العقود
الطبعة : الطبعة الثانية  
المؤلف : سميح عاطف الزين
عدد الصفحات :   800
تاريخ النشر :   2013




الفُضول أو الفُضالة

الفضول، لغة، جمع فضل، ويرجع في أصل اشتقاقه إلى الفضل والتفضل، ومن يتولاه يدعى فُضوليًّا والفضولي هو الذي يتعرض إلى ما لا يعنيه أو يشتغل بما ليس له. وفي اصطلاح الفقهاء: «الكامل الذي يتصرف تصرفًا غير مالكٍ له»(+) . أي الشخص الذي يتصرف في شؤون غيره من دون أن يكون له ولايةٌ على التصرف، أو من يتصرف في حق غيره من دون إذن شرعي.
وعلى هذا يكون العمل فضوليًّا إذا تولاه المرء عن قصد، بغية إدارة شؤون غيره بدون تفويض سابق من هذا الغير.
ومثاله أن يبيع العاقل البالغ مالَ غيره، من دون إذنه أو إذن وليه أو وكيله، أو أن يبيع ماله الخاص الذي لا يملك التصرف فيه، كالمال الذي رهنه من دون موافقة مسبقة من المرتهن، أو أن يؤجر أو يستأجر لغيره من دون ولاية أو توكيل، أو أن يقوم بإصلاحات في ملك جاره الغائب بغية حفظه من التلف.
النية أو القصد عند الفضولي:
قد يكون الفضول ناجمًا عن قصد لمصلحة الغير، لكن هذا القصد أو نيّة العمل لمصلحة الغير لا تشترط دائمًا في عمل الفضول. فقد تتجه نيّة الفضولي للعمل إلى مصلحته الخاصة ثم يتبيَّن أن عمله كان لمصلحة غيره، فيكون فضوليًّا. فالعبرة في الفضول أنَّ الفضوليَّ لا يملك أساسًا التصرف الذي قام به، مهما كان الدافع إليه، فإن باع شيئًا وهو يُعدّه مالاً له، ثم تبيَّن أنه مال لغيره، كان فضوليًّا.
الرضا الواقعي:
إذا صادف تصرُّف الفضوليّ هوًى في نفس المالك، أو رضًا داخليًّا منه، فهل يجب عليه، والحالة هذه، أن يجيز التصرف، بحيث يُعدُّ مسؤولاً أمام الله تعالى إذا امتنع عن الإجازة؟ أم أن له الخيار إذا شاء أجاز أو شاء رفض؟.
ـ قال بعضٌ من الشيعة الإمامية: إنَّ الرضا الداخليَّ يكفي لإمضاء العقد، فيجب على المالك ما بينه وبين ربِّه تعالى إمضاء ما رضي به لعموم قاعدة وجوب الوفاء بالعقود. واستدلوا على ذلك بقول الإمام الصادق (عليه): «لا يحل مال امرئ مسلم إلا عن طيب نفس». لكن الرأي الغالب عند الشيعة الإمامية هو أن الرضا الباطنيَّ لا يُكتفى به، بل لا بد من التعبير عنه باللفظ أو الفعل، لأنه لا الكراهية الداخلية رد، ولا الرضا الباطني إجازة، بل كل منهما يحتاج إلى كاشف. ويستدلون على ذلك بأن قوله تعالى: {أَوْفُوا بِالْعُقُودِ}، وقوله تعالى: {إِلاَّ أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ}، أو قول الإمام الصادق (عليه): «إلا عن طيب نفس»، إنما تدل جميعها على وجود خطابٍ موجَّهٍ إلى المالك أو من له حق التصرف، ولا يمتُّ هذا الخطاب إلى الفضولي بصلة.
محل الفُضالة:
إن محل الفضالة أو المعقود عليه هو ما وقع عليه التعاقد، وظهرت فيه أحكامه وآثاره. وقد يكون عينًا مالية كالدار والأرض، والوعاء، أو عينًا غير مالية كالمرأة في عقد الزواج. وقد يكون منفعة، كمنفعة المأجور في إجارة الدور والعقارات، ومنفعة الشخص في إجارة الأعمال(+) .
وتجري الفضالة أيضًا على ما في الذمة، مثمنًا كان أو ثمنًا. ومثاله على المثمن كما لو باع محمدٌ إلى عبد الله طنًّا من الحنطة في ذمة زيد، فإن أجاز زيد هذا البيع ثبت في ذمته طن الحنطة للمشتري. ومثاله على الثمن كما لو اشترى عدنانُ دار عباس إلى زيد بمبلغ كذا من المال في ذمته (أي في ذمة زيد)، فإن أجاز زيد هذا الشراء ثبت في ذمته ثمن الدار إلى عباس، كونه المالك للدار والبائع. أما إذا رفض زيدٌ فالبيع والشراء باطلان من الأساس، ولا يحقّ للفريق الثاني مطالبة الفضولي بشيء، لأن عقد الفضوليِّ لا أثر له إطلاقًا مع عدم الإجازة.
وعلى هذا اتفق الفقهاء بأن الفضالة تجري في جميع العقود، حتى الزواج والوقف بناء على أن نيّة القربة ليست شرطًا في صحته كما هو الحقّ. كما اتفقوا على أن ما تصح فيه الوكالة تصح فيه الفضالة، ولكن شرط أن يكون صالحًا ليكون معقودًا عليه. فقد يمتنع إبرام العقد على شيء شرعًا أو عرفًا، كالخمر لا تصلح أن تكون معقودًا عليها بين المسلمين، والمرأة المحرم بسبب رابطة النسب أو الرضاعة، لا تصلح أن تكون زوجة لقريبها المحرم.
الجهل بالفضالة:
قد يقع العقد بين طرفين كأن يكون أحدها فضوليًّا، والآخر يجهل الفضالة، حيث لا قرينة تدل عليها. ومثاله أن يقول طرف لآخر اشتريت هذه الدار بكذا.. ويكون قصده الشراء لزيدٍ من دون أن يصرح به، فإن أجاز زيدٌ، انعقد البيع بلا ريب، وإن رفض فإن المشتري - فضولاً - يكون مسؤولاً تجاه البائع، لأن قصد الشراء للغير لا أثر له إذا لم يعبَّر عنه بقول أو فعل، حتى لو قال: إني قصدتُ الشراء لمصلحة زيد فلا يؤخذ به، ما دام لم يعلم به أحدٌ غيره، ذلك أن نيته قد بقيت في داخله من دون أن يفصح بها من قبل. وعلى هذا فإن جميع الدوافع النفسية التي لا يعلم بها إلاَّ صاحبها، لا يكون لها آثار على الإطلاق في جميع المعاملات.


أثر النهي عن البيع في الفضالة:
إذا نهى صاحب المال عن بيع ماله، ومع ذلك لم يعبأ الفضولي بالنهي وأجرى البيع، فإن العقد يقع صحيحًا إذا أجاز المالك، لأن النهي لا أثر له هنا، بل ينفذ العقد بإجازة المالك، ولأن الدليل الذي دلَّ على صحة معاملة الفضولي لم يفرق بين سبق النهي وعدمه. وفي مطلق الأحوال فإن النهي يذهب أثره بمجرد حصول الرضا والإجازة من المالك.
بيع الغاصب فضوليًّا:
إذا افترض أن الغاصب باع العين التي اغتصبها قاصدًا النيابة عن المالك، كان والحال هذه فضوليًا، فيصح بيعه وينفذ بالإجازة. لكنه لا يكون فضوليًّا إذا لم يقصد النيابة عن المالك، بل قصد البيع لنفسه أو لمصلحته بالذات، ويكون عقده في هذه الحال - بصفته غاصبًا - باطلاً من الأساس، ولا تجدي الإجازة شيئًا لانتفاء موضوعها. وقد استدل الشيعة الإمامية على ذلك بقول الرسول (ص): «لا تبع ما ليس عندك»(+) وقول الإمام الصادق (عليه): «ولا بيع إلا في ملك». وقوله (عليه): «ما أُحبُّ أن يبيع ما ليس له»(+) .
عقد الفضولي وفق القاعدة:
هل إن القاعدة تستدعي صحة الفضالة بحيث يكون تصرف الفضولي صحيحًا في كل شيء، ويترتب الأثر عليه بمجرد الإجازة. سواء أكان بيعًا، أو هبةً، أو زواجًا، أو طلاقًا، وما إلى ذلك إلاَّ ما خرج بالدليل؟ أو أن القاعدة تقضي بطلان الفضالة بحيث لا تجدي الإجازة نفعًا إلاَّ ما خرج بالدليل؟.
ـ وقد استند الشيعة الإمامية إلى ما ورد في المجلد الخامس من كتاب «الحدائق» بالقول: «احتجَّ الفقهاء لصحة بيع الفضولي بأنه بيعٌ صدر من أهله في محله فكان صحيحًا. أما أنه من أهله فلصدوره من بالغ عاقل مختار، ومن جمع هذه الصفات كان أهلاً للإيقاعات. وأما صدوره في محله فلأنه وقع على عين يصح تملُّكها، وينتفع بها، وتقبل النقل من البائع إلى آخر. وأما الصحة فلثبوت المقتضي السالم عن المعارضة. أما كون الشيء غير مملوك للعاقد فلا يمنع من صحة العقد، فإن المالك لو أذن قبيل البيع صح، فكذلك بعده، لعدم الفرق بينهما».
وعقد الفضولي عندما يجري وفق القواعد الكلية والقواعد العامة، فلا يحتاج، عندئذٍ، في صحته إلى دليل. ومع ذلك فقد استدل الفقهاء، منذ عهد الشيخ الطوسي برواية عروة البارقي. فقد روي أن النبي (ص) أعطى عروة البارقي دينارًا ليشتري شاة، فاشترى به شاتين، وفي الطريق باع إحداهما بدينار. فلما أتى النبي (ص) وأخبره، قال له: «بارك الله تعالى في صفقة يمينك»(+) .
ووجه الاستدلال أن النبي (ص) أذن لعروة بشراء شاة، ولم يأذن له ببيع ما يشتريه، فيكون بيعه الشاة، والحال هذه، فضوليًّا. أما شراء الشاتين بالدينار فليس من الفضالة بشيء، لأن الرضا بشراء شاة واحدة بدينار يدل، بطريق أولى، على الرضا بشراء شاتين به. وما تبريك النبي (ص) للصفقة إلا إجازة صريحة على البيع، تكشف عن الرضا والموافقة.
ـ وقال الحنفية(+) والمالكية: تنعقد تصرفات الفضوليّ وتكون صحيحة. لكنها تكون موقوفة على إجازة صاحب الشأن، الذي صدر التصرف لأجله، فإن أجازه نفذ، وإن رده بطل. واستدلوا على رأيهم:
أولاً : بعموم الآيات القرآنية حول مشرعية البيع، كقوله تعالى: {وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ}. وقالوا: إن الفضولي كامل الأهلية، فيكون إعمال عقده أَوْلى من إهماله. وربما كان في العقد مصلحة للمالك، وليس فيه أي ضـرر لأحـد لأن للمالك ألاَّ يجيز العقـد، وإن لم يجد فيه فائدة.
ثانيًا : بدليل حديث عروة البارقي - الذي تقدم ذكره آنفًا ـ.
وخلاصة رأيهم أن الملكية، أو الولاية هي من شروط نفاذ التصرف، فإذا لم يكن العاقد مالكًا، ولا ولاية له، كان العقد موقوفًا (أي على الإجازة).
ـ وقال الشافعية والحنبلية: إن تصرف الفضوليّ باطل، ولا يصح، ولو أجازه صاحب الشأن، لأن الإجازة تؤثر في عقد موجود، وهذا العقد لا وجود له منذ نشأته، فلا تصيّره الإجازة موجودًا. واستدلوا على رأيهم بما يلي:
أولاً : إن تصرف الفضوليّ يكون فيما لا يملك، وتصرف الإنسان فيما لا يملكه منهيّ عنه شرعًا. وعندهم أن النهي يقتضي عدم مشروعية المنهيّ عنه، وذلك في قول الرسول (ص) لحكيم بن حزام: «لا تبع ما ليس عندك»، أي ما ليس مملوكًا لك. وسبب النهي اشتمال العقد على الغرر الناشئ عن عدم القدرة على التسليم وقت العقد، وما يترتب من نزاع.
وقالوا عن حديث عروة البارقي: إنه كان وكيلاً مطلقًا عن النبي (ص)، وتصرفه كان بمقتضى وكالة خالف فيها الوكيل إلى خير، فينفذ تصرفه.
ثانيًا : إن أي تصرف لا يوجد شرعًا إلا بتوافر الولاية والأهلية عند العاقد، والفضولي ليس مالكًا لما يتصرف فيه ولا مأذونًا له من المالك بالتصرف، فلا يكون لتصرفه وجود شرعًا، ولا يترتب عليه أي أثر.
وخلاصة رأيهم أن الملكية أو الولاية هي من شروط انعقاد التصرف، فإذا لم يتوافر شرط الانعقاد كان التصرف باطلاً.
شروط الإجازة:
عرّف الفقهاء المُجيز(+) بأنه مالك التصرف الذي وقع العمل نيابة عنه. ولا اختلاف على وجوب أن تتوافر في المجيز، حين الإجازة، جميع الشروط المعتبرة لإبرام العقد، كالبلوغ، والرشد، والصحة في التصرفات التي يشترط فيها الخلو من مرض الموت.
وتباينت آراء الفقهاء حول ما إذا كان المجيز يجب أن يكون أهلاً لإبرام العقد حين إنشائه وصدوره من الفضولي، أم يكفي أن يكون في تمام الأهلية حين الإجازة فقط، بحيث لا يشترط فيه الأهلية عند إنشاء العقد... فلو باع الفضولي مال المجنون، أو الصغير، أو السفيه، أو مات المالك قبل أن يجيز البيع أو يرفضه، فماذا يكون مصير عقد الفضولي؟.
ـ قال فريق من الشيعة الإمامية: يقع عقد الفضوليّ لغوًا إذا كان المجيز مجنونًا، أو صغيرًا، أو سفيهًا حين إنشاء العقد لأنه لا تجدي إجازة المجنون بعد إفاقته، والصبيّ بعد بلوغه، والسفيه بعد رشده، والوارث بعد موت أبيه.
وقال فريق آخر: يصح العقد والإجازة بعد زوال المانع، وتترتب على العقد جميع آثاره الشرعية.
والرأي الراجح عندهم هو الاكتفاء بتوافر الشروط عند الإجازة، سواء توافرت عند إنشاء العقد أو لم تتوافر، لأن الدليل الذي دل على صحة عقد الفضولي مطلق، وغير مقيد بوجود مُجيزٍ كامل الأهلية. هذا فضلاً عن أن العبرة في ترتيب الآثار بالإجازة، لأن المجيز يجب أن يكون أهلاً للإبرام والالتزام وقت الإجازة. فإذا وقع العقد فضالةً عن المجنون والصغير يصح، ويتوقف نفاذه على إجازة الولي، أو إجازة المجنون بعد العقل، والصغير بعد البلوغ، والسفيه بعد الرشد.
ـ أما الحنفية فقد قالوا: يقتضي توافر ثلاثة شروط لصحة تصرف الفضولي، منها ما يتعلق بالمجيز، ومنها بالإجازة، ومنها بالتصرف(+) .
1 - المجيز: يشترط أن يكون للعقد مُجيزٌ حالة إنشائه، أي أن يكون صاحبُ الشأن قادرًا على إصدار العقد بنفسه، فإن لم يكن كذلك وقع العقد باطلاً من البدء. فإذا وهب فضوليّ مالَ بالغٍ عاقلٍ، أو باع ملكه بغبن فاحش، انعقد التصرف موقوفًا على الإجازة، لأن صاحب المال كان يستطيع أن يُصدر هذه التصرفات بنفسه، فيستطيع إجازتها بعد وقوعها، فكان لها مجيز حين إنشائها.
أما لو قام فضوليٌّ بهذه التصرفات بالنسبة إلى صغير، فلا ينعقد تصرفه أصلاً، لأن الصغير ليس أهلاً لهذه التصرفات، فلا يكون أهلاً لإجازتها، فلم يكن لها مجيز حين نشوء التصرف. ويتوقف انعقاد التصرف على إجازة الولي، في حال وجوده، أو على إجازة الصغير بعد بلوغه.
2 - يشترط أن تكون الإجازة حين وجود العاقدين (الفضولي والطرف الآخر)، والمعقود عليه، وصاحب الشأن. فلو حصلت الإجازة بعد هلاك أحد هؤلاء الأربعة، بطل التصرف، ولم تفد الإجازة شيئًا.
3 - يشترط عدم تنفيذ العقد على الفضولي عند رفض صاحب الشأن: مثل بيع ملك الغير، سواء أضاف العقد إلى نفسه أو إلى صاحب الملك، مثل شراء شيء لغيره وأضاف العقد إلى ذاك الغير.. ففي هذه الحالات يكون العقد موقوفًا (على الإجازة).
أما إذا أمكن تنفيذ العقد على الفضولي عند عدم إجازته، كشراء شيء أو استئجاره مضيفًا العقد إلى نفسه، فيلزمه هو.
الآثار المترتبة على إجازة تصرف الفضوليّ:
يترتب على الإجازة من صاحب الشأن أثران:
ـ أحدهما جعل التصرف نافذًا.
ـ ثانيهما جعل الفضولي وكيلاً يلتزم بحقوق التصرف لأن «الإجازة اللاحقة كالوكالة السابقة»(+) .
أما تاريخ نفاذ التصرف بالإجازة فيختلف باختلاف نوع التصرف: فإن كان من التصرفات التي لا تقبل التعليق على شرط كعقود المعاوضات المالية (كالبيع والإيجار ونحوهما) فإنها تنفذ من وقت إنشائها، أي إنه يكون للإجازة أثر رجعي ينسحب إلى تاريخ الإنشاء، وتكون زوائد الشيء وغلاَّته (كالأجرة) مملوكة لمن وقع العقد له (أي للمشتري في عقد البيع مثلاً). وإن كان تصرف الفضولي مما يصح تعليقه على الشرط كالكفالة والحوالة والوكالة والطلاق، فإنه ينفذ من وقت الإجازة من دون مفعول رجعي.
وإن كان التصرف يتطلب التسليم الفعلي كالهبة، فينفذ من وقت التسليم.
فسخ تصرف الفضوليّ:
بما أن تصرّفْ الفضوليّ غير ملزم لصاحب الشأن، فيجوز إذن فسخه. والفسخ قد يكون من صاحب الشأن (البائع أو المشتري مثلاً) لأن التصرف موقوف على رضاه، فإن لم يجزه لا يتم التصرف، ويفسخ.. وقد يكون الفسخ من الفضولي نفسه في عقد البيع قبل إجازة المالك صاحب الشأن، حتى يدفع عن نفسه الحقوق التي تلزمه لو أجاز المالك.
أما عقد الزواج فليس للفضوليّ فسخه، لأنه عقد ترجع فيه الحقوق إلى الأصيل صاحب الشأن(+) .
الفضولي الواحد لا يعقد العقد عن الطرفين:
ليس للفضولي الواحد إبرام العقد عن الطرفين، سواء في البيع أو الزواج وغيرهما، بل يبطل الإيجاب ولا تلحقه الإجازة(+) .
فلو قال: زوَّجْتُ عبد الله هذه الفتاةَ التي اسمها فاطمة، وقبلتُ زواجَ فاطمة لعبد الله لم ينعقد العقد.
الفضولي الذي يبيع شيئًا يملكه:
إذا باع الفضوليُّ مال الغير، ثم ملكه بالإرث أو الشراء، فيصح البيع، ولكن يتوقف على إجازته بعد تملكه عين المبيع.
وكذلك إذا باع العين معتقدًا أنه لا يملك التصرف بها، ثم تيبن العكس، كالولي يبيع مال الطفل، أو مال المجنون، أو السفيه، وهو جاهل بالولاية، أو كالابن يبيع مال أبيه وهو يظن أنه حي ثم يتبين أنه ميت، أو كالوكيل يبيع مال موكله متناسيًا الوكالة.. ففي هذه الحالات يصح البيع ولا يحتاج إلى الإجازة، لأن الاعتقاد بعدم الولاية، أو الملك، أو الوكالة، لا يغير الواقع عن واقعه، ولا يخرج الأدلة المطلقة عن إطلاقها.
بعض أنواع البيوع (المساومة والمرابحة والتولية والوضيعة والمزايدة):
اتفق الأئمة على أن البيع يقسم، بالنظر إلى الإخبار بالثمن، عدة أنواعٍ: المساومة، المرابحة، التولية، الوضيعة والمزايدة. وفيما يلي الحكم الشرعي لكل منها:
1 - المساومة:
وهي أن يساوم المشتري البائعَ على السلعة بما يتفقان عليه من الثمن، وذلك من غير الحديث بينهما عن السعر الذي اشترى به البائع، سواء علمه المشتري، أم لم يعلمه. وبيع المساومة أفضل من غيره، ذلك لأن السَّوْم مشروع في المبايعات لقول رسول الله (ص): «صاحب السلعة أحق بالسَّوْم»(+) .
وقد قال أبو حنيفة للإمام الصادق (عليه): «عجبَ الناسُ منك وأنت بعَرَفة تُماكِسُ ببدنك أشدَّ مكاس؟». فقال له أبو عبد الله: «وما لله من الرضا أن أُغْبنَ في مالي؟»(+) أما أبوه الباقر (عليه) فقال: «ماكِسِ المشتري فإنه أطيب للنفس، وإن أعطى الجزيل، فإن المغبون في بيعه وشرائه غير محمود ولا مأجور»(+) .
نعم تُكره المماكسة(+) في بعض الأشياء، وهي ما وردت في وصية النبي (عليه) قال فيها: «يا علي، لا تُماكس في أربعة أشياء: في شراء الأضحية، والكفن، والنسمة (الرقيق) والكراء إلى مكة»(+) .
وقال الإمام الصادق (عليه): «أكره أن أبيع عشرة بأحد عشر، ونحو ذلك من البيع، ولكن أبيع كذا، وكذا، مساومة»(+) . والمساومة شيء، والسّوْم على سْوم الغير شيء آخر، فهما يختلفان في المعنى، وفي الحكم الشرعي. وقد رأينا آنفًا معنى المساومة. أما السّوْم على سوم الغير فيكون كما يلي: يتفق المتبايعان على بيع إحدى السلع بثمن معيَّن، ويتراضيان عليه مبدئيًا، فيأتي رجل آخر ويساوم البائع بسعر أكثر من السعر الذي كان قد رضي به مع الأول، كأن يقول له: لا تبعه، وأنا أشتريها منك بأكثر من السعر الذي رضيت به. ومثله إذا رضي المشتري بالمبيع، أو بالثمن من الناحية المبدئية، ثم يعرض عليه بائع آخر بأن يبيعه بشروط أفضل، كأن يقول له: ردَّه وأنا أعطيك أفضل منه نوعًا وجودة، أو أقلَّ منه أفضل، كأن يقول له: ردَّه وأنا أعطيك أفضل منه نوعًا وجودة، أو أقلَّ منه ثمنًا.
وقد روي الشيخان أن رسول الله (ص) نهى عن هذا البيع بقوله: «لا يسوم الرجل على سْوم أخيه» وقد عدّ الفقهاء أن السّوْم على سوْم الغير من البيوع المنهي عنها نهيًا لا يستلزم بطلانها.
وقد تباينت آراء الأئمة الأربعة حول هذا النهي من حيث البطلان أو التحريم:
ـ فقال الحنفية: السَّوْم على سْوم الغير يُكره تحريمًا إذا اتفق المشتري مع البائع على تعيين الثمن مبدئيًّا، وركن البائع إلى البيع بذلك. أما إذا لم يركن البائع إلى الثمن فإنه يصح الزيادة عليه، بل هو محمود لما فيه منفعة البائع، ورواج السلعة.
ـ وقال المالكية: السوم على سوم الغير إن كان قبل الركون إلى الثمن والاتفاق عليه مبدئيًا، فإنه يكون خلاف الأولى، أما بعد الركون إلى الثمن فإنه حرام.
ـ وقال الشافعية والحنبلية: يحرم السّوم على سوْم الغير بعد عرض البائع والاستقرار على الثمن والتراضي به صريحًا. وأضاف الشافعية: أما إذا سكت البائع، أو قال: حتى أستشير، فإنه لا يكون رضا بالثمن صريحًا، فلا يحرم السَّوْم في هذه الحالة على الصحيح، وإنما يحرم إذا كان عالمًا به، فإذا لم يكن عالمًا به فإنه لا يحرم.

2 - المرابحة:
وهي في اللغة مصدر من رَابَحَ، ومن الربح، أي الزيادة. والمرابحة في الاصطلاح: «هي بيع السلعة بثمنها الذي قامت به مع ربح».
وهذا يعني أن على البائع أن يصرح للمشتري بالثمن الذي اشترى به السلعة، وأن يبين له مقدار ما أنفقه عليها من نفقات - في حال وجودها - ومن ثمَّ يتفقان على ربح معلوم يدفعه المشتري زيادة على الثمن والنفقات. فإذا تبيَّن كذب البائع، كان للمشتري خيار الفسخ، أو الإمضاء بالثمن المسمَّى.
وإذا كان البائع قد اشترى السلعة إلى أجل، فعليه أن يخبر المشتري بهذا الأجل، فإذا كَتَمَهُ أو أخفاه، وكان قد باع بثمن ما اشترى مع ربح معلوم، كان للمشتري من الأجل مثل ما كان للبائع.
وقد تباينت آراء الأئمة حول شروط المرابحة:
ـ قال الإمامية: بيع المرابحة جائز وشرطه صدق البائع وتسمية الربح. فقد سئل الإمام الصادق (عليه): عن رجل يبتاع ثوبًا فيطلب منِّي مُرابَحَة، فهل ترى ببيع المرابحة بأسًا إذا صدق في المرابحة، وسمَّى ربحًا دانقين أو نصف درهم؟ قال (عليه): «لا بأس». وسئل أيضًا عن الرجل يبيع البيع بأكثر مما يشتري؟ قال: جائز(+) .
كما أن الإمام الكاظم (عليه) سئل عن الرجل يبيع السلعة ويشترط أنَّ له نصفها، ثم يبيعها مرابحة، أيحلّ ذلك؟ قال: لا بأس(+) .
ـ وقال الحنفية: يصح البيع بالمرابحة، أي بالثمن الأول مع ربح، بشرطين:
الأول : أن يكون المبيع عرضًا، فلا يصح بيع النقدين مرابحة، كأن يبيع قطعتين من الذهب بمئتي غرش من الفضة. وللبائع أن يضم إلى أصل الثمن كل ما أنفقه على السلعة، وفقًا لما جرت عليه العادة عند التجار، سواء كان عينًا قائمة بذات المبيع كصبغ الثوب أو غزل القطن، أو كان خارجًا عن المبيع، غير قائم به كأجرة حمله، أو إطعامه إذا كان حيوانًا، ويضاف إلى ذلك أجرة السمسار.
والثاني : أن يكون الثمن مثليًّا كالنقود (مثل الجنيه والريال والدرهم والليرة) والمكيلات والموزونات والمعدودات المتقاربة. فإذا كان الثمن قيميًّا، غير مثلي، أي أن تباع السلعة بالتقويم لا بالكيل، كالحيوان والعقار والثوب، فإنه لا يصح البيع به إلا بشرطين:
أحدهما : أن يكون الثمن هو عينه الذي بيعت به السلعة أوَّلاً. كأن يشتري أحمد ثوبًا من ياسر بعشرة صناديق من التفاح، ثم يشتري عامر الثوب من أحمد بالعشرة صناديق من التفاح التي يكون هذا الأخير قد امتلكها من ياسر.
وثانيهما : أن يكون الربح معلومًا. كأن يقول له: اشتريت منك هذا الثوب بالعشرة صناديق التي اشتريته بها مع ربح ألف ليرة، أو مع ربح ثلاثة كيلو غرامات من البن.
وإن ظهر كذب البائع ببرهان، أو إقرار، أو نكول عن اليمين فإن للمشتري الخيار فقط بين رد المبيع أو إمساكه بكل الثمن.
وبعضهم يقول: إن له أن يقتطع ما زاد عليه في الثمن. وإذا هلك المبيع، أو استهلكه المشتري، أو حدث فيه عيب وهو عنده قبل رده، سقط خياره ولزمه بكل الثمن.
ـ وقال المالكية: المرابحة بيع السلعة بالثمن الذي اشتراها به مع ربح معلوم للبائع وهو ما يحتاج إلى بيان كثير قد يتعذر على العامة، فيقع البيع فاسدًا. وعلى هذا، فإنَّ البائع ملزم بأن يبيِّن المبيع وكل ما أنفقه عليه زيادة على ثمنه، وربما يفضي إلى نزاع.
ويكون بيع المرابحة على وجهين: الوجه الأول: أن يساومه على أن يعطيه ربحًا عن كل مئة خمسةً مثلاً. والوجه الثاني أن يبيع السلعة بربح معيَّن على جملة الثمن كأن يقول له بعتك هذه السلعة بثمنها (خمسة آلاف ليرة مثلاً) مع ربح خمسمئة ليرة.
وقد عدّ المالكية أن البائع في المرابحة إن لم يكن صادقًا فهو: إما أن يكون غاشًا، أو كاذبًا، أو مدلِّسًا.
فأما الغاشّ : فهو الذي يوهم أنَّ في السلعة صفة معيَّنة (يرغب المشتري أن تكون موجودة، لكنها في الحقيقة غير موجودة فيها) كأن يوهم أن هذا الثوب هو من صنع المعمل الفلاني (المشهور بجودة إنتاجه) في حين أنه من صناعة عادية، أو كأن يوهم بأن هذا النوع من المعلبات الغذائية هو حديث التصنيع في حين أنه قديم العهد، لكنه لا يزال صالحًا للاستعمال، أي بحيث لا يؤدي عدم وجود الصفة في السلع إلى إنقاص ثمنها. وحكم الغش في المرابحة أن يكون للمشتري الخيار بين أن يمسك المبيع أو يردَّه.
أما الكاذب : فهو الذي يخبر بخلاف الواقع فيزيد في الثمن، كأن يقول إنه اشترى السلعة بمئة، مع أنه اشتراها بثمانين. وفي هذه الحالة يكون للمشتري أن يسقط ما زاده البائع عليه من الثمن وما يقابله في الربح، ولا يلزمه المبيع إلا بذلك. فإن لم يقبل البائع ذلك يكون المشتري مخيِّرًا بين إمساك المبيع أو ردّه.
وأما المدلّس : فهو الذي يعلم أن السلعة فيها عيب ويكتمه. وحكم المدلّس في المرابحة كحكمه في غيرها من أنواع البيوع الأخرى.
ـ وقال الشافعية: يصح بيع المرابحة سواء قال له: بعتك هذه السلعة بثمنها الذي اشتريتها به وهو ألف وربح مئة، أو قال له: بعتك هذه السلعة بربح واحدٍ عن كل عشرة من ثمنها. وإذا كان المشتري يعلم ما أنفقه البائع على السلعة زيادة على الثمن فإن النفقات تدخل في الثمن وإن لم يبيّنها في العقد. أما إذا كان المشتري يعلمه. وبيان الثمن، إذا كان عرضًا، في العقد، إنما يكون لدفع الكذب المحرم. أما إذا كان الثمن نقدًا، أو مثليًّا (كالمكيلات ونحوها) فإنه لا يلزم بيانه. وقد عدّ الشافعية أن كذب البائع في المرابحة، إذا ظهر بالبرهان أو بالإقرار، يولي المشتري الحقّ في إسقاط الزائد من أصل الثمن وما يقابله من الربح. وإذا زعم البائع أنه ذكر الثمن غلطًا بأقل مما هو عليه فعلاً، فلا يكون له الحقّ في الزيادة التي ادعاها. ولكن إذا صدقه المشتري في قوله، يكون للبائع الخيار في إمضاء العقد أو فسخه. أما إذا كذّبه المشتري فيكون له أن يثبت بالبيّنة وجه الغلط الذي وقع به. وإذا حلف المشتري بأنه لا يعرف أن الثمن أكثر مما ذكره البائع مضى العقد على ما هو عليه فلا يكون لواحد منهما خيار. ولكن إذا طُلب منه اليمين ونَكَلَ عنها، رُدَّت اليمين على البائع، فإن حلف كان للمشتري الخيار بين أخذ السلعة بالثمن الذي حلف عليه البائع، وردِّها.
ـ وقال الحنبلية: إذا كان الربح معلومًا والثمن كذلك صح بيع المرابحة بدون كراهة. فإذا قال بعتك هذه الدار بما اشتريتها به وهو ألف مع ربح مئة فإنه يصح. أما إذا قال: بعتك هذه الدار على أن الربح في كل مئةٍ عشرة من دون أن يذكر ثمنها فإنه يصح مع الكراهة. وعلى البائع أن يبيِّن الثمن على حدة، والنفقات على حدة، في العقد.
وإذا ظهر أن البائع كاذب في الثمن، فإن للمشتري الحقّ في إسقاط ما زاده من أصل الثمن وما يقابله من الربح، ويلزم البيع بالباقي فلا خيار للمشتري في ذلك. وإذا قال البائع بأنه غلط في ذكر الثمن وحلف على ذلك، فإن للمشتري الخيار بين ردِّ المبيع، أو دفع الزيادة التي ادّعاها البائع. فإذا نَكَلَ البائع عن اليمين فليس له إلاَّ ما وقع عليه العقد.
ورجَّح بعض الحنبلية أنه لا يقبل قول البائع بالزيادة إلا ببيِّنة، ما لم يكن معروفًا بالصدق على الأظهر.
3 - التولية:
وهي، لغةً، مصدر ولَّى غيره، أي جعله واليًّا.
وهي، شرعًا، بيع السلعة بثمنها الأول من دون زيادة عليه.
وتكون التولية بأن يُعلم البائعُ المشتري برأس المال (الثمن) الذي اشترى به السلعة، ومن ثمَّ يتفقان على البيع مع جميع النفقات التي صرفت على المبيع - في حال وجودها - من دون زيادة أو نقصان.
وإذا ظهر كذب البائع، فإن البيع لا يبطل، لأنه عقد على شيء معلوم، بثمن معلوم، مع التراضي.
والكذب بالثمن يمكن تلافيه واستدراكه بالخيار، أي بفسخ البيع أو إمضائه من قبل المشتري، بالثمن المسمَّى. وليس للمشتري أن يمسك المبيع لكي يحسم الزيادة التي كذب بها البائع، لأن البيع وقع على الثمن الذي جرى الاتفاق عليه في صلب العقد، فإما أن يرضى المشتري بهذا الثمن، أو أن يردَّ، ويبقى الإثم على البائع.
وباتفاق جميع الأئمة: إذا قال البائع للمشتري: لا تردّ، وأحطُّ عنك الزيادة، سقط الخيار لانقضاء سببه.
4 - الوضيعة:
ويقال لها: المحاطَّة، وهي بيع السلعة مع نقصان ثمنها الذي اشتُريَت به. أي إن البائع يخبر المشتري برأس المال (الثمن) الذي دفعه، ومن ثَمَّ يتفقان على البيع بأقلّ مما دَفعَ (ثمنًا ونفقة).
وقد اتفق جميع الأئمة على أن حكم الوضيعة هو حكم البيع بالمرابحة أو التولية، إذا ظهر كذب البائع، في بيان الثمن وما يتعلق به، ببرهان أو إقرار أو يمين.
قال إبراهيم الكرخي: «اشتريت لأبي عبد الله (يعني الصادق (عليه)) جاريةً، فلما ذهبت أنقدهم قلت: أستحِطُّهم؟ قال: لا، إن رسول الله (ص) نهى عن الاستحطاط بعد الضمنة، إذ قال (ص): «الوضيعة بعد الضمنة حرام»(+) . ولكن إذا طلب الوضيعة قبل إجراء القبول والإيجاب فإن ذلك جائز. فقد سئل الإمام الصادق (عليه) عن الرجل يشتري المتاع ثم يستوضع؟ قال: لا بأس. وكذلك قيل للإمام الصادق (عليه): الرجل يشتري من الرجل البيع فيستوهبه بعد الشراء من غير أن يحمله على الكره؟ قال (عليه): لا بأس به(+) .
وسئل الإمام الصادق (عليه) أيضًا عن «رجل اشترى ثوبًا ولم يشترط على صاحبه شيئًا، فكرهه ثم ردَّه على صاحبه، فأبى أن يقبله إلاَّ بوضيعه؟ قال: لا يصلح له أن يأخذه بوضيعة، فإن جهل فأخذه فباعه بأكثر من ثمنه، ردَّ على صاحبه الأول ما زاد»(+) .
ولكنه في حال التراضي والقبول يجوز الحطّ من الثمن - برضا الطرفين - فيحلّ الحطّ للمشتري أو للبائع، ولا يدخل ذلك تحت عنوان: الوضيعة الإجبارية. فقد سئل الإمام موسى الكاظم (عليه) عن رجل باع بيعًا إلى أجل، فجاء الأجل والبيعُ عند صاحبه (المشتري)، فأتاه البائع فقال له: يعني الذي اشتريتَه مني، وحطَّ عني كذا وكذا، وأُقاصُّكَ بمالي عليك، أيحلُّ ذلك؟ قال (عليه): «إذا تراضيا فلا بأس به»(+) . وعن موسى الكاظم (عليه) أيضًا أنه سُئِلَ عن رجلِ له على رجلٍ عشرة دراهم، فقال له: اشترِ لي ثوبًا فبعْهُ واقبض ثمنَهُ، فما وضعتَ فهو عليَّ، أيحُلّ ذلك؟ قال (عليه): «إذا تراضيا، فلا بأس»(+) .
5 - المزايدة:
بيع المزايدة: هو أن ينادي الرجل على السلعة طلبًا للزيادة فيها، ثم يستقر البيع على آخر المزايدين. ولا يدخل هذا النوع من البيوع في المساومة، بل هو نوع مستقل، وله حكمه الخاص.
وقد اتفق بعض الأئمة على أن بيع المزايدة ابتداءً، قبل أن يرضى البائع والمشتري، ويركنا إلى البيع، جائز شرعًا.
ـ فقال الشيعة الإمامية: أما بعد استقرار سعر المزايدة على رقم معيَّن، فلا تجوز بعده الزيادة ضررًا، لقول الإمام الصادق (عليه): «كان أمير المؤمنين يقول: إذا نادى المنادي فليس لك أن تزيد، بل يحرِّم الزيادة النداء، ويُحِلُّها السكوت»(+) . وعبارة «إذا نادى المنادي» تعني هنا: النداء باستقرار السعر على رقم أخير.
ـ وقال المالكية: بيع المزايدة:هو أن يتزايد اثنان فأكثر في شراء سلعة قبل أن يستقرَّ ثمنها، ويتفق البائع مع أحدهما، وإلا كان ذلك حرامًا لأنه سوْم على سوم الغير في هذه الحالة.
ـ وقال الحنبلية: ولا تحرم المساومة والمزايدة في حالة المناداة على المبيع بالبيع، كما يفعله كثير من الناس، فإنه جائز بلا نزاع.
والخلاصة: إن جميع أنواع هذه البيوع إذا حصل فيها كذب أو غش أو تدليس(+) فإنه يكون شبيهًا بالعيب الفاسد. فإذا هلك المبيع في المرابحة قبل أن يقبضه المشتري لا يكون ملزمًا به، بخلاف غيرها من بيع المزايدة أو المساومة فإنه إذا كان فيها كذب أو غش ونحوهما، وهلكت السلعة قبل قبضها (تسلمها) فإن ضمانها يكون على المشتري بمجرد العقد.
cetirizin netdoktor cetirizin csepp cetirizin hund dosis



Copyright © Samih Atef El-Zein 2010     VINTOB