العقود
الطبعة : الطبعة الثانية  
المؤلف : سميح عاطف الزين
عدد الصفحات :   800
تاريخ النشر :   2013




الجعـالـة

تعريفها:
الجِعالة، أو الجُعل، أو الجَعيلة، بمعنى واحد في اللغة، وهو ما يُجْعَلُ للإنسان على شيءٍ يفعله.
والجعالة عند الفقهاء: الالتزام بمالٍ معيَّنٍ لقاءَ عملٍ لأيّ عاملٍ معلومًا أو مجهولاً. فإن كان العامل معلومًا يكون الالتزام معه مباشرة كقولك له إن فعلت كذا، فلك مبلغ كذا من المال. وإن كان العامل مجهولاً فالالتزام يكون بأن يقول: من ردَّ لي فرسي الضالّة، أو سيارتي المفقودة، فله مبلغ كذا من المال. فالجعالة إذن عقدٌ أو التزامٌ بإرادةٍ منفردة.
ويدخل تحت عنوان الجعالة، في عصرنا الحاضر، الوعدُ بالجائزة، أو المكافأة، فمن الجعالة ما يخصص من جوائز للفائزين الأوائل في الامتحانات، أو للفائزين من المتسابقين في ميادين العلم والخير ونفعِ المجتمع.
مشروعية الجعالة:
إن فقهاء الشيعة الإمامية والمالكية والشافعية والحنبلية قد أجازوا الجعالة جميعهم.
أما الحنفية(+) فلا تجوز الجعالة عندهم لما فيها من الغَرَر، أي جهالة العمل والمدة قياسًا على الإجارة التي يُشترط لها معرفةُ العمل والمأجور، والأجرة والمدة. بل أجازوها فقط استحسانًا لمن يردّ العبد الآبق(+) ، وجعلوا مقدارها أربعين درهمًا، على أن يكون الرّدُّ من مسيرة ثلاثة أيام فصاعدًا، وذلك تغطية للنفقة في مدة السفر.
أما مشروعيتها فقول الله تعالى: {قَالُوا نَفْقِدُ صُوَاعَ الْمَلِكِ وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ*}(+) وبما جاء في السُنَّة النبوية الشريفة، كما رواه الجماعة، إلا النسائي، فعن أبي سعيد الخدري: «أن ناسًا من أصحاب رسول الله (ص) أتوا حيًّا من أحياء العرب، لم يُقْروهم، فبينما هم كذلك إذ لدغ ثعبانٌ سيد أولئك، فقالوا: هل فيكم راقٍ؟ فقالوا: لم تُقْرونا، فلا نفعل أو تجعلوا لنا جعلاً. فجعلوا لهم قطيع شياه. فجعل رجل يقرأ بأم القرآن (الفاتحة) ويرقي الرجل الملدوغ، فبرئ بإذن الله تعالى، فأتوهم بالشاء، فقالوا: لا نأخذها حتى نسأل رسول الله (ص)؛ فسألوا رسول الله (ص) عن ذلك، فضحك، وقال: وما أدراك أنها رقية؟ خذوها واضربوا لي فيها بسهم»(+) .
وقيل للإمام الصادق (عليه): «إننا نأمر الرجل فيشتري لنا الأرض والدار والغلام والجارية، ونجعل له جعلاً؟ قال: لا بأس بذلك»(+) .
الفرق بين الجعالة والإجارة على الأعمال:
لقد ميّز الأئمة بين الجعالة والإجارة على الأعمال من نواح عدة، فقالوا:
ـ إنَّ الإجارة عقدٌ لازم من الجانبين، بينما الجعالة جائزة من جانب الجاعل، ومن جانب العامل قبل البدء بالعمل، أو بعد البدء به.
وإذا جرى الفسخُ قبل البدءِ بالعمل، سواء من قِبَلِ الجاعل أو من قبَلِ العامل، فلا شيء لهذا الأخير، وإذا كان الفسخُ قد جرى بعد البدء بالعمل، فإن كان من المالك فعليه للعامل عِوَضُ ما عَمل، وإن كان من العامل فلا يستحق شيئًا، لأنه أسقط حقَّه بنفسه، حيث لم يأتِ بما شَرط عليه العِوَض.
ـ لا يتمُّ استيفاءُ المنفعة للجاعل إلاَّ بتمام العمل، لأنه قد جعل العوض للعامل في مقابل مجموع العمل، لا بعضه. أما في الإجارة فتتحقق المنفعة للمستأجر بجزءٍ من العمل، يوازي مقدار ما عمله الأجير، وعليه فلا يستحق العامل في الجعالة شيئًا إلا بتمام العمل، فين أنه يستحق من الأجر، في الإجارة، بمقدار ما عمل.
ـ العمل في الجعالة قد يكون معلومًا، وقد يكون مجهولاً (كحفر بئر حتى يخرج منها الماء). وكما تجوز في الجعالة جهالة العمل تجوز جهالة المدة. أما في الإجارة فلا بد من أن يكون العمل معلومًا كالخياطة، والبناء، وكذلك المدة يجب أن تكون معلومة فيها.
ـ ويجوز في الجعالة أن يكون مجهولاً وصف الشيء الذي جعل المالُ من أجله، في حين أن هذا لا يجوز في الإجارة. فإذا قال: من ردَّ سيارتي فله كذا صح، من دون أن يبيِّن نوعَها ولونَها وسائر أوصافها، لكنه لا يصحّ أن يقول: أجّرتك سيارتي من دون أن يميزها بالوصف.
ـ ويجوز أن يكون العاملُ نفسُهُ مجهولاً في الجعالة، كأن يقول: من أصلح أراضي وأزال منها الأحجار والأشواك فله كذا. ولكن لا يصح أن يقول: أجرتها لكل من يزرعها خضارًا أو فاكهة.
ـ يملك الأجير الأجرة بالعقد نفسه في الإجارة، سواء استعمله المالك، أو تركه بغير عمل، في حين لا يجوز اشتراط تقديم الأجرة في الجعالة، لأن العامل لا يستحقّ شيئًا إلا بعد العمل، إذ المهمّ في الجعالة إنجاز العمل.
وقد أضاف الإمامية في التمييز بين الجعالة والإجارة أمرين:
الأول : جواز أن يكون العامل - المجعول له - صبيًّا أو سفيهًا، في حين يشترط في المستأجر البلوغ والرشد.
الثاني : جواز أن يكون الملتزم بالعقد شخصًا غير المالك، مثل أن يقول رجل: من رد محفظة فلان فله مني كذا، ولكن لا يصح أن يقول: من أجَّر داره بكذا فعليَّ الأجرة.
صيغة الجعالة:
ـ قال الإمامية: الصيغة في الجعالة هي كل لفظ يدل على الالتزام بمالٍ لقاء عمل. ويصح فيها الإطلاق من حيث الزمان والمكان، كما يصح التقيد بأحدهما، أو بهما معًا، كأن يقول: من فعل كذا يوم الجمعة، أو مَن قام بهذا العمل في البلد الفلاني، فله مني كذا..
ولا فرق في القبول بين أن يكون بالفعل أو بالقول، فلو باشر شخصٌ العملَ من دون أن يقول شيئًا، أو قال: أنا أفعل، تمَّ العقد.
ـ وقال الأئمة الآخرون الذين أجازوا الجعالة: إنَّ الجعالة التزامٌ بإرادةٍ منفردة، فلا تتحقق إلا بصيغة معيَّنةٍ من الجاعل، تدل على إذنٍ بالعمل بطلبٍ صريح، بِعوضٍ معلوم.
ولا يشترط قبول العامل، وإن عيَّنه الجاعل. ويصحُّ أن تكون الجعالة لواحد معيَّن، أو لغير معيَّن، كما يصح أن يجعل الجاعل للمعين عوضًا، ولغيره عوضًا آخر.
شروط الجعالة:
ـ قال الشيعة الإمامية: يُراعى في الجعالة أمور:
1 - أن يعين الجاعلُ الأجرةَ أوَّلاً، ثم يحصل العمل. فلو وجد شخص محفظة فالتقطها قبل الجعالة، وجب عليه تسليمها لصاحبها، من دون أن يستحقّ من الجعل شيئًا، لأنها أمانة، وعليه أن يردَّها لمالكها.
أما إذا ردَّ الشيء الضائع بقصد التبرُّع، فلا شيء له، سواء بعد الجعالة أو قبلها، سمعها أو لم يسمعها. أو إذا لم يقصد التبرُّعَ، وكان الرد بعد الجعالة فيستحقها ولو لم يسمعها.
2 - أن يكون الجاعلُ أهلاً للتعاقد، من حيث البلوغ، والرشد، والقصد، والاختيار، وعدم الحجر. أما العامل فلا يشترط فيه إلا إمكانية صدور العمل منه، مع عدم المانع الشرعيّ، فيصح العملُ من الصبيّ والسفيه، بل من المجنون أيضًا على الأظهر.
3 - يشترط في العمل أن يكون محلَّلاً، فلا تصح الجعالة على محرَّم، فلو قال: من قتل، أو سرق، أو شرب خمرًا فله كذا.. لم يصح، ولو فعل المجعول له ذلك لم يستحق العوض. ويشترط في العمل أيضًا أن يكون مقصودًا للعقلاء، فلو قال: من حفر خندقًا ثم طمَّه لم يصح. كما يشترط في العمل يكون واجبًا، فلو قال: من صلَّى الفريضة أو صام شهر رمضان فله كذا لم يصح، لأن الواجب لا يصح أخذ العوض عليه.
4 - أن يكون الجُعل معلومًا، فإذا كان مجهولاً تبطل الجعالة ويبقى للعامل أجر المثل. وإذا قال: من فعل كذا فأنا أرضيه، فإن رضي الفاعل بما أعطاه الجاعل فذاك، وإلاَّ فله أجرة المثل.
ـ وقال فقهاء السنّة ما عد الحنفية: يشترط في الجعالة ما يأتي(+) :
1 ـ أهلية العاقد: يشترط في الجاعل، مالكًا كان أو غيره أن يكون بالغًا، عاقلاً، رشيدًا. فلا تصح الجعالة من صبيّ، ومجنون ومحجور عليه للسفه. أما العامل فيشترط فيه أهلية العمل، فلا يصح أن يكون عاجزًا كالصغير الذي لا يقدر على العمل، لأن منفعته معدومة.
2 ـ أن يكون الجعل مالاً معلومًا، فلو كان الجعل مجهولاً فسد العقد لجهالة العوض، كما لو قال: من وجد سيارتي أُرضيه. ويكون للعامل أجرة المثل، كالإجارة الفاسدة. وإن كان الجعل حرامًا كخمر أو مغصوب، فسد العقد أيضًا لنجاسة عين الخمر، وعدم القدرة على تسليم المغصوب.
3 ـ أن تكون المنفعة معلومةً حقيقةً، فيباح الانتفاعُ بها شرعًا، فلا تجوز الجعالة على شعوذة يُراد منها إخراج الجنِّ من شخص، كما لا تجوز الجعالة على ما يحرم نفعه(+) .
والقاعدة في ذلك: أن كل ما جاز أخذ العوض عليه في إجارة الأعمال، جاز أخذ العوض عليه في الجعالة. والعكس بالعكس. لقوله تعالى: {وَلاَ تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ}(+) .
وقد توسع المالكية في شروط الجعالة، فأضافوا إلى ما تقدم من شروط ما يلي:
ـ أن تكون الجعالة في العمل اليسير، ولو كان متعددًا، كإبل كثيرة شردت.
ـ يحدد للجعالة أجل، في حين أن غيرهم قال: يصح الجمع بين تقدير المدة والعمل.
ـ أن كلّ ما جاز فيه الجعل، كحفر الآبار في الفلاة، جازت فيه الإجارة، لا العكس، فليس كل ما جازت فيه الإجارة، جاز فيه الجعل.. وأما أعمال العبادة التي لا يتعدى نفعها غير فاعلها كالصلاة والصيام فلا يجوز أخذ الجعل عليها، أما ما يتعدَّى فاعله كالأذان، وتعليم الفقه، والقرآن، والقضاء، والإفتاء فيجوز أخذ الجعل عليه، لحديث أبي سعيد الخدري في الرقية.
والمشهور عند المالكية أنه لا بد من تحقيق منفعة مقصودة للجاعل. فمن جعل مبلغ كذا لمن يصعد جبلاً لا لشيء يأتي به، لا يصح التزامه ولا جعالته.
واشترط الشافعية في العمل: أن يكون فيه كُلْفَةٌ، وإلا فلا يستحق شيئًا، لان ما لا كُلْفَةَ فيه لا يُقابَلُ بِعوضِ.
حكم الاختلاف بين المالك والعامل:
إذا حصل اختلاف بين المالك والعامل فأيهما يصدَّق بيمينه؟
ـ قال الشيعة الإمامية: إذا عمل شخص لآخر وقال له: أنت أمرتني بالعمل، أو شارطتني عليه، فأنكر الآخر (أي المالك) فالقول قولُهُ بيمينه لأنه منكر، والأصل عدم الأمر، أو عدم الشرط. وهذا يحصل إذا لم يكن هناك قرينة تدلُّ على التبرُّع، كما لو ادَّعى صاحب المتاع بأن الحمَّال قد حمل متاعه تبرعًا، أو إذا ادَّعى راكب سيارةِ الأجرة التبرّع، فلا يمكن طلب البيّنة من الحمّال، أو من صاحب السيارة.
وإذا قال أحد: من رد محفظتي فله كذا.. فردَّها له فلانٌ وطالبه بالجعل، لكن الجاعل أنكر وقال له: لقد كانت معك قبل أن أنشئ الجعالة، فلا تستحق شيئًا، في حين أن العامل قال، بل بحثت عنها، ووجدتها بعد الجعالة، فالقول قول المالك بيمينه، لأن الأصل براءة ذمة المالك من الجعل حتى يثبت العكس.
وإذا اتفقا على إنشاء الجعالة، واختلفا في قدر الجعل، كأن قال المالك: عشرة، وقال العامل: بل عشرين، فمن المدَّعي، ومن المنكر؟ القول قول المالك بيمينه، بأن يحلف على نفي الزيادة التي يدعيها العامل. واليمين لا تثبت ادِّعاء الجاعل بل تنفي ما يدَّعيه الخصم، ففي هذه الحالة، وإذا لم يكن هنالك بيِّنة، وجب الأخذ بأقل الأمرين من أجرة المثل، وما يدعيه العامل، فإن كانت أجرة المثل ثلاثين، أعطي العامل المبلغ الذي ادَّعاه، أي عشرين. وإن كانت أجرة المثل أقل مما يدَّعيه العامل، كما لو كانت خمسة عشر فله أجرة المثل فقط.
ـ وقال الأئمة القائلون بجواز الجعالة: إن اختلفا في أصل اشتراط الجعل بأن أنكره أحدهما، فيصدَّق المنكرُ بيمينه، كأن يقول العامل: شرطتَ لي جعلاً، وأنكر المالك، صدق المالك بيمينه، لأن الأصل عدم اشتراط الجعل. وكذلك إن اختلفا في سعي العامل، بأن قال المالك: لم ترده، بل رجع بنفسه يصدق المالك.
وإن اختلفا في قدر الجعل، أو في قدر المسافة، أو المكان المحدَّد لوجود الضائع:
قال المالكية والشافعية: تَحَالَفَ الطرفان، وفسخ العقد، ووجب أجرة المثل، كما لو اختلفا في عقد الإجارة.
ـ وقال الحنبلية: القول قول المالك بيمينه، لأن الأصل عدم الزائد المختلف فيه، ولأن القول قوله في أصل العوض، فكذلك في قدره ولأنه منكر لما يدَّعيه العامل، والأصل براءة ذمته، وإذا تحالفا فسخ العقد ووجب أجر المثل.
ويرى الشافعية والحنبلية أنه يجوز للمالك الجاعل أن يزيد أو يُنقص من الجعل. وقد أجاز الشافعية ذلك قبل الفراغ من العمل، سواء قبل الشروع به، أو بعده. وقال الحنبلية: يجوز ذلك قبل الشروع في العمل.



Copyright © Samih Atef El-Zein 2010     VINTOB