العقود
الطبعة : الطبعة الثانية  
المؤلف : سميح عاطف الزين
عدد الصفحات :   800
تاريخ النشر :   2013




بيع السَّـلَم

السَّلَم اسم مصدر لأسلم، ومعناه استعجال رأس المال وتقديمه (أي جعله بصورة مقدمة على التسليم).
والسَّلم والسَّلف في اللغة، بمعنى واحد(+) ، ويعني نوعًا من أنواع البيع الذي هو مبادلة مالٍ بمال، على أن يُسلِّم عِوَضًا حاضرًا في عِوَضٍ موصوف في الذمَّة إلى أجلٍ معيَّن. أو أن يسلف مالاً كثمنٍ لسلعةٍ، ثم يَقبضها (يتسلّمها) بعد مدة من الزمن، أي في الأجل المعيَّن للتسليم. والسلم في اصطلاح الفقهاء «ابتياع مالٍ غير موجودٍ بالفعل لكنه ممكن الوجود، بثمنٍ مقبوضٍ حالاً، على أن يسلِّم البائع للمشتري المبيع في أجل معلوم». وينعقد البيع به بلفظ السَّلَم والسَّلَف، ولذلك يقال: أَسْلَمَ، وأسْلَفَ، وسَلَفَ.
وبما أن السَّلَم نوع من أنواع البيع، فإن أركان البيع أركان له، وشروطه شروطٌ له. إلاَّ أن للسَّلَم شروطًا زائدةً على شروط البيع، كما وردت عند الأئمة الخمسة. والغاية منها جميعها ضبط المبيع وتحديده، بحيث لا يدخله جهالة من أي وجه، حتى لا يقع النزاع بين المتعاقدين. لذلك اتفق الأئمة على أنَّ السَّلَم يصحُّ فيما يمكن ضبطه كالأشياء التي تباع بالكيل، أو بالوزن، أو بالعدِّ، أو بالذَّرع لأنها محدودة ويمكن ضبطها.
وقد جرى تعامُلُ الناس بالسّلَمِ أو التسليفِ لأنهم في حاجةِ إليه. ولا سيّما الفلاحينَ والتجار. فإنّ أربابَ الزروعِ والثمارِ يحتاجونَ إلى النَّفَقَةِ على أنْفسِهِمْ وعليها، لِيُتِمّوا ما تحتاجُ إليهِ تلكَ الزّروعُ والثمارُ منْ أعمال. وقد يعوزُهمُ المالُ فلا يجدونَهُ فَيَبيعونَ محاصيلَهُمْ قبْلَ خروجِها بثمَنٍ معجّلٍ يقبضُونَهُ حالًّا في مجلسِ العقْدِ ويُسلّمونَ السلعةَ للمشتري عندَ حلولِ الأجَلِ المضروبِ.
وهكذا التجار فإنهم قد يبيعونَ بضاعةً غيرَ موجودةٍ فعلاً إلى أجَلٍ معلومٍ يعيّنونَهُ، ويقبضونَ الثّمَنَ في مجلس العَقْد على أنْ يسلّموا البضاعةَ عندَ حلولِ الأجَلِ المضروبِ.
وجواز السّلَم ثابتٌ بالسُنّةِ. فَعَنِ ابنِ عبّاسٍ قال: «قَدِمَ النبيّ(ص) المدينةَ، وهمْ يُسْلِفُونَ بالتمرِ السنَةَ والسنتَينِ، فقالَ: مَنْ أسْلَفَ في شيء ففي كَيْلٍ معلومٍ وَوَزْنٍ معْلومٍ إلى أجَلِ معْلومٍ»(+) ، وروي «من أسلم في شيءٍ فليسلم في كيلٍ معلوم، ووزنٍ معلوم، إلى أجل معلوم»(+) . وعنْ عبْدِ الرحمنِ بن أبي أبْزَى، وعبْدِ الله بنِ أبي أوْفى، قالا: «كُنّا نُصيبُ المغانمَ معَ رسولِ الله (ص) وكانَ يأتينا أنْباطُ الشّامِ فَنُسْلِفُهُمْ في الحنطةِ والشّعيرِ والزيْتِ إلى أجَلٍ مُسَمّى. قيل: أكانَ لهمْ زَرْعٌ أم لمْ يكُنْ؟ قالا: «ما كنّا نَسْألُهمْ عنْ ذلكَ».. وحكم السَّلم الجواز فهو رخصة مستثناة من بيع ما ليس عند بائعه.
وقد اسْتُثْنيَ السّلَمُ منْها بالنّصِّ فخصّصَ المَنْع في غيرِهِ، لذلكَ لا بدّ من أنْ يكونَ الشيءُ الذي يصحّ فيهِ السّلمُ منصوصًا عليهِ. وبالرّجوع إلى النصوصِ نجدُ أنّ السّلَمَ يجوزُ في كل ما يُكالُ ويُوزن لقولِ رسولِ الله (ص): «في كيلٍ معْلومٍ ووزنٍ معلومٍ» ، كما يجوز في كلِّ معدودٍ. وقد انعَقَدَ الإجماعُ على أنّ السّلَمَ في الطّعامِ جائزٌ. والطّعامُ لا يخلو من كونه مكيلاً أو موزونًا أو معدودًا فَتَعَلّق الحكم بكلِّ ما يقدّرُ بهِ الطعامُ من كيْلٍ أو وزْنٍ أو عَدَدٍ كَتَعَلّقِ القبضِ بهِ من كونِه ممّا يحتاجُ إلى قبْضٍ. إلاَّ أنّهُ لا بدّ من أنْ تكونَ الأشياءُ المسلّمُ بها مضبوطةَ الصّفَةِ كقمحٍ حَورانيّ، وتمْرٍ عراقيّ، وقطْنٍ مصريٍّ، وحريرٍ هنديّ، ومضبوطةَ الكَيْلِ أوِ الوَزْنِ كصاعٍ شاميٍّ، ورطلٍ عراقيٍّ، وكالكيلو، والليتر. أي لا بدّ من أن يكونَ الكَيْلُ والميزانُ معروفينِ موصوفَين. وكما تجبُ معرفَةُ جنْسِ المسلّم به، وجنس ما يُكالُ وما يُوزَنُ، كذلكَ يجبُ أنْ يكونَ البَيْعُ لأجَلٍ، وأنْ يكونَ الأجَلُ معلومًا فلا يصحّ السّلَمُ في الحال. بلْ لا بدّ من أن يُشْتَرَطَ الأجَلُ لقولِ النبي (ص): «إلى أجلٍ معلومٍ» فدلّ على أن الأجَلَ شرْطٌ في صحّةِ السَّلَمِ. على أنّهُ إذا كانَ حالاً ولمْ يُعيّنْ لهُ أجلٌ فلا يسمّى سَلفًا، لأنّ الذي يجعلَهُ سَلَمًا أو سَلَفًا هو تعجيلُ أحَدِ العِوضَينِ، وتأخيرُ العِوَضِ الآخرِ. ولا بدّ من أنْ يكونَ الأجَلُ معلومًا، لقولِ النبي (ص): «إلى أجَلٍ معلوم» وتعيينُ الأجَلِ إنما يكونُ بِشَهْرٍ أوْ سَنَةٍ مثلاً، أو إلى تاريخِ كذا، بحيثُ لا يتفاوتُ فيهِ تفاوتًا كثيرًا.. وكذلكَ لا بدَّ من أنْ يكونَ الثّمَنُ معلومًا لِقَوْلِهِ (ص): «فليسلف في ثمنٍ معلُومٍ» ولايجوز أنْ يكونَ الثمنُ إلاَّ مقْبوضًا حالاً في مجلسِ العَقْدِ فإنْ تفرّقَ المتبايعانِ قَبْلَ قَبْضِ الثّمَنِ جميعِهِ بَطَلَتِ الصّفقَةُ كلّها، لأن التسْليفَ في اللّغةِ العربيّةِ التي خاطَبَنَا بها رسولُ الله (ص) هو أن يُعْطيَ شَيئًا في شيءٍ. فَمَنْ لمْ يدْفَعْ ما أسْلَفَ فإنّهُ لمْ يُسْلِفْ شيئًا، بل وعدَ بأنْ يُسْلِفَ. فلوْ دَفعَ بعضٌ دونَ بعضٍ، أكْثَرَهُ كانَ أو أقلّهُ، صحّ السَّلَمُ فيما قَبَضَ وبطلَ فيما لمْ يقْبَض.
فَقَبْضُ البائعِ الثّمَنَ منَ المشتري شَرْطٌ لصحّةِ السّلَمِ. أمّا وجودُ السلعةِ المباعةِ حينَ البيعِ فَلَيْسَ بشرْطٍ.
فالسَّلَمُ جائزٌ فيما لا يُوجَدُ حينَ عَقْدِ السّلَمِ، وفيما يوجَدُ، وإلى مَنْ عندَه شيءٌ، ولمن ليس عنده شيءٌ، لأن النبي (ص) حين قدمَ المدينةَ كانوا يُسلفونَ في الثمارِ السنتينِ والثلاث، ومنَ المعلومِ أنّ الثمارَ لا تبقى هذهِ المدّةِ، والرسولُ لمْ يَنْهَهُمْ عنِ السّنَةِ والسّنَتَينِ، بل أقرّهم على ذلكَ. وعليهِ فيجوزُ أنْ يُدْفَعَ ثمنُ سِلَعٍ تُسلّمُ بَعْدَ مدّةٍ معيّنةٍ، أكانت موجودةً أم لمْ تكنْ. ولكنْ يُشترَطُ يكونَ فـي الثمنِ غَبْنٌ فاحشٌ، بلْ يجبُ أنْ يكونَ الثّمَنُ ثمنَ المِثْلِ بحسبِ سعرِ السّلَمِ في السّوقِ عندَ عَقدِ البَيْعِ لا عندَ تسلُّم السلعةِ. فكما يحْرُمُ أنْ نَبيعَ سلعةً مُعجّلَةَ القَبْضِ بثمَنٍ مُؤجّلٍ بِغَبنٍ فاحشٍ، كذلكَ لا يجوزُ أنْ نَبيعَ سلعةً مُؤجّلَةَ القبْضِ بثمنٍ مُعَجّلِ القَبْضِ بغَبْنٍ فاحشٍ. والغَبنُ في السّلَمِ حرامٌ، وإذا ظَهَرَ غَبْنٌ في بَيْعِ السّلَمِ كانَ حُكْمَهُ كَحُكمِ الغَبْنِ في البَيْعِ فإنّ للمغبونِ فَسْخَ البَيْعِ برَدِّ الثمَنِ واسْتردادِ المبيعِ، ولهُ أنْ يأخُذَ منَ البائعِ المبْلَغَ الذي غُبِنَ بهِ. والغَبْنُ الفاحِشُ يُقدّرُ بتقديرِ التجّارِ الأمناءِ فما يعدّونه غَبْنـًا يكونُ غَبْنًا.
وعلى هذا فإنّ ما يفْعَلُهُ المسلمونَ منَ السّلَفِ والتلسيفِ جائزٌ في كلِّ ما يكونُ مكيلاً أو موْزونًا، أو معدودًا، سواءٌ كان طعامًا أو غيرَهُ.
وقد اتفق الفقهاء على أن السلم يصح في الفواكه، والخضار، والبيض، والجوز وأمثاله، وفي الألبان، والأسمان، والطيوب، والملابس، والأشربة، والأدوية، وذلك لإمكانِ ضبطها بالوصف.
كما اتفق الأئمة جميعًا على أنَّ السَّلَم لا يصح في الجواهر واللالئ لتعذر ضبط أوصافها التي يتفاوت الثمن بها تفاوتًا كثيرًا، كما أنه لا يجوز في العقارات والأراضي..
وقد تباينت آراء الفقهاء حول الشروط التي يجب توافرها في بيع السَّلَم.
فقال الإمامية: إن هذا النوع من البيع جائز شرعًا، على الرغم من أن المبيع معدوم حين البيع. والدليل على شرعيته قول رسول الله (ص): «من أسلم فليسلم في كيل معلوم، ووزن معلوم إلى أجل معلوم».
والإمام الصادق (عليه) يقول: «لا بأس بالسَّلَم في المبتاع إذا وصفتَ الطول والعرض، وفي الحيوان إذا وصفتَ أسنانها»(+) . وعندما سئل (عليه) عن الغنم يسلّم فيها الثنيان والجذعان إلى أجل مسمّى، قال: «لا بأس به». كما اشتهر عنه (عليه) أنه أجاز السَّلَم في الفاكهة، والحرير، والمتاع إلى أجل معلوم.
وعن عليٍّ أمير المؤمنين (عليه) أنه قال: «لا بأس بالسَّلَم كيلاً معلومًا إلى أجل معلوم، ولا تسلّم إلى دياس، وإلى حصاد». أي إلى إدراك الغلة لأن وقتها يتقدم ويتأخر.
وشروط السَّلَم عند الإمامية خمسة:
الأول : ذكر الجنس والوصف بلفظ يدل عليهما صراحة، وذلك للاحتراز من الغرر المبطل.
الثاني : أن يقبض الثمن في مجلس العقد، فإذا افترقا من غير أن يحصل القبض، بطل السَّلَم (كما هو الإجماع على ذلك).
الثالث : أن يكون المسلَّم فيه معلوم الكمية: كيلاً فيما يكال، ووزنًا فيما يوزن، وعدًّا فيما يُعدُّ، أو ما يقوم مقام ذلك مما تنتفي معه الجهالة والغرر. وكما يجب تعيين المبيع يجب تعيين الثمن أيضًا.
الرابع : أن يكون الأجل معلومًا، للاحتراز من الغرر.
الخامس : أن يكون المسلّم فيه موجودًا - في الغالب، والعادة - عند حلول أجل التسليم. فإن ندر وجوده كالاتفاق على تأجيل تسليم فاكهة الشتاء إلى الصيف، أو العكس، يبطل السَّلَم، لأن القدرة على التسليم شرط لصحة البيع، سواء أكان سَلمًا أم غير سَلَم. وإذا حلَّ الأجل، وتعذَّر التسليم، لقوة قاهرة - كما لو تلف الزرع أو هلك الحيوان - فلا يبطل العقد، بل للمشتري الخيار بين الفسخ واسترجاع الثمن، أو الصبر إلى أجل يمكن فيه وجود المبيع. فقد سئل الإمام الصادق (عليه) عن رجل أسلف في شيء من الثمار، فذهب زمانها، ولم يستوف سلفه؟ فقال (عليه): «فليأخذ رأس ماله، أو لِيُنْظِرْه»(+) أي يُمْهِله.
وقال الحنفية: يُشترط أن يكون رأس مال السَّلَم (الثمن) مقبوضًا في المجلس، سواء كان عينًا (سلعة معينة) أو كان نقدًا، ولا يُشترط قبضُه في أوِّل المجلس، بل قبل التفرُّق ولو طال المجلس.
وقالوا: تنقسم شُروط السَّلم قسمين: قسم منها يَرجع إلى العقد، وقسم يرجع إلى البدل. فأمّا ما يرجع إلى العقد فهو شرط واحد، وهو أن يكون العقد خاليًا من شرط الخيار للعاقدين أو لأحدهما. أما إذا كان رأس المال مستحقًّا للغير وليس ملكًا لصاحب السَّلَم (المشتري) فدفعه إليه في المجلس ثم تفرّقا، فللمالك الخيار في إجازة العقد أو فسخه. وأما ما يرجع إلى البدل فخمسة عشر شرطًا: منها خمسة في رأس المال، وعشرة في المسلَّم فيه.
أما الشروط المتعلقة برأس المال (أو الثمن) فهي:
أولاً : بيان جنسه إن كان نقدًا (ذهبًا أو فضة) أو عينًا (كالأرزّ والبن والسكر والشاي).
ثانيًا : بيان نوعه (العملة الوطنية أو العملة الأجنبية - قمح بعليّ أو مسقي أو أوستراليّ).
ثالثًا : بيان صفته من حيث هو جيد أو متوسط أو رديء.
رابعًا : بيان قدره كأن يقول: ألف دينار أو خمسة أثواب من الجوخ.
خامسًا : أن يكون مقبوضًا في مجلس السَّلم، كما تقدَّم.
وأما الشروط المتعلقة بالمسلّم فيه فهي:
أولاً - الأربعة الأولى المذكورة في رأس المال (الجنس - النوع - الصفة والقدر).
خامسًا : أن يكون مؤجلاً.
سادسًا : أن يكون الصنف موجودًا في الأسواق.
سابعًا : أن يكون مما يتعيّن بالتعيين.
ثامنًا : بيان مكان الدفع «التسليم» فيما يحتاج إلى نفقات كنقل القمح وغيره.
تاسعًا : يشتمل البدلان على علة ربا الفضل وهي القدر والجنس.
عاشرًا : أن يكون من الأجناس الأربعة: المكيلات، الموزونات، المعدودات المتقاربة والمذروعات. وأن يكون معلوم القدر.
ـ وقال المالكية: إن شروط صحة السَّلَم، التي تزيد على شروط صحة البيع سبعة:
الشرط الأول : قبض رأس المال كله. فإذا جرى تأخير القبض بشرط فسَدَ السَّلَم. وإذا جرى التأخير بلا شرط، ففي ذلك قولان: أحدهما فساد السَّلَم، والآخر عدم فساده حتى ولو كان التأخير طويلاً.
الشرط الثاني : ما اشتمل على نفي خمسة أشياء:
أحدها : يكون رأس المال والمسلّم فيه طعامين.
ثانيها : يكونا نقدين.
ثالثهما : يكون رأس المال أقلَّ من المسلّم فيه إذا كان من جنسه، فلا يصح أن يقول أسلمتك هذا الثوب في ثوبين من جنسه.
رابعها : يكون رأس المال رديئًا والمسلّم فيه جيدًا إذا كانا من جنس واحد. كأن يقول أسلمتك مئة قطعة من الكتان الأسمر بمئة قطعة من الكتان الأبيض.
خامسها : يكون رأس المال جيِّدًا، والمسلم فيه رديئًا، فلا يصح أن يسلّم إردبًّا من القمح في إردب من الشعير.
الشرط الثالث : أن يكون المسلّم فيه مؤجلاً إلى أجل معلوم من المتعاقدين، وأقله خمسة عشر يومًا، إلا إذا اشترط التسليم في بلد غير بلد العقد بمجرد وصوله إلى ذاك البلد.
الشرط الرابع : أن يُضبط المسلّم فيه بالطريقة التي يضبط بها الناسُ عادةً في بلد العقد المكيل أو الموزون أو المعدود.
الشرط الخامس : أن يبين الصفات التي تختلف رغبات الناس بشأنها كالصنف والجودة والرداءة، واللون إذا ترتب عليه اختلاف في قيمته بحسب العُرف كأن يشترط الغنم بأصوافها البيضاء لا السوداء ولا الحمراء.
الشرط السادس : أن يكون المسلّم فيه دينًا في ذمة المسلّم إليه أو البائع.
الشرط السابع : أن يوجد المسلَّم فيه عند حلول الأجل، فلا يصح السَّلَم في فاكهة مثلاً إلى زمن لا توجد فيه.
وقال الشافعية: إن شروط السَّلَم هي نفسها شروط البيع ما عدا رؤية المبيع التي هي شرط في صحة البيع، بخلاف رؤية المسلّم فيه فإنها ليست بشرط بل رخصة مستثناة من منع بيع المعدوم. وبالإضافة إلى شروط البيع فإن للسَّلَم شروطًا منها ما يتعلق برأس المال، ومنها ما يتعلق بالمسلم فيه، وكلها لازمة لصحة العقد، فإن فقد شرط منها فلا يصح السلم.
أما الشروط المتعلقة برأس المال فهي اثنان: الأول أن يكون حالًّا غير مؤجل. والثاني أن يجري قبضه في المجلس قبضًا حقيقيًّا فلا تنفع فيه الحوالة ولو قبضه في المحال عليه في المجلس. والقبض في المجلس يحصل قبل تفرقهما في أبدانهما، فإن مشيا مسافة طويلة ثم حصل القبض قبل أن يتفرقا فإنه يصح.
وأما الشروط المتعلقة بالمسلّم فيه فهي ثمانية:
الأول : بيان مكان تسليم المسلم فيه، سواء كان حالًّا أو مؤجَّلاً، لأن الشافعية لا يشترطون أن يكون المسلم فيه مؤجَّلاً بل يصح عندهم أن يكون حالًّا واشتراط تعيين مكان التسليم يكون في حال لم يكن المكان الذي حصل فيه العقد صالحًا لهذا التسليم. أما إذا كان صالحًا للتسليم، فإن نقله يحتاج إلى نفقات فلا يجب البيان في السَّلَم المؤجل من دون الحالّ. وإذا كان نقله لا يحتاج إلى نفقات فلا يجب البيان سواء في السَّلم حالًّا أم مؤجَّلاً.
الثاني : القدرة على تسليم المسلَّم فيه عند حلول الأجل إن كان مؤجَّلاً، أو بالعقد إن كان حالًّا
الثالث : أن يكون المسلّمِ فيه مقدورًا على تسليمه عند وجوبه بلا مشقة عظيمة، فلا يصح السَّلم في الفاكهة مثلاً بعد انقطاعها.
الرابع : أن يكون المسلَّم فيه منضبطًا، فلا يصح السَّلَم فيما تركب من أجزاء مختلفة لا يمكن ضبطها كالكشك، والقمح المخلوط بالشعير الكثير، والأحذية المبطنة.
الخامس : يكون المسلَّم فيه معيّنًا بل دينًا، لأن السَّلَم موضوع لبيع شيءٍ في الذمة. وكذلك لا يصح أن يكون جزءًا من معيّن، كأن يقول: أسلمت إليك هذا الجنيه في إردبٌ قمح من هذا الجرن بخصوصه.
السادس : أن يبيّن جنسه ونوعه، والصفات التي يترتب عليها اختلاف الثمن عادة.
السابع : أن يكون المسلَّم فيه معلوم القدر بأن يكون مما يكال، أو يوزن، أو يعدُّ، أو يذرع. ويصح السَّلَم في النقدين: الذهب والفضة، ولكن بالوزن فقط، فإذا جمع بين العدد والوزن يفسد.
الثامن : أن يشترط في عقد السَّلم الخيار لأحد المتعاقدين، لأنه يدخله خيار المجلس لعموم قوله (ص): «البيان بالخيار ما لم يتفرقا» وهذا الشرط متعلق بالعقد لا بالمسلَّم فيه.
ـ وقال الحنبلية: شروط السَّلم سبعة:
الأول : أن يصف المسلم فيه بما يختلف به الثمن اختلافًا ظاهرًا وذلك بأن يذكر جنسه ونوعه ولونه وبلده وكونه قديمًا أو جديدًا (كما لو أسلم في الحبوب كالعدس مثلاً فإنه يشترط ذكر نوَّه وبلده، وكونه قديمًا أو جديدًا، وكون حبه كبيرًا أو صغيرًا، سليمًا أو مكسورًا).
الثاني : أن يكون معلوم القدر، ولا بد من أن يكون المكيال معروفًا عند العامة.
الثالث : أن يشترط أجلاً معلومًا.
الرابع : أن يكون المسلَّم فيه كثير الوجود في وقته، أما إذا كان نادرًا كالعنب في غير وقته لإنه لا يصح.
الخامس : أن يكون رأس المال مقبوضًا في مجلس العقد قبل التفرق. ويقوم مقام القبض ما كان في معناه كما إذا كان عند المسلّم إليه أمانة، أو عين مغصوبة فإنه يصح أن يجعلها صاحب السَّلَم رأس مال ما دامت ملكًا له، لأن ذلك في معنى القبض.
السادس : أن يكون المسلَّم فيه دينًا في الذمة فإذا أسلم في دار أو عين موجودة فإنه لا يصح.
السابع : أن يكون المسلّم فيه من الأشياء التي تضبط كالمكيلات والموزونات والمعدودات والمذروعات. وعلى هذا يصح السَّلم في الحبوب وفي التمر، وفي العسل، وفي السمن، وفي اللبن، والخبز واللحم، والسمك، والرصاص والنحاس والحديد.
ولا يصح السَّلَم، عند الحنفية، في الفلوس وزنًا بشيء موزون. فإن كانت الفلوس وزنية فلا يصح أن يسلم فيها شيئًا يباع بالوزن كأن يقول: أسلمت إليك ثوبًا من الحرير زنته كذا في مئتي قرش من النيكل، لا يصح مثل ذلك لتحقق علة ربا النسيئة فيهما وهو الوزن، إذ لا يحل بيع موزون بموزون مع التفاضل نسيئة. أما إن كانت الفلوس عددية فإنه يصح عند الحنفية السَّلَم فيها على الأصح ولو كانت مستعملة لأنها عرض لا ثمن.



Copyright © Samih Atef El-Zein 2010     VINTOB