العقود
الطبعة : الطبعة الثانية  
المؤلف : سميح عاطف الزين
عدد الصفحات :   800
تاريخ النشر :   2013




الـرهـن

للرهن معانٍ في اللغة، منها الثبات والدوام. يقال: نعمة راهنة، والحال الراهنة: الدائمة. ومنها الحبس قال الله تعالى: {كُلُّ امْرِىءٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ*}(+) . وقال تعالى: {كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ*}(+) . ومن ذلك قول الرسول (ص): «نفس المؤمن مرهونة بَدَيْنهِ حتى يُقضى عنه»(+) .
والرهن، في اصطلاح الفقهاء: «جعلُ عينٍ لها قيمة مالية - في نظر الشارع - وثيقةً بِدَينٍ بحيث يمكن أخذ الدَّين، أو أخذ بعضه من تلك العين» فتكون العين المرهونة وثيقة لدَينِ المرتهن.
حكم الرهن ودليله:
حكم الارتهان الجواز مثل البيع، لأن كل ما جاز بيعه جاز رهنهُ. وأما دليله فقد ثبت بالكتابِ والسُنَّة والإجماع. أما الكتاب، فقوله تعالى: {وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ}(+) .
وأما السُنَّة فلِما روي في الصحيحين من أنَّ النبيَّ (ص): «رهن درعه وهو في المدينة، عند يهودي يقال له أبو الشحم على ثلاثين صاعًا من شعير لأهله».
وقال الإمام الصادق (عليه) لمن سأله عن الرهن: «استوثق من مالك ما استطعت».
وأما الإجماعُ فهو باتفاق جميع أئمة المسلمين، إذْ أجازوا الرهن بلا خلاف.
أركان الرهن:
للرهن أركان وهي:
1 ـ الصيغة.
2 ـ العاقدان وهما: الراهن (المالك للعين) والمرتهن (صاحب الدَّيْن الذي أخذ الرهن في مقابل دينه).
3 ـ المعقود عليه ويشمل أمرين: العين المرهونة، والدَّيْن المرهون به.
وهذه آراء الأئمة حول هذه الأركان:
أوّلاً - الصيغة:
ـ قال الشيعة الإمامية: يُراعى في عقد الرهن ما يُراعى في غيره من إيجاب الراهن وقبول المرتهن قولاً أو فعلاً. وتكفي الإشارة المفهمة، مع العجز عن النُّطق. والقبضُ شرطٌ في صحة الرهن، لا في لزومه. فقد قال الإمام محمد الباقر (عليه) «لا رهن إلا مقبوضًا»(+) . وعقد الرهن كغيره من العقود يتمُّ بالإيجاب، والقبول. ومتى انعقد كان لازمًا بحكم قوله تعالى: {أَوْفُوا بِالْعُقُودِ} والحديث الشريف: «المؤمنون عند شروطهم»(+) .
ويشترط الشيعة الإمامية عدم التصرف في المرهون من كلٍّ من الراهن والمرتهن إلا بإذن الآخر. أما منع المرتهن فلأن المرهون ليس ملكًا له. وأما منع الراهن فلأن الغاية من الرهن الاستيثاق للدَّيْن، ولا يتم ذلك إلا برفع سلطة الراهن عن المرهون ومنعه من بيعه وإيجاره وغيرها من التصرفات التي تتنافى مع الاستيثاق.
وإذا أذن المرتهن للراهن ببيع المرهون بطل الرهن من الأساس، ولا يكون الثمن رهنًا كالمثمن، بل يحتاج ذلك إلى رهن جديد. قال الإمام الصادق (عليه) عن رجلٍ رهنَ أرضًا إلى غير وقتٍ ثم غاب: هل له وقتٌ يباع فيه رهنُهُ؟. قال (عليه): «لا، حتى يجيء»(+) .
ـ وقال الحنفية: إذا حصل الإيجاب والقبول، مع شرط الانعقاد، انعقد الرهن صحيحًا، لكنه لا يكون لازمًا إلا بالقبض. وللراهن أن يرجع في رهنه قبل أن يسلّم المرهون. فهو مثل الهبة، إذ للواهب الحقُّ في الرجوع عن هبته قبل أن يقبضها الموهوب له. أما بعد قبضها فإنه ليس له الرجوع إلا برضا الموهوب له، أو بالقضاء.
ويشترط الحنفية في القبض إذن الراهن صريحًا أو دلالة. وإذا قبض المرهون بلا إذن الراهن كان القبض فاسدًا فلا يلزم به العقد. وكذلك إذا كان القابضُ غيرَ عاقلٍ فإنَّ قبضه لا يصح. وهذه شروطٌ لصحة القبض، كما أنها شروطٌ لصحة الرهن.
ـ وقال المالكية: يتحقق الرهن بالإيجاب والقبول. فليس للراهن أن يرجع بعد ذلك، وعلى المرتهن أن يطالب بالقبض. ولكن لا يشترط في صحة الرهن أن يكون المرهون مقبوضًا، وكما لا يشترط القبض في انعقاده ولزومه، فيصح الرهن وينعقد ويلزم، وإن لم يقبض المرتهن المرهون.
ـ وقال الشافعية والحنبلية: تقسم شروط الرهن قسمين:
القسم الأول : شروط اللزوم وهو قبض المرهون. فإذا قبض المرتهن لزم الرهن في حق الراهن فليس له الرجوع بعد ذلك. أما قبل القبض فإنه لا يلزم ويصح له أن يتصرف فيه كما يشاء، حتى إنه يحق له أن يرهنه إلى آخر ويكون ذلك إبطالاً للرهن الأول. ولو أذن الراهن للمرتهن في قبضه، لكنه لم يقبضه، فإنه يصح له أن يتصرف فيه أيضًا. فإذا رهن دارًا ولم يتسلّمها المرتهن، لم يلزم العقد، ويصح للراهن أن يرجع فيه.
وإذا كانت العين المرهونة بيد المرتهن قبل العقد، سواء كان ذلك بإجارة، أو إعارة، أو غصب أو نحو ذلك، فإنها تكون مقبوضة له بعد العقد. وإذن فالشرط هو أن الرهن لا يلزم إلا بعد القبض بدليل قوله تعالى: {فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ}، فالقبض شرطٌ في لزومه. ويشترط في صحة القبض أن يأذن له الراهن، فإن قبضه مِنْ غير إذنه لم يكن الرهن لازمًا.
القسم الثاني: شروط الصحَّة التي تتعلق بالعقد، وذلك يكون العقد معلقًا شرط لا يقتضيه.
وقد زاد الشافعية بالقول: «بشرط أن لا يقتضيه العقد عند حلول الدَّين، فإن هذا يبطل الرهن». أما إذا اشترطا بعض الشروط التي يقتضيها العقد، كشرط تقدّم المرتهن على غيره من الغرماء فإنه لا يضر.
ثانيًا - العاقدان: الراهن والمرتهن:
اتفق جميع الأئمة على أن يكون كل من الراهن والمرتهن بالغًا، عاقلاً، غير محجور عليه، أي أن يكون أهلاً للتصرفات المالية.
فلا يصح عقد الرهن من المجنون، والصبي غير المميِّز، وكذلك رهنُ المكرَه والسكران. أما الصبيّ المميز والمحجور عليه لسفهٍ أو إفلاس فإن رهنهما يقع صحيحًا، لكنه يتوقفُ على إجازة الوليّ. أي إنه يجوز للولي، سواء أكان أبًا، أم وصيًا، أم قاضيًا أن يرهن مالَ من له عليه الولاية بشرط أن يكون ذلك لمصلحته، كَأَنْ يرهنه لتعليمه أو كسوته أو إطعامه. أما إذا كان الرهن لمصلحة الولي فإنه يقع باطلاً.
وعلى هذا فإنَّ الرهنَ الذي يتولاَّهُ الوليُّ يكون في حالتَين:
الأولى : أن تكون الضرورة تدعو إلى الرهن، شرطَ يجد الوليُّ وسيلةً للإنفاق على المحجور عليه سوى رهن ماله.
الثانية : أن يكون في الرهن مصلحة مالية تعود على المحجور عليه. كما إذا وجد الولي أن شراء العين يكون فيه ربح للمحجور عليه، ولم يجد مالاً يشتريها به، فيصح له أن يرهن مال المحجور عليه ليشتري هذه العين، أو أن يكون للقاصر مثلاً عينٌ يخشى تلفها، ولا راغب فيها إلاَّ قرضًا أو الشراء نسيئة، فيبيعها الوليّ أو يقرضها مع الرهن.
ثالثًا : المعقود عليه:
وهو يشمل أمرين: المرهون، والمرهون به (الدَّين).

1 - المرهون:
ـ قال الشيعة الإمامية: إن المرهون يجب أن يكون عينًا يصح تملُّكها وبيعُها، ويمكن تسليمها، وأن تكون معلومةً غير مجهولةٍ، تمامًا كالمبيع. ولا يصح رهن ما في الذمة من الدين حالًّا غير مؤجل، ويحبس هذا الدَّين لحساب الراهن، تمامًا كما هو الشأن في المفلس. ولا يصحُّ رهنُ المنافع إطلاقًا، لأن المنفعة تحصل بالتدريج شيئًا فشيئًا، ولا يمكن الاستيلاء عليها إلا باستهلاكها، وعليه فلا يتحقق المقصود من الرهن، أي استيفاء الدَّيْن من المرهون عند تعذُّر الوفاء من الراهن.
ـ وقال الحنفية: إن شرط الانعقاد أن يكون المرهون مالاً، وكل ما لا يَعدُّ الشرع مالاً كالميتة والدم ونحوهما لا يصح أن يكون شيء منه مرهونًا. وعليه يجب في المرهون:
1 ـ أن يكون متميزًا، فلا يصح رهن المشاع غير المميَّز، سواء رهنه من أجنبيّ أو من شريكه.
2 ـ أن يكون في حياة المرتهن بعد قبضه، فلا يصح رهن الثمر على الشجر من دون الشجر، كما لا يصح رهن الزرع في الأرض من دون الأرض.
3 ـ أن يكون فارغًا غير مشغول بحق الراهن، فلا يصح رهن دار مشغولة بمتاع للراهن قبل إخلائها.
ـ وقال المالكية: إن ما يصح بيعه يصح رهنه وبالعكس. إلاَّ أنَّه يصح رهن الأشياء التي بها غرر، وإن لم يصح بيعها: كالثمرة التي لم تخلق، والجنين في بطن أمه، والثمر قبل بُدُوِّ صلاحه ونحو ذلك مما فيه خطر، بمعنى أنه قد يوجد وقد لا يوجد.
ويصح عنـدهم رهن المكيل والموزون والمعدود شرط أن يجعل في مكان مغلق إذا خُتم عليه بحيث إذا فتح مكانه يعرف، فإذا لم يختم لا يصح رهنه. وإذا وضعت هذه الأشياء عند أمين فلا يشترط ختمها.
ـ وقال الشافعية والحنبلية: كل ما يصح بيعه فإنه يصح رهنه إلاَّ المنفعة فإنه يصح بيعها ولايصحُّ رهنها، فلا يصحُّ أن يُرهن حق المرور ولكن يصح بيعه. وهم يشترطون أن يكون المرهون عينًا، فلا يصح رهن سكنى الدار ونحوها من المنافع التي ليست عينًا، كما لا يصح رهن الدَّين ابتداء، ولكن يصح رهن الدَّين دوامًا كما لو رهن شخص عينًا في دَين عليه فأتلفها المرتهن وهي عنده فإنها في هذه الحالـة تكون مضمونة على المرتهـن إن كانت مثليَّة، وبقيمتها إن كانت قيميَّة، ويكون بدلها عنده مرهونًا في مقابل دَينه. وصحة هذا الرهن أنه ليس دينًا من أول الأمر، بل هو في الأول رهن عين، فلذا صح رهنه بعد أن ينقلب دَينًا. كما يشترطون تكون العين سريعةَ الفساد والدَّين مؤجل إلى أمد بعيد، بحيث يلحق العينَ الفساد قبل حلول الأجل. كما يجب أن يكون المرهون مُنتفَعًا به انتفاعًا شرعيًّا ولو في المستقبل كالحيوان الصغير، فإنه يصح رهنه لكونه ينتفع به مستقبلاً.
وقد اتفق جميع الأئمة على أن العين الطاهرة يصح رهنها، فلا يصح بالتالي رهن النجس كالخنزير، والخمر. كما لا يصح رهن ما لا يمكن تسليمه كالطير في السماء، والسمك في الماء.
وأجمع الأئمة على صحة رهن حصة شائعة مثل أن يرهن نصف داره، أو أرضه، أو أن يرهن أسهمه في عقار بالشيوع بينه وبين غيره، سواء رهنه من شريكه أو من أجنبيّ، وسواء كان المرهون مما يقبل القسمة أو لا يقبلها. إلا الحنفية فرّقوا في المشاع وقالوا بعدم صحة رهن المشاع غير المميز.
كما أجمع الأئمة على رهن المستعار، وذلك بأن يستعير مال الغير، ويرهنه على الدَّين، بإذن صاحبه، شرط أن يبيّن له جنسَ الدَّين، ومقدارَه، وأجَلَه. فإن خالفَ المستعيرُ ذلك، فللمالك فسخُ الرهن، واسترجاع المرهون. ومثل ذلك إذا استأجر عينًا من شخص ليرهنها، في مقابل دَيْن عليه، فإنه يصح.
2 - المرهون به أو الدَّين أو الحق:
ـ قال الإمامية: يجوز أخذ الرهن على الدّيْن الثابت في الذمة معجلاً أو مؤجلاً، قرضًا كان أو ثمن مبيع أو عِوَضَ إيجارٍ، أو مهرًا، سابقًا كان الدَّين على الرهن أو مقارنًا له. ولكن لا يصح أن يرهن أوَّلاً ثم يستدين، لأن الرهن وثيقة للمال، ولا يعقل الاستيثاق قبل حصول المال.
وقالوا: لا يصح الرهن على مال الجعالة قبل تمام العمل. فمثلاً إذا قال: من عمل كذا أعطيته كذا. فلا يصح أن يرهن على ما يستحقه العامل بعد العمل، إذ المفروض أنه لم يثبت له شيءٌ في الذمة قبل إنهاء العمل.
وقالوا: إذا وضعتَ أمانةً عند شخص، أو استأجر منك سيارةً، أو أخذها بقصد التجربة ليشتريها، فهل يصح أن يرهن عندك شيئًا تستوثق به على مالك إذا تعدَّى أو فرَّط المستأجر أو المستأمَن، أو المجرِّبُ أو المستعير؟ والجواب عندهم أن الوديعة والعارية غير المضمونة لا يصح الرهن من أجلها، أما ما عداهما فيصح رهنه، لأن أدلة الرهن عامّةً تشمل العين، وقد خرج منها الوديعة والعارية بالإجماع، فيبقى غيرهما لعموم مدلول الرهن، وتترتب عليه جميع أحكامه. وقد سئل الإمام الصادق (عليه) عن الرجل يشتري الحيوان أو الطعام سلَمًا - بيع السَّلَمِ ما يكون الثمن معجلاً، والمثمن مؤجلاً - ويأخذ الرهن على ما دفع من المال؟ فقال الإمام (عليه): «نعم، استوثق من مالك»(+) .
ـ وقال الحنفية: يجب أن يكون المرهون به، وهو دَيْن الرَّهن، مضمونًا. ومثال المرهون به غير المضمون: الأمانات والوديعة. فإذا وضع شخص عند آخر أمانةً فلا يصح أن يرهن بها عينًا، وإلا وقع الرهن باطلاً. أما الأعيان المضمونة بأنفسها فيصحُّ أن تكون مرهونًا بها، كالمكيلات والموزونات والمعدودات، أو ليس لها مثل ولكن لها قيمة كالحيوان، والثوب، لأنها إن هلكت تكون مضمونة بمثلها إن كان لها مثل، وبقيمتها إن لم يكن لها مثل.
وجملة القول عند الحنفية: إن الأعيان المضمونة يصح أن تكون سببًا في الرهن كالعين المغصوبة، والعين التي جعلها مهرًا أو بدلاً عن خلع، فإنه يصحُّ أن يرهن شيئًا في مقابلها حتى يتسلّمها صاحبها. أما الأعيان غير المضمونة فلا يصح أن تكون سببًا في الرهن، ومن قبيل ذلك: العين المأخوذة بالشفعة، والكفالة بالنفس.
وقالوا: لا يشترط في الدَّيْن أن يكون مقدَّمًا على الرهن، بل يصحُّ أن يرهن شيئًا في مقابل ديْن يعده به. ويصح أن يجعل رأس مال السَّلم سببًا في الرهن، كما يصح أن يجعل المسلَّم فيه كذلك.
ـ وقال المالكية: يُشترط في الدّين أن يكون حالًّا أو مآلاً، فيصح الرهن في الجُعل وهو ما يجعله الإنسان لآخر في نظير عمل. كما يصح للأجير أن يأخذ رهنًا في أجر عمله الذي يشرع فيه لأنه دَيْن لازم مآلاً. وكذلك يصح لمن يستأجر على عمل أن يأخذ رهنًا من العامل الذي أعطاه أجره حتى يُتِمَّهُ له.
وقالوا: لا يشترط في الدَّين أن يكون ثابتًا قبل الرهن، ولكن لا يستمر لزومه إلا إذا حصل قرض أو بيع في المستقبل، فإن لم يحصل كان للراهن أخذ رهنه. ويصح أن يبيع شخص لآخر شيئًا بثمن مؤجل، ثم يرهن في نظير ثمنه شيئًا.
ـ وقال الشافعية: إن شروط صحة المرهون به أربعة:
1 ـ أن يكون ديْنًا، فلا يصح الرهن بسبب غير الدين كالمغصوب والمستعار ونحوهما.
2 ـ أن يكون الدَّين ثابتًا، فلا يصح الرهن قبل ثبوته. أما إذا اشترى شيئًا بثمن مؤجل ورهن عينًا مقابل الدَّيْن الذي لم يحلّ وقت عقد البيع فإنه جائز.
3 ـ أن يكون الدَّيْن لازمًا في الحال أو المآل، فيصح الرهن بسبب الثمن في مدة الخيار.
4 ـ أن يكون الدَّيْن معلومًا عينًا، وقدرًا، وصفة، فلا يصح الرهن مع جهلِ شيءٍ من ذلك.
ـ وقال الحنبلية: يجب أن يكون الدَّيْن حالًّا أو مآلاً، لأن كل دَيْن واجبٌ أو مآله إلى الوجوب، فإذا باع الشخص عينًا على أن يكون لأحدهما الخيار، فإنه يصح للبائع أن يأخذ رهنًا بالثمن. ومثل ذلك الأعيان المضمونة فإنه يصح أخذ الرهن عليها كالمغصوب. فإذا باع أرضًا مغصوبة لشخص فإنه يصحّ أن يرهنه داره حتى يتسلَّمها. ومثلها العارية، فإذا استعار شخص من آخر شيئًا فإنه يصحُّ أن يرهنه عينًا في نظير عاريته.
ويصح أخذ الرهن على إجارة في الذمة، كما لو استأجر بنّاءً ليبني له دارًا فإنه يصح أن يأخذ منه رهنًا في مقابل عمله، فإذا لم يشيد له الدار فإن للمرتهن الحقَّ في بيع المرهون ويستأجر منه من يبني له الدار. هذا ويجوز أن يستدين الراهن من المرتهن ثانية، ويجعل مجموع الدَّيْن الأول والثاني على المرهون الأول، من دون إبطال الرهانة الأولى، بل تجديدها.
تلف المرهون أو هلاكه:
يُعدّ المرهون أمانة في يد المرتهن، لا يضمنه إلا مع التعدِّي أو التفريط. وفي ذلك أقوال عند الأئمة:
ـ قال الشيعة الإمامية: إذا تلف المرهون بسبب المرتهن فعليه ضمانه. قال الإمام الصادق (عليه): «إن كانَ ثمن الرهن أكثر من مال المرتهن فعليه أن يؤدي الفضل - أي الزيادة - إلى الراهن، وإن كان أقل فعلى الراهن أن يؤدي الفضل إلى المرتهن، وإن كانا سواء فليس عليه شيء»(+) .
وإذا هلك المرهون بآفة قاهرة بطل الرهن، ويطالب المرتهن بدينه من الراهن، لأنه لا يسقط بهلاك المرهون. قال الإمام الصادق (عليه): «إذا ضاع الرهن فهو من مال الراهن، ويرتجع بماله عليه»(+) . وسُئِلَ الإمام الكاظم (عليه) عن الرجل يرهن الغلام، فتصيبه الآفّة، فعلى من يكون؟ قال (عليه): «على مولاه، أرأيت لو قتل قتيلاً على من يكون؟»، قال السائل: في عنق العبد.. ثم قال (عليه): «أرأيت لو كان ثمنه مئة، فصار مئتين، لمن يكون؟»، قال السائل: لمولاه. قال (عليه):«وكذلك يكون عليه ما يكون له»(+) .
وإذا أتلف المرهون بفعل الغير، أخذ منه البدل. والراهن هو الذي يخاصمه ويرفع عليه الدعوى، وليس له أن يعفو عنه إلا بعد إرضاء المرتهن. فإن لم يخاصمه الراهن فللمرتهن ذلك لتعلق حقه بالمرهون التالف.
ـ وقال الحنفية: إذا هلك الرهن في يد المرتهن، كان مضمونًا عليه بالدَّيْن إذا كان الدَّيْن مساويًا للقيمة أو أقل. أما إذا كان الذين أكثر كان مضمونًا بالقيمة. ويصح رهن الذهب والفضة. فإذا رهن كُلًّا منهما بجنسه وهلك، كان هلاكه بمثله، أما إذا رهن بغير جنسه كالذهب بالفضة، أو القمح، وهلك، كان هلاكه بقيمته.
ـ وقال المالكية: تكون قيمة الرهن عند ضمانه، بسبب التعدي عليه من الراهن أو من أجنبيّ إن لم يأت الراهن برهنٍ مثل الأول، وتقدر القيمة يوم التعدي فإن كان المرتهن هو المتعدي على الرهن فيضمن قيمته يوم ضياعه.
ـ وقال الشافعية: إذا تلفت العين المستعارة، بعد رهنها، فلا ضمان على الراهن ولا على المرتهن. وعند حلول الأجل يطلب المرتهن دَيْنَه من المالك والراهن معًا. وقد اشترط الشافعية يكون العينُ المرهونةُ سريعةَ الفساد، والدينُ مؤَجَّلاً إلى أمدٍ بعيد، بحيث يلحق العينَ الفسادُ قبل حلول الأجل.
ـ وقال الحنبلية: يصح رهن الأشياء التي تفسد بسرعة كالخضار، والفاكهة الرطبة ونحو ذلك. فإن كان تجفيفها ممكنًا كالتِّين والعنب، فإن الراهن يلزم بتجفيفها، وتبقى حتى يحل أجل الدَّيْن. وإذا لم يكن ممكنًا تجفيفها وبقاؤها كالبطيخ والثلج فإن اشترط المرتهن بيعه، فإنه يبيعه ويجعل ثمنه رهنًا، وإن لم يشترط البيع ورضي الراهن ببيعه فذاك، وإن لم يرضَ أمره الحاكم ببيعه، وإذا شرط في العقد عدم البيع، بطل الشرط.
الانتفاع بالمرهون:
اتفق جميع الأئمة على أن المرهون إذا كان له منافع فهي للراهن، سواء أكانت حين الرهن، أم تجددت بعده، لأن العين ملك له، فتبعتها المنفعة. إلا أن هنالك بعض التباين في الرأي لدى الأئمة، حول هذا الموضوع:
ـ قال الإمامية: يُفرَّق بين المنافع التي تكون موجودة حين العقد فتخرج عن الرهن إلا مع شرط الدخول، وبين المنافع المتجددة بعد العقد فتدخل مع شرط الخروج. وذهب بعضهم إلى عدم دخول المنافع إطلاقًا في الرهن إلاَّ مع الشرط، وذلك لعدم الدليل الشرعيّ على الدخول، ولأن الأصل تسلّط المالك على ملكه.
وقد أجاز الإمامية للمرتهن أن يشترط في عقد الرهن بيع المرهون، واستيفاء حقه منه، ويجب عليه يراجع الراهن، أو الحاكم في أمر البيع. أما إذا لم يشترط المرتهن بيع الرهن في العقد، وعجز الراهن عن الوفاء، أو امتنع عن الوفاء، رفع الأمر إلى الحاكم الشرعي الذي يُلزم الراهن بالبيع، فإن امتنع تولَّى الحاكم بيع الرهن ووفاء الدين. وفي حال عدم وجود الحاكم، جاز للمرتهن، بعد اليأس، أن يبيعَ المرهونَ بقيمته، ويستوفي حقه منه. وإذا باع الراهن العين المرهونة مدعيًا أن المرتهن أذن له بالبيع، فإن القول قول المرتهن مع يمينه، لأن الأصل عدم الإذن حتى يثبت العكس. وإذا أذن المرتهن بالبيع وبعد أن باع الراهن قال المرتهن: رجعت عن الإذن، وأنكر الراهن الرجوع، فالقول قول الراهن، لأن الأصل عدم الرجوع إلى أن يثبت العكس.. وإذا أنفق المرتهن على المرهون فله المنفعة بدلاً عن الإنفاق، واستدلوا على ذلك بالحديث الشريف عن النبي (ص): «الظهرُ يُركبُ إذا كان مرهونًا، وعلى الذي يَركبه نفقته، والدَّرُّ يُشرب إذا كان مرهونًا، وعلى الذي يشرب نَفقته»(+) . وسئل الإمام الصادق (عليه) عن الرجل يأخذ الدابة أو البعير رهنًا بماله، فهل له أن يركبه؟ قال (عليه): «إن كان يعلفه فله أن يركبه، وإن كان الذي رهنه عنده يعلفه، فليس له أن يركبه»(+) .
ويقول الإمامية: إذا مات المرتهن انتقل حق الرهانة إلى الورثة.
وإذا اتفقا على الرهن، واختلفا في مقدار الدَّيْن، فالقول قول الراهن، لأن الأصل عدم الزيادة، لقول الإمام الصادق (عليه): «إذا اختلفا في الرهن، فقال أحدهما: رُهِنَ بألفٍ، وقال الآخر بمئة، فعلى صاحب الألفِ البيّنةُ، فإن لم تكن له بينةٌ فعلى صاحب المئة اليمين»(+) .
وخلاصة القول عند الإمامية: إن الراهن والمرتهن ممنوعان من التصرف بالمرهون إلا باتفاقهما معًا. والمنفعة دائمًا للمالك كما أن النفقة عليه. ولا يمكن للمرتهن، في حال من الأحوال التصرف بالمرهون، إلا بإذن الراهن.
ـ وقال الحنفية: لا يجوز للراهن أن ينتفع بالمرهون بأي وجه من الوجوه إلا بإذن المرتهن. فلا يصح له أن يسكن دارًا أو يؤجِّرها، أو يعير شيئًا منها، ما دامت مرهونةً إلاَّ بإذن المرتهن. ولا فرق في ذلك أن يكون استعمالُ المرهون ينقص من قيمته أو لا. على أن منافعَ المرهون وثمرتَهُ الناشئة منه، هي من حقوق الراهن، كولد الحيوان، وثمر الشجر ونحوه، فإذا بقي إلى فكاك الدَّين حسب بقسط من الدَّيْن. وأما ما كان بدلاً عن منفعته كأجرة الدابة المرهونة فإنه ليس من حقوق الراهن. وغالبية الحنفية تُجيز انتفاع المرتهن بالمرهون إذا أذِنَ الراهن، شرط يشترط ذلك في العقد.
وإذا تصرَّف الراهن بالمرهون، عن طريق البيع، فإن بيعه لا ينفذ إلا إذا أجازه المرتهن. وإذا لم يجزه المرتهن، كان للمشتري الخيار بين أن يصبر إلى فكاك الرهن، أو أن يُقاضيَ المالك، أي الراهن، ليفسَخَ البيع. وكذلك إذا باع المرتهن المرهون، فإن أجازه الراهن نفذ، وإلاَّ فلا، وله أن يبطله ويُعيده رهنًا.
ـ وقال المالكية: ثمرة المرهون وما ينتج منه هي من حقوق الراهن ما لم يَشترط المرتهن، فإنها تكون له بثلاثة شروط:
الأول : أن يكون الدين بسبب البيع لا بسبب القرض، كما لو باع شخصٌ لآخر عقارًا بثمن مؤجَّل، فارتهن به عينًا مقابل دينه.
الثاني : أن يشترط المرتهن بأن تكون له المنفعة. أما لو كانت المنفعة تطوعًا من الراهن من دون شرط فلا يصح له أخذُها.
الثالث : أن تكون مدة المنفعة التي يشترطها معيَّنة، فإذا كانت مجهولةً فإنه لا يصح.
وإذا كانت المنفعة للراهن فإنه لا يحق له التصرف في المرهون، لأن الرهن يكون بيد المرتهن. فإذا رهن دارًا فإن المرتهن هو الذي يؤجِّرها، ولكن يعطي أجرتها للراهن، فإذا أذن المرتهن للراهن بتأجيرها، بطل الرهن، لأنه يكون قد تنازل عن حقه في ارتهانها.
ـ وقال الشافعية: الراهن هو صاحب الحقّ في منفعة المرهون، الذي يكون بيد المرتهن، ولا ترفع يده عنه إلا عند الانتفاع به، فترد العين المرهونة للراهن مدة الانتفاع إذا لم يكن بالإمكان استثمارها وهي بيد المرتهن. ويجوز للراهن أن ينتفع بكل ما لا ينقص العين المرهونة: كسكنى الدار، وركوب الدابة من دون إذن المرتهن. وليس للراهن أنْ يبنيَ على الأرض المرهونة، أو يغرس فيها أشجارًا. فإذا فعل فإنه لا يلزم بهدم البناء، أو قلع الأشجار قبل حلول الدَّيْن. فإذا حلَّ أجلُه وكان البناء أو الشجر يضر بثمن الأرض، فلا تعود تكفي لوفاء الدَّين، فإنه يلزم بإزالته، لأن البناء أو الشجر لا يدخل في الرهن، بل قد طرأ عليه بعد العقد.
ولا يصح للراهن أن يؤجِّر المرهون إلى مدة تزيد على مدة الرهن، ما لم يأذن المرتهن فإنه يصح.
ولا يحل للمرتهن أن ينتفع بالعين المرهونة إذا اشترط المنفعة في العقد.
والزيادة المتعلقة بالمرهون إذا كانت منفصلة عنه كاللبن، وعسل النحل، وأجرة الدار، فهي للراهن، ولا تدخل في المرهون إلا بالشرط. وأما الزيادة المتصلة بالمرهون كالجنين في بطن الدابة، أو فسيل النخل الملتصق بأمه النخلة ونحوه، فإنه يندرج في الرهن تبعًا له.
ـ وقال الحنبلية: المرهون إما أن يكون حيوانًا يُركب ويُحلب، ففي هذه الحالة ينتفع بركوبه ولبنه من دون إذن الراهن مقابل الإنفاق عليه، وإما أن يكون غير مركوب ومحلوب فيجوز للمرتهن أن ينتفع به بإذن الراهن مجانًا من دون عوض. ولا يصح للراهن أن يتصرَّف في المرهون من دون إذن المرتهن. فلا يصح له أن ينتفع به للسكنى، والإجارة، والإعارة، ولا أن يجعله وقفًا أو هبةً، أو يرهنه ثانية إلاَّ برضا المرتهن. وكذلك لا يملك المرتهن شيئًا من ذلك بغير رضا الراهن. فإذا لم يتفقا تعطَّلت منافع المرهون. فإن كانت دارًا أُغلقت، وإن كانت أرضًا تعطَّلت منفعتها حتى يُفَكَّ الرهن، لأنه لا يصحُّ لأحدهما أن ينفرد بالتصرف وحده. وما يتولد من المرهون، سواء كان متصلاً به أو منفصلاً عنه، يكون رهنًا بيد المرتهن.
ويصح أن يأذن الراهن في بيع المرهون في ثلاث صور:
الصورة الأولى : أن يأذن به قبل حلول الدَّيْن مع اشتراط جعل الثمن رهنًا، ففي هذه الحالة يصح البيع والشرط.
الصورة الثانية : أن يأذن به بعد حلول جزء من الدَّيْن، فيؤخذ من ثمنه ما حلَّ من الدَّيْن، ويكون الباقي رهنًا إن شرط ذلك.
الصورة الثالثة : أن يأذن به قبل حلول شيء من الدَّيْن من دون أن يشترط شيئًا، وفي هذه الحالة يبطل الرهن وينفذ البيع، ويبقى دَيْن المرتهن بلا وثيقة.
ciloxan notice kobhvorlangtid.site ciloxan alkohol



Copyright © Samih Atef El-Zein 2010     VINTOB