العقود
الطبعة : الطبعة الثانية  
المؤلف : سميح عاطف الزين
عدد الصفحات :   800
تاريخ النشر :   2013




رأي ونداء

لعل القارئ الكريم قد تبيّن، من خلال البحث في أحكام الإرث، أننا قدَّمنا شروحاتٍ كافيةً من شأنها أن تمكِّن من فهم الفكرة العامة حول توزيع الأنصبة على مستحقي التركةِ. وقد حاولنا أن نقدم أمثلةً كثيرة حول كيفية هذا التوزيع، ولا سيما في الحالات التي يوجد فيها عدد كبير من الورثة، ومن ذوي الحقوق المختلفة، وذلك تبعًا لما قالت به المذاهب الخمسة: الشيعة الإمامية، والحنفية، والمالكية، والشافعية، والحنبلية. وتلك الشروحات والأمثلة بنظرنا توضِّح الاتجاهَ لدى كلّ من المذاهب المذكورة في توزيع أموال المتوفى.
وإذا كان لا بد من قول الحقيقة، وهي مراد المؤمن دائمًا، وغايته من أجل رضوان الله تعالى، فإن واقع الفقه الإسلاميّ يدل على وجود مسائل خلافية في الآراء ما بين الشيعة الإمامية من ناحية، والأئمة الأربعة من ناحية أخرى، لا بل عند الأئمة الأربعة في ما بينهم حول كثير من المسائل التي يعطونها أحكامًا متباينة، في حين يتفق هذا البعض منهم أو ذاك مع الشيعة الإمامية على عدد من المسائل. وهذا إن دلَّ على شيء، فإنما يدل على وجود أسبابٍ وخلفياتٍ عدة، كانت وراء التباين في الآراء، كما كنا قد أوضحنا في المجلد الثاني من هذه الموسوعة، عند البحث في الأسس التي اعتمدها الفقهاء في بناء الأحكام الشرعية.. وقد أشرنا في حينه إلى أن أهم الأسباب التي أَدَّت إلى الاختلافات كان ناتجًا من تفاوت فهم الأدلة الشرعية عند الفقهاء، ومن ثم اعتماد الأئمة الأربعة لأحاديثَ معيَّنة، ووثوقهم بمن أسندت إليهم تلك الأحاديث، وبالتالي أخذها والعمل بها، في حين لم يأخذ الشيعة الإمامية بتلك الأحاديث لعدم ثقتهم بالمرجع الذي أسندت إليه، وبالتالي رفضهم لها وعدم العمل بها.. ومن هنا كانت تلك الأحاديث، التي سوف نأتي على تبيانها، ركيزةً وسندًا أساسيًّا للفقه لدى الأئمة الأربعة، في حين لم تك شيئًا عند الشيعة الإمامية، وبنوا فقههم على أساس عدم صحتها بتاتًا....
وليس الاختلافُ على تلك الأحاديث هو السببَ فحسب في عدم توحيد الاجتهاد والفقه، بل إن الخلافات التي وقعت بين المسلمين، في زمن الصحابة والتابعين، كانت هي الأخرى عاملاً أساسيًّا في ذلك. وقد تركت آثارها السيئة على مسيرة الأمة جمعاء في مختلف النواحي السياسية، والعسكرية، والاقتصادية، كما انعكس تأثيرها السلبيّ على الأحكام الشرعية، فحصل الاختلافُ في الرأي، والتباينُ في الحكم الشرعيّ.
الخلافات وآثارها:
لقد وقع في عهد الصحابة والتابعين حادثان مهمّان، كان لهما التأثير البالغ في نشوء الخلافات بين المسلمين:
أحدهما فتنة مقتل الخليفة الثالث عثمان بن عفان (رضي).
وثانيهما المناظرات التي حصلت بين الفقهاء، وأدت إلى تكريس الاختلاف حول الأدلة الشرعية ومصادرها. وأفضت النتائج التي ترتبت على ذلك إلى نشوء أحزاب سياسية جديدة، وإلى تعدد المذاهب الفقهية.
أما من حيث الخلافات السياسية فإن مقتل عثمان (رضي)، ومبايعة عليّ (عليه) بالخلافة، ومنازعة معاوية بن أبي سفيان لعليٍّ عليها، كل ذلك أدَّى إلى إشعال الحرب بين المسلمين، وانقسامهم فريقين: فريقٍ يناصر الخليفة عليًّا (عليه) وفريقٍ يناصر معاوية بن أبي سفيان. حتى إذا كانت واقعـة صفين، ولم يبق إلاَّ القليلُ على هزيمـة معاويـة وأعوانه، إذا بالمصاحف ترتفع من جماعة معاوية طلبًا للتحكيم. وقد انتهى ذلك التحكيم، كما هو معروف، بخديعة عمرو بن العاص (ممثل معاوية) لصاحبه أبي موسـى الأشـعريّ (ممثل عليّ (عليه)) وظهور الفتنة القاتلة بين المسلمين التي شقتهم إلى فرق متعددة، أو إلى أحزاب سياسية جديدة، كان لكل منها آراؤه، التي تختلف عن آراء الآخرين، وهي في مجملها جديدة على المسلمين، ولم يعرفوها من قبل.
وتلك الفتنة التي ابتدأت يوم التحيكم هي التي لا تزال مستمرة بين المسلمين، على الرغم انقضاء ما يزيد على أربعة عشر قرنًا من الزمان.. إذْ لولا نزعةُ معاوية الجاهلية، ومؤازرة عمرو بن العاص له في العصبية، لما كان حصل الذي حصل، ولما آل أمر المسلمين إلى ما هم عليه اليوم من تفرقةٍ مذهبيةٍ، ونزاعاتٍ، وضعفٍ في الصفوف.
وهكذا فإن الخلاف قد اشتدَّ سياسيًّا، حول الخليفة والخلافة، ثم انعكس على الأحكام الشرعية وأدلتها.
أما نشوء الجماعات الإسلامية، أو الأحزاب السياسية الجديدة في الحقيقة، فالتاريخ الإسلاميّ يشهد بأن المسلمين كانوا صفًّا واحدًا، وبناءً متماسكًا، حتى خلافة عثمان بن عفان (رضي)، فقامت جماعة تشجب سياسته في الحكم، وتطالب بإقصاء أقاربه وبطانته عن أمور الخلافة، إلى أن وصل بها الحال إلى قتله في داره.
وما إن تولَّى عليّ (عليه) الخلافة حتى قامت جماعة أخرى تناصبه العداء، متهمةً إياه بأبشع الأباطيل. ورؤساء هذه الجماعة يعرفهم المسلمون حق المعرفة. حتى إذا وصلت الحال بالمسلمين إلى القتال في واقعة الجمل، ومن بعدها في واقعة صفين، وإلى ما آل إليه الأمر من فرض التحكيم ونتائجه على عليٍّ (عليه)، قامت جماعةٌ جديدةٌ ناقمةٌ على عليّ (عليه)، وعلى معاوية.. واتفقت تلك الجماعة على قتل عليّ (عليه) ومعاوية معًا. وقد توصّلت إلى قتل عليّ (عليه) على يد ابن ملجم، الذي ترصَّده حتى وافاه بضربة سيف على رأسه، وهو ساجد لربه في صلاة الفجر، في مسجد الكوفة، أدت إلى وفاته. بينما فشلت في القضاء على معاوية، مما ساعده على تولي الخلافة بالقوة والمكر.
والرأي الذي سارت عليه هذه الجماعة هو أن الخلافة بيعة اختيارية، ينصِّب فيها المسلمون خليفةً عليهم، بمحض اختيارهم من دون أي إكراه. وكلّ من توافرت فيه الكفاءة للخلافة يصلح أن يكون خليفةً يبايعه المسلمون. وتنعقد له الخلافة بالبيعة ما دام رجلاً مسلمًا عادلاً سياسيًّا، ولو كان عبدًا حبشيًّا. ومن آرائهم أن طاعة الخليفة واجبةٌ إذا كان أمره في حدود الكتاب والسنّة، فإذا تجاوزهما فلا طاعة له. وهؤلاء هم الخوارج. وهم لا يأخذون بالأحكام التي وردت في الأحاديث التي رواها عثمان (رضي)، أو عليّ (عليه)، أو معاوية، أو أي صحابيّ ناصرَ واحدًا من هؤلاء الثلاثة، وروى أحاديثهم وفتاويهم. وقد رجَّحوا كلَّ ما روي عمَّن رضوا عنه، وعدّوا رأيه، ووثقوا بعلمائهم من دون غيرهم. ولهم فقه خاص.
ولقد بقيت جماعةٌ من المسلمين على حبها وتأييدها لعليّ بن أبي طالب (عليه). وهؤلاء هم الشيعة الإمامية، الذين والَوْا عليًّا وذريته عترةَ رسول الله (ص)، ورأوا أنه وذريته - من فاطمةَ بنتِ رسول الله (ص) - أحقُّ بالخلافة من كل أحد. وحجتهم في ذلك أن الرسول (ص) أوصى إلى عليّ بالخلافة، في غدير خمّ، بعد العودة من حجة الوداع، وذلك على مرأى ومسمعٍ من المسلمين، وبحضور كلّ الصحابة الذين رافقوا الرسولَ (ص) في تلك الحجة.
وقد أخذ الشيعةُ الإماميةُ بالأحاديث التي نقلها عن رسول الله (ص) جمهورُ الصحابة، ما عدا بعض الأفراد فإنهم لم يعوِّلوا على آرائهم. وكان أكثر اعتمادهم على الأحاديث التي رواها أهلُ البيت (ص)، ومن ناصرهم واقتدى بهم من الصحابة الكرام. وقد أخذوا بالفتاوى التي صدرت عن أهل البيت وأصحابهم ومن دار في فلكهم، وهي تشكل فقههم الخاص.
أما جماعة المسلمين، من أهل السنّة، فهي التي رأت أن الخليفة يجب أن يكون من قريش - إن وُجِد ـ. وقد حملت كلّ أكبارِ ومحبةٍ للصحابة جميعهم. وكان تأويلها للخصومات التي وقعت بين الصحابة، على أنها خصوماتٌ اجتهادية، في أحكام شرعية ظنيّة، ولا ترتبط بكفر أو إيمان. ولذا فقد احتجَّت بكل حديث صحيح رواه أيُّ صحابيّ، من غير أيّ تفريق بين هذا الصحابيّ أو غيره، لأن أصحاب النبيّ (ص) في اعتقادها، كلّهم عدول ولذا فقد أخذت بفتاوى جميع الصحابة وآرائهم من دون أيّ استثناء.
وما يؤخذ على هذا الاتجاه أنه قال برأيين للعلماء في معنى «الصحبة». فعمل بالرأي الذي يقول بأن الصحبة تتحقق وتثبت لكل واحد لقي النبيّ (ص)، وآمن به، ومات على الإسلام، سواءٌ أروى عنه أم لم يروِ، أو غزا معه أو لم يغزُ. أي إن كلَّ من رأى النبي (ص)، حتى ولو لم يجالسه، فهو صحابي.
ولم يعمل بالرأي الثاني الذي يقول بأن الصحبة لا تتحقق، ولا تثبت إلاَّ لمن لازم رسولَ الله (ص) سنةً أو سنتين، وغزا معه غزوةً أو غزوتين، وأنس الرسولُ (ص) بصحبته.
يقول أبو حاتم عن الصحابة: «شرَّفهم الله - عزَّ وجلَّ - بما منَّ عليهم، وأكرمهم به، من وضعِهِ إياهم موضع القدوة، فنفى عنهم الشدَّة، والكذب، والغِلظة، والريبة، والغمز، وسماهم عُدولَ الأمة»(+) .
ولو أننا أخذنا بالرأي الثاني، أو بما قاله أبو حاتم، في تعريف الصحابة، لكان سقط عدد كبير من الذين نأخذ عنهم الحديث، لعدم انطباق صفات الصحابيّ عليهم ثم لو أننا أخذنا بالرأي الأول لكان بينهم الرجل الجليل والرجل الجاهل، والصدوق والكذوب ومتوسط الحال، ومن أظهر إسلامه وأبطن خلافه.. فلا بد إذن من التمحيص ومعرفة تراجم الصحابة واحدًا واحدًا.
ونحن نقول لا أحد يجرؤ أن يدانيَ صحابة رسول الله (ص). فهم القمم الشامخة، بعلمها وخلقها وجهدها وجهادها، وهم يوم نزلت الرسالة الإسلامية آمنوا بها وأحاطوها بالإخلاص والتفاني، وحفظوها بالقلوب قبل الأيدي، ونقلوها إلى الناس بكل أمانة ووفاء، فكان حقًّا على المسلمين أن يأخذوا عنهم الأحاديث التي رووها عن رسول الله (ص)، والتي تعبِّر، هي والقرآن الكريم، عن مفاهيم الإسلام الحقة، وقيمه السامية.. وهذا يقتضي من علمائنا أن يتبيّنوا من الصحابيّ، الذي كان ملازمًا لرسول الله (ص)، وأخذ عنه ونقل ما أخذ بأمانةٍ وصدق، حتى يمكننا أن نأخذ بدورنا عنه مفاهيم ديننا الصحيحة، فلا نقع في مغالطات تجرُّ إلى الإثم والتفرقة..
وليس أدلّ من القرآن الكريم على تعريف صحابة رسول الله (ص)، وذلك عندما يصفهم، ربُّ العالمين بقوله تعالى: {مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَاناً سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا*}(+) .
فهؤلاء الصحابة - رضوان الله عليهم - قد ثبتت صفاتهم في كتاب الله تعالى: فهم أشداء على الكفار، ولو كان بين هؤلاء من هم آباء لهم أو إخوة أو ذوو قرابة، لأنَّهم قطعوا هذه الوشائج كلها. وصاروا رحماء بينهم لأنهم إخوة في الدِّين. وهم عابدون لِلّه تعالى، يؤدون صلواتهم، كما يؤدون سائر واجباتهم الدينية، حتى لكأنهم يقضون زمانهم كله في العبادة ابتغاءَ فضل الله تعالى ورضوان. وهذه هي حقيقة مشاعرهم الدائمة الثابتة، فهم لا يتطلعون إلى شيء وراء رضوان ربهم عزّ وجلّ. ترى في وجوهم وضاءة، وإشراقًا، وصفاءً، حتى لكأنما ينبعث النور منها، وذلك من أثر الخشوع والعبودية الصحيحة لله تعالى في أكمل صورها، فتتبدَّى بتلك النورانية التي تعكس ما في داخل النفس على ملامح الوجه.
وصفات هؤلاء المصاحبين لرسول الله (ص) هي صفات أهل الإيمان الحقّ الذين تجد مثلهم في التوراة، ومثلهم في الإنجيل، وكما يصورهم القرآن الكريم في آخر مطافٍ للرسالات السماوية: فهم يزدانون ، ويتسامون بإيمانهم وخُلقهم، كما يتنامى الزرع ويقوى، ليخرج ثمرَهُ مستويًا على سوقه. وهذه الصورة الحية للصحابة، لها تأثيرها الفاعل في النفوس، تمامًا كما أنّ للزرع النامي تأثيره في نفوس أهل الخبرة من الزُّراع. أما وقعها في نفوس المؤمنين فوقع البهجة والإعجاب والقدوة، في حين أنه في نفوس الكفار الغيظ والكمد والقهر.
قال الواحدي: «إن هذا مثل ضربه الله تعالى بمحمدٍ (ص) وأصحابه. فالزرع محمد (ص)، والشطءُ أصحابه، والمؤمنون حوله. وقد كانوا في ضعفٍ وقلَّةٍ كما يكون أول الزرع دقيقًا، ثم غلظ وقوي واستوى الزرع، فكذلك المؤمنون قوّى بعضهم بعضًا حتى استغلظوا واستووا على أمرهم»(+) . وما يهمنا فيما قاله الواحدي هو: «أنه مثلٌ ضربه الله تعالى بمحمدٍ (ص) وأصحابه». فيكون تعريف القرآن للصحابة، تعريفًا جامعًا، شاملاً، مانعًا. وكل من توافرت فيه الصفات التي ذكرها كتاب الله تعالى، كان الصحابيَّ الحقَّ الذي يؤخذ عنه الحديث، والصالحَ لأن يكون المثالَ الذي يقتدى به لتأكيد مفهوم الصحبة.
هذا بخصوص الصحابة وتعريفهم.. وقد كانوا مثار اختلاف بين المسلمين، لعدم الإجماع على تعريف الصحابيّ..
ـ أما بخصوص المناظرات التي حصلت بين العلماء، فهذه بدورها أدت إلى اختلافات في الفقه، وإن لم ترتدِ في الظاهر طابع الخلافات السياسية، مع أنها في الحقيقة لم تخلُ من التأثيرات السياسية وفقًا للأجواء التي عاشها كل فقيه، وأثرت فيه، أو تأثر بها بحسب ما كان يهدف إليه من مناصرة هذا الخليفة أو ذاك، أو حبِّ هذه الجماعة الإسلامية أو تلك.. وتلك المناظرات، وإن لم تبحث في أساس المشكلة، أي في الخلافة والحكم، فإنها كانت مثارًا للاختلاف حول الأحكام الشرعية وأدلتها، وطرائق استنباطها. وقد كان من آثار ذاك الاختلاف ما يلي:
ـ أن بعض الفقهـاء قال إن الأدلة الشـرعية لا تتعـدى الكتاب، والسنة، والإجماع، والعقل. وإن الإجماع والعقل - من حيث رجوعهما إلى الكتاب والسنّة - إنما يكشفان عن وجود دليل شرعيّ.
ـ وأن بعضهم قال إن الأدلة الشرعية هي: الكتاب والسنّة، والإجماع، والقياس، والاستحسان، ومذهب الصحابيّ، وشرع من قبلنا.
ـ وأن بعضهم قال إن الأدلة الشرعية هي فقط: الكتاب، والسنّة، والإجماع.
ـ وأن بعضهم قال إن الأدلة الشرعية هي: الكتاب، والسنّة، والإجماع، والقياس، والمصالح المرسلة.
من ذلك كله يتبين أن الفتنة التي ابتدأت بالاقتتال بين المسلمين، في أول الأمر، قد أوجدت حالة سياسية، وفقهية، كان لها تأثيرها البالغ في الاختلاف بين المسلمين، وما جرَّه هذا الاختلاف، على مدار تاريخهم، من عواقب وخيمة.. لكنه - والحمد لله رب العالمين - لم يكن قطّ اختلافًا على الشريعة، بل كان اختلافًا على فهم الشريعة، وكيفية تطبيق أحكامها. لذلك كان المختلفون جميعًا مسلمين، وإن تجاوز اختلافهم الفروعَ والأحكامَ إلى الأصول، والأدلة، وطريقة الاستنباط..
ونذكر هنا من تلك الأحكام ثلاثةً، كانت مدار أبحاث سابقة، وهي التي تتعلق: بالزواج والطلاق، وبالنكاح المؤقت، وبتقسيم التركة.. وهي تُظهر بصورة جليّة أن الاختلاف في هذه الأحكام إنما كان مرده إلى العمل بالأحاديث العائدة لها من قِبَل فقهاء السنّة وإضعافها من قِبَل فقهاء الشيعة الإمامية..
وأبرز الأحاديث التي كان مثار الاختلاف حولها هي:
1 ـ الحديث المتعلق بالزواج والطلاق، وهو الحديث الذي رواه أبو هريرة عن الرسول (ص): «ثلاثٌ جدهنَّ جدّ، وهزلهنَّ جدٌّ: النكاح، والطلاق، والرجعة»(+) .
2 ـ الحديث المتعلق بالنكاح المؤقت، وهو الذي رُوي عن سبرة بن معبد الجهني أنه قال: «إن رسول الله (ص) نهى، في حجة الوداع، عن نكاح المتعة»(+) . وعن سلمة بن الأكوع أنه قال: «رخص لنا رسول الله (ص) في متعة النساء عام أوطاس ثلاثة أيام ثم نهى عنها»(+) .. وقد روى غيرُهما أحاديثَ كثيرة حول المتعة، لكنَّ أبرزها كان الحديث المروي عن سبرة بن معبد الجهني.
3 ـ الحديث المتعلق بتقسيم التركة، وهو الذي رواه طاوس بن كيسان، عن ابن عباس، عن النبيّ (ص) أنه قال: «ألحقوا الفرائض بأهلها، فما تركت الفرائض فلأَوْلى رجل ذكر»(+) كما رُوي الحديث نفسه عن طاوس بالذات، وعن ابن عباس، أن رسول الله (ص) قال: «ألحقوا الفرائض بأهلها فما بقي فهو لأَوْلى رجل ذكر»(+) .
وهنا لا بد من إبراز الملاحظات التالية:
الأولى : أن الحديث الذي رواه طاوس ورد فيه أولاً «فما تركت»، وورد فيه ثانيًا «فما بقي».. أي إن الحديث نفسه فيه اختلاف في الألفاظ.. وإن كان في مجمله لا يعني إلا شيئًا واحدًا مفهومًا وواضحًا، وهو أنه ما فضل عن أصحاب الفرائض، عند تقسيم التركة، يعطى لأَوْلى رجل ذكر من قرابة المورِّث.
الثانية : الأثر الذي خلَّفه حديث طاوس بن كيسان على توزيع الإرث، فطاوس هو الوحيد الذي روى هذا الحديث. أما كيف تفرَّد عن سائر الرواة بذلك، فهذا علمه عند الله تعالى.. ولولاه لكان المسلمون جميعًا من شيعة وسنّة يسيرون مسارًا واحدًا في معظم تقسيم الإرث، بحيث لو أن الشيعة الإمامية وثّقوا حديثه لتوحد الحكم الشرعيّ في معظم تقسيم التركة، ولو أنّ أهل السنة ضعَّفوا حديثه، لكانوا عملوا إنْ لم يكن بجميع ما توصّل إليه الشيعة الإمامية، فبمعظمه.
الثالثة : الاختلاف حول شخصية طاوس بن كيسان من حيث قوة الإسناد إليه أو ضعفه. وقد ورد في ذلك قولان:
ـ الأول ما جاء في «تذكرة الحفاظ» للإمام شمس الدين محمد الذهبي، الجزء الأول، رقم 79: «طاوس بن كيسان هو أبو عبد الرحمن اليمانيّ الجنديّ كان رأسًا في العِلم والعمل، وكان شيخ ومفتي أهل اليمن. سمع زيد بن ثابت، والسيدة عائشة، وزيد بن أرقم، وأبا هريرة، وابن عباس».
ـ والثاني ما جاء في «ميزان الاعتدال في نقد الرجال» - جزء ثالث رقم 6948 (بالاستناد إلى عدة مراجع): «أن طاوس بن كيسان كان ضعيف الحديث».
أيها المسلمون!...
قال الله تعالى: {إِنَّ فِي هَذَا لَبَلاَغًا لِقَوْمٍ عَابِدِينَ*}(+) .
صدق الله العظيم
إن في القرآن الكريم لَبلاغًا، وكفاية للعابدين الطائعين المستعدين للتلقِّي والانتفاع، اهتداءً إلى النور المبين، والطريق الحقّ. فالبلاغ هو السبيل السويّ لبلوغ الحقّ، ذلك البلاغ الذي يكون عن طريق القرآن الكريم. وما دام القرآن هو كتاب الإسلام، فمن الطبيعي أن يكون الإسلام والحق صنوين لا يفترقان، ومن البديهي أنّ من اهتدى بالإسلام، أكان من السُنَّة أم الشيعة عُدّ، بفضل الله، من أهل الحق.
فيا أهل السلام!
إنكم جميعًا، باختياركم الهدى بكتاب الله والسُنَّة النبوية، قد صرتم، بفضله تعالى، من أهل الحقّ.
وأنتم يا علماء السُنَّة والشيعة إنَّ رسالتكم عظمى، ومسؤوليتكم أجلُّ وأعظم.
أمّا الرسالة العظمى التي حُمِّلتموها فتتجلَّى في التوحيد ولَمِّ الشمل وجمع المسلمين على البرِّ والتقوى.
وأمّا المسؤولية التي تقع على عواتقكم فتكمن في الاجتماع للدرس والتدقيق، والبحث والتمحيص في الأحاديث النبويّة الشريفة وتقديمها ذخرًا للأمة في مجموعة واحدة موحَّدة، تمامًا كما هو كتاب الأمة واحدٌ موحّد والحمد لله.
وبذلك فإن الله سبحانه وتعالى سوف يرى اجتماعكم من عليائه، ويبارك لكم في عملكم الصالح، ويهديكم إلى الطريق الصحيح إن أخلصتم له النية والعمل. ولسوف تصلون إن شاء السميع البصير، إلى تحقيق هذا الهدف السامي في الحياة الإسلامية، فيجزيكم منه تعالى فضلاً ورضوانًا لا ينقطعان.
أيها المسلمون!..
مؤلفات كثيرة وكثيرةٌ تلك التي اهتمت بجمع وتصنيف أحاديث رسول الله (ص)... ونحن نقول بارك الله بجهود أولئك المؤلفين، الذين عملوا على جمع تلك الأحاديث وتحقيقها، وشرحها. وكانت غايتهم نبيلة لأنها تتوخى رضوان الله سبحانه، وطاعته، وحبَّ رسوله (ص) وطاعته، وخير المسلمين..
ولكن ألا يحقّ لنا، من أجل الغاية نفسها، أن نتساءل: هل إن جميع الذين عنوا بالأحاديث قد وفقوا في أعمالهم لناحية صحة الحديث، والثقة بالسند والراوي، والدقة في ألفاظه ومعانيه؟ وإلاَّ فلماذا كل تلك الاعتراضات من هذه الجماعة أو تلك، وعدم الأخذ بصحة كل ما ورد من المؤلفات؟!
وليس هذا هو المقصود في الحقيقة، لأن الأهم في حياتنا الإسلامية أن نحقق في الأحاديث التي رويت عن سيدنا رسول الله (ص)، ونتثبت من متنها وسندها. فإذا كان المتن - أي مفهوم الحديث وألفاظه - يخالف ما نصَّ عليه القرآن الكريم، نردّه ولا نهتمّ برواته، لأنه في هذه الحالة، لا يمكن أن يكون صادرًا عن رسول الله (ص)، فهو رسول الهدى، ولا ينطق عن الهوى. أما إذا كان الحديث لا يخالف نص كتاب الله تعالى، فعلينا التحقق كلّ التحقق، من الأشخاص الذين روَوْه، أو نقلوه. وهذا متوافر عند المسلمين، من خلال كتب سير الرجال، ودراسة حياتهم ومآثرهم. وعلينا أن تكون عنايتنا منصبَّة، بشكل خاص، على حياة الصحابة رضوان الله عليهم لأنهم الأجدر بأن نأخذ عنهم أحاديث رسول الله (ص).
ولو صدقت النوايا، عند علماء المسلمين، في العصر الحاضر، وجاؤوا من جميع المذاهب، ولا سيما المذاهب الخمسة المعتمدة عند معظم المسلمين، أقول لو جاؤوا ليجتمعوا على كلمة حق، ويعملوا على تعريفٍ واحدٍ للصحابيّ الذي يأخذون عنه الحديث، لكان الكثير من مشاكلنا الفقهية يهون ولوجدنا له الحلول. وليس ذلك الإجماع بعسير ما دلت الأدلة التي تُستنبط منها الأحكام الشرعية مصدرها الرئيسيّ: الكتاب والسنّة، وهذا ما لا جدال فيه عند المسلمين كافة.
أما الإجماع الذي لم يخلُ منه مذهب من المذاهب، فهو ما يكشف عن دليل: أي عن فعلٍ أو قولٍ لرسول الله (ص)، أو سكوته عن قول أو فعل. فلا يكون الإجماع دليلاً بحدِّ ذاته. بل يكشف عن دليل، أي إنه يكون بالتالي تابعًا للسنّة النبوية الشريفة. نقول ذلك، لأن الكتاب واحد، لا ريب فيه، وهو قول الله تعالى، وقد أنزله على رسوله (ص) وحفظه، فقال تعالى: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ*}(+) . والله تعالى عندما يحفظ كتابَهُ، فإن أيدي السوء لا تستطيع العبث به أو التحريف في نصوصه. وهو في الأصل: {لاَ يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلاَ مِنْ خَلْفِهِ}(+) .
والسُنَّة بدورها، هي سُنَّة محمد رسول الله (ص)، في كل قول، أو فعل، أو تقرير، قام به (ص) منذ أرسله الله تعالى بشيرًا ونذيرًا، وهاديًا إلى الله بإذنه وسراجًا منيرًا.. والسُنَّة النبوية الصحيحة هي ما نقلها لنا، ولمن سبقنا، الصحابةُ الكرام، سواء عن طريق الروايات أو الكتابة.. ومن هنا كان الاتفاق على تعريف «الصحابيّ»، الذي نأخذ عنه الحديث، أمرًا مهمًّا وضروريًّا، لأنه يتوقف عليه تصحيح المسيرة.
من هنا كان تأكيدنا بأن الواجب الدينيّ يفرض على علماء المسلمين أن يجتمعوا - اليوم وقبل الغد - للتدقيق والتحقيق في كل الآثار التي أنتجها المفكرون المسلمون، حتى يتفقوا على تعريف واحدٍ جامعٍ ومانعٍ للصحابيّ، وبالاستناد إلى هذا التعريف يمكن تحديد الصحابة الكرام الذي تؤخذ عنهم الأحاديث. وعندها، أي بمثل هذا العمل القيِّم والمهم، سوف يجد المسلمون، في مشارق الأرض ومغاربها، أن علماءهم قد قدَّموا لهم مجموعة الأحاديث النبوية الموحَّدة، التي يمكن أن يعتمدها العالِمُ، والفقيهُ، والحاكمُ في العالم الإسلاميّ، بل كل إنسان مسلم يسير على هدى الله تعالى، وهدى رسوله الكريم. والله - عزَّ وجلَّ - يبارك حينئذٍ جهود علمائنا، واتفاقهم على وحدة الكلمة، التي سوف تقودهم، هم أولاً - والأمة جمعاء من ورائهم - لأن يجدوا أنفسهم في موقع القوة تجاه أعداء الإسلام والمسلمين، والكل يدٌ واحدة، وقلبٌ واحد، وجسدٌ واحد. وعندئذٍ يصحُّ فيهم ما ورد في الأثر: «إنما المسلمون كالجسد الواحد». والجسدُ الواحد يُوَجَّهُ دائمًا بعقلٍ واحدٍ، وقلبٍ واحد. ولا يكون له إلا هدفٌ واحد هو إعلاء كلمة الله، وغايةٌ واحدة هي رضوان الله تعالى.
cetirizin netdoktor cetirizin csepp cetirizin hund dosis



Copyright © Samih Atef El-Zein 2010     VINTOB