العقود
الطبعة : الطبعة الثانية  
المؤلف : سميح عاطف الزين
عدد الصفحات :   800
تاريخ النشر :   2013




الإقـالـة

الإقالة لغة: الرفع. وشرعًا: رفع العقد في كل المبيع أو في جزء منه.
والإقالة مندوبة لقول رسول الله (ص): «من أقال نادمًا بيعتَه، أقال الله تعالى عثرته يوم القيامة»(+) وقوله (ص): «من أقال مسلمًا، أقال الله تعالى عثرته»(+) .
روي عن رسول الله (ص): «أنه لم يأذنْ لحكيم بن حزام في تجارته، حتى ضمن له إقالة النادم، وإنظار المعسر، وأخذ الحقّ وافيًا وغير واف»(+) .
وقد اتفق جميع الأئمة على أن الإقالة هي: اتفاق المتعاقدين على نقض العقد وفسخه بعد إبرامه. وهي تشمل جميع العقود، ما عدا الزواج، وتصح قبل القبض وبعده، وبكل ما يدل عليها من لفظ مثل: فاسختك، وتاركتك، وتركت البيع، ورفعت.. كما تصح بالتعاطي، ولو من أحد الجانبين، كأن يقطع البائع القماش ثوبًا بمجرد قول المشتري: أقلتك. قال الإمام الصادق (عليه): «أيما رجل أقال مسلمًا في بيع، أقال الله تعالى عثرته يوم القيامة»(+) . وقال (عليه): «أربعة ينظر الله عزَّ وجلَّ إليهم يوم القيامة: من أقال نادمًا، أو أغاث لهفانَ، أو أعتق نسمة، أو زوج عزبًا»(+) .
ولا يشترط في الإقالة بقاءُ عين الشيء وقت الإقالة، فإذا كان الشيء موجودًا أخذه صاحبه، وإلاَّ أخذ البدل من المِثل أو القيمة. وهذا الحكم يقتضيه الفسخ بطبيعته، حيث يعود كل شيء إلى ما كان عليه. وعلى صاحب اليد (أي الذي يكون المال تحت يده) أن يردّ مال الغير ما دام قائمًا، فإذا هلك فعليه أن يردّ البدل.
حكم الإقالة:
تباينت آراء الأئمة في حكم الإقالة:
ففي رأي الإمامية أن الإقالة مستحبَّة، وفيها قربة إلى الله تعالى لأنها تفريج كُربةٍ عن النادم الذي لا يطلب فسخ العقد إلا لعلَّة جوهرية، وسبب مهم يعلمه من دون غيره. وقد جعل الله تعالى إقالة النادم بمنزلة إغاثة الملهوف، وعتق الرقّ، وتزويج الأعزب الذي لا يقدر على نفقات الزواج.
وقد بيّن رسول الله (ص)، والإمام الصادق (عليه) فضائل الإقالة. لكن الرسول (ص) لم يجعلها واجبةً حكمًا، بل هي من أحب الأعمال إلى الله عزَّ وجلَّ. وفي حال حدوثها يرجع إلى كل شيء إلى ما كان عليه قبل إتمام العقد، وعلى صاحب اليد أن يردَّ المال إلى صاحبه ما دام قائمًا. أما إذا استهلكه فيكون ضامنًا له، وعليه ردُّه.
ـ وقال الحنفية: الإقالة فسخ في حق العاقدين، وبيع جديد في حق ثالث غيرهما، سواء قبل القبض أو بعده. وعلى هذا فمن اشترى دارًا، ولها شفيع، فلم يطلب الشفعة بعد علمه بالبيع، ثم أقال العاقدان (البائع والمشتري) البيع، فيثبت للشفيع حقُّ طلب الشفعة ثانية، لأن الإقالة عقد جديد في حقه، وهو المراد بالشخص الثالث هنا.
ـ وقال المالكية: إن الإقالة بيع ثانٍ، لأن المبيع عاد إلى البائع على الجهة التي خرج عليها منه. فهي تتم إذن بتراضي العاقدين، فيجوز فيها ما يجوز في البيوع، ويحرم فيها ما يحرم في البيوع(+) .
ـ وقال الشافعية والحنبلية: إن الإقالة فسخ، لأنها هي الرفع والإزالة، ولأن المبيع عاد إلى البائع بلفظ لا ينعقد به البيع، فكان فسخًا، كالردِّ بالعيب(+) .
قال النووي: «إذا انعقد البيع لم يتطرق إليه الفسخ إلا بأحد سبعة أسباب وهي: خيار المجلس، وخيار الشرط، وخيار العيب، وخيار الخُلُق بأن كان شرطه كاتبًا فخرج غير كاتب، والإقالة والتحالف، وتلف المبيع.
وفي رأي الشافعية وأكثرية الحنبلية: «إنها فسخ في حق الناس كافة»(+) .
شروط الإقالة:
يشترط لصحة الإقالة الشروط التالية:
1 ـ رضا المتقابلَيْن، ويكون ذلك بالإيجاب من أحدهما والقبول من الآخر.
2 ـ قبض البدلين في مجلس إقالة العقد.
3 ـ أن يكون محل العقد محتملاً للفسخ، لأن الإقالة فسخ للعقد، فإن لم يكن محتملاً الفسخ بأن ازداد زيادة تمنع هذا الفسخ فلا تصح الإقالة. وعند صاحبي أبي حنيفة أن هذا (الزيادة المانعة من الفسخ) الشرط لا يشترط في الإقالة، لأنها عند أبي يوسف بيع، والزيادة تحتمل البيع، فيظل محل العقد محتملاً للإقالة.



Copyright © Samih Atef El-Zein 2010     VINTOB