العقود
الطبعة : الطبعة الثانية  
المؤلف : سميح عاطف الزين
عدد الصفحات :   800
تاريخ النشر :   2013




الوكالة

الوكالةُ، في اللغة هي التفويض، ويراد بها أيضًا الحفظُ والكفايةُ والضمانُ، كما في قوله عزَّ وجلَّ: {وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ*}(+) ، أي الحافظ. ويقال: وكَّلَ أمرَهُ إلى فلان. إذا فوَّضه إليه، ومنها إخبار الباري تبارك وتعالى عن خطاب النبيّ هو (عليه) إلى قومه، بقوله تعالى: {إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ}(+) ، أي اعتمدتُ عليه سبحانه وفوضت أمري إليه.
تعريف الوكالة:
عرَّف الفقهاء الوكالةَ على أنها «عقدٌ يَستنيبُ به الإنسانُ غيرَه عن نفسه في تصرفِ مملوكٍ له في حياته».
ويُسمى المستنيبُ: موكِّلاً، والمستَنابُ: وكيلاً، ومحلُّ الإنابة أو الوكالة: موكَّلاً به.
وبعد تمام الوكالة يصبح تصرف الوكيل فيما وُكل به نافذًا على الموكِّل، تمامًا كما لو باشره هذا الأخيرُ بنفسه.
مشروعيّة الوكالة:
الوكالةُ جائزةُ بالكتاب والسنّة والإجماع.
أما الكتاب، فقوله تعالى: {وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا(+) }.
وقوله تعالى: {إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا}(+) . والمراد بالعاملين عليها: السعاةُ والجباةُ الذين يبعثهم الإمامُ الحاكمُ لتحصيل الزكاة، فالله - سبحانه وتعالى - جوَّز العمل على الصدقات، وهو بحكم النيابة عن المستحقين.
وأما السنّة، فإنَّ الرسول (ص) بعث السعاةَ لجباية الزكاة. كما أنه (ص) وكَّل أبا رافع في تزويج ميمونة ووكَّل عَمْرًا بنَ أميةَ الضمري في تزويج أم حبيبة بنت أبي سفيان(+) .
وأما الإجماع، فهو أن الأُمةَ جميعَها قد أجازت الوكالة، من غير أن يخالفَ فيها أحدٌ من الأئمة. وهذا الإجماعُ ناجمٌ عن كون الإنسان عاجزًا عن القيام بمصالحه المشروعة كلِّها، فكانت الوكالة نوعًا من أنواع التعاون على البرّ والتقوى، يستعين فيها الإنسان على قضاء بعض حوائجه بوساطة غيره.
وما نشاهده اليوم من توكيل محامين، أو غيرهم، للدفاع عن حقوق المتخاصمين، أو لتأمين حقوق موكِّليهم، هو من الوكالة الجائزة في الشرع، ما لم يخرج الوكيلُ عن غاية الوكالة في الأصل، ويسعى في أمورٍ تخالفُ الشرع، أو ما لم يلجأ الموكِّلُ المذنبُ إلى التوكيل للتهرب من القصاص أو العقوبة، أو عدم أداء حقٍّ لصاحبه، ففي مثل هذه الحالات يكون التصرفُ، سواء من الموكِّل أو الوكيل غيرَ جائزٍ شرعًا، ولا حجّةَ لوكيلٍ بأنه ملتزمٌ بمصالح موكِّله إذا كانت هذه المصالحُ غيرَ مشروعة.
أنواع الوكالة:
اتفق جميع الفقهاء على صحة توقيت الوكالة بزمن محددٍ كالشهر أو السنة، لأنها تكون بحسب الحاجة. كما اتفقوا على أنَّ الوكالةَ تصحُّ بأجرٍ وبغير أجر، لأنَّ النبيَّ (ص) كان يبعثُ عمالَه لقبض الصدقات ويجعلُ لهم عمولة(+) . ففي الصحيحين عن أبي حميد السعدي: أنَّ النبيَّ (ص) استعمل رجلاً من الأزد يقال له: ابن اللتبية. وعند أبي داود بعث أبا مسعود ساعيًا. وفي مُسْنَد أحمد أنه (ص) بعث أبا جهم بن حذيفة متصدقًا. وفي المستدرك أنه (ص) بعث الوليدَ بن عقبة إلى بني المصطلق ساعيًا.
وإن كانت الوكالة بغير أجرة فهي معروفٌ من الوكيل. أما إذا كانت بأجرٍ فحكمها حكمُ الإجارات، فيستحق الوكيل الجُعْل بتسليم ما وكلِّ فيه إلى الموكِّل إن كان مما يمكن تسليمه كثوبٍ يخيطه، فمتى سلَّمه مخيطًا، فله الأجر، وإن وُكِّل في بيع أو شراءٍ، أو حجٍّ استحق الأجر، إذا عمله، وإن لم يقبض الثمن في البيع(+) .
وفي الوكالة بأجرٍ يجوز للموكِّل أن يشترط على الوكيل ألاَّ يُخرج نفسه منها إلا بعد أجلٍ محدود، وإلا لما كان عليه التعويض.
والوكالة إمّا أن تكونَ عامةَ، أو خاصة:
ـ قال الإمامية: تنقسم الوكالةُ باعتبار محلها ومتعلقها عامّةً وخاصّةً.
ومثالُ العامّة أن يقول له: أنت وكيلي في كلِّ شيء، فتشمل البيعَ والشراءَ والإيجارَ والهبةَ والرهنَ والمرافعة والتزويجَ، وكلَّ ما يخص الموكِّلَ، وتجوزُ فيه الإنابة.
ومثالُ الخاصّة أن يقول له: أنت وكيلي في بيع داري، أو تزويجي.
وتنقسمُ الخاصةُ إلى مُطْلَقَة، كقوله: بع داري، ولم يحدِّد الثمن، وإلى مقيَّدة، كقوله: بِعْهَا بألف.
ـ وعند الحنفية والمالكية تصحُّ الوكالةُ العامّةُ، لأنها تجوزُ في كلّ ما يملكه الموكِّل، وفي كل ما تصح فيه النيابة من التصرفات المالية وغيرها.
ـ وقال الشافعية والحنبلية(+) : لا تصح الوكالةُ العامّةُ لما فيها من عظيم الغَرَر.
واتفق جميع الأئمة على جواز الوكالة الخاصة، وهو الأصل الغالب فيها.
وظيفة الوكيل:
الوكالةُ في الأصل، عقدٌ جائزٌ من الجانبين. فللوكيل أن يعزل نفسه، ولو لم يعلم الموكِّل، وللموكِّل أن يعزل الوكيلَ، لكنه لا ينعزل، ويبقى تصرفه قائمًا حتى يتبلّغ العزل، لقول الإمام الصادق (عليه): «من وكَّل رجلاً على إمضاء أمرٍ من الأمور فالوكالةُ ثابتةٌ أبدًا، حتى يُعلمه بالخروج منها، كما أعلمه بالدخول فيها»(+) .
ووظيفة الوكيل أن يحرصَ بدقةٍ على مصلحة الموكِّل، و يتعدّى في تصرفه محلَّ الوكالة، فإذا فعل كان فضوليًّا. وإذا دلت القرينةُ الحاليةُ على التجاوز، صحّ تصرفه، ونفذ فعله، كما لو قال له الموكِّل: بع داري بألف، فباعها بألف ومئة، فالمفهوم أن النهيَ كان عن بيعها بالأقل، لا بالأكثر. وكذلك لو قال له: اشترِ لي دارًا بألف، فاشتراها بتسعمئة، صح الفعل، لأنه يفهم أنَّ النهيَ كان عن الشراء بالأكثر، لا بالأقل. وإذا أطلق، لم يُعيِّن، كما لو قال له: اشترِ لي دارًا، كان على الوكيل أن يراعيَ مصلحةَ الموكِّل، فلا يشتري بأكثرَ من ثمن المثل. وليس للوكيل أن يوكِّلَ غيره إلا بتصريحٍ خاصٍّ من الموكِّل، أو بإذنٍ عامٍّ منه، كما لو قال له: فوضتك بالأمر فافعل ما شئت. ولا يجب على الوكيل تسميةُ الموكِّل في المعاملات إلا في عقد الزواج. ولو اشترى للموكِّل شيئًا في الذِّمة فيجب عليه أن يقصدَ الموكِّل بالذات، لأنَّ ما في الذمة لا يتعيّن إلا بالقصد. أما إذا باع الوكيلُ عينًا من أموال موكِّله فيصحُّ البيعُ، ويقع للموكِّل، حتى ولو قصد غيره، لأنَّ البيعَ يحصل في الواقع ممَّن يملك العين، والقصد لا يغيَّر شيئًا من حقيقة الواقع.
وقد أجمع الفقهاء على أنَّ التوكيلَ في الخصومة لا يُشترط فيه رضا الخصم. كما أجمعوا على أنَّ الوكيلَ في الخصومة ليس له أن يُقرَّ عن الموكِّل، أو يصالحَ، أو يبرئ إلا بإذنٍ خاصٍّ من الموكل. نعم يملك وكيلُ المدعي إقامةَ الدعوى، وتقديمَ البيِّنة، وتعديلَها، وتحليفَ الخصم، وطلبَ الحكم، وتقديم كلِّ وسائلِ إثباتِ الحكم، والطلبَ إلى القاضي الحكمَ بتغريم الخصم.
وقد اتفق الفقهاءُ أيضًا على أن إطلاقَ الوكالة لا يعني الإذنَ بقبضِ الحقِّ من الخصم بعد ثبوته، لأنَّ الإنسان قد يرى في شخصٍ أهليّةَ المخاصمةِ وإجراءِ المعاملات، ولا يراه أمينًا على المال، والعكس قد يصح أيضًا.


أحكامُ الوكالة:
الوكيلُ أمينٌ لا يضمن إلا بالتعدي أو التفريط. ولا خلافَ، ولا إشكالَ في ذلك بين فقهاء المسلمين، سواء أكانت الوكالة بأجرةٍ أم بغير أجرة، لأنَّ الوكيلَ أمينٌ كغيره من الأمناء الذين قام الدليلُ على عدم ضمانهم من النص والإجماع. وإذا تعدى الوكيلُ أو فرَّط يضمن، لكن وكالته لا تبطل. فعن محمد بن مرازم قال: «شهدت الإمامَ الصادقَ (عليه) وهو يحاسب وكيلاً له، والوكيل يُكْثِرُ من قول: والله ما خنتُ.. والله ما خُنت. فقال أبو عبد الله (عليه): «يا هذا خيانتك وتضييعُك عليَّ مالي سواءٌ، إلاَّ إنَّ الخيانةَ شرُّها عليكَ. ثم قال: قال رسول الله (ص): لو أنَّ أحدَكم فرَّ مِنْ رزقِهِ لتَتَبِعَهُ حتى يُدرِكَهُ، كما أنّه إنْ هَرَبَ مِنْ أَجَلِهِ تَبعَهُ حتى يُدرِكَهُ، ومن خانَ خِيانَةً حُسِبَتْ عليه من رِزقِهِ، وكُتِبَ عليهِ وِزرُها»(+) .
وإذا وكّل شخصٌ آخرَ في بيع شيء أو شرائه، فترك الوكيلُ وأهمل فإنه يأثمُ فقط ولا يضمن، تمامًا كما لو أنكر الوكالةَ وهو كاذبٌ في إنكاره. ولكن لو أدَّى إهمالُ الوكيل إلى هلاك الشيء الموكَّل به يكون ضامنًا.
وإذا اشترى الشيءَ الذي وُكِّل بشرائه، وكان له الخيارُ لسببٍ من الأسباب، في الفسخ والإمضاء، عليه أن يراعيَ مصلحةَ الموكِّل، فإن اقتضت الفسخ ولم يفسخ أَثِم ولا ضمان عليه، تمامًا كما لو وكله بالفسخ ولم يفسخ، أو بالبيع ولم يبع. وإذا اقتضت مصلحةُ الموكِّل إمضاءَ الشراء ففسخ فعليه الضمان، لأنه أضرَّ بالموكِّل.
وقد اتفق الفقهاء على أنه إذا وكّله أن يُودِع عينًا من أمواله عند شخص معيَّن، فقال الوكيل أودعتها، وأنكر الشخصُ ذلك وحلف عليه، فإن الإهمال بعدم الإشهاد على الإيداع لا يوجب الضمان، لأن ذلك ليس تفريطًا في الوديعة المبنية على الخفاء. وإذا وكَّله بوفاء دَيْنه، فقال الوكيل: وفيتُ، وقال الدائن للموكِّل: كلا، فهل يضمن الوكيل لتركه الإشهاد على الوفاء؟.
قال جماعة من الفقهاء: يضمن. وقال آخرون: لا يضمن، لعدم صدق التفريط.
أركان الوكالة:
اتفق جمهور الفقهاء على أنه يقتضي للوكالة أركانٌ أربعة وهي: الصيغة، والموكِّل، والوكيل، والموكَّل به.




أولاً - الصيغة:
ـ قال الإمامية: المشهورُ أن الوكالةَ من العقود، فيُعدُّ فيها الإيجابُ والقبولُ. وإيجابها يتحقق بكل لفظ يدل على الاستنابة بالقول أو بالفعل، وبالإشارة والكتابة، كما أن قبولها يتحقق بكل ما يدل على الرضا من قولٍ أو فعل. فلو قال رجل لآخر: هل وكَّلتني؟ فقال نعم، أو أشار بالإجابة، كفى.
ـ وقال الحنفية: للوكالة ركنٌ واحدٌ هو الصيغة التي تتحقّقُ بها، وهي الإيجاب والقبول. فالإيجاب من الموكِّل، ويُسمى الأصيل، فلو قال: وكلتُك بكذا، أو أذنتُ لك بكذا، أو افعل كذا، صح. والقبولُ من الوكيل، بأن يقول: قبلتُ، أو ما يجري مجراه(+) . ولا يُشترط في القبول أن يكون لفظًا، بل يتمُّ بكل فعلٍ يدل عليه. فإذا قال شخصٌ لآخر: إن شئتَ أن تبيعَ هذه السيارة بالنيابة عني.. فسكت، ثم باعها، فإنه يجوز لأنه وكيل عنه.
وقالوا أيضًا: ويجوزُ بالاتفاق قبولُ الوكالة على الفور والتراخي، لأن وكلاءَ النبيّ (ص) كان قبولهم بالفعل، وكان متراخيًا عن توكيله إياهم. فإذا لم يوجد الإيجابُ والقبولُ لا يتم العقد.
ـ وقال المالكية: لا يُشترطُ في الوكالة أن تكونَ بلفظٍ مخصوص، فإذا قال له: وكلتُك، أو أنت وكيلٌ عني، فإنه يصح. وكما تصح الوكالة باللفظ، تصح كذلك بإشارة الأخرس، أو الممنوع عن الكلام، كما تصحُّ بالفعل، ومثاله أن يكون لأخوين دارٌ يملكانها، وقد جرت العادة بأن يؤجرَها أحدهما ويقبضَ أجرتها، فعمله هذا يُعدّ وكالةً من أخيه.
وقالوا: ويشترط في الوكالة ما يدلُّ على قبول الوكيل، كما يُشترطُ أن يكونَ الموكَّلُ به معلومًا.
ـ وقال الشافعية: الوكالةُ تصحُّ مشافهةً أو كتابةً أو مراسلةً. ولا يشترط قبولُ الوكيل بل الشرطُ ألاَّ يرفضَ التوكيلَ. وقالوا: ويُشترطُ اللفظُ في الوكالة على صورتين:
إحداهما : إذا كان لشخصٍ عينٌ مملوكة، لكنها في يد غيره على سبيل الإجارة أو الإعارة، ثم وهبها لشخصٍ آخر، فوكَّل الموهوب له واضعَ اليد بقبضها، فالتوكيلُ في مثل هذه الحالة لا يصحُّ إلا إذا قبله واضعُ اليد لفظًا، حتى تزولَ يدُهُ عن العين.
ثانيهما : الوكالةُ بجُعْل أي بأجرة، فإذا وكّل شخصٌ آخرَ بأن يشتريَ له أرضًا معلومةً، مقابلَ أجرٍ معيَّنٍ على ذلك، فإن قبولَ الآخر يجب أن يكونَ لفظًا، لأن الوكالة تكون في مثل هذه الحالة بمنزلة إجارة.


ثانيًا - شروط الموكل:
ـ قال الإمامية: يشترط أن يكون الموكِّلُ عاقلاً بالغًا مختارًا، و يكونَ محجورًا عليه لسفهٍ أو إفلاس، لأن السفيه والمفلس ممنوعان من التصرف في أموالهما.
ولا بأس للمالك أن يوكّلَ غيرَ الأمين فيما يتعلق بماله الخاص، لا في مال غيره، مثل مال القاصر والوقف ونحوهما، لأنه مسلّطٌ على ماله، لا على مال الغير.
ـ وقال الأئمة الأربعة: يُشترطُ لصحة الوكالة توافر شروطٍ معينة في العاقدَيْنِ، أي الموكِّل والوكيل.
أما الموكِّلُ فقالوا: يجوز أن يكونَ غائبًا أو حاضرًا، رجلاً وامرأةً، معافىً أو مريضًا، وذلك بالاتفاق ما عدا أبا حنيفة. ويُشترطُ فيه أيضًا أن يكونَ مالكًا للتصرف الذي يوكِّل فيه، وتلزمه أحكامُ ذاك التصرف. فلا يصح التوكيلُ من المجنون والصبيّ غير المميِّز لعدم العقل، لأن العقل من شروط الأهلية، ولأنه لا تلزمهما أحكام التصرفات. كما لا يصح التوكيل من الصبيّ المميِّز بما لا يملك بنفسه من التصرفات كالطلاق والهبة والصدقات ونحوها من التصرفات الضَّارّة به ضررًا محضًا. أما التصرفاتُ النافعةُ نفعًا محضًا كقبول التبرعات فيجوز للصبيّ المميِّز التوكيلُ بها. وأما التصرفاتُ المترددةُ بين النفعِ والضرر كالبيع والشراء، فإن كان المميِّز مأذونًا في التجارة يصحُّ منه التوكيلُ بها، وإن كان ممنوعًا من مثل هذه التصرفات ينعقدُ التوكيل منه موقوفًا على إجازة وليّه(+) .
أما المالكية والحنبلية فقالوا: لا يصح توكيلُ الصبيّ مطلقًا، لأنه لا تصح مباشرتهُ لأيِّ تصرف.
واكتفى أبو حنيفة باشتراط أن يكون التوكيلُ حاصلاً بما يملكه الوكيل من التصرّف(+) .
ثالثًا - شروطُ الوكيل:
اتفق جميع الأئمة على أن الوكيلَ هو من جاز له التصرفُ في شيءٍ يملكه لنفسه، فجاز له أن ينوبَ فيه عن غيره، إلاَّ أنه لا يجوز توكيلُ العدوّ على عدوِّه. والوكيل يجب أن يكون عاقلاً، أي أن يعقلَ العقدَ بأن يعرف أن البيعَ سالبٌ، والشراءَ جالبٌ، ويعرفَ الغبنَ اليسيرَ من الغبن الفاحش، فلا تصحُّ وكالةُ المجنون والصبيِّ غير المميِّز.
وفي شروط الوكيل بعضُ الاختلافِ عند المذاهب:
ـ قال الإمامية: يجب أن يكونَ الوكيلُ مثل الموكّلِ عاقلاً بالغًا مختارًا. وأجازوا أن يكونَ السفيهُ والمفلسُ وكيلاً عن الغير، فالمحجورُ عليه لسفهٍ أو إفلاسٍ لا يجوزُ له أن يباشرَ العملَ لنفسه، إلا أنه يجوزُ أن يباشرَه نيابة عن الغير بنفسه. وإذا كان الوكيل مُحْرِما للحجّ أو العمرة فلا يجوز له أن يتوكلَ عن غيره المحرم في بعض الأمور ومنها عقد الزواج.
ـ وقال الحنفية: يشترطُ أن يكون الوكيلُ قاصدًا العقدَ، أي ألاَّ يكون هازلاً. وأن يعلمَ بالتوكيل: فلو وكّل رجلٌ غيره ببيع بستانه، فباعه الوكيلُ قبل أن يعلم بالوكالة، فإنَّ البيع يكون غير نافذٍ حتى يُجيزَه الموكِّل أو الوكيل بعد علمه بالوكالة. وعِلْمُ الوكيلِ يثبتُ بالمشافهة، أو بالكتابة إليه، أو بإرسالِ رسولِ إليه، أو بإخبارِ رجلين، أو بإخبار رجلٍ عدل، أو رجلٍ غير عدلٍ وصدّقه الوكيل(+) .
كما اشترط الحنفية أن يكونَ الوكيلُ معينًا بالذات، فلو وكّلَ شخصٌ واحدًا من رجلين لم تصحَّ الوكالةُ للجهالة. واشترطوا أن يكونَ الوكيل عالمًا بموكِّله، بوصفٍ له أو شهرة(+) .
وقد أجاز الحنفية توكيلَ الصبيّ المميِّز بإذن وليّه في كل تصرّفٍ لا يُشترطُ فيه البلوغُ، فلا يصحّ توكيلُه في إيجاب النكاح، ولكن يصحّ توكيلُه في قبوله. أما الطلاقُ فإنه يصحّ توكيله فيه من دون إذن وليّه إذا عقله.
وقال الحنفية أيضًا: يشترط في الوكيل أن يكون أهلاً للتصرف فيما يوكَّلُ فيه، فلا يصحُّ أن يتوكّلَ في شيءٍ ممنوعٍ من التصرف فيه بنفسه إلا في أمور:
أحدها : أن يتوكلَ الحرُّ، الغنيُّ، القادرُ على النكاح، في زواجِ أمةٍ لمن يتاح له، فإنه ممنوعٌ من تزوُّجها (لنفسه)، لكنه يباح له أن يتوكل في تزويجها لغيره.
ثانيها : أن يتوكل الغنيُّ عن فقيرٍ في قبضِ الزكاة، ومثل الزكاة الكفارة والنذر.
ثالثها : أن يتوكّل الرجلُ في قبولِ زواج أخته أو عمته لأجنبيّ.
رابعها : توكيل المرأة في طلاق نفسها أو طلاق غيرها فإنه صحيح، مع أن المرأة لا تتصرف في الطلاق من غير توكيل.
ـ وقال المالكية: الشروطُ المتعلقةُ بالوكيل هي نفسها الشروطُ المتعلقةُ بالموكِّل. وهي ثلاثة:
الأول : الحريةُ. فلا تصحّ الوكالةُ بين حرّ ورقيقٍ، ولا بين رقيقين ما لم يكن الرقيقُ مأذونًا بالتجارة من غيره.
الثاني : الرشدُ. فلا تصحّ بين سفيهين، أو سفيهٍ وراشد، أي أن الحجورَ عليه يصحّ أن يوكلَهُ الغير عنه. ما عدا المرأةَ المحجورَ عليها فإن لها أن توكِّل عنها غيرَها فيما يتعلقُ بأمرِ عصمتِها، بل ليس لوليها قيامٌ في ذلك إلا بتوكيل منها.
الثالث : البلوغ. فلا تصحّ الوكالة بين صبيّيْن، ولا بين صبيٍّ وبالغٍ إلا إذا كانت صغيرةً متزوجةً وأرادت أن تخاصمَ زوجَها أو وليَّها فإن توكيلَها يكونُ مقبولاً بل لازمًا.
ـ وقال الشافعية: كما أنَّ الموكِّل يُشترطُ فيه أن يكونَ أهلاً للتصرف في الشيء الذي يريد أن يتوكَّلَ فيه غيره، كذلك يُشترطُ في الوكيل أن يكون أهلاً للتصرف فيما يريد أن يوكَّلَ فيه عن غيره. فكل ما جاز للإنسان أن يتصرفَ فيه لنفسه جاز له أن يتوكل فيه عن غيره. وكلُّ ما لا يجوزُ له أن يتصرفَ فيه لنفسه لا يجوزُ أن يتوكلَ فيه عن غيره.
إلا أنه يُستنثى من هذا المبدأ حالات معيَّنة ومنها:
ـ المرأةُ فإن لها أن تتوكل في طلاق غيرها.
ـ السفيهُ المحجورُ عليه والعبدُ فإنَّ لهما أن يتوكلا في قبول النكاح من دون إذن الوليّ أو السيد. أما في إيجابِ النكاحِ فلا يجوز منهما.
ـ الصبيّ المأمون الذي لم يجرَّبْ عليه الكذبُ مرةً واحدةً فإنه يجوز توكيلُه في إيصال الهدية، والإذن في دخول الدار، وتفرقة الزكاة، وذبح الأضحية، ومع ذلك فهو ممنوع من التصرف.
ـ وقال الحنبلية: وكالةُ الصبيّ غيرُ صحيحة، لأنه غيرُ مكلّف، فما دام لا تصحُّ مباشرته التصرفَ لنفسه، فلا يصحُّ توكيلُه.
وقد اتفق الإمامية والحنفية والمالكية على أنَّ الإسلام ليس شرطًا في الموكِّل فيجوز للذميِّ أن يوكِّل المسلمَ عنه، في حين أنهم اختلفوا في الوكيل:
ـ فقال الإمامية والحنفية: يجوزُ للمسلم أن يوكِّلَ عنه الذميَّ، لأنه لا يشترط في الوكيل العدالةُ، ولا الإسلامُ.
ـ وقال المالكية: لا يصحُّ للمسلمِ أن يوكِّلَ الذميَّ عنه، والمانعُ من ذلك ما عساه أن يتصرفَ تصرفًا لا تقرُّه الشريعة. ولذلك لا يجوزُ توكيلُ الكافرِ على بيعٍ أو شراءٍ أو عقد سِلْم، كما لا يجوز توكيلُه على قبضٍ من المسلمين حتى لا يستعلي عليهم.
رابعًا - شروطُ الموكَّل به أو محلِّ الوكالة:
ـ قال الإمامية: في محل الوكالة، وهو الشيء الموكل به، بعضُ الأمور:
1 ـ أن يكون مملوكًا للموكِّل أصالةً، أو ولايةً، أو وصايةً، فلو وكل غيرَه في بيعِ عقارٍ سيشتريه، أو في قبضِ دَيْن سيستدينه فلا يصحّ.
2 ـ أن يكون الشيءُ الموكَّل به معلومًا، ولو بجهة من الجهات، بحيث يُشترطُ لصحة الوكالة عدم الإيهام الموجب للغَرَر. فلو قال: وكلتُك، ولم يبين في أيِّ شيءٍ، بطلت الوكالة. وكذلك لو قال: وكلتُك في أمرٍ من أموري، أو في شيءٍ من أموالي فلا يصحّ. أما إذا كان الشيءُ مبيّنًا من جهة، ومجهولاً من جهة، فلا بأس.
والأصلُ، كما يستفادُ من كلام الفقهاء، جوازُ الوكالة في كلّ شيء. ويكفي في إثبات ذلك قولُ الإمام الصادق (عليه) في صحيح ابن سالم: «إن الوكيلَ إذا وُكِّل، ثم قام عن المجلس، فأَمْرُهُ ماضٍ أبدًا، والوكالةُ ثابتة». وقولُه في الصحيحين أيضًا: «من وكَّل رجلاً على إمضاءِ أمرٍ من الأمور فالوكالةُ ثابتةٌ أبدًا»، لأن قوله هذا يتناول كل موردٍ من الموارد التي تعلقت بها الوكالة.
ـ وقال الحنفية: يُشترط في الموكَّل فيه يكونَ من الأمور غير المباحة، ولا استقراضًا (طلب قرض من الغير) ولا حدًّا من الحدود التي لا تشترط فيها الدعوى كحدّ الزنى وحدّ الشرب. أما ما عدا ذلك فإن التوكيلَ يصحُّ في سائر العقود كالبيعِ والشراء، والإجارة، والنكاح، والطلاق، والهبة، والصدقة، والخلع، والصلح، والإعارة، والاستعارة، والإيداع، وقبض الحقوق، والخصومات، وتقاضي الديون، والرهن، وطلب الشفعة، والرَّد بالغيب، والقسمة، والاستيهاب (أي طلب الهبة من الغير). وبعضُ هذه الأمور لا يصحُّ للوكيل فيها أن يسندَها إلى نفسه بل لا بدَّ من إسنادها إلى الموكِّل كالنكاح، والهبة، والصلح عن دم العمد، والصلح عن الإنكار، والتصدق، والإعارة، والإيداع، والرهن، والشركة، والمضاربة.
ـ وقال المالكية: إن الشروطَ المتعلقةَ بالموكّل فيه ترجع إلى شيءٍ واحدٍ وهو أن يكون من الأمور التي تُقبلُ شرعًا، ولا تتعين فيه مباشرةٌ له بنفسه، فيجوز لشخصٍ أن يوكِّل غيره في عقد بيعٍ وشراءٍ وإجارةٍ ونكاحٍ وصلحٍ ومضاربةٍ وفسخ عقدٍ، واستيفاءِ الحدود والعقوبات، وأداءِ الزكاة فإنه يصحّ التوكيلُ في أدائها.
وقالوا: لا تصحُّ الوكالةُ في المعاصي كالسرقة والظهار.
ـ وقال الشافعية: يُشترطُ في الموكَّل فيه أمور:
أحدها : أن يكونَ معلومًا، ولو بوجه ما، فإذا كان مجهولاً جهالةً تامةً فإن التوكيلَ لا يصحّ.
ثانيها : أن يكون قابلاً للنيابة مثل إبرام العقود وفسخها. فله أن يوكّلَ عنه في البيع والهبة والضمان والوصية والحوالة. وكذلك يصحّ أن يوكّلَ غيره في الدعاوى، وفي تملّك أمرٍ مباحٍ كاصطياد السمك أو الطير، وفي استيفاء العقوبة وإيقاعها على الجاني.
ولا يصحُّ التوكيل في العبادات البدنية التي لا بد لها من نية كالصلاة والإمامة، ما عدا الحجَّ والعمرةَ فقد أجاز الإمامُ الشافعيُّ الحجَّ والعمرةَ عن الغير، فهذه من الأمور التي يصلح فيها التوكيل.
ثالثها : أن يكون الموكَّل فيه مملوكًا للموكِّل فإذا وكّله في طلاق امرأةٍ سيتزوجها كانت الوكالةُ باطلة.
وخلاصةُ القول: إن الأئمة اتفقوا على الأمور التالية:
1 ـ أن يكونَ الموكَّلُ به مملوكًا للموكِّل، لأنَّ ما لا يملكه لا يمكنه تفويضُ التصرف به لغيره.
2 ـ ألاَّ يكون الموكَّلُ فيه طلبَ قرضٍ من الغير، فإذا وكَّل إنسانٌ غيره أن يقترضَ له مالاً، فقال الوكيل: أَقْرِضْني، كان القرضُ للوكيل، لا للموكِّل. ولكن يصحّ لو قال: أرسلني فلان ليستقرضَ كذا..
3 ـ أن يكونَ الموكَّلُ به قابلاً للنيابة شرعًا، وهو ما تصح الوكالةُ فيه من الأمور المالية وغيرها. وعلى خلافه فإنه لا تصحُّ الوكالةُ في العبادات البدنية المحضةِ كالصلاةِ والصومِ والطهارةِ من الحدث. كما لا يصحُّ التوكيلُ باليمين، وهذا أمرٌ شرعيٌّ، لأن اليمينَ تعتمد على الإجلال والتعظيم والعبودية لله تعالى. كما لا يصحُّ التوكيلُ بالنكاح بمعنى الوطء، لأن المقصودَ به العفّةُ وإنجابُ ولد يُنسبُ إليه.
طرائق إثبات الوكالة:
تثبت الوكالةُ بطرائق عدّةٍ وهي:
1 ـ إقرارُ الموكِّل.
2 ـ الكتابةُ المفيدةُ بالعلم، مثل صكّ التوكيل لدى الكاتب العدل وغيره.
3 ـ شهادةُ عَدْلَيْن، ولا تثبتُ بشاهدٍ وامرأتين، ولا بشاهدٍ ويمين، لأنها من الحقوق المالية. وإذا اختلفت شهادةُ الشاهدين في الزمان يُنظر: فإن شهدا بالإقرار، لا بإنشاء الوكالة، فقال أحدهما: أقر زيدٌ يوم الجمعة أن عمرًا وكيلُه، وقال الآخر: أقر زيدٌ بذلك أمامي يوم السبت، قُبلتِ الشهادة. وإذا شهدا بإنشاء الوكالة، فقال أحدهما: وكّله يوم الجمعة، وقال الآخر: بل وكّله يوم السبت، تسقط الشهادة، لعدم توافق الشاهدين على معنى واحد. ولا تثبت الوكالةُ بموافقة الطرفِ المقابل في المعاملة، أو في الخصومة، لأن إقرارَه حجةٌ على نفسه، لا على الموكِّل.
وإذا اختلفا في أصل الوكالة وصدورها فالقولُ قولُ المنكِر بيمينه سواءٌ أكان المنكرُ هو المالك أم غيره، لأن الأصلَ عدمُ الوكالة حتى يثبت العكس. وإذا اتفقا على أصل الوكالة، واختلفا على محلّها، كأن يقول الموكِّل: وكّلتُك ببيعِ الدار، ويقول الوكيل: وكلتَني ببيع البستان، وحلف الموكِّل على عدم التوكيل ببيع البستان، تبطلُ الوكالةُ عن بيع البستان بيمين الموكِّل، وعن الدار لإنكار الوكيل.
وإذا اختلفا في التلف، فقال الموكِّل: لقد تعدّى الوكيلُ وأفرط، وأنكر الموكَّل، فالقولُ قولُ الوكيل، لأن الوكيل أمينٌ، وعليه اليمين فقط.
وقد قال معظمُ الفقهاء: إن الوكيلَ إذا قال للموكِّل: أرجعتُ إليك المالَ الذي كان في يدي من أجل الوكالة، وأنكر الموكِّل ذلك، فالقول قولُ الموكِّل إطلاقًا، لأن كلَّ من كان في يده مالُ غيره فعليه أن يُثبتَ إيصالَهُ بالبيِّنة، إلا ما خرج بالدليل كالوديعة.
وإذا وكَّل في شيء، كالبيع أو الشراء، وما إليهما، فقال الوكيلُ: بعتُ واشتريتُ كما نصت الوكالة، وأنكر الموكِّل البيعَ والشراءَ، وزعم أن الوكيلَ لم يفعل شيئًا، فالقولُ قولُ الوكيل ما دامت الوكالةُ قائمةً، لأن من مَلَكَ شيئًا مَلك الإقرارَ بهِ. وإذا ادّعى الوكيل البيعَ أو الشراءَ بثمنٍ معيَّن، وأنكر الموكِّل ذلك، كان القولُ قولَ الموكِّل، لأن الأصلَ عدم صدور الوكالة على الثمنِ الذي ذكره الوكيل.
وإذا ادعى التوكيلَ عن رجلٍ في تزويج امرأة، وأجرى العقدَ بمهرٍ معيّن، فأنكر الرجلُ التوكيلَ، ولا بيّنةَ تُثبتُ الوكالةَ، كان القولُ قولَ المنكِرِ بيمينه، وللمرأة أن تتزوجَ بمن تشاء مع عدم علمها بصدق المدعي. وعلى المدعي أن يدفعَ لها نصفَ المهر. فقد سئل الإمامُ الصادق (عليه) عن رجلٍ قال لآخر: اخطبْ لي فلانةَ، وما فعلتَ من شيءٍ، مما قاولتَ من صداقٍ أو ضمنت من شيء، وشرطتَ، فذلك لي رضا وهو لازمٌ لي. ولم يُشهد على ذلك. فذهب فخطب، وبذل عنه الصداق، وغير ذلك مما طالبوه وسألوه. فلما رجع إليه أنكر ذلك كله. قال (عليه): «يُغرّمُ - أي مدعي الوكالة - نصف الصَّداق عنه، وذلك أنه هو الذي ضيَّع حقها.. فلما لم يُشْهِدْ لها عليه بذلك الذي قال له، حلَّ لها أن تتزوج، ولا يحلُّ للأول في ما بينه وبين الله عزَّ وجلَّ إلا أن يطلِّقها.. فإن لم يفعل فإنه مأثوم في ما بينه وبين الله عزَّ وجلَّ..»(+) .
تعدّدُ الوكلاء:
يجوزُ تعدّدُ الوكلاءِ في تصرفٍ واحدٍ. ويكونُ ذلك وفقًا للأحكام التالية:
1 ـ إذا وكَّل اثنين (أو أكثر) مجتمعين متحدين، بحيث لا ينفذُ تصرفُ أحدهما من دون موافقة الآخر، فإن أيَّ تصرفٍ منفردٍ من أحدهما يُعدّ باطلاً. وإذا مات أحدهما، أو عُزل، تبطل وكالةُ الآخر، لأن الوكالةَ تكون نافذةً باجتماعِ إرادتيهما معًا، وليس بإرادةٍ واحدةٍ من أحدهما.
2 ـ إذا أطلقَ إرادةَ أحدهما في التصرف، ولم يقيّدْهُ بإرادة الثاني، لكنه يَشترطُ على الثاني التقيّدَ بإرادة الأول، فإن تصرّفَ الأول منفردًا يكون نافذًا، ولا ينفذُ تصرّفُ الثاني إلاَّ منضمًّا، لأنه يسمّى وكيلاً بالضميمة، فإذا مات الثاني لا تبطلُ وكالةُ الأول، في حين أنه إذا مات الأول بطلت وكالةُ الثاني.
3 ـ إذا وكّلهما مع استقلالِ كلٍّ منهما بالتصرف، فيكون تصرّفُ كلٍّ منهما صحيحًا حتى ولو عارضه الثاني. وإذا تصرّفَ كلٌّ منهما بصورةٍ مغايرةٍ لتصرف الآخر، كما لو كانا وكيلين في بيع عقار، فباعه أحدهما من ياسر، وباعه الآخر من بلال، في مثل هذه الحالة ينفذ البيعُ السابقُ، ويبطلُ اللاحق. وإذا وقع بيعاهما في آن بطلا معًا.
4 ـ إذا وكلهما من دون أن يبيِّنَ، هل الوكالةُ على سبيل الاستقلال، أو الانضمام، فالوكالةُ هنا تُحمل على الانضمام، تمامًا كما لو اشترط اجتماعَهما معًا.
انتهاءُ الوكالة:
تنتهي الوكالةُ بالأمور التالية:
1 ـ إتمامِ العمل الموكَّل به.
2 ـ موت الوكيل والموكِّل.
3 ـ الجنونِ والإغماءِ من كل منهما (باتفاق الأئمة).
4 ـ إذا حُجر على الوكيل في الشيء الموكَّل به بعد الوكالة، لأن الوكيلَ فرعٌ عن الأصيل، فإذا سقط الأصل تبعه الفرع.
5 ـ أن يعزلَ الموكِّلُ الوكيلَ، شرطَ علمه بالعزل، لأن كلّ تصرّفٍ يأتي به بعد عزله وقبل علمه بهذا العزل يكون نافذًا. فقد سئل الإمامُ الصادقُ (عليه) عن رجلٍ وكل آخرَ على وكالة في أمرٍ من الأمور، وأشهدَ له بذلك شاهدين، فقام الوكيل فخرج لإمضاءِ الأمر، فقال (الموكِّل): اشهدوا أني عزلتُ فلانًا عن الوكالة. فقال (عليه): «إن كان الوكيلُ قد أمضى الأمرَ الذي وُكِّلَ فيه قبل العزل فإن الأمرَ ماضٍ على ما أمضاه الوكيلُ، كره الموكِّلُ أم رضي». قال السائل: إن الوكيلَ قد أمضى الأمرَ قبل أن يعلمَ العزل، أو يبلغه أنه قد عُزل عن الوكالة، فهل الأمرُ على ما أمضاه؟ قال (عليه): «نعم إن الوكيل إذا وكل، ثم قام عن المجلس، فأمرُهُ ماضٍ أبدًا»(+) .
6 ـ أن يعزلَ الوكيلُ نفسَهُ، علم الموكِّلُ، أو لم يعلم.
7 ـ أن يتصرّفَ الموكِّلُ في محلّ الوكالة قبل أن يتصرفَ الوكيل.
8 ـ أن يهلك الشيءُ الموكَّلُ به.
9 ـ إذا وكّله على أن يكونَ عادلاً فظهر فاسقًا تبطلُ الوكالةُ من الأصل، وإذا طرأ على الوكيل الفسوقُ بعد الوكالة تزولُ الوكالةُ بمجرد حدوثه.



Copyright © Samih Atef El-Zein 2010     VINTOB