العقود
الطبعة : الطبعة الثانية  
المؤلف : سميح عاطف الزين
عدد الصفحات :   800
تاريخ النشر :   2013




حكمُ الضّرورة في تناول الطعام

الضّرورةُ في الأطعمة والأشربة حالةٌ خاصةٌ تأتي على الإنسانِ ويكون فيها مكرهًا على تناولِ طعامٍ أو شرابٍ محرَّم عليه شرعًا، من دون قصدٍ منه أو خيار. ولذلك تترتّب عليها أحكامٌ شرعيةٌ تُبيح له المحظور عليه، وتُجيز له مخالفة الواجب الشرعي.
أولاً - تعريفُ الضّرورة وحكمُها:
الضرورةُ تعني وصول الإنسان المسلم إلى الحالةِ التي يخافُ فيها على نفسه من الهلاكِ بصورةٍ قطعيّةٍ أو ظنيّةٍ، فلا يُشترطُ فيها بالتالي أن يُشرفَ على الموت. وعند ذلك الخوفِ يباحُ للمضطرِّ تناولُ الطعام أو الشراب المحرَّم لاضطراره إليه حفاظًا على حياته.
والقاعدةُ الإسلاميةُ التي تقولُ: إن الضّروراتِ تبيحُ المحظورات، هي قاعدةٌ مبنيَّةٌ على ما ورد في شريعتنا السمحاءِ من نصوصٍ تهدفُ إلى عدم الضرر، وعدم الحرج، بل السعةِ واليسرِ لما فيه مصلحةُ الإنسان، والحفاظ على حياته، وصونُ نفسه وبدنه من الأذى، كما أبان ذلك القرآن الكريم، وطبّقته السُنّةُ النبويةُ الشريفة.
إن الله سبحانه وتعالى، وهو الخبيرُ اللطيفُ بعباده، قد سنَّ في كتابه المبين تلك الأحكامَ الشرعيةَ التي تُتيحُ للإنسان العيشَ بيسر واطمئنان، بعيدًا عن الضغطِ والإكراهِ، فقال عزَّ وجلَّ في محكم التنزيل: {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ}(+) . وقال سبحانه: {إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ فَلاَ إِثْمَ عَلَيْهِ}(+) .
وقال تعالى: {فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ*}(+) .
وسيدنا رسولُ الله (ص) وهو الذي كان يتلقَّى الوحيَ الإلهيَّ، ويطبِّقه، قد وجّهنا وأمرنا بالابتعاد عن كل ما فيه ضررٌ في حياتنا فقال (ص): «لا ضرار ولا ضرار»(+) . وقال (ص): «وكلُّ ما غلب الله تعالى عليه فهو أولى بالعذر». وقوله هذا يعني أن البارئ سبحانه وتعالى، يعذر المغلوبَ على أمره، لأسباب قاهرة لا قدرةَ له على دفعها، ما دام عذره ناجمًا عن واقعٍ لا مناصَ من مواجهته، والتعاملِ معه للخروج بأخفِّ العواقب وطأةً على حياته. ومن هنا كانت تلك الأحكامُ التي تبيحُ له أن يتناولَ طعامًا أو شرابًا، مما هو محرَّم عليه أصلاً بسبب اضطراره إلى ذلك، ومن دون تعدٍّ على حدود الله تبارك وتعالى.
وحكمُ الضرورة، كما قالت به المذاهبُ الإسلاميةُ الخمسةُ، يظهر كما يلي:
ـ قال الشيعة الإمامية: المضطرُّ من يخافُ على نفسه الهلاكَ، أو من يخشى حدوثَ المرضِ أو زيادته، أو من يخافُ الوقوعَ في الضعف والانهيار، إذا لم يتناول المحرَّمَ، في أيٍّ من هذه الحالات. أو هو من يخافُ الأذى على نفس أخرى محترمة: كالحامل تخافُ على حملها، والمرضعةِ على رضيعها. أو هو من أكرهَهُ جبّارٌ أو متسلِّطٌ أو قويٌّ على أكلِ المحرّم أو شربه حتى إذا لم يفعلْ آذاه في نفسه، أو في عرضه أو في ماله، أو في نفسٍ أخرى محترمةٍ أو في عرضها، أو في مال الغيرِ المتوجب عليه.
ومتى تحقق الاضطرارُ حلَّ للمضطرِّ أن يتناولَ من الشيءِ المحرّمِ مِقدارَ ما يرتفعُ به الضرر. قال الإمام الصادق (عليه): أباح الله تعالى المحرّمَ للمضطرِّ في الوقت الذي لا يقومُ بدنُه إلاَّ به، فأمَره أن ينالَ منه بقدر البُلْغَةِ لا غير»(+) .
ولو امتنع المضطرُّ عن تناول المحرَّم، مؤثرًا الضررَ فهو آثم، لأنه يكون قد خالف قولَ الله تعالى: {وَلاَ تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ}(+) .
فحالةُ الاضطرار تُسقطُ الخطابَ التكليفيَّ الذي يترتبُ الإثمُ والعقابُ عليه، ولا تُسقطُ الخطابَ الوضعيَّ الذي هو حقٌّ للغير. فمن اضطُرَّ إلى التناولِ من مالِ غيرِهِ لدفعِ الهلاكِ جاز له أن يأخذَ منه ما يسدُّ الرمقَ ويحفظُ الحياة، طابت نفسُ المالكِ أو أبت، ولكن على المضطرّ ضمانُ القيمة.
وقد ذهب بعضُ علماء الشيعة الإمامية إلى أنه «إذا امتنع صاحبُ الطعام عن بذله إلاَّ بأكثَر من ثمنه، جاز للمضطرّ قتالُه دفعًا للضرر عن نفسه. فإن قُتل المضطرّ كان على صاحب الطعام الديةُ أو القصاصُ، وإن قُتل صاحبُ الطعام فدمُهُ هدر»(+) .
ـ وقال الأئمة الأربعة: إنَّ حكمَ الاضطرار هو وجوبُ الأكل من المحرَّم، بمقدار ما يسدُّ رمقَ المضطر، ويُبعدُ عنه الهلاكِ. وقد استدلّوا على ذلك بقول الله تعالى: {فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ فَلاَ إِثْمَ عَلَيْهِ}، وبقوله تعالى: {وَلاَ تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ}؛ ففي هاتين الآيتين الكريمتين الترخيصُ بتناول المحرَّم للضرورة. ومن ترك الأكلَ والشربَ حتى هلك، فقد عصى، لأن في ذلك إلقاءَ النفس إلى التهلكة، وهو منهيٌّ عنه في محكم التنزيل. هذا بخلاف من امتنع عن التداوي حتى مات، إذ لا يَعصي بالترك، لأنه غيرُ مستيقنٍ أن الدواء يشفيه.
وبالإضافة إلى ذلك فهناك أحكامٌ أخرى قالت بها المذاهبُ الأربعة، وأبرزها:
ـ عند أبي يوسف، وأبي إسحاق (صاحب المهذَّب) وعند بعض الحنبلية: أنه لا يجبُ على المضطرّ الأكلُ من الميتة ولحم الخنزير، بل يباح له. وهذه الإباحةُ ناجمةٌ عن أن له غرضًا في تركه، وهو أن يجتنبَ ما حُرّم عليه، ولما رُوي عن عبد الله بن حُذافة السهميّ صاحب رسول الله (ص) من «أن طاغية الروم حبسه في بيت، وجعل معه خمرًا ممزوجًا بماء، ولحم خنزيرٍ مشويّ ثلاثة أيام، فلم يأكل، ولم يشرب، حتى مال رأسه من الجوع والعطش، وخشوا موته، فأخرجوه. فقال: قد كان الله تعالى أحلَّه لي، لأني مضطر، ولكن لم أكن لأشمتَك بدين الإسلام». ولأن إباحةَ الأكل رخصةٌ، فلا تجب عليه كسائر الرخص(+) ، ولأن قولَه تعالى: {فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلاَّ مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ}(+) استثناءٌ من التحريم، والاستثناءُ من التحريم حِلٌّ أو إباحة، كما يقررُ الأصوليون.
ثانيًا - شروطُ الضرورة:
لا بدّ من توافر شروطٍ أو ضوابطَ للضرورة:
1 ـ أن تكون الضرورةُ قائمةً وحالَّةً لا منتظرةً في المستقبل. أي أن يحصل في الواقع خوفُ الهلاك على النفس أو المال، بغلبة الظنّ بحسب التجارب، أو التحقّق من خطر التلف، لو لم يأكل، ويكفي في ذلك الظنّ.
2 ـ أن يُفْرضَ على المضطرّ ارتكاب المحظور الشرعيّ، أي ألاّ يكون هنالك وسيلةٌ أخرى لدفع الخطر إلاَّ تناول المحرَّم، إذ لا يجد شيئًا آخر غيرَه يرفع الخطر عنه.
3 ـ أن يتوافرَ العذرُ الذي يبيحُ الحرامَ كالخوفِ من الهلاك بسبب الجوع، أو خوفِ العجز عن المشي والانقطاع عن الرفقة إذا كان يؤدّي إلى الهلاك.
وقد ذهب الشافعية والحنبلية إلى القول بأن كل ما يبيحُ التيمُّم يبيحُ تناول المحرَّم، أو ارتكابَ المحظور.
4 ـ ألاَّ يخالفَ المضطر الإسلامَ. فلا يحلُّ الزنى والقتلُ والكفرُ والغصبُ بأيّ حال، لأنها مفاسدُ بذاتها، وإن كان يرخّصُ في إظهارِ الكفر على اللسان مع اطمئنان القلب بالإسلام، كما يرخّصُ بأخذ طعام الغير إذا لم يكن هو أيضًا مضطرًا إليه.
وهذا ما يجعل الإباحة تختلفُ عن الرخصة: فالإباحةُ تقلب الحرامَ حلالاً، وتزيلُ عنه صفةَ الحرمة، في حين أن الرخصةُ تمنعُ الاثمَ ويظلُّ الفعل حرامًا.
5 ـ أن يقتصرَ التناولُ في رأي الجميع، على الحد الأدنى أو القدر اللازم لدفع الضرر.
6 ـ أن يصفَ المحرَّمَ - في حالِ ضرورةِ الدواءِ - طبيبٌ عدلٌ ثقةٌ في دينه وعلمه، و ألاَّ يوجد علاجٌ آخر من غير المحرَّم يقومُ مقامه.
ولا يتقيدُ الاضطرارُ بزمنٍ مخصوصٍ لاختلافِ الأشخاص في ذلك(+) .
ثالثًا - نوعُ الشيء المستباح للضرورة:
يُستباحُ للضرورة كلُّ شيء محرَّم، يردُّ جوعًا أو عطشًا، كالميتة من الحيوان، والخنزير، وطعام الغير ونحوه(+) .
واستثنى المالكيةُ الآدميَّ والدمَ، والخنزيرَ، والأطعمةَ النجسة كالعَذِرَةِ والأشربة النجسة، إلا الخمرَ لدفع الغصَّة، ولا تباحُ لجوعٍ ولا لعطشٍ لأنها لا تدفعه. واستثنى الحنبلية تناولَ السَّمّ ونحوه لأنه يضر.
واتفق الأئمةُ جميعًا على أنه لا يباحُ قتل إنسانٍ مسلم، أو كافرٍ معصوم، أو إتلافُ عضو منه لضرورة الأكل، لأن ذلك يُعدّ مُثْلَةً. وبناء عليه لا يباحُ الإنسانُ الحيُّ للضرورة أو غيرها.
وذهب الجمهورُ إلى عدم إباحة الأكل من الإنسان الميت، لقول رسول الله (ص): «كسر عظم الميت ككسره حيًّا»(+) . في حين أن الشافعية(+) أجازوه، وذلك بقولهم: إن للمضطرّ أكل الآدميّ الميت إذا لم يجدْ ميتةً غيره، ما لم يكن الميت نبيًّا فلا يجوزُ بحالٍ من الأحوال لمسُهُ وأكلُهُ. كما قال الشافعيةُ بعدم الجواز للمسلم أن يأكلَ الميت المسلم، ولو في حالة الضرورة.
وقال الحنبلية بجواز أكل الآدميّ الميت غير المعصوم، أي مباحَ الدم كالحربيِّ، والمرتدِّ، والزاني المحصِنِ، والقاتلِ في الحرب(+) .
وبخصوص شقّ الميت: فقد أجاز الشافعيةُ أو تُشقَّ بَطْنُ الميتة لإخراج ولدها. في حين أن المالكية والحنبلية لم تُجِزْهُ، لأن مثلَ هذا الولد لا يعيشُ عادةً.
وقال الحنفية والمالكية والشافعية بجواز شقِّ بطن الميت لإخراج مالٍ منه كان ابتلعه. وقد اشترط المالكية لذلك أن يكونَ المالُ بمقدار نصابِ الزكاة. أما إذا ابتلعه بقصد حرمان الوارث، فيُشقُّ بطنه ولو قلَّ المال.
أما الشقُّ لأغراضِ الطب والعدل: فقد ذهب جمهورُ الفقهاء إلى القول بجواز التشريح عند الضرورة أو الحاجة بقصدِ التعليم لأغراضٍ طبّية، أو لمعرفةِ سبب الوفاةِ وإثبات الجناية على المتهم بالقتل، أو غيرِ ذلك من الأغراض الجنائية للوصول إلى الأدلة التي تحققُ العدلَ في الأحكام القضائية. لكنهم اشترطوا عدمَ التوسع في التشريح لمعرفة وظائف الأعضاء، والاقتصار فقط على قدر ما تتطلبه حالةُ الضرورة أو الحاجة.
وبناء على تلك الآراء المبيحة للتشريح، فقد أجاز بعضُ الفقهاء نقلَ أعضاءٍ من إنسانٍ إلى آخر كالقلب والعين والكبد.. وما إلى ذلك، شرط أن يتأكد الطبيبُ المسلمُ الثقةُ العدلُ موتَ المنقول عنه. وقد بَنَوا رأيهم على ذلك بأن الحيَّ أفضلُ من الميت، والمساعدةُ على توفير الحياة لإنسانٍ، أو توفير البصر له، نعمةٌ مطلوبةٌ شرعًا.
رابعًا - التداوي بالخمر:
وفيه أقوالٌ متباينةٌ للفقهاء:
ـ فعند الشيعة الإمامية رأيان مختلفان:
الأول: وهو القائلُ بجواز التداوي بالخمر مع الاضطرار.
والثاني: وهو القائلُ بأن للمضطر أن يتناولَ ما يزيلُ به الضرر من جميع المحرمات، إلاَّ الخمر، فإنها لا تحلُّ له بحال، بل لا يجوز التداوي بأدويةٍ فيها شيءٌ من المسكر.
والرأيُ الغالب عند الشيعة الإمامية هو جواز التداوي بالخمر أو بغيرها من المسكرات إذا انحصر الدواءُ والشفاءُ بها، لأن إنقاذ النفس من التلف واجبٌ، وتركَهُ محرّم، وهو أغلظُ تحريمًا من الخمر، لأنه لو تعارض التحريمان لوجب ترجيحُ الأخفّ، وتركُ الأقوى. فتحريمُ الميتةِ ولحمِ الخنزير فاحشةٌ أشدُّ من تحريم الخمر، فإباحتهما للمضطرّ توجبُ إباحةَ الخمر بطريقٍ أَوْلى.
وقال الأئمة الأربعة(+) : يحرمُ، على الراجح، الانتفاعُ بالخمر، وسائرِ المسكرات للمداواة وغيرها، لقول رسول الله (ص): «إن الله تعالى لم يجعل شفاءكم فيما حرم عليكم»(+) . ولما رواهُ طارق بن سويد أنه سأل النبيَّ (ص) عن الخمر، فنهاه، وكره أن يصنعها، فقال: إنما أصنعها للدواء؟ فقال (ص): «إنه ليس بدواء، ولكنه داء»(+) . وروي أيضًا بلفظ: إن الله تعالى خلق الداءَ والدواءَ، فتداووا، ولا تتداووا بحرام»(+) . ومع ذلك فقد برزت اتجاهاتٌ كثيرة لدى المذاهب حول التداوي بالمحرمات:
فقال الحنفية: يجوزُ التداوي بالمحرّم إن عُلم يقينًا أن فيه شفاءً، ولا يقوم غيرُه مقامَه.
وأبان القرطبي(+) : جوازَ الانتفاع بالخمر للضرورة مُستدلًّا على ذلك بقوله تعالى: {فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ}، فَرفعت الضرورةُ التحريمَ.
وقيد الشافعية(+) حرمة التداوي بالخمر إذا كانت صرفًا غيرَ ممزوجةٍ بشيء آخرَ تُستهلكُ فيه.
وقد أجاز جمهورُ الفقهاء شربَ الخمر، عند الضرورة، لدفع العطش، أو الغصّة، أو الإكراه، وَقَدْرَ ما تندفعُ به الضرورة، على أساس أن الحفاظ على الحياةِ يقضي بإباحةِ كلِّ ما يطفئ الظمأ(+) .وقيد الحنبليةُ شربَ الخمر لضرورة العطش، أن تكون ممزوجة بما يروي من العطش، فتباح حينئذٍ فقط(+) .
خامسًا - حكمُ أخذِ الطعامِ قهرًا للضرورة:
القاعدةُ العامّةُ أنه لا يجوزُ لأحدٍ أن يتصرفَ في مال غيره، بأيّ وجهٍ من وجوه التصرف إلا بإذنه. وقد استثنى الشيعة الإمامية من ذلك أمرين:
الأول: عدمُ الحرج من أكل بيوتِ الذين عدَّدهم قولُ الله تعالى: {وَلاَ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ آبَائِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أُمَّهَاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ إِخْوَانِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخَوَاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَعْمَامِكُمْ أَوْ بُيُوتِ عَمَّاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخْوَالِكُمْ أَوْ بُيُوتِ خَالاَتِكُمْ أَوْ مَا مَلَكْتُمْ مَفَاتِحَهُ أَوْ صَدِيقِكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَأْكُلُوا جَمِيعًا أَوْ أَشْتَاتًا}(+) .
فيجوزُ للإنسان أن يأكلَ من أيّ بيتٍ من هذه البيوت، في الأحوال العادية، فكيف في حالة الضرورة، وسواءٌ أذن أصحابها أو لم يأذنوا. ولكن إذا نهى أصحابها عن الأكل أو علم بالقرينة عدمَ الرضا، فلا يجوز. وهذا هو الفرقُ بين هذه البيوت، وسواها من مال الغير، حيث لا يجوزُ تناولُ شيءٍ منه، وإن قلَّ، إلا بالإذن الصريح من المالك، أو العلم برضاه.
والمرادُ بالأكل من تلك البيوت تناولُ شيءٍ من الفاكهة، أو الخضار، أو الطعام المعتاد الذي أُعدَّ لغداء أو عشاءِ أصحاب البيت، من دون الشيء العزيز الذي يُدّخَر لحالاتٍ خاصة. فقد سئل الإمام الصادق (عليه) عما يحلّ للرجل من بيت أخيه؟ فقال (عليه): «المأدوم والثمر».
وقد فسَّر بعضُ الفقهاء قولَه تعالى: {مِنْ بُيُوتِكُمْ} بأنها تشملُ أيضًا بيوتَ الأبناء، لأنه إذا جاز للأخ أن يأكلَ من بيت أخيه، وللوكيل أن يأكلَ من المال الموكّل به، فبالأَوْلى أن يجوزَ للوالد أن يأكلَ من بيت ولده، هذا بالإضافة إلى أن الرسول الأعظم (ص) يقول: «أنت ومالك لأبيك»(+) .
والثاني: الأكلُ مما يمرُّ به الإنسان من فاكهة، أو خضار، وهو المعروف بحقّ المارة، شرط ألاّ يُفسدَ شيئًا مما يمرُّ به في البستان أو الحقل، وألاّ يحملَ معه شيئًا، وإن كان لا يعلمَ، أو يظنَّ بعدم رضا المالك. فإذا قصد الضرر، أو أفسد، أو حمل معه شيئًا كان آثمًا.
ولا خلافَ بين الفقهاء(+) والأئمة الأربعة في أنه يجب على مالك الطعام، إذا لم يكن مضطرًا إليه في الحال، أن يبذلَه إلى المحتاج إليه بقيمته، ليدفعَ به أذى الجوع أو العطش، أو الحرّ أو البرد، أو الضرر الذي قد يلحق به. فإن امتنع أو طلب أكثرَ من ثمن المثل، جاز قتالُه ولو كان مسلمًا، لأن المسلمين متكافلون على السرّاء والضرّاء، لقوله تعالى: {وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِّرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ}. ولأن امتناعَ مالك المال أو الطعام من بذله للمضطر إليه، هو بمنزلة إعانةٍ على قتله. وقد ورد في الحديث الشريف: «من أعان على قتل امرئٍ مسلمٍ، ولو بشطر كلمة، جاء يومَ القيامة مكتوبًا بين عينيه: آيس من رحمة الله تعالى»(+) . وقد ذم الله تعالى على منع ذلك بصورةٍ مطلقة بقوله عزَّ وجلَّ: {وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ*}.
وفي حال المجاعة العامة فلا يُلزمُ المرء ببذل الطعام للمضطرّين، لأن الضرر لا يُزالُ بالضرر(+) .
وهنالك بعضُ الحالات الخاصة التي تتعلق بالضرورة أو الحاجة التي قال بها الأئمة الأربعة أو بعضهم: ومنها: - من مرَّ في طريقه ببستانٍ، فله أن يأكلَ من فاكهته، عند الضرورة، شرطَ أن يدفع القيمة. فإذا لم يكن هناك ضرورةٌ للأكل، فلا يجوزُ للمارّ عند جمهور الفقهاء أن يأخذَ منه شيئًا بغير إذن صاحبه، لقول الرسول (ص): «لا يحل مالُ امرئٍ مسلمٍ إلا بطيب نفسه»(+) .
شلاح وروي عن أبي زينب التيميّ أنه قال: «سافرتُ مع أنسِ بنِ مالكٍ وعبدِ الرحمنِ بنِ سمرةَ وأبي بردةَ، فكانوا يمرون بالثمار فيأكلون في أفواههم»، وهو قولُ عمرَ وابن عباسٍ وأبي بردةَ، قال عمر: «يأكلُ ولا يتّخذ خُبْنَة»(+) (والخُبنةُ ما تحملُه في حضنك).
ـ وقد رُوِيَ عن أحمد روايتان(+) حول من مرًّ بزرعِ الغير فأراد الأكلَ منه للحاجة: في إحداهما قال: «لا يأكل، إنما رخّص في الثمار وليس في الزرع» وفي الثانية، قال: «يأكل من الفريك».
كما رُوِيَ عن أحمد روايتان في حلب لبن الماشية(+) :
إحداهما أنه يجوزُ للمحتاج أن يحلبَ ويشربَ من ماشية الغير، ولكن لا يحمل معه شيئًا، لحديثِ سمرة: «إذا أتى أحدكم على ماشية، فإن كان فيها صاحبها، فليستأذنهُ، فإن أذن، فليحلبْ وَلْيَشْرَبْ، وإن لم يكنْ فيها، فليصوِّتْ ثلاثًا، فإن أجابه أحدٌ فليستأذنْهُ، وإن لم يُجبْهُ أحدٌ، فليحلبْ وليشربْ، ولا يحمل»(+) .
والثانية: لا يجوز له أن يحلبَ ولا يشربَ لقوله (ص): «لا يحلبنَّ أحدٌ ماشيةَ أحدٍ إلا بإذنه، أيحبُّ أحدكم أن تُؤتى مشربتُهُ، فتكسرَ خزانتُهُ، وَيُؤكلَ طعامُه؟ فإنما تَخزُنُ لهم ضروعُ مواشيهم أطعمتَهم، فلا يحلبنَّ أحدٌ ماشيةَ أحدٍ إلا بإذنه» وفي لفظ: «فإن ما في ضروع مواشيهم، مثلُ ما في مشاربهم»(+) .
سادسًا - إجابةُ الولائمِ وموائدِ المنكر:
لا خلاف بين الأئمة جميعًا، على أن وليمةَ العرس سنّةٌ مشروعةٌ لقول النبيّ (ص) لعبد الرحمن بن عوف حين تزوج: «أَوْلِمْ ولو بشاةٍ»(+) .
ووليمةُ العرس عند أكثر العلماء مستحبّة(+) .
وإجابةُ الوليمة، بوجه عامّ، سُنَّةٌ عند الحنفية(+) . وتجبُ الإجابةُ إذا لم يكن فيها منكرٌ أو لهوٌ عند المالكية والشافعية والحنبلية، ولا سيما وليمة النكاح(+) . ويستحبُّ لمن فرغ من الطعام أن يدعوَ لصاحبه، لما روى ابن ماجه عن عبدِ الله بن الزبير (رضي) قال: «أفطر رسولُ الله (ص) عند سعدِ بنِ معاذٍ (رضي) فقال: أفطر عندكم الصائمون، وصلَّت عليكم الملائكة، وأكل طعامكُم الأبرار».
وقد اتفق جميع الأئمة على أنه إذ علم المدعوُّ بوجودِ منكرٍ كشرب الخمر وغناءٍ، وملاهٍ، ونصبِ تماثيلَ وصورٍ مجسمةٍ على الحيطان، أو الأستار، أو الوسائد، قبل حضوره، فلا يحضرْ، لقول رسول الله (ص): «ليكوننَّ من أمتي أقوامٌ يستحلَّون الخمر والخنزير والخزَّ والمعازف»(+) ؛ وفي لفظ: «ليشربنَّ ناسٌ من أمتي الخمر يسمّونها بغير اسمها، يُعزف على رؤوسهم بالمعازف والمغنيات، يخسفُ الله تعالى بهم الأرضَ، ويجعلُ منهم القردةَ والخنازير»(+) .
ولو فرض أن المدعوَّ فوجئ بوجود المنكر، كما لو كانت الخمرُ على الطاولة، فلا يقعدْ، لقوله تعالى: {فَلاَ تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ*}(+) .
وروى أبو داود، وابنُ ماجه، والحاكمُ عن ابن عمر أنه قال: «نهى رسولُ الله (ص) عن الجلوس على مائدةٍ يُشرب عليها الخمر».
وإذا وَجَدَ المدعوُّ الخمرَ في المنزل، وليس على المائدة، فإن قدر على المنع منعه، وإن لم يقدر خرج ولم يقعدْ.



طرائقُ الذبح في المسالخ الحديثة:
تستخدمُ في طرائق الذبح حاليًّا، آلاتٌ حادّةٌ، ووسائلُ متعددةٌ تُضعفُ من مقاومة الحيوان. وتُستوردُ اللحومُ والمعلباتُ من بلاد الغرب، فما هو الحكمُ الشرعيُّ في كل ذلك؟
لقد ذهب الفقهاء إلى أن استعمالَ طرقِ التخدير المستحدثة وغير المميتة قبل الذبح، جائزةٌ في الإسلام على شرط أن يكون الذبح بعدها شرعيًّا، فإنها تضعفُ من مقاومة الحيوان وتخفف تعذيبه. فإذا استعملت هذه الوسائلُ، وذُبحَ الحيوان، شرطَ وجود الحياة الطبيعية فيه عند ذبحه، جاز أكلُهُ. ولكنْ يحرمُ الصرع بالمسدس، أو بمثقلٍ كخشبٍ وقدوم وعصا، أو تيار كهربائيّ. ولكن لو جرى استعمالها، فإنه يُشترطُ ذبحُ الحيوان بعدها، إذا ظل حيًّا حياة مستقرة. أما إتلافُ الجملة العصبية في المخّ بالضرب، ففيه آراءٌ مختلفةٌ، عند الأئمة الأربعة:
قال الحنفية: يؤكلُ إذا أسرع في ذبحه بقطع العروق.
وقال المالكية: يُمنعُ من إباحة الأكل، لأن الحيوانَ يصبح منفوذ المقاتل، ومن المقاتل انتشارُ أو نثرُ الدماغ. ولكن إذا كانت حياتُهُ مُحققةً يُؤكل.
وقال الشافعية والحنبلية: يُؤكلُ الحيوان، إذا ذُبحَ وكان فيه حياةٌ مستقرةٌ أي حركةً اختياريةً يدل عليها انفجارُ الدم أو الحركةُ الشديدة.
وقد اتفق الجميعُ على عدم جواز أكل الحيوان إذا نزف دمُهُ بآلة، ثم ذُبحَ قبل معرفة الحياة الطبيعية فيه.
أما فيما يتعلقُ بالذبائح المستوردةِ من البلادِ النصرانية، فقد اختلفت الآراءُ أيضًا بشأنها:
فقال الشيعة الإمامية والشافعية: لا يباحُ أكلُ مثلِ هذه اللحوم.
وقال المالكية: يُكبّر على ذبيحة النصرانيّ ليحلَّ الأكل، مع كراهة ذبائحِ أهلِ الكتاب إن سمَّوا غير اسم الله تعالى.
وقال أصحابُ المذاهب الأخرى: لا مانعَ من أكل الذبائح المستوردة من البلاد النصرانية، حتى وإن لم يسمَّ عليها، شرط كونها مذبوحةً لا مخنوقةً ولا ممزوعةَ الرقبة.
واتفق جميع الأئمة على عدم جواز أكل اللحوم المستوردة من البلاد الوثنية أو اللادينية كاليابان والهند والدول الشيوعية.


آدابُ المائدة:
ورد في كتب الفقه والحديث رواياتٌ كثيرةٌ في آداب المائدة، وسوف نورد بعضها لما في ذلك من فائدة:
ـ ورد في كتاب وسائل الشيعة، المجلد السادس عشر (للحرّ العاملي) حول آداب المائدة، والنافع والضار من الأطعمة والأشربة، الأمورُ التالية:
يُستحبُّ غسلُ اليدين قبل الطعام وبعده، مع غسل الفم، ويختم بالغسل. وقد قال الإمام الصادق (عليه): «من غسل يده قبل الطعام وبعده، عاش في سعةٍ، وعوفي من بلوى في جسده...»(+) ولا تُؤكلُ فاكهةٌ قبل غسلها، فعن الإمام جعفر الصادق (عليه): أن لكل ثمرة سمًّا.
وقال أمير المؤمنين عليٌّ (عليه): «لا تجلس على الطعام إلا وأنت جائع، ولا تقمْ عن الطعام إلا وأنت تشتهيه، وجوِّد المضغَ، وإذا نمتَ فاعرض نفسك على الخلاء، فإذا استعملت هذا استغنيت عن الطبّ».
وقال الإمام جعفر الصادق (عليه): قال رسولُ الله (ص): «الطعام إذ جمع ثلاثَ خصالٍ تَمَّ: إذا كان من حلال وكثرت الأيدي عليه، وسُمِّيَ في أوله، وحُمد الله تعالى في آخره».. وقال (عليه): «لا تأكل وأنت تمشي إلاَّ أن تُضطرَّ إلى ذلك. ويجب أن يأكلَ الإنسانُ مما بين يديه، ولا يتناول شيئًا من أمام الآخر إلا الفاكهة».
ويستحبُّ أكلُ اللحم على ألاّ يُدمَنَ عليه. قال الإمام الصادق (عليه): اللحمُ يُنبتُ اللحم، ومن تركه أربعين يومًا ساء خلقه. وقال (عليه): لا تدمنوا أكلَ السمك فإنه يذيبُ الجسم. وقال (عليه): ما استشفى مريضٌ بمثل العسل. وقال (عليه): لم يكن رسولُ الله (ص) يأكلْ طعامًا، أو يشربُ شرابًا، إلا قال: «اللهم بارك لنا فيه، وأبدلنا خيرًا منه، إلا اللبن فإنه (ص) كان يقول: اللهم بارك لنا فيه، وزدنا منه»(+) .
وجاء في الأثر أنه قال: «عليكم بالفواكه في إقبالها، فإنها مصحّةٌ للأبدان».
وروي عن الإمام الصادق (عليه) أنه كان يكرهُ تقشيرَ الفاكهة. وقال (عليه): «الهندباءُ سيدةُ البقول».
وقال الإمام الرضا (عليه): «نعم البقلة السلقُ». وقال (عليه): «كلوا الزيتون، فإنه من شجرةٍ مباركة». وقيل للإمام الصادق (عليه): إن الزيتونَ يجلبُ الريح؟ فقال (عليه): لا بل يطردُ الريح».
وقد ورد أيضًا في كتب أهل السنّة رواياتٌ وأحاديثُ كثيرةٌ حول آداب الطعام والشراب، ومنها(+) :
يُسَنُّ قبل المباشرةِ بالطعام غسلُ اليدين، وكذلك بعد الفراغ منه. وأن يبدأَ الأكلَ بقول: بسم الله الرحمن الرحيم، وينتهي من تناوله بقول: الحمدُ لله ربِّ العالمين، وأن يرفعَ الصوت بها لتلقين من معه. وإذا كان مع آخرين لا يرفعُ بالحمدِ إلاَّ إذا فرغوا هم أيضًا من الأكل فيقول: «الحمدُ لله حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه»(+) .أو يقول: «الحمدُ لله الذي أطعمني هذا ورزقنيه من غير حولٍ مني ولا قوة»(+) .
ويستحب الأكلُ والشربُ باليمين، ودليله قولُ النبي (ص) لعمر ابن أبي سلمة «سمِّ الله، وكل بيمينك، وكلْ مما يليك(+) ، وقوله (ص): «وإذا أكل أحدُكم فليأكلْ بيمينه، وإذا شرب فليشربْ بيمينه، فإن الشيطان يأكلُ بشماله، ويشربُ بشماله»(+) .
ويُستحبُّ الأكلُ بثلاثِ أصابعَ لما ثبت عن النبيّ (ص)(+) .
وروى الجماعةُ - إلاَّ مسلمًا والنسائيَّ - عن أبي جحيفةَ قال: قال رسولُ الله (ص): «أما أنا فلا آكل متكئًا»(+) .
ويُستحبُّ عدمُ النفخ في الطعام أو الشراب، ولا التنفسُ في الإناء، وإطالةُ المضغ، والتمهلُ في الأكل.
ويُسَنُّ كثرةُ الأيدي على الطعام، وإكرامُ الضيف، والحديثُ الحسنُ القليلُ على الأكل. ويُكرهُ السكوت، كما يُكرهُ ذمُّ طعامِ الغير لما فيه من الإيذاء.



Copyright © Samih Atef El-Zein 2010     VINTOB