العقود
الطبعة : الطبعة الثانية  
المؤلف : سميح عاطف الزين
عدد الصفحات :   800
تاريخ النشر :   2013




الهبة وأحكامها

الهبة، والصدقة، والعطية، والهدية: ألفاظ مترادفة لمعنى أساسيّ واحد، وهو التبرع أو التفضّل على الغير. فهي التفضُّل من الوهاب الكريم - على لسان زكريا (عليه) - في قوله تعالى: {فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا*}(+) . ودعاء الراسخين في العلم في قوله تعالى: {رَبَّنَا لاَ تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ*}(+) وجاء في كتاب (التعريفات) للجرجاني «أن الهبة في اللغة: التبرع، وفي الشرع: التمليك». فإن قصد بالهبة طلب التقرب إلى الله تعالى ونيل ثواب الآخرة، بإعطاء محتاج أو مسكين فهي صدقة. وإن حملت إلى الشخص إعظامًا له وتودُّدًا وتكريمًا فهي هدية. وإن لم يقصد شيء من ذلك كانت هبة أو عطية.
وعرَّف الفقهاء الهبة على أنها: عقد يفيد تمليك مالٍ حالَ الحياة بلا عوض.
وبمقتضى هذا التعريف خرج الوقف بالتمليك، لأن الوقف ليس تمليكًا، وبالمال خرجت العارية، لأن العارية تمليك منفعة، وفي حال الحياة خرجت الوصية، لأن الوصية تمليك لما بعد الموت. وبلا عوض خرج البيع، لأن البيع تمليك بعوض، فتكون الهبة عقدًا على العين بغير عوض.
والهبة مشروعة، مندوب إليها، باتفاق جميع الأئمة، لقوله تعالى: {وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِّرِّ وَالتَّقْوَى}(+) ، وقوله تعالى: {فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا*}(+) ، وقوله تعالى: {وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ}(+) ، ولقول رسول الله (ص): تهادوا تحابُّوا»(+) .
الشروط الواجب توافرها في الهبة:
ـ قال الشيعة الإمامية: تنعقد الهبة إذا توافرت لها الشروط التالية:
1 ـ الإيجاب من الواهب، والقبول من الموهوب له، وتكون الصيغة بكل ما دل عليها من قول أو فعل.
2 ـ الأهلية في الواهب والموهوب له، أي أن يكون كُلٌّ منهما عاقلاً، بالغًا، مختارًا، لأن الهبة إيجاب وقبول وقبض، والقاصر لا يصح إيجابه ولا قبوله، ولا قبضه. ولكن للوصيّ أو الوليّ أن يقبض الهبة للقاصر مع المصلحة. ولا تصح هبة المكره، كما لا تصح هبة المحجور عليه لسفهٍ أو جنون، لأنه ممنوع من التصرفات المالية، إنما تصح الهبة له.
3 ـ جواز تملُّك الموهوب له للشيء الموهوب، فلا تصح هبة المصحف الشريف لغير المسلم.
4 ـ عدم صحة هبة المعدوم، أو ما سوف يوجد كالثمرة المتجددة، وحمل الدابة، لأن الهبة تمليك في الحال. إلا أنهم جوَّزوا الوصية بالمعدوم لأنها ليست تمليكًا في الحال.
5 ـ جواز أن يكون الموهوب عينًا معلومة في الخارج، وجزءًا مشاعًا من عين، وكليًّا في شيء معين. فعن أحمد بن عمر الحلبي، عن أبيه، عن أبي عبد الله الصادق (عليه) قال: سألته عن دار لم تُقسم، فتصدَّق بعض أهل الدار بنصيبه من الدار؟ قال: يجوز(+) . قلت: أرأيت إن كانت هبة؟. قال: يجوز. أما الدَّين إذا كان في ذمة الموهوب له فتصح الهبة له، لما روي أن معاوية بن عمار سأل الإمام الصادق (عليه) عن الرجل يكون له على الرجل دراهم فيهبها له، ألَهُ أن يرجع فيهب؟ قال الإمام (عليه): «لا، أما هبة الدَّيْن لغير المدين فلا تصح لعلة عدم القبض»(+) .
6 ـ عدم اشتراط العلم بمقدار الشيء الموهوب. فيجوز هبة حصة مشاع من عين مجهولة الكمِّ والمقدار، كنصف هذا البستان مع عدم العلم بمساحته. كما تجوز هبة الفرد المردد، كقوله: وهبت أحد هذين الشيئين.
وقد عدَّ الأئمة الأربعة أن لصحة الهبة شروطًا يجب أن تتوافر في الواهب، وفي الموهوب له، وفي الشيء الموهوب.
ـ قال جمهور الحنفية إنّ الإيجاب والقبول شرط لصحة الهبة. في حين قال بعضهم: إنَّ الإيجاب فقط يكفي، ولو لم يصدر قبول من الموهوب له. وتنعقد الهبة بالتعاطي أي أن يكون معروفًا بأن أحدًا أعطى لآخر شيئًا فأخذه من دون أن يتلفظا بإيجاب وقبول فإنه يصح. ويجب ألاَّ يكون العقد معلقًا على شيء غير محقق الوقوع كقوله: أهب لك هذه الدار إن حضر أخوك من السفر. ومنه إذا قال: داري لك رُقْبى، ومعناه: إن مت أنا فهي لك وإن مت أنت فهي لي. فهي معلقة بموت صاحبها، وقد يموت الموهوب له قبله. وسُمِّيت رُقْبى لأن كُلًّامنهما يرقب موت صاحبه. ومنها العُمْرى كأن يقول له: عُمْرتك داري، فإن معناه: أعطيتك منفعة داري طوال عمركَ أو عمري.
واشترطوا أن يكون الواهب: حرًّا فلا تصح هبة الرقيق، وأن يكون عاقلاً غير محجور عليه، فلا تصح هبة المجنون، وأن يكون بالغًا فلا تصح هبة الصغير، وأن يكون مالكًا للموهوب، فلا تصح هبة ما ليس بمملوك.
أما الموهوب له فإنه لا يشترط فيه ذلك، فتصح الهبة للصغير ونحوه.
واشترطوا في الموهوب:
1 ـ أن يكون موجودًا وقت الهبة، فلا تصح هبة ثمر البستان في العام المقبل، أو ما تلد الغنم. لذلك فإن ما يفعله العوام من هبة ما تلده الغنم أو البقر للوالي أو المسجد فإنها هبة باطلة.
2 ـ أن يكون مالاً متقوّمًا، فلا تصح هبة ما ليس بمال كالميتة، كما لا تصح هبة المال الذي لا قيمة له في نظر الشرع كالخمر.
3 ـ أن يكون الموهوب مقبوضًا، وهذا الشرط للزوم الهبة وثبوت الملكية للموهوب له.
4 ـ يكون الموهوب مشاعًا فيما يقبل القسمة، فإذا وهب نصف دار غير مقسوم لا يصح.
أما ما لا يمكن قسمته فإنه تصح هبة المشاع فيه شرط أن يكون قدره معلومًا.
ـ يكون الموهوب مشغولاً بملك الواهب، فإذا وهب لابنه دارًا فيها متاع للواهب لا يصح بل عليه أن يفرغها أوَّلاً من متاعه.
ـ أن يكون الموهوب مملوكًا للواهب، فلا تجوز هبة الأشياء المباحة كالماء والعشب، ولا تجوز هبة مال الغير من دون إذنه.
ـ وقال المالكية: يجري تملك الهبة بالإيجاب والقبول، أما قبضها فليس بشرط في تمليك الموهوب له على المشهور.
وتكون الصيغة بكل ما يدل على التمليك من لفظ أو فعل. ومثال اللفظ: وهبت لك هذه الدار ، أو قوله: خذ هذه الدار. ومثال الفعل أن يشتري الأب - أو الأم - ساعة ثمينة لولده، فإذا مات الأب لا يصح للورثة منازعته فيها لأن استعمالها في حال حياة الوالد قرينة على التمليك. وعلى العكس من ذلك إذا اشترى الزوج حليًّا لزوجته فإنها تُحمل على أنها لتزيينها لا لتمليكها، إلا إذا أشهد على أنها ملك لها. ولا يصح للواهب الرجوع عن هبته بعد القبول من الموهوب له، فإذا وهب دارًا وامتنع عن تسليمها كان للقاضي أو الحاكم أنْ يُجبره على ذلك.
وقالوا: يشترط في الواهب أن يكون أهلاً للتبرع، فلا يكون محجورًا عليه لسفه أو صِغَر، ولا يكون مدينًا بدين يستغرق كل مالـه وهبته، وإلا كانت موقوفـة على إذن صاحب الدين فإن أجازها تنفذ، ولا يكون مجنونًا أو سكرانَ، و يكون مرتدًّا، و يكون زوجةً فيما زاد على ثلث مالها، وإذا زاد على الثلث انعقدت الهبة موقوفة على إذن الزوج، و يكون مريضًا مرض الموت فيما زاد على الثلث، فإذا زاد على الثلث توقفت الهبة على إذن الوارث.
وقالوا: يشترط في الموهوب:
ـ أن يكون مملوكًا، فلا تصح هبة ملك الغير من دون إذنه.
ـ أن يكون في الأشياء القابلة للنقل من ملك إلى ملك في نظر الشارع، فلا تصح هبة أم الولد، وتصح هبة جلود الأضاحي.
ـ ولا يشترط في الموهوب أن يكون معلومًا، فيجوز أن يهب مجهول العين والقدر. فإذا ظن أنه يسير ثم ظهر أنه كثير، كما لو وهب ميراثه الذي لا يعرف قدره وفي ظنه أنه يسير فاتضح له أنه كثير، فإن الهبة تصحُّ.
والرُقْبى عند المالكية باطلة. أما العمرى فهي ليست هبة بل تمليك المنفعة مدة حياة المُعطىَ أو المعطي بلا عوض.
ـ وقال الشافعية: يشترط في صيغة الهبة شروط البيع، ومنها:
أن يكون القبول مطابقًا للإيجاب، وأن يكون عقب الإيجاب فورًا و يعلّق العقد كأن يقول له: وهبت لك هذه الدابة أول الشهر. وإذا وهبه شيئًا مشترطًا الرجوع إذا احتاج إليه فإنه لا يصح.
والهبة بُعْمرى ورُقْبى تصح فإذا قال له: أعمرتك هذا المنزل فإن متَّ رجع لي، أو قال له: جعلت لك هذا رُقْبى بمعنى إن متَّ قبلي عاد لي، وإن متُّ قبلك كان لك، فالهبة في ذلك صحيحة والشرط لغو لا قيمة له.
ولا تُملك الهبة إلا بالقبض وبإذن الواهب، فإذا وضع يده على الموهوب من دون الإذن كان عليه الضمان، وهذا يعني أن القبض وحده لا يكفي بل لا بد من الإذن.
وقالوا: يشترط في الواهب: بالإضافة إلى الشروط التي يجب توافرها في عقد البيع، أن يكون الواهب مالكًا حقيقة أو حكمًا. والملك الحكمي هو كملك صوف الأضحية الواجبة بالنذر فإنها وإن كانت خرجت عن ملكه بالنذر إلا أن يصح له أن يهب صوفها. ومنها أن يكون مطلق التصرف في ماله فلا تصح الهبة من المحجور عليه لصغرٍ أو سفهٍ أو جنون.
وقالوا: يشترط في الموهوب له: أن يكون أهلاً للتملك، والصبي المميز يصح الدفع له ولكن شرط رضا وليه، وتصح الهبة للمحجور عليه، ويقبض له وليّه أو الحاكم إن لم يكن له وليّ.
ولو مات الواهب أو الموهوب له قبل القبض لا تنفسخ الهبة، ويقوم الوارث مقام الأصل في ذلك.
ـ وقال الحنبلية: الشرط في الصيغة أن تكون بما يدل على الهبة عرفًا من لفظ كقوله: وهبت، أو من فعل: كتجهيز ابنته.. فإنه هبة بالفعل، ويصح تعليق الهبة على شرط مستقبل كقوله: إن جاء رأس الشهر وهبتك كذا، كما يصح تعليقها على الموت، كقوله: إن متّ وهبتك وصية. ولا يصح أن تكون الهبة لوقت معيَّن كقوله: وهبتك هذا الشيء لمدة شهر. ويستثنى من ذلك هبة العُمْرى والرُقْبى فإنها جائزة بهما.
وعلى الرأي المرجّح عندهم أن الهبة لا تملك بالعقد بل لا بد من القبض، فإذا تصرف الموهوب له قبل القبض لا ينعقد تصرفه.
وقالوا: يشترط في الواهب: أن يكون جائز التصرف فلا تصح من سفيه، ولا صغير وإن إجازها الوليّ: أما العبد فتجوز الهبة منه بإذن سيده.
وقالوا: يشترط في الموهوب له الشروط نفسها المطلوبة في الواهب. وإذا لم يوجد وصيّ أو وليّ على الصغير أو المجنون فيقبل عنه الحاكم.
وقالوا: يشترط في الموهوب أربعة شروط: أن يكون معلومًا فلا تصحُّ هبة المجهول، فمثلاً لا تصحّ هبة الزيت في الزيتون قبل عصره، ولا هبة الحمل في البطن ونحوه. وأن يكون موجودًا فلا تصح هبة المعدوم كهبة الثمر قبل أن يبدو. وأن يكون مقدورًا على تسليمه فلا تصح هبة الطير في الهواء. وأن يكون مما يصح بيعه.
هبة الدَّين:
وللأئمة الأربعة آراء متباينة في هبة الدَّين: فالحنفية يقولون إن هبة الدَّين للمدين جائزة لكنها لا تكون هبة حقيقية، بل هي مجاز عن إسقاط الدَّين عن المدين. وهبة الدَّين لغير المدين صحيحة وذلك بأن يأمر الدائن الموهوب له قبض الدَّين، فإن مجرد هذا القبض يجعل الدَّين عينًا فيقبضه الموهوب له عن نفسه.
والمالكية يقولون: تصح هبة الدَّين لمن عليه الدَّين ولغيره، فإن كانت لمن عليه الدَّين كانت إبراءً، وهو يحتاج إلى قبول لأنه نقل للملك. وإذا كانت لغير المدين فإن شروطها أن يشهد على الهبة، وأن يعطي الواهب سند الدَّين للموهوب له، وأن يجمع بين الموهوب له ومن عليه الدين. فإن كان الموهوب غائبًا فلا يشترط الجمع.
والشافعية يقولون: إن هبة الدَّين للمدين إبراء فلا تحتاج إلى قبول. أما هبة الدَّين لغير المدين، فبعضهم يقول إنها صحيحة، وبعضهم يقول إنها باطلة. والرأي الثاني هو المعوَّل عليه.
والحنبلية يقولون: هبة الدَّين صحيحة لمن عليه الدَّين فإذا وهبه، أو أبرأه، أو أسقط عنه، أو تركه له، أو ملَّكه، أو تصدَّق به عليه، صح ذلك كله، سواء كان الدَّين معلومًا أو مجهولاً. أما هبة الدين للأجنبيّ (غير المدين) فإنها لا تصح.

قبض الموهوب:
ـ قال الشيعة الإمامية: قبض الموهوب، كقبض المبيع، يختلف باختلاف طبيعته. فقبض غير المنقول التخلية بينه وبين الموهوب له، وقبض المنقول التسليم والتسلُّم يدًا بيد. فالمعيار إذن أن يكون الشيء الموهوب تحت سلطة الموهوب له، بحيث يمكنه التصرف به من دون مانع.
وإذا كان الشيء الموهوب في يد الموهوب له على سبيل العارية أو الوديعة، أو الغصب، أو الاستئجار، فإنه لا يحتاج إلى قبضٍ جديد، ولا إلى مضيّ زمن يمكن فيه القبض. وإذا وهب الوليّ ملكه الخاص للقاصر المولّى عليه فلا يحتاج إلى قبض، لأنه يكون موجبًا بالأصالة عن نفسه، وقابلاً بالنيابة عن غيره (القاصر).
واتفق فقهاء الشيعة الإمامية على أن القبض شرط، لكنهم اختلفوا: هل هو شرط لصحة الهبة، بحيث لا تنعقد إلا به، أم هو شرط للزوم، بمعنى أن الهبة تتم وتنعقد بلا قبض؟ فقالوا، كما ذهب المشهور عندهم، إن القبض شرط للصحة، لا للزوم، وأن الهبة لا تنعقد، ولا تتم إلا بالقبض، واستدلوا على ذلك بقول الإمام الصادق (عليه): «الهبة لا تكون أبدًا هبة، حتى يقبضها»(+) ، وما خالف هذه الرواية فهو غريب ومتروك عند جمهورهم.
والأئمة الأربعة يعدّون قبض الموهوب شرطًا للزوم وتمام الهبة، وليس شرطًا لصحتها، إذ لا يثبت الملك للموهوب له قبل القبض، بل لا تتحقق الهبة إلاَّ بالقبض.
لكن الأئمة الأربعة اختلفوا حول نوع شرط القبض..
ـ فقال الحنفية والشافعية(+) : القبض شرط للزوم الهبة، حتى إنه لا يثبت الملك للموهوب له قبل القبض، بدليل ما روت السيدة عائشة (تأكد) أن أباها نحلها جداد عشرين وسقًا من ماله(+) ، فلما حضرته الوفاة قال: يا بنية: إن أحب الناس عندي بعدي لأنتِ، وإن أعز الناس علي فقرًا بعدي لأنتِ، وإني كنت قد نحلتك جداد عشرين وسقًا من مالي، ولو كنتِ جددتهِ أو أحرزته لكان لك، وإنما هو اليوم مال الوارث، وإنما هما أخواك وأختاك فاقتسموه على كتاب الله، قالت. هذان أخواي، فمن أختاي؟ قال: إنما هي أسماء. قالت فمن الأخرى؟ قال: ذو بطن بنت خارجة، فإني أظنها جارية(+) .
وقال عمر (رضي): «إن من نحل نحلة فلم يَحُزْها الذي نُحلها - وأبقاها - حتى تكون إن مات لورثته، فهي باطلة»(+) . وهذا هو قول عثمان وعلي (عنهما) أيضًا(+) .
وفي الجملة، فإن الخلفاء الراشدين، وغيرهم، اتفقوا على أن الهبة لا تجوز إلا مقبوضة محوزة(+) .
ـ وقال المالكية: لا يشترط القبض لصحة الهبة، ولا للزومها، بل هو شرط لتمامها، أي لكمال فائدتها، بمعنى أن الموهوب يملَّك بمجرد العقد أي القول، على المشهور عندهم. ودليلهم تشبيه الهبة بالبيع وغيره من سائر التمليكات.
ـ وقال الحنبلية، في أرجح الروايتين عن أحمد: القبض شرط لصحة الهبة في المكيل أو الموزون لإجماع الصحابة على ذلك. ويظهر أن المراد يكون القبض شرط صحة أنه شرط لزوم، بدليل قول ابن قدامة: «إن المكيل والموزون لا تلزم فيه الصدقة والهبة إلا بالقبض وهو قول أكثر الفقهاء».
أما غير المكيل والموزون فتلزم الهبة فيه بمجرد العقد، ويثبت الملك في الموهوب قبل قبضه لما روي عن علي وابن مسعود (عنهما) أنهما قالا: الهبة جائزة إذا كانت معلومة، قُبضت أو لم تقبض(+) .
والخلاصة: إن غير المالكية يرون أن الموهوب يملك بالقبض لا بالعقد. وعند المالكية: يملك بالعقد، لما روى الحاكم في صحيحه «أن الرسول (ص) أهدى إلى النجاشيّ ثلاثين أوقيةً مسكًا، ثم قال لأم سلمة: إني لأرى النجاشيّ قد مات، ولا أرى الهدية التي قد أهديت له إلاَّ تستردّ، فإذا ردت إليَّ، فهي لك. فكان ذلك».
إذن الواهب في القبض:
اتفق جميع الأئمة على أنه يشترط لصحة القبض أن يكون بإذن الواهب، فلو قبض الموهوب له بلا إذنه فلا يملك الموهوب له، لكنه يدخل في ضمانه، لأن التسليم غير مستحق على الواهب، فلا يصح التسليم إلا بإذنه، ولأن الإذن بالقبض لصحة القبض في البيع، ففي الهبة من باب أولى، لأن القبض فيها شرط لصحتها، بعكس البيع(+) .
إلا أن الشيعة الإمامية قالوا: يجوز أن يتأخر القبض عن الإيجاب والقبول، ولا يعدّ اتصاله بهما ولا حصوله في مجلس.
كما أن الحنفية أيضًا قالوا: القياس أنه لا يجوز القبض إلا بإذن الواهب، سواء تم القبض في مجلس العقد، أم بعد الافتراق. والاستحسان أن الموهوب له إذا قبض الموهوب في مجلس العقد بغير أمر الواهب، جاز، وإن قبض بعد الافتراق عن المجلس لم يجز إلا أن يأذن له الواهب في القبض.
وقال المالكية: يصح القبض ولو بلا إذن من الواهب، ويُجبر الواهب على تمكين الموهوب له من القبض متى طلبه. لأن الهبة تملك بالقول أي بالإيجاب، على المشهور عندهم(+) .
حكم الهبة:
أصل حكم الهبة: هو ثبوت الملك للموهوب له في الموهوب من غير عوض.
أما صفة حكم الهبة، فإن أراء الأئمة فيها متباينة..
ـ قال الشيعة الإمامية: إن الهبة تنعقد بالإيجاب والقبول والقبض، وإن القبض شرط في الصحة، لا في اللزوم. ذلك أن قاعدة وجوب الوفاء بالعقد تستدعي أن يكون عقد الهبة بعد القبض لازمًا، إلا ما خرج بالدليل، كما الشأن في جميع العقود. ولكن ثبت النص عن الإمام الصادق (عليه) أنه قال: «إذا كانت الهبة قائمة بعينها فله أن يرجع فيها، وإلا فليس له»(+) .
وعن هبة القريب قالوا:
إن هبة القرابة تلزم بمجرد القبض. ولا يجوز للواهب القريب الرجوع عن هبته لقريبه، سواء أكان الموهوب له قد تصرف في الشيء الموهوب، أم لم يتصرف. سئل الإمام الصادق (عليه) عن الرجل يهب الهبة، أيرجع فيها إن شاء، أم لا؟ قال (عليه): «تجوز - أي تنفذ - الهبة لذوي القرابة، والذي يثاب عن هبته، ويرجع في غير ذلك إن شاء»(+) . وإذا وهب الزوجان أحدهما الآخر، فإن الهبة تلزم بمجرد حصول القبض، تمامًا كما هو الحكم في القرابة النسبية، واستدلوا برواية عن الإمام الصادق (عليه) جاء فيها: «لا يرجع الرجل فيما يهب لامرأته، ولا المرأة فيما تهب لزوجها حِيز أو لمْ يُحَزْ»(+) .
وقالوا: تلزم الهبة بالقبض إذا كانت بعوض ومقابل، كما لو فَرَضَ الواهب على الموهوب له القيام بالتزام معيَّن سواء لمصلحة الواهب، أو لمصلحة أجنبيّ، أو للمصلحة العامة، وذلك بلا فرق بين أن يكون العوض قليلاً أو كثيرًا.
وقد استدلوا على ذلك بقول الإمام الصادق (عليه): «إذا عُوِّض صاحب الهبة فليس له أن يرجع»(+) . وتلزم الهبة إذا هلك الشيء الموهوب بفعل الموهوب له، أو بفعل أجنبيّ، أو بآفة سماوية، لقول الإمام (عليه): «إذا كانت الهبة قائمة بعينها فله أن يرجع فيها، وإلاَّ فليس». وإذا مات الواهب، أو الموهوب له، قبل القبض، بطلت الهبة، وإذا مات الواهب بعد القبض فليس لورثته الرجوع، لأن حق الرجوع متصل بالواهب لا بورثته. وكذلك بموت الموهوب له بعد القبض حي ينتقل الملك إلى ورثته، فلا يكون الموهوب قائمًا بعينه. قيل للإمام جعفر الصادق: النُّحْلُ والهبة ما لم تقبض حتى يموت صاحبها؟ قال: «هي بمنزلة الميراث»(+) .
ومن الأسباب التي تجعل الهبة لازمة، عندهم، أن ينقل الموهوبُ له الشيءَ الموهوبَ عن ملكه بالبيع، أو الهبة، أو الوقف، او يغيره تغييرًا بحيث لا تعود العين قائمةً بذاتها، كقطعة القماش يفصلها ثوبًا. ولذا قالوا: «يصح الرجوع بالهبة بعد الإقباض ما لم يتصرف الموهوب له تصرفًا متلفًا للعين، أو ناقلاً للملك، أو مغيرًا للعين، كقصارة الثوب، ونجارة الخشب، وطحن الحنطة»(+) .
ـ وقال الحنفية: حكم الهبة ثبوت الملك للموهوب له غير لازم، فيصح الرجوع والفسخ لقوله (ص): «الواهب أحق بهبته ما لم يُثَبت منها»(+) ، أي يعوض. أي إن الرسول (ص) جعل الواهب أحق بهبته ما لم يصل إليه العوض. فيصح الرجوع وإن تم القبض، ما لم يحصل تعويض، وإن كان الرجوع مكروهًا، لأنه من باب الدناءة، وللموهوب له أن يمتنع عن الرد.
وقالوا. لا يصح الرجوع إلا بتراضٍ أو بقضاء القاضي، لأن الرجوع فسخ بعد تمام العقد، فصار كالفسخ بسبب العيب بعد القبض(+) فالرجوع في الهبة بالتراضي يعدُّ عندهم من الإقالة.
ـ وقال المالكية: يثبت الملك في الهبة بمجرد العقد، ويصبح لازمًا بالقبض، فلا يحل الرجوع بعدئذٍ. أما قبل القبض أو بعده فيصح فقط للواهب الأب، إذ له أن يرجع فيما وهبه لابنه، ما لم يترتب عليه حق الغير كأن يتزوج مثلاً، أو يستحدث دينًا. والرجوع يعرف عندهم بالاعتصار في الهبة(+) .
ويكون هذا الاعتصار - أو الرجوع في الهبة - عند المالكية، فيما يهبه الوالد لولده، صغيرًا أو كبيرًا، بشروط خمسة وهي: ألاَّ يتزوج الولد بعد الهبة، و ألاَّ يحدث ديْنًا لأجل، و ألاَّ يتغير الموهوب عن حاله، و ألاَّ يحدث الموهوب له في الموهوب حدثًا، و ألاَّ يمرض الواهب أو الموهوب له. فإذا وقع شيء في ذلك يمتنع الرجوع. وهذا في هبة التودد أو المحبة. أما الهبة لوجه الله تعالى، أي الصدقة، فلا رجوع فيها أصلاً ولا اعتصار. وأجاز المالكية أيضًا هبة الثواب أي أن يكافئه الموهوب له قبالتها، فالموهوب له مخير هنا بين قبولها أو ردّها، فإن قبلها وجب عليه أن يكافئ الواهب قيمة الموهوب.
ـ وقال الشافعية والحنبلية: لا يحل للواهب أن يرجع في هبته، إلاَّ الوالد فيما أعطى ولده، لقول الرسول (ص): «ليس لأحد أن يعطي عطية فيرجع فيها الوالد، فيما يعطي لولده»(+) . وكالوالد: سائر الأصول عند الشافعية(+) .



Copyright © Samih Atef El-Zein 2010     VINTOB