العقود
الطبعة : الطبعة الثانية  
المؤلف : سميح عاطف الزين
عدد الصفحات :   800
تاريخ النشر :   2013




الرزق والملك

قد يكون مفيدًا التمييزُ بين الرزق والملك، لأن لكلّ منهما مفهومًا يختلف عن الآخر. فالرزقُ هو العطاء، ورزق: أعطى. في حين أن الملكَ هو حيازةُ الشيء، بسببٍ شرعيّ، كالبيع والهبةِ. أي إن الملكَ هو حيازةٌ للرزقِ بحيث تدخلُ فيه الأموالُ على اختلاف أنواعها.
والرزقُ قد يكون حلالاً، وقد يكون حرامًا، لكنه يبقى يحملُ اسمَ الرزق: فالمطرُ الذي ينهمرُ على حقل الفلاح يُعدّ رزقًا له، ولكن ليس ملكًا له، والمالُ الذي يربحه المقامرُ عن طريقِ القمارِ أو المراهنةِ يُعتبرُ رزقًا له، وليس ملكًا له، لأنه أخذه من غيره في حالةٍ غيرِ مشروعة. ومَثَلُهُ في ذلك مَثَلُ السارقِ الذي استولى على مال غيره، في حالةٍ غيرِ مشروعة. وهذا يعني أن المالَ الذي يُؤخذُ بالطرائقِ غيرِ المشروعةِ يكون رزقًا للإنسان، وقد حصل عليه صاحبه في إحدى الحالات التي يحصل فيها الرزق. مما يعني أنَّ الله سبحانه وتعالى هو الوهاب، ومن مقتضى حكمته عزَّ وجلَّ أن يقسمَ الأرزاقَ بين الناس. أما لماذا يعطي هذا أقلَّ، ويعطي غيره أكثر، فتلك، قبل كل شيء، مشيئة ربِّنا الرزّاق الكريم، ونحن قد نتبيّن بعض جوانب الحكمة الإلهية في هذا العطاء، عندما نَعْرفُ أنَّ الإنسانَ، وبما أودع فيه خالقه العظيم من ملكات، هو محلُّ اختبارٍ دائمٍ في هذه الحياة الدنيا، لقوله عزَّ وجلَّ: {وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً}(+) ... أي إن الله سبحانه وتعالى خلق السماوات والأرضَ، وما فيهما من منافعَ لكم ومصالح، ليختبركم أيكم يكونُ أطوعَ لخالقه، وأصلحَ عملاً وأصدقَ نيةً في مسيرةِ حياته الأرضية. وقوله تعالى: {كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً}(+) ... وهذا أمرٌ راهن، فكلُّ نفس ذائقةُ الموت في هذه الدنيا، وقد خلقناكم أيها البشر لنختبركم بالشر والخير، من فقرٍ وغنًى، ومرضٍ وصحة، وسيئاتٍ وحسنات إلخ... ولننظرَ أتصبرون على هذا البلاء، وتشكرون أم لا؟. ومن هنا تتبينُ الحقائقُ، وتقسيمُ الأرزاق بين الناس بتفاوت، لأن الكلَّ مسؤول، والكلَّ محلُّ بلاءٍ واختبار.. إلاَّ إنه - سبحانه وتعالى - قد وضع حدودًا لنا في هذه الحياة، وهي حدودُ الله تعالى للالتزام بها، حتى يكونَ الاختبار مبنيًّا على أُسسٍ وقواعدَ واضحة. فمن قَدِرَ على الاحتمال، والصبرِ على أمور الحياة، بما فيها الأرزاق الوفيرة التي يُعطاها، وعمل وفقَ طاعةِ الله تعالى وحدودِه، فقد اجتاز الاختبارَ بنجاح. وأما من عصى أوامر ربه، وتعدى حدودَه، فقد انقاد وراء الشيطانِ وأعوانه، ووقع في إغوائه وغرور وعوده، مصداقًا لقوله عزَّ وجلَّ: {يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلاَّ غُرُورًا*}(+) ، وتصديقًا لرسول الله (ص) في الحديث القدسيّ، حيث قال له ربه: «إني خلقتُ عبادي حنفاءَ فجاءتهم الشياطينُ فاحتالتهم عن دينهم، وحرّت عليهم ما أحللتُ لهم»(+) .
فلا مجالَ بعد هذا التبيان والوضوح لكي نتساءل: لماذا هذا غنيٌّ وهذا فقير؟ ولماذا هذا العاصي يعيشُ في رغدٍ مِنَ العيش، وهذا المؤمنُ يكابدُ البؤسَ والجوع؟!...
ولعلَّ من المفارقاتِ التي نراها في دنيا البشر، ونلمسها في حياتنا اليومية، ذلك الظنَّ الذي يغلبُ على فئةٍ من الناس، إذ يتوهمون بأن أرزاقهم من عند أنفسهم، وأنهم يجلبونها بالعمل والدراية والحذلقة... بل ويُعدّون أن كلَّ الأوضاع والحالات التي يتمكنون فيها من حيازة الأموال والثروة هي أسبابٌ مشروعةٌ للرزق... ونرى العجب من هؤلاء وهم يقولون بألسنتهم - غير ما يستشعرون في قلوبهم - إن الله هو الرزاق الكريم، ولكنّا بفعل جهودنا، وإعمالِ عقولنا قد توصلنا إلى ما نحن عليه... وأمثلةُ هؤلاء لا تعدُّ ولا تحصى في هذه الأيام، بل وفي كل زمان، كما نشاهد ونلاحظ في الواقع المحسوس...
فالموظفُ الذي يتقاضى راتبًا معينًا على وظيفته يرى بأنه هو الذي يرزقُ نفسه بفعل جدِّه ونشاطه، وأنه حين يبذلُ جهدًا أكثر، أو حين يستخدمُ وسائلَ غيرَ مشروعةٍ لزيادة دخله، يبقى عنده نفسُ الظن، وهو أنه هو الذي رزق نفسه أيضًا هذه الزيادةً على الدخل...
والتاجرُ الذي يحقّقُ الأرباح من تجارته، إنما يعتقدُ أن سعيَهُ الدؤوبَ هو وراء تلك الأرباح. ولا فرق، سواء حقّق أرباحه عن طريق الحلالِ المشروعِ - كالبيع عدلاً وصدقًا - أو عن طريقِ غيرِ مشروعٍ - كالغش والتدليس والتلاعب بالأسعار والاحتكار - ففي جميع الحالات يغلبُ عليه الظنُّ بأنه هو الذي وهب لنفسه الربح، وجلب لها الرزقَ الواسع.
وهكذا العامل، والطبيب، والحاكم، والمهندس، والمحامي، والفلاح، والصانع، إلى آخر السلسلة في فئات الأعمال، وأنواع الأشغال.. حيث يتمثل الوهمُ لبعضِ الفئاتِ من أولئك الناس، بأنهم وهم يباشرون أعمالهم وأشغالهم، ويكسبون من ورائها المال، إنما هُمُ الذين حققوا أرزاقهم، ونالوها بأفعالهم وتصرفاتهم.. أي إن أسبابَ الرزقِ عندهم أسبابٌ محسوسةٌ ملموسة، وامتلاكهم لهذه الأسباب - في اعتقادهم - هو الذي يؤدي إلى جلب الأرزاق.
ومردُّ ذلك إلى أن هؤلاء الناس، الذين يسيطرُ عليهم هذا الوهم، لا يميزون، في الأرزاق التي تؤتى لهم، بين الحالة والسبب. فكلّ رزقٍ، في الحقيقة، سواءٌ كان عن طريقٍ حلالٍ أو حرام، إنما يشكلُ حالةً يحصلُ فيها الرزق، وليست سببًا للرزق، لأن السبب إنما ينجم عنه المسبَّب، بحيث لا يمكن أبدًا أن يتخلَّف مسبَّب عن سببٍ له.. وكل ما في الوجود يعبّر عن هذه الحقيقة وهي ارتباط المسبَّبات بالأسباب، كما تدلُّ على ذلك بعض الأمثلة: فالورقةُ المحترقةُ لا يمكنُ أن يحصلَ لها الاحتراقُ إلاَّ بالنار، ولذلك نقول إن النارَ كانت السببَ في احتراق الورقة، وكذلك النورُ المتأتي عن الكهرباء، والثمرةُ الناتجةُ من الشجرة، والمولودُ الآتي من اجتماع الأب والأم إلخ... فكلها مسبَّبات ووراءها أسباب، وفقَ السننِ الأصيلةِ التي وضعها الله تعالى في الكون..
أما الحالاتُ فيمكن أن تتخلفَ عنها نتائجُها، ولا يتحقّق ما كان مرسومًا لها، بحيث لا تكون محكومةً، حتمًا ودائمًا، بنتائجَ معيّنة. والأمثلة على ذلك أيضًا لا تعدّ ولا تحصى:
فقد يقبضُ أحدُهم راتبه، وفي طريق العودة إلى منزله يسقطُ منه، أو يُسرقُ بفعلٍ قاهرٍ خارجٍ عن إرادته.
أو قد يكون رجلٌ في داره، فيطرقُ بابَهُ ساعي البريد، وفي يده رسالةٌ يعطيها له، فإذا بها تحملُ وفاةَ قريبه في المهجر الذي خلَّف وراءه ثروةً طائلةً، وليس له وريثٌ غيره، حيث آلت تلك الثروة إليه، وهي رزقٌ قد أوتيه، بغير علمٍ منه، ولا سعيٍ إليه.
أو قد يشتري شخصٌ كميةً كبيرةً من بضاعةٍ أو سلعةٍ معيّنة، ثم ترتفعُ أسعارُها من جرّاء ظروفٍ لم يكن له يدٌ فيها، فيجني من وراء تلك الصفقة أرباحًا وفيرة، غيرَ محسوبةٍ بالنسبة إليه.
وهكذا يكون الذي ورث الثروةَ قد جاءه رزقٌ من دون أن يسعى إليه، ويكون الثاني الذي اشترى البضاعة، قد نال رزقًا نتيجة ظروف تتعلق بعمله.
وعلى خلاف ذلك فقد يعقدُ أحدهم صفقةً تجارية، كانت جميعُ الأوضاع والأحوالِ تؤكدُ نجاحَها وتحقيقَ أرباحٍ طائلةٍ من ورائها، ثم يأتي وقتُ توقيعِ العقد، فلا تُبرمُ الصفقةُ، وتفشل.. أو قد يحرثُ فلاحٌ أرضَهُ ويبذرها قمحًا، وهو يأملُ جنيَ حصادٍ وفير، فيأتي الموسمُ والنتاجُ قليل. أو قد تهبُّ ريحٌ حارةٌ عاتيةٌ فيسقطُ الزيتونُ بعد انعقاده ويتلفُ الموسم. أو قد تتعطلُ آلاتُ أحدِ المصانعِ فيتوقفُ الإنتاجُ ويقعُ صاحبهُ في خسارةٍ كبيرةٍ من جراء عدمِ الالتزام بالعقد خلالَ المدةِ المحددة... وهكذا...
هذا كلُّه يعني أن الحالاتِ التي تحصلُ فيها الأرزاقُ لا تعطي دائمًا النتائجَ المرسومة، فهي إذن على النقيضِ من الأسبابِ التي تؤتي المسبّباتِ حتمًا..
وهذا يعني أيضًا في مجالِ الرزق، أن الأرزاقَ كلَّها بيد الله تعالى، وأن سعيَ الإنسانِ ليس هو الذي يحققُ الرزقَ دائمًا، لأن هذا السعي يدخلُ في الحالاتِ التي تحصلُ فيها الأرزاق، وقد تكونُ هذه الحالاتُ مؤاتيةً أو غيرَ مؤاتية، وإيجابيةً أو سلبية... ولذلك نجدُ الإمامَ عليَّ بنَ أبي طالبٍ (عليه) يقول: «الرزقُ رزقان: رزقٌ تطلبه، ورزق يطلبك»(+) ، والإمام الصادق (عليه) يقول: «الرزقُ مقسومٌ على ضربين: أحدُهما واصلٌ إلى صاحبه وإن لم يطلبه، والآخر معلقٌ بطلبه»(+) .
ولئن كانت الأرزاق من عند الله تعالى، فإنه لا يمكن لأحد أن يُنكِرَ أنه هو - عزَّ وجلَّ - الذي أمرَ عبادَهُ بالعملِ والسعي، ومنحهم كلَّ الإمكانياتِ التي تتيحُ لهم سبلَ القيامِ والحركةِ والمباشرة، كما منحهم القدرة على الاختيارَ والتمييز، لكي يحددوا مجالاتِ الاختيار، ويطرقوا أبوابَ الحالاتِ التي يحصِّلون فيها الرزق..
ومع ذلك فإن جميعَ الحالاتِ التي يباشرُها الإنسانُ للحصولِ على الرزقِ تبقى محكومةً بما يشاء الله تعالى ويريد، فهي ليست أسبابًا للرزق، لأن هذه الأسبابَ جميعَها بيدِ الله سبحانه وتعالى. والآياتُ الكريمةُ التي تؤكدُ أن الرزاق هو الله تبارك وتعالى، وأنه يرزقُ من يشاء، كثيرةٌ في القرآن الكريم، ومنها قولُه تعالى: {إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ*}(+) ، وقولُه تعالى: {وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ*}(+) ، وقوله تعالى: {وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ}(+) ، وقولُه تعالى: {إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ}(+) . وقولُه تعالى: {اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ}(+) . وقولُه تعالى: {يَاأَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ*}(+) ، وقولُه تعالى: {قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ*}(+) .. وهي آياتٌ بيناتٌ تهدينا إلى أن الرزقَ من عنده سبحانه وتعالى، وأنَّ حالةَ اكتسابه هي من الإنسان.
وقد اهتدى أهلُ البيتِ (عنهم) إلى حقائقِ القرآن، فعلموا مضامينَها خيرَ علم، ولذلك قال الإمامُ الصادقُ (عليه): «لو كان العبدُ في جُحرٍ لأتاه رزقُه، فأجملوا في الطلب»(+) .
وما قولُ الإمام عليّ (عليه): «فأجملوا في الطلب» إلاَّ أحدُ سبلِ الإسلامِ في طلب الأرزاق. فهذا الدينُ قد أنزله المولى، تبارك وتعالى، للنهوضِ بالإنسان، ولذلك يحضُّ الإسلامُ على العمل ويأمرُ به، وينهى عن التواكل والتقاعس في طلب الأرزاق، وإلا، كيف يمكن أن تعمر الأرضُ، وتستمرّ الحياةُ لولاَ الجهدُ البشريّ، وعطاؤه الدؤوب. فإذا كان الرزقُ من عند الله الوهاب، فإنَّ العملَ هو قوامُه الرئيسيّ، ولذلك يأمرنا ربُّنا تعالى بأن نعملَ ولا نتوانى، حتى تظهرَ نتائجُ أعمالنا، وتبينَ قدراتنا. قال عزَّ وجلَّ: {وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ}. والرسول (ص): «ما أكل إنسانٌ أطيبَ مما عملَتْ يداه».
والعملُ الذي يأمرنا الله تعالى أن تقوم به هو العملُ الصالحُ في كل شيء. وفي كتاب الله المبينِ حثٌّ دائمٌ على هذا العمل. فالعملُ الصالحُ هو الذي يُؤتي الرزقَ الحلال. ولذلك يبيّنُ لنا الإسلامُ الكيفيةَ التي لا يجوز له أن يباشرَ فيها حالاتِ الرزق الأخرى حتى لا يحصل على رزقٍ حرام.
هذا في الوقت الذي يبيّنُ الإسلامُ أيضًا أسبابَ التملك، لا أسبابَ الرزق، لأن أسبابَ الرزق من الله تعالى.
وأسبابُ التملكِ سوف يأتي البحثُ فيها - إن شاء الله تعالى - لاحقًا في هذه الموسوعة، فلا نتوقف عندها الآن.
وهكذا نخلصُ مما تقدم إلى التأكيدِ على أن الرزقَ كلَّه من عند الله تعالى، ولا يملك الإنسانُ أيَّ سببٍ من أسباب الرزق، بل جلُّ ما يمكنه القيامُ به هو اختيارُ الحالات، أو الدخولُ في الحالاتِ التي تؤمّنُ له سبلَ الرزقِ وأبوابَه.
ويبقى السؤالُ الذي يطرح نفسه: هل إن كلَّ ما يحوزه الإنسانُ هو رزقٌ له، وإن لم ينتفعْ به، أم أن المقصودَ بالرزقِ هو ما ينتفعُ به الإنسانُ فحسب؟.
إن آياتِ القرآنِ الكريمِ هي التي توضِّحُ هذا الأمر، وهي تبيّنُ لنا أن الرزقَ لإنسانٍ هو كل ما حازه، أيًّا كان نوعُ تلك الحيازةِ وطريقتها ومقدارِها. فما يدخلُ في حيازة الإنسان يكونُ رزقًا له، وسواء انتفع به أو لم ينتفع، لأن الانتفاع ليس معيارًا لكسب الرزق أو عدمه.. قال الله تعالى: {أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ}(+) ؛ وقال تعالى: {كُلُوا وَاشْرَبُوا مِنْ رِزْقِ اللَّهِ}(+) . وقال تعالى: {كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ}(+) . وقال تعالى: {لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ}(+) . فهذه الآياتُ الكريمةُ واضحةٌ في إطلاق اسم «الرزق» على كلّ ما أعطاه الله سبحانه وتعالى للإنسان، وأنعم عليه به من نِعَمِهِ التي لا تُعَدُّ ولا تحصى. وحتى من ضيّق الله تعالى عليه رزقَه أوجب عليه أن ينفقَ مما أعطاه على قدره، من دون أن يكلِّفَ نفسه فوق ما تطيق.. ولذلك فهذه الآيات الكريمة لم تخصص الرزق فيما يُنتفَعُ به فحسب، بل جعلته مشتملاً على كل ما يحوز الإنسان، سواء انتفع به هو شخصيًّا أم لم ينتفع. فهي إذن آياتٌ عامة، ودلالتها عامة أيضًا. ومن أجل ذلك لا يجوزُ أن يقالَ لمن يأخذُ مالَ غيره من دون رضاه، أو من دون إنفاقٍ منه - كما لو أخذه مثلاً عن طريق الغصب أو الاختلاس - لا يجوز أن يقال إنه أخذ رزقَ غيره، بل يقال: قد أخذ، أو اختلس ما يملكه أو ما يحوزه الغير.
وعلى هذا فالإنسانُ عندما يحوز مالاً فإن هذا المال يكون رزقًا له. وعندما يأخذهُ غيرُهُ منه، أو يأخذ جزءًا منه، فإن ما أخذ هذا الغير يصيرُ رزقًا له هو الآخر أيضًا، ولكن من حيازة الأول، أو من ملكيته، ولا يمكن لأحدٍ أن يأخذ رزقَ أحدٍ آخر، بل لكلّ إنسانٍ رزقٌ مقدّرٌ له بنوعه، ومقداره، وكيفية حصوله عليه، وسواء أوتيَ هذا الرزقَ عن طريق الحلال، أو عن طريق الحرام، فما دام قد حازَهُ، فقد صار رزقًا له.
وبما أن الرزقَ من عند الله تعالى، ولا يمكنُ أن يكونَ له أيُّ سببٍ آخر غيرَ عطاءِ الله عزَّ وجلَّ، وبالمقدار المقدَّر تمامًا من دون زيادةٍ أو نقصان، فإن الرزقَ، والحالةُ هذه، يتماثلُ مع عمرِ الإنسان، أي كما أن الرزقَ مقدرٌ ومقسومٌ من عند الله تعالى، فكذلك العمرُ هو مقدَّرٌ ومقسومٌ من عنده عزَّ وجلَّ. ولا يستطيع كائنٌ من كان، أن يغيّر في عمرٍ كتبه الله تعالى له، وحدَّه بعدد من السنين.. فالإنسان قد يغترُّ بنفسه، وقد يظنّ أنه قادر على إتيان المعجزات، واجتراح العجائب، وقد تأخذه الظنونُ فيتناسى أنه مخلوقٌ بشريّ، وأنه محدودُ الإمكانيات.. يتناسى ذلك كلَّه حتى ليتوهمنَّ أنه قادرٌ على كل شيء، إلاَّ التقريرَ في أمر عمره، فإنه يحسُّ بالعجز الكامل حيال هذا الأمر، لأنه يعلمُ يقينًا أنه غيرُ قادرٍ على أن يزيدَ في هذا العمل أو يُنقِصَ فيه ولو ساعةً أو لحظة، لأنه في الحقيقة لا يعلم أيّ شيء عن أجله، ولا متى يحينُ هذا الأجل، إذ لكلّ أجلٍ كتاب، تصديقًا لقوله تعالى: {وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلاَ يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلاَّ فِي كِتَابٍ}(+) ...
ونظرًا إلى ارتباط الرزق بالعمر فقد قال الرسول الأعظم (ص): «نفث روح القدس في روعِيَ أن نفْسًا لن تخرج من الدنيا حتى تستكمل أجلها، وتستوعب رزقها، فأجملوا في الطلب...»(+) .. فتأمل أيها الإنسان كيف أن عمرك مرتبطٌ برزقك، بل كيف أن حياتك بأسرها محكومةٌ بما قُدِّر لها من ربّ العالمين..
وكما أن للرزق حالاتٍ كثيرةً يمكن اكتسابه بها، فكذلك للموتِ حالاتٌ كثيرةٌ لحضوره، كالمرض، أو الوقع من مكان مرتفع، أو الغرق، أو القتل، أو حادث السير، أو الاختناق، أو حتى الحضور فجأة من غير أيِّ سابق إنذار... وكلّها من الحالات التي ينتهي بها عمر الإنسان، من دون أن تكون هي التي سبَّبت الموت.
وهاكم أدلةً على الحالات التي تقع للإنسان، ومع ذلك لا تكون سببًا في موته أو بقائه.. فقد يمرضُ أحدهم مرضًا حتى ليقال: قد أشرف على الموت، ثم يُشفى ويعود معافى. وقد يحصلُ لأحدٍ حادثُ سيرِ مروِّع، أو قد يُطلَقُ الرصاصُ عليه، وعلى الرغم من إصابته الخطيرة في الحالتين، لا يموت.. بل كم من الحالات التي لا تعدّ ولا تحصى مما يعجب لها الناس ولا يكون لها أثر على الموت أو الحياة: فقد يتواجد مثلاً عدةُ أشخاصٍ في مكانٍ واحدٍ، وفي ظلّ أوضاع واحدة، ثم يطرأ عليهم حادثٌ يؤدي إلى موت بعضهم، ونجاة الآخرين، كما هي الحالُ في سقوط الطائرات، أو غرق السفن، أو انهدام الأبنية، أو خوض المعارك الحربية، أو نشوب الحرائق في أماكن الاجتماع... فهذه كلها نقول عنها بأنها حالاتٌ من حالات الموت، قد تزامنت مع ظواهرَ يُعتقدُ أنها أسبابٌ للموت. في حين أنها في الحقيقة أبعدُ شيءٍ من أن تكونَ كذلك، لأن السببَ الوحيدَ للموت هو انتهاءُ الأجل، لقوله تعالى: {إِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَلاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ*}(+) .. فالأجل إذن هو سببُ الموت، وهذا الأجلُ هو بيد الله وحده سبحانه وتعالى. وقد كتب في اللوح المحفوظ أنَّ لكلّ إنسانٍ أَجَلاً لا ينقطع عنه، لأنه أجلٌ مقدّر ومحدّد بأمرٍ تامٍ ونهائيّ. ولا يختلف الأمر بين أجلٍ محتومٍ، وأجلٍ مخروم، فلكل إنسان - بل ولكل كائنٍ حيّ - أجلٌ هو بالغه، وقد سبق في علم الله العليّ العظيم أن يكون هنا أجلٌ محتوم، وأن يكون هناك أجل مخروم، إنما يبقى السببُ واحدًا، وهو مجيءُ الأجل في موعده المحدد له..
وهكذا يتبين لنا التلازمُ بين الأجل والرزق، وكيف أن الأرزاقَ مقسومةٌ على الناس، كما هي آجالهم مقسومةٌ لهم.. أي كما أن لكل إنسانٍ أجلاً لا يمكنه الفرار منه، فيدركه الموتُ إذا جاء أجله ولو كان في أبراجٍ مشيدة، كذلك فإن لكل إنسان رزقًا لا بدَّ من أنه طائله، سواء عمل لـه أو لم يعمل، وسواء أراده أو لم يُرده. وهذا ما أوضحَهُ الإمامُ الصادقُ (عليه) ونبَّه إليه، لما رُوِي عن محمد بن مرازم أنه قال: «شهدت الإمامَ الصادقَ (عليه) وهو يحاسبُ وكيلاً له، والوكيلُ يكثرُ من قول: والله ما خنت، والله ما خنت.. فقال له الإمام (عليه): يا هذا! خيانتك وتضييعك عليَّ مالي سواء، إلا إنَّ الخيانةَ شرُّها عليك. لقد قال رسولُ الله (ص) «لو أن أحدكم فرّ من رزقه لتبعه حتى يدركه، ولو أنه هرب من أَجَلٍ تبعه حتى يدركه، ومن خان خيانةً حُسبت عليه من رزقه وكُتب عليه وزرها»؟(+) . وهكذا وبمثل هذه الرؤية الواضحة تتبين حقيقةُ مصدر الرزق، وأنه من عند الله تعالى، وأن الإنسان يدركه رزقُه ولو فرَّ منه..
ولكن أين من هذه الحقيقة، أولئك الذين يفسدون في الأرض، ويستحلّون كل حرامٍ كي يكدسوا الأموالَ والثروات؟!... وأهلُ الفساد والطغيان أنفسهم يحسبون أن كلَّ تلك الأرزاق هي من عند أنفسهم، وقد امتلكوها بفعل حذلقتهم وذكائهم وقدراتهم.. وهم يحسبون أنهم يخدعون الناس وما خدعوا إلاَّ أنفسهم، لأنهم خسروا أنفسهم في الدنيا والآخرة.. فتلك الأموالُ التي يجمعونها عن طريق الخمر والميسر، أو عن طريق المخدرات والتهريب، أو عن طرق الغصب، والسرقة، والاحتيال، والتزوير، والقتل والسلب، والاحتكار.. إن لم تكن أساليبُهم في جَمْعِه معروفةً عند الناس، فالله - سبحانه وتعالى - أعلم كيف حصلوا عليها؟ إنه يعلم - عزَّ وجلَّ - أنها أموالٌ حرام، ومع ذلك يمدّهم بها، لأنه سبحانه بحكمته وتقديره، قد بيّن للناس الحلالَ والحرام، وسبلَ الكسب، ثم وضعهم أمام الخيار بسلوك الطرق المشروعة، أو غير المشروعة..
وكان في سابق علم الله تعالى أن النفوسَ التي تتبع أهواءها، هي التي لا تفرّق بين حلالٍ أو حرام، ولا تميز بين خبيثٍ وطيب، فجعل لها أرزاقها، كما جعل للنفوس المؤمنة أرزاقَها. وهكذا قسَّم - عزَّ وعلا - الأرزاقَ بين أصحاب النفوس جميعًا بحسب استعداداتها ونوازعها، كما يهدينا إليه قوله تعالى: {نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا}(+) ، فأصاب من هذه القسمة الغنيُّ والفقير، والفاسدُ والصالح، والمحسنُ والمسيء، والمؤمنُ والكافر.. وكلّها من قسمة المعايش في هذه الحياة الدنيا، وفقًا لما في النفوس، والقلوب، والضمائر...
ولكن هذه القسمةَ في المعيشة بين الناس، قد جعلت الأمورَ تشتبه على كثيرين، حتى لنجدهم يتساءلون: كيف يقسم الله - سبحانه وتعالى - المعايشَ والأرزاقَ بين الناس، فيعطي الفاسدين والظالمين والبغاةَ وأمثالهم من الثروات والأرزاق والمناصب ما لا يستحقونه، في حين أنه يمنعُ على المؤمنين والطائعين والصالحين أن ينالوا مثل تلك العطايا والنعم التي أغدقها على غيرهم؟.
عذرُ الإنسان أنه ضعيف، وكثيرًا ما يؤخذُ بالمظاهر.. أو لم يكن في أيام فرعون فئةٌ من الناس تمنَّوا أن يكونَ لهم مثلُ ما لقارون؟ وهذه أمانيهم يقصُّها علينا القرآن الكريم بقوله تعالى: {فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا يَالَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ *وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا وَلاَ يُلْقَّاهَا إِلاَّ الصَّابِرُونَ *فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنَ الْمُنْتَصِرِينَ *وَأَصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكَانَهُ بِالأَمْسِ يَقُولُونَ وَيْكَأَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَوْلاَ أَنْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا لَخَسَفَ بِنَا وَيْكَأَنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ*}(+) .
نعم إن ذلك الاشتباهَ ناجمٌ عن ضعف الإنسان الذي غرَّته الحياةُ الدنيا. وقد يكون العذرُ لضعاف النفوس، أنهم يؤخذون بظاهرِ الحال، وهم يَرَوْنَ أعداءَ الله تعالى، وأعداءَ الحق، وأعداءَ الإنسان ينعمون ويرفلون بالخيرِ العميم والرزقِ الوفير.. لكنّ هذه النظرةَ السطحية إلى الأمور، من دون النفاذ إلى جوهرِ الحقائقِ الكامنة في أوامر الله تعالى ونواهيه، هي التي جعلتهم يبتعدون عن فهم الحكمة الإلهية في تقسيم الأرزاق، وفي أن المالَ والجاهَ والقوةَ والسلطانَ إن لم يستخدمها أصحابها بما يرضي الله تعالى ورسوله، فقد أوقعوا أنفسهم في التهلكة، لأنها في الحقيقة استدراجٌ لهم كي يظهروا على حقيقتهم ظهورَ عيان، ولكي يشهدوا على أنفسهم - في الآخرة - أنهم لم يقدّروا النعمة التي أُعطوها حقّ قدرها، وأنهم ساء ما يعملون. وهاكم مصيرهم كما يبيّنه قولُ الله تعالى: {وَلاَ يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لأَِنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ*}(+) .
وقولُه تعالى: {فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ*}(+) .
والرسولُ الأعظمُ (ص) يقول: «إذا رأيت الله تعالى يعطي العبدَ من الدنيا على معاصيه ما يحبّ فإنما هو استدراج»(+) ، إذن فالعطاءُ من الله تعالى للعاصين إنما هو استدراجٌ لهم، وليس خيرًا لأنفسهم..
فلا يعجبنَّ أحدٌ، بعد ذلك، من عطاء الله - سبحانه وتعالى - وتقسيم الأرزاق بين الناس..
وعلى كلّ إنسان أن يعيَ جليلَ الحكمة الإلهية، وأن يدركَ أن الرزقَ من عند الله تعالى. أما كيف يقسمه بين الناس، ولماذا يعطي هؤلاء، ويمنعُ عن غيرهم، فذلك ليس من شأن العباد، بل هو شأنٌ ربانيٌّ محض، ما دام هو - سبحانه وتعالى - مالك الملك، ويؤتي الملكَ لمن يشاء.. ومن هنا كان التأكيدُ على قول الإمام عليّ بن أبي طالب (عليه): «الرزق رزقان: رزق تطلبه ورزق يطلبك». فأما الرزق الذي تطلبه فهو ما تدل عليه الآيةُ الكريمة: {هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ ذَلُولاً فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ}(+) . وأما الرزقُ الذي يطلبك فهو ما تدل عليه الآية الكريمة: {إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ*}(+) .
ولا يخفى على أحد أن الطعامَ والشرابَ هما من أهمِّ الأرزاق، وأكثرِها ضرورةً من أجل بقاء الحياة واستمرارها. ولولاهما لما استطاع الإنسانُ أن يعيشَ ويتحركَ، وأن يَبنيَ وينشئَ، وأن يعملَ ويصنعَ أيَّ شيءٍ على وجه هذه الأرض الطيبة التي تنبتُ لنا الطعام.
وإنباتُ الطعام، بحد ذاته، ليس باليسر الذي يظنه الإنسان، بل هو كائنٌ بفعل نظامٍ دقيقٍ متكامل، أودعه الخالقُ العظيم في هذا الوجود الأرضيّ ليدلَّ على قدرته تعالى في الخلق. قال تبارك وتعالى: {فَلْيَنْظُرِ الإِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ *أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا *ثُمَّ شَقَقْنَا الأَرْضَ شَقًّا *فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّا *وَعِنَبًا وَقَضْبًا *وَزَيْتُوناً وَنَخْلاً *وَحَدَائِقَ غُلْبًا *وَفَاكِهَةً وَأَبًّا *مَتَاعًا لَكُمْ وَلأَِنْعَامِكُمْ}(+) .
نعم إن هذه الآيات الكريمةَ تلخصُ لنا مصدرَ الطعام ونشأتَه، وفقًا لما قدَّر الخالقُ عزَّ وجلَّ. وليس في ذلك التقدير يدٌ للإنسان، حتى إن الحبوبَ التي يلقيها الزارعُ في الأرض ليس له قدرةٌ على إنباتها. إنه حرث حقًّا، لكنه لم يزرع، لأن الزارعَ هو الله تعالى. قال عزَّ وجلَّ: {أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ * أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ*}(+) . وقال رسولهُ الكريم: «لا يقولَنَّ أحدكم: زرعت، ولكن ليقل: حرثت»(+) . فالإنسانُ لم يبدعِ الحبة ولن يبتدعها، والمعجزةُ الكبرى تكمنُ في إنشائها ابتداءً، فالتربةُ واحدةٌ بين يديه، لكن البذورَ والحبوبَ متنوعة، وكُلٌّ منها يؤتي أُكُلَهُ في قطعٍ من الأرض متجاورة، تُسْقى من ماءٍ واحد، ومع ذلك نوَّع الخالقُ العظيم نباتها وثمارها بقدرته وكرمه، وحفظ في البذرة الصغيرةِ خصائصَ أمها التي أطلعتها، والتي تنقلُها بدورها إلى ابنتها التي تُطلعها.. وكل ذلك يحصل بحكمةٍ بالغة، وفي غيبةٍ عن الإنسان.. لأنه لا يعرف سرَّ هذه البذرة ولا يقضي أمرها، ولا حيلة له في شأنٍ من شؤونها!...
والإنباتُ، وإنزالُ المطر من السماء، وتنوعُ الأطعمةِ واختلافها.. كلُّ ذلك من أجل أن يُطعمنا الله تبارك وتعالى، كما يدلّ عليه قوله الكريم: {فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَهُوَ يُطْعِمُ وَلاَ يُطْعَمُ}(+) .
وقولُه تعالى: {وَهُوَ يُطْعِمُ} ليس بهذه البساطة التي نتصورها. فنحن، معشرَ البشر، قد ألفنا في حياتنا اليوميَّةِ تناولَ الطعام، بحيث لم تعد تستوقفنا هذه اللقمةُ التي نأكلها. لكننا لو تركنا مألوفَ العادة، وتفكرنا في قضية أكلنا للطعام، لبانت لنا حقائق كثيرة، ومنها:
ـ أننا من دون الطعام غيرُ قادرين على الحياة، بل محتَّمٌ علينا، بدونه، الموتُ بعد فترة من الزمن.
ـ أن دلالةَ النصّ تثبت حكمة خلقِنا بجوفٍ يستوعبُ الجهازَ الهضميَّ كلَّه. ولو لم يكن خلقُنا على هذه الصورة - أي بهذا الجوف - لما قدرنا على أكلِ الطعامِ وإخراجِ فضلاته، كما هو معهودٌ فينا..
ـ أما الدلالةُ الأهمُّ والأعمقُ أثرًا في الآية الكريمة فهي في قوله تعالى: {وَهُوَ يُطْعِمُ}.. تعبيرًا عن تمييز الخالق من المخلوق. فالمخلوقُ يحتاج إلى الطعام ليعيش، والجوفُ هو الذي يتفاعل فيه هذا الطعام ليؤديَ واجبه الغذائيّ. هذا في حينِ أن النصَّ يُنزِّه الخالقَ العليَّ العظيمَ عن هذا الوضع، لكونه عزّ وجلَّ على غير الهيئة، وغير الصورة التي خلقنا هو - سبحانه - عليها. فغير جائزٍ لنا أن نجرؤ على تصوُّر الذات الإلهية، ولا أن نتفكَّرَ في كون الله تعالى غير أنه نورُ السماوات والأرض، وله الأسماءُ الحسنى التي تنزَّه بها عن مخلوقاته.
إن من دلائل النصّ القرآنيّ التأكيدَ على عبودية البشر جميعًا لله تعالى. وبمقتضى هذه العبودية كانت لنا حاجاتنا المادية، بل حاجاتنا الإيمانية إلى الرسل في حياتنا. وقد بعث تعالى الرسلَ والأنبياءَ بشرًا مثلنا، فكان من جرّاء ذلك عجبُ الكفار والمشركين كما حصل في حياة سيدنا محمد (ص) عندما أنكروا بعثَهُ وهم يحتجون بذلك على أنه يأكل الطعام، قائلين كما يهدينا إليه قوله الله تعالى: {مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ}(+) .
وفي ذلك كان الطعامُ وسيلةً للتأكيدِ على الطبيعةِ البشريةِ لرسول الله، تمامًا كما كان الطعامُ للتأكيدِ على الطبيعة البشرية للسيد المسيح عيسى بن مريم (عليه)، ولنفي صفةِ الألوهية عنه. يقول تبارك وتعالى: {مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلاَنِ الطَّعَامَ}(+) .
نعم لقد قالت النصارى إن المسيح ابن مريم (عليه) هو الله، فجاء القرآن الكريم يصوّبُ تصوّرهم ذاك، ويبعدُ من أذهانهم كلَّ تفكيرٍ بألوهية المسيح (عليه)، وذلك بالدليل الحسي الماديّ، الذي يتثبتون منه كل يوم في حياتهم، ألا وهو الطعام الذي يتناولونه، ويُخرجون فضلاته من أجوافهم.. فقد رأوا المسيحَ وأمّه مريمَ (عليها) يأكلان الطعام مثلهم جميعًا، ومن يأكلُ الطعامَ لا يمكنُ أن يكون مطلقًا إلهًا وربًّا للعباد، لأن سبيلَه يكون سبيلَهم في العيش، وطبيعَته تكون طبيعَتهم في تناول الطعام. وحاشا لخالقِ هذا الكونِ العظيمِ ومدبّرِ شؤونه، أن يتخلَّى عنه من أجل حفنة من العباد تعيش على هذه الأرض، التي لا تشكل إلا جزءًا يسيرًا في ذلك الكون..
على أن هذا التبيانَ لحقيقةِ السيد المسيحِ (عليه)، والذي دليلهُ أكلُ الطعام، يفرضُ الاحتجاجَ الإنكاريَّ على ادّعاءِ الألوهية لهذا الرسول الكريم، الذي واجه بنفسه أولئك المدّعين، وجابَهَ تصورَهم باستنكارٍ إعلانيٍّ عظيم، كما يبيّنه القرآن الكريم وعلى لسان عيسى (عليه) بقوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ*}(+) .
ويؤكد القرآن الكريمُ الطبيعةَ البشريةَ للسيد المسيح (عليه)، وهو ينهى أهلَ الكتاب عن الغلوّ في دينهم، بقوله عزَّ وجلَّ: {يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لاَ تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلاَ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلاَّ الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلاَ تَقُولُوا ثَلاَثَةٌ انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلاً *لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ وَلاَ الْمَلاَئِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ وَمَنْ يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعًا*}(+) . وذلك كانت تلك الأهمية للطعام في مدلولاته العظيمة من النواحي الحياتية والإيمانية...
ثم إن من مزايا الطعام بالنسبة إلى حياتنا البشرية التي لا تستقيم من دونه، ما يدلنا عليه واقعُ الحياة نفسها من حيث تنوعهُ، في منافعه ومضاره، وفي طيبه أو خبثه. وقد وجهنا الخالقُ العظيمُ إلى أكل الطيباتِ منه بقوله تعالى: {كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ*}(+) ، ونهانا - سبحانه - عن تناول الخبيثِ منه بقوله تعالى: {وَيُحِلُّ لَهُمُ الطِّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ}(+) .
وقد قيل في تفسير هذه الأية الكريمة الأخيرة: إنها تبيحُ للناس المستلذاتِ الحيةَ، وتحرِّم عليهم القبائح، وما تعافه الأنفس. كما قيل أيضًا في تفسيرها: إنها تُحلُّ لهم ما اكتسبوه من وجهٍ طيِّب، أي حلالٍ، وتحرّمُ عليهم ما اكتسبوه من وجهٍ خبيث، أي حرام. ولم يرد في كتب التفسير، أيّ تفسيراتٍ أخرى لها غير هذين الوجهين. ذلك أن الشارعَ الأعظم لم يبيّن لنا ما أراده من الخبائث بصورةٍ حصرية، عندما حرَّم على الناس تلك الخبائث إن في التعامل بها، أو في تعاطيها وتناولها. هذا في حين أن لفظة «الخبيث» وردت في القرآن الكريم بصورة المفرد والجمع، وبمعانٍ مختلفة، كما في الآيات التالية:
قال الله تعالى: {وَلاَ تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ}(+) ، وهو الشيء السيّئ والرديء.
وقال تعالى: {وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ}(+) .. وتعني أن مثل الكلمة القبيحة كمثل الشجرة الضارّة، فوقع تلك وآثارها كثمار هذه التي يعافها كل الناس ويرذلونها.
وقال تعالى: {وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ تَعْمَلُ الْخَبَائِثَ}(+) .. وتعني الأعمال الخبيثة كاللواط والفسق والفجور. والمقصود هو لوط (عليه) عندما نجاه الله تعالى من قريته التي هدمتها الملائكة بأمرٍ من ربهم، لأن أهلها كانوا يأتون فاحشة اللواط.
وفي تفسير «ويحرم عليهم الخبائث»، قال صاحب الجواهر(+) : «إن كل حرام فهو خبيث، وليس معناه أن كل خبيث فهو حرام»(+) .
وأما ما ذهب إليه المفسرون من أن الخبائث هي الأشياء التي تعافها الأنفس، فقد استندوا فيه إلى قوله تعالى: {وَيُحِلُّ لَهُمُ الطِّيِّبَاتِ}، أي ما تستلذه الأنفس وتطيب له. ولعلَّ مثل هذا التأويل للنص لا يتفق مع العقل والدِّين، إذ لو كان الحلال يحلّ والحرام يحرم، بناءً على ما تستلذّه الأنفس أو تعافه، فإن من الناس من يستلذّ لحم الخنزير وشرب الخمر، فهل يمكن أن يحلاَّ من أجل ذلك؟.
إن التلذذ بالطيبات أمر مختلف تمامًا، وهذا هو الصحيح.. لأنَّ ما يستلذّه الناس من المطعومات والمشروبات غالبًا ما يكون نتيجة لما اعتادوا عليه وأَلِفوا تناوله.
إذًا فلا مجال للقول بأن ما تستلذه الأنفس يكون حلالاً، وما تعافه يكون حرامًا، لأن الحلال والحرام بعامة، وفي الأطعمة والأشربة بخاصة، أمور توقيفية من الله تعالى، فلا يخضع للتعليل، ولا سيما أن «حلال محمد (ص) حلال إلى يوم الدين، وحرامه حرامٌ إلى يوم الدين».
بالإضافة إلى ما تقدم فإن في الطعام تفكُّرًا وتأملاً وعبرًا:
أولاً: من نظر إلى واقع حياتنا يدرك أن الإنسان، وهو يحرص على تناول طعامه وشرابه، إنما يبتغي من وراء ذلك أن تتوافر لديه الطاقة، حتى يندفعَ في ميادين الحياة ساعيًا لتحقيق غاياته وأهدافه. ولولا الأكلُ والشرابُ لما كانت لديه تلك الحيوية.. أو ليس هذا هو النظام العامّ الشامل لمصدر الحركة، والذي يمكن تطبيقه حتى على الجماد، في حالاتٍ كثيرة، كما هو شأنُ السيارة، وهي الآلة الخرساء، التي تحتاج إلى أن تضعَ في جوفها مادةَ البنزين أو المازوت، أو الزيت، وأحيانًا الماء، حتى يدورَ محركُها، وتنطلقَ بك إلى قضاء حاجاتك.. وشأنُ السيارة شأنُ المحركاتِ الكبيرةِ في الطائرات، والسفن والمصانع إلخ... التي تحتاج إلى الطاقة كي تتحركَ وتعمل.. ومن هنا كانت شموليةُ النظام على الكائناتِ الحية، وكثيرٍ من الجمادات..
ثم إن حاجةَ الناس إلى الطعام والشراب سببُها كونهما من المقومات الرئيسية لحياتهم. وهذا ما جعل البشرَ يسعَوْن إلى تلبية تلك الحاجة منذ اليوم الأول لوجود الإنسان على الأرض. وكلما ازداد عددُ سكان العالم، اشتد الصراع بين الدول من أجل تأمين الموارد الاقتصادية، التي تنتهي في غاياتها القصوى لتأمينِ الطعام والشراب لمواطنيها، وإبعاد غائلة الجوع عنهم، بل لكي يعيشوا في الرفاه الاقتصاديّ...
وهكذا نجد اليوم أن الدولَ التي تتحكم في الموارد الاقتصادية (ولا سيما المواد الأولية) هي التي تكونُ أقدرَ على التحكّم في السياسة الدولية، بل في مصائر الشعوب..
وقد تغلِّفُ هذه الدولُ أهدافها الحقيقية في استعباد الشعوب ونهب ثروات بلادها بشعاراتٍ براقة مثل مكافحة المجاعة أو توفير الأغذية وغير ذلك..
ولعلَّ المثلَ القريبَ هو دخولُ أميركا إلى الصومال تحت شعار «مكافحة الجوع».. ثم بين ليلةٍ وضحاها ينقلب جنودها إلى مقاتلين، يشنّون المعارك، ويصبّون حممَ نيرانهم على هذه الجهة أو تلك في ذلك البلد المستضعف. وليس ذلك إلاَّ لأن الشعارَ الذي أطلقته أميركا كان يستتر وراءه الطمعُ في السيطرة على الصومال والتحكم بمقدراته. وسواء نجحت أميركا أو فشلت في تحقيق هدفها، فإن العالمَ قد شهد مقاتلتها لشعبٍ مسكينٍ جائع، بدلاً من إطعامه، وسدّ حاجاته الحياتية...
ثانيًا: إن مفاهيمَ التعاون والتضامن بين الدول كان في أوليات السياسات الإنسانية التي اعتمدتها وأقرتها الدولُ التي غلبت عليها نزعةُ الأخوة الإنسانية. ومن هنا كانت أهمية منظمة «اليونسيف»، ومنظمة «الفاو»، وغيرهما من الوكالات أو المؤسسات التي تعمل على المستوى الدولي، وتحاول بما تملك من إمكانيات مساعدة البلدان الفقيرة، والدول المتخلفة، بل مساعدة أي بلدٍ في الحالات الطارئة التي تستدعي الضرورة تدخُّل تلك المنظمات والمؤسسات..
ثالثًا: ألا يرى كلٌّ منا بأن الإنسانَ مخلوقٌ ليأكل ويَشربَ، في حين أن الحيوان مخلوقٌ ليأكلَ ويُؤكَلَ؟ فهذه الصفة من أسرار الخالق العظيم التي يستعصي علينا إدراكها.. لقد أوجَدَ - سبحانه - في الإنسان طبيعة تأنف من أكل مثيله، في حين أنه - سبحانه - جعل في طبيعة الحيوان القابلية لأن يأكل مثيلَهُ، ويأكل غيرَهُ.. فالإنسان لا يأكل لحم الإنسان، في حين أن الحيوان يأكل لحم الحيوان والإنسان على السواء.. بل إن قابلية الإنسان لأكْل لحوم الحيوان مما في البر والبحر، ومن حلاله الطيب لا من حرامه الخبيث، إنما وُجدت ليتقوَّى بها جسم الإنسان، ويستمد منها غذاءً ضروريًّا وحيويًّا لحياته.. ومن هنا دخول الطعام في أسرار الخلق الإلهي لتتكامل الحياة على الأرض..
رابعًا: إن في طبيعة الإنسان الحرص على توفير الأغذية وإدخارها، أو إدخار المال الذي بوساطته يؤمن لنفسه الغذاء. وهذه حاجة فردية، كما هي حاجة ملحَّة لكل دولة.. ولعلَّ وراءها الخوف من الجوع والعطش، والوقوع في الأمراض والمآسي.. ومن هنا كان صراع دول كثيرة على مصادر المياه أيضًا وتوفيرها لحاجات الشرب أو الطاقة.. ثم إن ظاهرة الخوف، وهي من مظاهر غريزة البقاء، هي السبب وراء تلك الصراعات.. ولعلَّ هذا الخوف بالذات هو الذي جعل الإنسان البدائي يخشى الحيوانات المفترسة، ويقيم حوله الحواجز لمنعها من الانقضاض عليه.
خامسًا: إن الإسلام يرى في الإنسان كائنًا من جسدٍ ونفس وروح.. أما الروح فهي بعيدة من متناول علمنا، لأنها سرٌّ إلهي أودعه الخالق فينا، وجعلنا عاجزين عن كشف مكنون هذا السرّ لقوله تعالى: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً*}(+) .
ومن الناحية النفسية فقد حضَّ الإسلام على تزكية النفس عن طريق العمل الصالح والنية الصادقة، وهذا يعني إبعاد النفس البشرية عن كل ما يعتريها من شر وفسادٍ ومعصية..
وأما من الناحية الجسدية، وهي مدار الاهتمام هنا، فقد أوجب الإسلامُ رعايةَ الجسد، والاهتمامَ به صحةَ وكياسةً وهندامًا. على أن يترافقَ ذلك مع حفظِ هذا الجسد من الموبقات، والوقوعِ في مهاوي المحرمات، فلا يقترفُ الفاحشةَ والزنى، ولا يعاقرُ الخمرة، ولا يتعاطى المخدرات لأنها جميعَها تضرّ بالبدن وتؤثّرُ في صحة الإنسان وسلامته الجسدية والفكرية.
وقد ذهب الإسلامُ إلى أبعدَ ما نهي الإنسان عن الأشياء المحرَّمة والضارة، وأوصاه بالاعتدال في تناول ما أباح له الشرعُ من الأطعمة والأشربة..
وبديهيٌّ أن الالتزامَ بتلك الأمور غايته الحفاظُ على الجهد الإنسانيّ للقيام بدوره في هذه الحياة. فالإنسانُ، من الناحية الإيمانية، مطلوبٌ منه عبادةُ ربه تعالى وهو يحتاج في ذلك إلى القيام بالعبادات المفروضة من صلاة، وصوم، وحج، وزكاة وغيرها، وهو بقدر ما ينمّي غريزةَ التقديس بقدر ما يرتقي في معارج الإيمان، فلا تحدّه حدود، ولا تقف في وجهه حواجز.. هذا في حين أنه من الناحية الجسدية، لا يستطيع أن يتناول من الأطعمة والأشربة بقدر ما يشتهي، ولا يجوز له أن يسرفَ لأن من شأن ذلك تحميلَ الطاقة الجسدية فوق ما تحتاجه، ولأن كثرةَ الطعام والشراب تصبح مصدرَ ضررٍ وخطرٍ على حياته. ولذلك نهى الله سبحانه وتعالى عن هذا الإسراف بقوله عزّ وجلَّ: {وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلاَ تُسْرِفُوا إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ*}(+) . فكان الاعتدال في تناول الطعام والشراب هو المطلوب شرعًا، كما كان هو المطلوب دنيويًّا للحفاظ على نعمة الصحة، التي هي زينة الإنسان وهناؤه.
سادسًا : إن من أهم مشكلات هذا العصر التي أنتجتها تطوراتُ العيش، ولا سيما التقنية الحديثة، مشكلةَ التلوث البيئيّ والتي باتت تشكل كارثةً على مصادر إنتاج الطعام والشراب، بل على الحياة البشرية كلها. فالإنسان، كما هو معروف، ابن بيئته. وأهمُّ مقومات البيئة للأحياء الماءُ والهواءُ والحرارةُ والغذاءُ والمسكن. ويتم تفاعلُ الإنسان مع محيطه، بتأثير هذه المقومات، وفي ظل الظروف الملائمة التي توفرها له، مما يفرض عليه المحافظةَ على صفائها ونقائها، بعيدًا من أي تلوث.
لكنّ ما يحصل في الواقع، هو أن الإنسانَ، وبنشاطاته المختلفة، سواءٌ في المنزل، أو في أمكنة العمل، أو في وسائل المواصلات، أو في الصناعات، وحتى في أماكن الترفيه، إنما ينتج كمياتٍ هائلةً ومتنوعةً من النفايات والأقذارِ التي تعود عليه بأشد الأضرار البيئوية. ومن قبيل ذلك الملوثاتُ البيولوجية (ضمن التعرض للحيوانات والحشرات والميكروبات)، والملوثاتُ الكيميائية (ضمن التعرض لمختلف أنواع الغازات والسموم والمبيدات)، والملوثاتُ الفيزيائية (كالارتجاج والضوضاء والإشعاع)...
ولو أخذنا مقوماتٍ ثلاثةً للحياة، وهي الهواءُ الماءُ والغذاءُ، لوجدنا مدى تعرُّضها الكبير للتلوث، كما يتبين فقط من مصادر التلوث الذي تتعرض له..
فالهواءُ الجافُّ الذي يحيط بنا نجد مصادرَ تلوُّثه في العواصف، والبراكين، والحرائق، والصناعات: مثل صناعة الإسمنت والحديد الصلب، والفحم، والصناعات الكيمائية والبترولية وغيرها. وكذلك في وسائل النقل والمواصلات، ومحطات توليد الطاقة، والنشاطات المنزلية، وطرائق التخلص من النفايات الصلبة. يضاف إلى ذلك كلّه التفجيراتُ النووية والمفاعلاتُ والمعاملُ الذريّةُ والحرارية.. والماء لا يقلّ تلوُّثًا عن الهواء وتلوُّثه يعني كلّ تغيّرٍ في الصفات الطبيعية له، مما يجعله مصدرًا لزعزعة الكيان الجسديّ، وللضرر الصحيّ. ويحصل تغير الماء بإضافة موادٍ غريبة، تسبب تعكيره، وتكسبه رائحةً أو لونًا أو طعمًا غير طبيعيّ، وغير مستحبّ.. ويتلوَّث الماء أيضًا بالميكروبات عن طريق الفضلات الآدمية والحيوانية، أو بإضافة موادَّ كيميائية سامّة بوساطة الفضلات الصناعية.
ونظرًا إلى حاجة الإنسان، والحيوان، والنبات إلى الماء، لأنه ضرورة من ضرورات حياتها، فقد بات أمرًا محتومًا على المجتمعات والدول أن تتعاون في ما بينها على إبعاد خطر التلوث المائيّ بالحفاظ على نظافة ونقاوة مياه المحيطات والبحار والبحيرات والأنهار، وشواطئها جميعها. كما أن من واجب كل دولة أن تحافظَ على نقاوة وسلامة المياه الجوفية من ينابيعَ وآبارٍ وعيون، وخصوصًا وأن المياهَ الجوفيةَ هذه لا تزال تُستعملُ في معظم دول العالم للريّ وإعداد الأطعمة والأشربة، وتلوُّثُها يؤدي إلى أمراضٍ كثيرةٍ ومتنوّعةٍ ولا سيما الأمراض المعدية والمعوية عند الصغار الكبار.
وأما الغذاءُ الذي يُعدّ تلوثُه من أهم المشكلات التي تؤثر مباشرةً في صحة الإنسان وسلامته، فيتلوث من مصادرَ متعددة، ولا سيما بالميكروبات والطفيليات مما يؤدي إلى التسمم الغذائي، والتسمم الميكروبيِّ الناتجِ عن الميكروب العنقوديّ، والذي ينجم عن تلوُّث الأغذية من الحليب ومشتقاته، واللحم والفطائر.. وهنالك أيضًا التسممُ الفيروسيُّ الذي يأتي من انتقال الفيروس إلى الجسم بطرائقٍ مختلفة، كتلوُّث الماء بالبراز، وتلوُّث الأصداف البحرية، والحليب وغيرها.. كما ينجم عن تلوُّثِ الغذاءِ التسمم بالطفيليات التي تُحدثُ مرضَ التريكنيلاّ من جراء أكل لحم الخنزير. ويتلوث الغذاءُ أيضًا بالمواد المشعة، ومصادر هذه المواد في الغذاء هو البوتاسيوم المشعّ. كما أن الحيوانات البحرية التي تعيش في المناطق التي تتعرض للمواد المشعّة تكون ملوّثة، ومثلها الخضرَوات والنباتات التي تلوَّث بالتساقط الذريّ الذي يحدث عن الانفجار النوويّ، أو التجارب النووية.. والمنتوجات الحيوانية من اللحوم والألبان تتلوث أيضًا بالتساقط الذريّ عندما ترعى الحيواناتُ الأعشابَ الملوثة (كما حصل في حادث تشرنوبيل).
وإن الأسماكَ والحيواناتِ والنباتاتِ البحريةَ والنهريةَ تكون دائمًا عرضةً للتلوث بالمواد الكيماوية التي تأتي من تصريف المياه والفضلات المبتذلة الناجمة عن الاستعمالات المنزلية والصناعية..
ولكي يمكنَ تلافي هذا التلوث، وحفظُ الأغذية سليمة، فقد أوجد العلماءُ عدةَ وسائلَ أو طرائقٍ لذلك، ومنها:
ـ التبريد: الذي يمنع انتشارَ البكتيريا في الغذاء. وهو وإن كان لا يقضي عليها قضاءً تامًّا، إلا أنه يحول دون مواصلة نموّها وتكاثرها. وتُعتبر طريقةُ التجميد السريع أفضلَ من التبريد العاديّ حيث إنها لا تسبب أيّ تغيراتٍ في خواصّ الأغذية.
ـ التجفيف: وهي طريقةٌ صالحةٌ لأكثرية الأغذية التي تحتوي على الماء كالحليب واللحم، والخضار، والفاكهة. فالميكروباتُ تحتاج إلى الماء للتكاثر والنمو، ومن دونه فإن معظمها الذي يُسبِّبُ الأمراض، سرعانَ ما يموت.
ـ التعليب: وهو أكثر الطرائق المستعملة لحفظ الأطعمة في العصر الحديث. وله مزايا تجاريةٌ واقتصاديةٌ وغذائيةٌ متعددة. ونظرًا إلى تكاثر هذه الصناعات فقد أمكن اليوم حفظُ معظم أنواع الطعام في العلب. ويتمّ التعليبُ بواسطة الحرارة لمدةٍ تتفاوت تبعًا لطبيعة الغذاء، وحجم العلبة، وطريقة التعليب، حيث تُقتلُ الميكروباتُ ويُطردُ الهواءُ بوساطة البخار المتصاعد، ثم تُقفلُ العلبةُ وتلحمُ وتصبحُ مفرغةً من الهواء.
ولا يؤثّر التعليبُ في القيمة الغذائية إذا ما تمَّ تصنيعه بطريقةٍ صحيحة.
والحقيقةُ أنَّ الطعامَ والشرابَ هما متعةٌ ولذةٌ للإنسان، فضلاً عن أنها ضروريان لحياته وحياة الحيوان.
وهكذا فإن طعامَ الدنيا أو شرابَها، قد بات ملوَّثًا بفعل الإنسان، وما جنت يداه من تلك الصناعات المتطورة التي تنفثُ أبخرتَها وأشعتها في كل مكان، حتى بات إنسانُ العصر يلعقُ السمومَ من خلال الأغذية التي يتناولها. وقد فشلت المؤسساتُ العلميةُ والإنسانيةُ حتى الآن في تفادي مخاطرها.. إن مثلَ هذا الوضع يدفعنا إلى مناشدة المسؤولين في أيّ موقعٍ كانوا، وعلى مستوى الكرة الأرضية بأسرها، للحدِّ من أسباب التلوث بمختلف أنواعه، حفاظًا على سلامة الإنسان، الذي لا يبقى أمامه سوى عزاءِ الإيمان، والتطلع إلى الآخرة حيث لا يصل إلى طعامها وشرابها أيُّ تلوُّث، بل يعيش في رحاب رحمة الله الواسعة سيدًا مطمئنًّا لقوله تعالى: {مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصْفّىً وَلَهُمْ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ}(+) .
وقوله تعالى: {يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ * بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ وَكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ * لاَ يُصَدَّعُونَ عَنْهَا وَلاَ يُنْزِفُونَ * وَفَاكِهَةٍ مِمَّا يَتَخَيَّرُونَ * وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ*}(+) .
ciloxan notice ciloxan bivirkninger ciloxan alkohol



Copyright © Samih Atef El-Zein 2010     VINTOB