العقود
الطبعة : الطبعة الثانية  
المؤلف : سميح عاطف الزين
عدد الصفحات :   800
تاريخ النشر :   2013




خيارُ الغَـبْن

الغَبْن في اللغة هو الخديعة.
وفي الاصطلاح الفقهي: «الشراء بأكثر من قيمة السوق، أو البيع بأقل منها عند العقد، والتعامل بما لا يتسامح به عادة مع جهل المشتري بالزيادة والبائع بالنقصان، بحيث لو علم المتعاقدُ القيمةَ على حقيقتها لما أقدم على التعاقد ورضي به».
ركنا الغبن: من تعاريف الفقهاء للغبن يتبين أن له ركنين:
الأول : جهل المغبون بالقيمة حين العقد. فمن أقدم على الزيادة أو النقصان، مع العلم بما أقدم عليه، فلا خيار له، لعدم الضرر، ولأن لكل إنسان أن يتصرف بماله كيف شاء ما دام عاقلاً راشدًا، لحديث رسول الله (ص): «الناس مسلطون على أموالهم»(+) ، ولقول الإمام الصادق (عليه): «صاحب المال أحق بماله ما دّام فيه شيء من الروح، يضعه حيث يشاء»(+) .
الثاني : عدم التسامح عادة بما زاد أو نقص، لأن التغابن اليسيرَ الذي يتسامح العرفُ بمثله لا يُخرج الشيءَ عن قيمته السوقية، ولأن القيمة الحقيقية تصعب معرفتها على الكثير من الناس.
قال الإمامية: «خيار المغبون ثابت بلا خلاف» بدليل قول الله تعالى: {إِلاَّ أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ}(+) . ولأن الغبن ضرر، ولا ضرر ولا ضرار في الإسلام. قال الإمام الصادق (عليه): «غبن المؤمن حرام»(+) . ومن هذه الأدلة يتبين أن خيار الغبن ثابت لأنه يتفق مع مقاصد الشريعة الغراء، ومبدأ العدالة، ولذا أقرته الشرائع الوضعية.
فإذا تبين الغبن تخير المغبون، بائعًا كان أو مشتريًا، بين رد ما غُبن فيه أو إمساكه، وليس له أن يطالب الغابن بالأرش، أي بالتفاوت بين قيمة السوق والثمن المسمى. كما أن الغابن إذا دفع الفرق إلى المغبون لا يجب عليه القبول والإمساك، بل يبقى على خياره، لأنه بعد أن ثبت بالدليل لا يسقط إلا برضاه وإرادته.
وتساءلوا: وفي حال الجهل بالغبن عند العقد، هل ظهور الغبن شرط شرعيّ لحدوث الخيار، أو كاشفٌ عقليّ عن ثبوته حين العقد؟ أي بمعنى آخر: هل إن حقَّ المغبون في فسخ العقد ثابت من حين العقد، وفي زمن الجهل بالغبن، أو أن هذا الحقَّ يوجد من حين العلم بالغبن، بحيث يكون العلم شرطًا شرعيًّا لوجوده؟.
وقد أجاب الإمامية: بأن الخيار حق وليس بحكم، وأن الآثار تترتب على الحق الواقعيّ من حيث هو، بغض النظر عن العلم به. وعلى هذا يكون الخيار ثابتًا للمغبون من حين العقد، وإن كان جاهلاً بالغبن، وبالتالي يكون تلف المبيع من مال الغابن الذي لا خيال له.
والخيار في فسخ العقد ثابت للمغبون على الفور، بحيث إذا اختار فسخ العقد فعليه أن يبادر إليه بمجرد علمه بالغبن، واطِّلاعه عليه. وإذا تأخر، من غير عذر يسقط حقه في الخيار، ويصبح العقد لازمًا.
موجبات سقوط شرط الخيار:
يسقط هذا الخيار بالأمور التالية:
1 ـ اشتراط سقوطه في متن العقد، لأن الخيار حق، ولكل ذي حق أن يسقط حقه.
2 ـ أن يسقط المغبون حقه بالخيار بعد العقدـ سواء أكان ذلك قبل الاطِّلاع على الغبن أم بعده، وسواء أسقطه بعوض أو بغير عوض، لأن الرضا مسقط للخيار.
3 ـ إذا تصرف المغبون في العين التي غُبن فيها تصرفًا ناقلاً وملزمًا، كالبيع والوقف، فإن حقه في خيار الفسخ يسقط مشتريًا كان أو بائعًا.
ـ وقال الحنفية: إن المبيع لا يرد في الغبن الفاحش إلاَّ في حالة الغرر، كأن يقول البائع للشاري: إن هذه السلعة من نوع معيَّن وبثمن كذا، ثم يتبيَّن أنها من نوع ثانٍ وتساوي أقل بكثير مما باعها، فللمشتري الحقّ في ردّها. وكذلك الأمر إذا قال المشتري للبائع: إن هذا الخروف مثلاً يساوي في السوق خمس جنيهات فصدقه وباعه له، ثم تبين أنه يساوي عشر جنيهات فإن للبائع الحق في فسخ البيع.
وقالوا: إن الغبن الفاحش هو ما لا يدخل تحت تقويم المقوّمين، كما إذا اشترى سلعة بعشرة فقوَّمها بعض أهل الخبرة بخمسة، وبعضهم بستة، وبعضهم بسبعة، ولم يقل أحد إنها بعشرة، فيكون الثمن لم يدخل تحت تقويم أحد. ولكن إذا قال بعضهم إنها تساوي سبعة، وبعضهم ثمانية، وبعضهم عشرة، فلا يكون هنالك غبن لأنها دخلت ضمن التقويم الذي قال به بعضهم.
وقال المالكية: المشهور في المذاهب أنه لا يرد المبيع بالغبن في الربح، ولو كان كثيرًا فوق العادة، إلاَّ في أمور:
أحدها : أن يكون البائع والمشتري قد أحسَّا بالغبن الفاحش وكيلاً أو وصيًّا، إذ للموكل أو المحجور عليه أن يرد المبيع إذا كان لا يزال قائمًا ولم يتغير، فإذا تغير فإن له الحقّ بالرجوع على البائع بالزيادة التي وقع فيها الغبن. وكذلك إذا باع الوكيل السلعة بنقص فاحش، فإن للموكل أن يستردها إذا لم يطرأ عليها ما يمنع الرد، وإلاَّ رجع بالنقص على المشتري، فإذا تعذر رجع به على البائع.
وهم يعدّون أن الغبن الفاحش يتحقق عندما تزيد السلعة على قيمتها زيادة بيّنة، أو تنقص نقصًا بيّنًا.
ثانيها : أن يستسلم المشتري للبائع كأن يقول له: بعني هذه السلعة كما تبيعها للناس. أو أن يستسلم البائع للمشتري بأن يقول له اشترِ مني كما تشتري من الناس، فإذا غبن البائع أو المشتري غبنًا فاحشًا كان لهما الحق في رد المبيع.
ثالثها : أن يستأمن البائع المشتري أو العكس، كأن يقول له: ما تساوي هذه السلعة من الثمن لأشتري به، أو أبيعها به؟ فإذا أخبره بنقص أو زيادة كان له الحقّ في رد السلعة.
ـ وقال الشافعية: الغبن الفاحش لا يوجب رد المبيع متى كان خاليًا من التلبيس، سواء كان كثيرًا أو قليلاً. على أن من السُنَّة يستند البائع أو المشتري إلى هذا حتى يغبن أحدهما صاحبه.
ـ وقال الحنبلية: يرد المبيع بالغبن الفاحش بالزيادة أو النقص في ثلاث صور.
الصورة الأولى : صورة الركبان: فقد روي عن النبي (ص) أن من تلقى الركبان(+) - وهم الذين كانوا يجلبون الطعام من بلد إلى بلد - واشترى منهم بأقل من قيمة السوق، مع جهلهم بذلك فصاحب السلعة بالخيار.
الصورة الثانية : بيع النَجْش(+) : وهو بيع حرام نهى عنه رسول الله (ص). فقد روي في الموطأ عن ابن عمر أن رسول الله (ص): «نهى عن بيع النجش»(+) . فإن كان البائع متواطئًا مع الناجش كما يفعل بعض التجار فإن الإثم يكون عليهما معًا، وإلا فإن الإثم يكون على الناجش وحده. أما إذا لم تزد السلعة على قيمتها فإنه لا يكون حرامًا.
الصورة الثالثة : أن يكون البائع والمشتري لا يعرفان بالأسعار ولا يحسنان المماكسة.
أما من يحسن المماكسة وله خبرة بالأسعار، فإنه لا حق له في رد المبيع ولو غبن فيه غبنًا فاحشًا. وحدّ الغبن الفاحش أن يزيد المبيع أو ينقص عما جرت به العادة.



Copyright © Samih Atef El-Zein 2010     VINTOB