ اللّغةِ العربيّةِ وبقائِها لذلكَ لا بدَّ منَ التّعريبِ. واللّغةُ العربيّةُ ليستْ في حاجةٍ إلى أن يُؤخَذَ معنى اللْفظةِ الأعجميّةِ ويعبّرَ عنه بلفظٍ يدلُّ على معنى مثلِهِ بالعربيّةِ كما حاولَ المسلمون أن يفعلوا، بل تُؤخذُ اللّفظةُ الأعجميّةُ نفسُها وتُصاغُ على وزنٍ عربيّ، فما فعلوهُ من وضعِ كلماتِ قطارٍ وسيّارةِ وهاتفٍ ومِقودٍ وما شاكلَ ذلكَ عمَلٌ كلّهُ خطأٌ. ويدلُّ على الجمودِ الفكريّ وعلى الجهلِ المــُــطبِقِ. فهذهِ أشياءُ وليستْ معاني ولا تخيّلاتٍ وتشبيهاتٍ فلا تُوضَعُ لها أسماءٌ لمعانٍ تشبهُها ولا تُشقُّ لها أسماءُ بل تُؤخذُ أسماؤها الأعجميّةُ نفسُها وتُصاغُ على تفعيلةٍ من تفعيلاتِ العربِ. فكلمةُ «تلفون» كان يجبُ أن تُؤخذَ كما هي لأنَّ وزنها وزنٌ عربيٌّ «فعلول» ومنها عربون وحروفُها كلُّها حروفٌ عربيِّةٌ وكلمةُ «كِدون» وزنها وزنٌ عربيٌّ «فعول» ومنهُ جهول، لكنَّ حرف «G»غيرُ موجودٍ في اللغةِ العربيّةِ فيوضعُ بدلًا منه حرف «غ» فيُقالُ «غدون» أو «ج» فيُقالُ «جدون» فتصبحُ لفظةً معرّبةً وهكذا. ومن هنا لم تكن الألفاظُ التي وُضعتْ لأسماءِ الأشياءِ الجديدةِ كالقطارِ والسيّارةِ ونحوهما لا تُعدّ من ألفاظِ اللّغةِ العربيّةِ مُطلقًا لأنَّ اللفظَ العربيَّ هو اللّفظُ الذي وضعه العربُ للدّلالةِ على معنى معينٍ، فإذا حصلَ اصطلاحٌ للفظٍ وضعَهُ العربُ على معنى لم يضعوهُ لهُ كانَ ذلكَ حقيقةً شرعيّةً أو حقيقةً عُرفيّةً وليسَ حقيقةً لُغويةً.
والحقيقةُ اللُّغويّةُ هي اللّفظُ المستعملُ فيما وُضعَ له أولًا في اللُّغةِ، ولفظُ المِقودِ وما شابَهَهُ لم يضعهُ العربُ بإزاء هذا المعنى للدلالةِ عليه فلا يكونُ حقيقةً لُغويّةً، وبما أنّهُ ليس حقيقةً شرعيّةً ولا حقيقةً عُرفيّةً، فإنه يكونُ لفظًا غيرَ عربيٍّ لأنّ ألفاظَ اللّغةِ العربيّةِ لا تخرجُ عَن هذه الثلاثِ.
حَديث شريف «أنا أفصَح العَرَب بَيْدَ أنّي من قريش»:
كانتْ وفودُ العربِ إذا جاءتْ إلى مكّةَ في أوقاتِ الحجّ تتحاكمُ في سوقِ عُكَاظٍ إلى قريشٍ، وتنزِلُ عندَ أحكامِ أئمّتِها وجهابِذَتها من دونِ أدنى اعْتراضٍ. ومعَ أنْ القبائلَ التي كانتْ تؤمّ السوقَ العكاظيّة من جميعِ الأمصارِ العربيةِ لمْ تكنْ لتألوَ جهدًا في تهذيبِ أشعارِها وانتقاءِ ألفاظِها واختيارِ معانيها، لكي تنالَ موقِعًا في قلوبِ القرشيينَ فكانَ أن انتشرتِ الألفاظُ السّلِسَةُ الرقيقةُ بينَ القبائلِ العربيةِ. على أنّ قريشًا لمْ تَعْدَمْ مع ذلكَ فائدةً منْ هذا الامتزاجِ بهذهِ الوفودِ إذْ كانتْ تتخيّرُ من منظومهِمْ ومنثورِهِمْ أحسنَ الألفاظِ وأصفى الأوضاعِ وتضمّهُ إلى ما عندها من الكلماتِ الفصحى حتى صارتْ بذلكَ أفصح العرب، وخلت لُغَتُها من الألفاظِ الركيكةِ كالكشكشةِ، وهيَ في ربيعة ومضرَ الذين كانوا يجعلونَ بعْد «كاف» الخطاب في المؤنث شينًا فيقولونَ: وبكش وعليكش، وقرأ بعضهم: قد جعل ربش تحتش سريًّا بدل: {قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيّاً} [سورة مريم: 24] في سورةِ مريم. والعنعنة وهي الشائعةُ في لغَةِ قيسٍ وتميمٍ التي تجعَلُ في أوّلِ الكلمةِ عيْنًا، فيقولونَ في «أنك» عنّك، وفي «أسلم» عسلم، وفي «إذن». عذن. ومن ذلكَ الوتم في لغةِ اليمنِ التي تجْعَلُ السين تاءً كالنّاتِ في النّاسِ وأنشدوا:
يا قبّحَ الله بني السعلات عمرو بن يربوع شرار النات
والشنشنة التي تقلبُ الكافَ شينًا: اللّهمّ لبيش، أي لبيك.
ومن ذلكَ الاستنطاء في لغةِ سعدِ بن بكرٍ والأزْدِ والأنصارِ، وهو جَعْلُ العينِ الساكنَةِ «نونًا» إذا جاورتِ الطّاءِ كأنطى في أعطى.
وقبائلُ العربِ التي أُخِذَ عنها اللسانُ العربيّ هي قيسٌ وتميمٌ وأسد، وعلى هؤلاءِ اتّكِلَ في الغريبِ وفي الإعرابِ والتصريفِ. ثمّ هذيلٌ وقسمٌ منْ كنانة والطائيينَ، ولم يُؤخَذْ عن غيرهمْ من سائرِ القبائلِ. كما لم يُؤخَذْ عن حضَري قطّ ولا عن سكّان البراري ممن كانَ يسكنُ أطرافَ بلادهِم المجاورةِ لسائرِ الشعوبِ الذين حولهم. فلم يُؤخَذْ من لخمٍ ولا من جذامٍ لمجاورتهمْ أهْلَ مصرَ والقِبْطَ، ولا منْ قُضاعةَ وغسّانَ وإيادٍ لمجاورتهمْ أهلَ الشّامِ، وأكثَرُهُمْ نصارى يقرؤونَ بالعبرانيّةِ ولا من تَغْلِب لأنهُمْ كانوا في الجزيرةِ مجاورينَ لليونانِ، ولا من بكرٍ لمجاورتهم للفُرسِ، ولا من عبدِ القيسِ وأزدِ عُمان، لأنهم كانوا في البحرينِ يخالطونَ الهندَ والفرسَ، ولا من أهلِ اليمنِ لمخالطتهم الهندَ والحبشَةَ، ولا من بني حنيفةَ وسكانِ اليمامةِ، ولا من ثقيفٍ وأهلِ الطائفِ لمخالطتِهِمْ تجّارَ اليمنِ المقيمينَ عندهمْ، ولا من حاضرَةِ الحجازِ لأنّ الذينَ نقلوا اللّغةَ حين ابتدأُوا يَنقُلونَ لغة العرب، وجدوا شيئًا منَ الفسادِ في ألسنتِهِمْ بعْدمَا اختلطوا بغيرهمْ منَ الأعاجمِ. والذي نَقَلَ اللّغةَ واللّسانَ العربيّ عن هؤلاءِ، وأثبتها في كتابٍ فسيّرها عِلمًا وصناعةً هم أهلُ البصرةِ والكوفةِ فقط من بينِ أمصارِ العربِ، وكأنّ المولى عزّ وجلّ قد أرادَ السّلامةَ لهذهِ اللغةِ الشريفةِ، فلم تنقشع غيومُ الجاهليّة حتى جاءَ القرآنُ الكريمُ بلغتهِ الفُصحى، وهو الذي عَلّمَ الشعراءَ والكتابَ أسْلَسَ الألفاظِ وأبلغَ الجُمَلِ، وحرّرهمْ منَ الخشونةِ الجاهليّةِ والغلاظةِ البدويّةِ، وهو الذي أوحى إلى الحكماءِ جوامِعَ البيانِ ومعجزاتِه.
ومن فصاحةِ رسولِ الله، صلى الله عليه وآله وسلم، أنّهُ تكلّمَ بجملٍ لم يسبقه إليها أحَدٌ منَ العربِ كقولهِ ماتَ حَتْفَ أنْفِهِ. وحَمِيَ الوطيسُ. ولا يُلْدَغُ المؤمنُ من جُحْرٍ مرّتينِ.
فإذا علمت هذا فإليك صورة واضحةً عن التفسير باللغة العربية الكريمة لكتاب الله سبحانه وتعالى ومناهجه وكيفية تفسيره.



Copyright © Samih Atef El-Zein 2010     VINTOB