العقود
الطبعة : الطبعة الثانية  
المؤلف : سميح عاطف الزين
عدد الصفحات :   800
تاريخ النشر :   2013




الـوقـف

الوقف، والتحبيس، والتسبيل، جميعها، بمعنًى أساسيّ واحد.
والوقفُ يُجمع على: وقوف وأوقاف. والفعل منه وقَفَ.
والوقفُ، لغةً، هو الحبسُ والمنع، يقال: وقفت كذا: أي حبسته. ووقفت عن السير، أي امتنعت عنه. وفي الشرع: الوقفُ هنا نوعٌ من العطيّة يقضي بتحبيس الأصل، وتسبيل المنفعة.
ومعنى تحبيس الأصل: المنعُ عن الإرث، وعن التصرف في العين الموقوفة بالبيع، أو الهبة، أو الرهن، أو الإجارة، أو الإعالة، وما إلى ذلك..
أما تسبيلُ المنفعة: فهو صرفُها على الجهة التي عيّنها الواقفُ من دون عوض.
مشروعية الوقف:
قال الله تعالى: {لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ}(+) .
وقال رسول الله (ص): «إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقةٍ جاريةٍ، أو علمٍ يُنتفع به، أو ولدٍ صالح يدعو له»(+) . وقال جعفر الصادق (عليه): «خيرُ ما يُخلِّفه الرجلُ بعده ثلاثة: «ولدٌ بارُّ يستغفرُ له، وسُنَّةُ خيرٍ يُقتدَى به فيها، وصَدقةٌ تجري من بعده». ويدخل الوقف هنا في الصدقة الجارية.
وعن ابن عمر: «أن أباه عمر أصاب أرضًا في خيبر، فسأل الرسول (عليه) قائلاً: يا رسول الله، أصبت أرضًا بخيبر لم أُصب مالاً قطّ أنفسَ عندي منها، فما تأمرني؟ فقال له (ص): «إن شئت حبست أصلها، وتصدَّقت بها» ، فتصدق بها عمر، على ألاَّ تباعَ، ولا توهبَ، ولا تورّثَ، بل في الفقراء، وذوي القربى، والرقاب، والضيف وابن السبيل، ولا جناح على من وليها أن يأكل منها بالمعروف، ويُطعم غيرَ متمثّل»(+) وهذا يعني أنه غير متّخذٍ منها مالاً، أي ملكًا.
التأبيد والاستمرار:
اتفق جميع الأئمة - ما عدا المالكية - على أن الوقف لا يتحقق إلا إذا أراد به الواقفُ التأبيدَ والاستمرار، ولذا يعبر عنه بالصدقة الجارية، فلو حدَّد بأمدٍ معيَّن، كما لو قال: هذا وقف إلى عشر سنوات، أو قال: على أن أسترجعه متى شئت، أو عندما أحتاج إليه، وما إلى ذلك، فلا يكون وقفًا بمعناه الصحيح.
وقد ذهب كثير من الفقهاء الإمامية إلى أنه يبطل وقفًا، ويصبح حبسًا، إذا قصد صاحبُ العين الحبس. والفرق بين الوقف والحبس، أنه في الوقف يزول الملك عن الواقف كلية. ولذا يمتنع إرثُ العين، وغيره من التصرفات في الوقف. أما الحابس، فالعين تبقى على ملكيته، وتباع، وتورّث إلى ما هناك من التصرفات التي تجري على الملك..
أما في رأي المالكيّة: فلا يُشترط في صحة الوقف التأبيدُ، بل يصحّ ويلزم مدة تعيينه، إلى سنةٍ مثلاً، ثم يعود بعدها، ملكًا لصاحب العين.
أركانُ الوقف:
للوقف أركان أربعة: الصيغة، توافر الشروط في الواقف، ملكية العين الموقوفة، تعيين الموقوف عليه.
1 - الصيغة: اتفق جميع الأئمة على أن الوقف يتحقق بلفظ: «وقفت» لأنه يدل على الوقف صراحة. أما إذا كان بلفظ: حبست، وسبَّلت، وأبَّدت، وما شابه، فإنه يحتاج إلى قرينة على تحققه، سواء كانت القرينةُ لغةً، أو شرعًا، أو عرفًا، وذلك لكي تدل على الوقف حقيقةً.
أ - المعاطاة: قال جماعة من كبار الإمامية، وتابعهم الحنفية والمالكية والحنبلية: يكفي مجرد الفعل، حتمًا ولو من دون لفظٍ معيَّن، وتصير العين وقفًا به. كما لو بنى أحدهم مسجدًا وأذَّن للصلاة فيه. أو كما لو سمح شخص لأحدٍ من أهل محلته أو قريته بدفن قريب له في أرض له، ونيَّة هذا الشخص وقفها مقبرةً لأهل المحلة أو القرية، من دون أن يقول: وقفت. فهنا يتحقق الوقف بفعل التعاطي مع الأمر الواقع.
أما الشافعية فقالوا: لا يتم الوقف إلا بالصيغة اللفظية(+) .
ب - القبول: هل يتحقق إنشاء الوقف بإرادةٍ واحدة، منفردة، أو لا بد من إرادتين متوافقتين؟..
هنا يفرّق بين الموقوف له إذا كان معيَّنًا أو غير معيَّن.
ـ فقال الأئمة الأربعة: إذا كان المالُ الموقوفُ غيرَ معيّن لأحدٍ فلا يحتاج إلى قبول، كبناء المسجد.
أما إذا كان معيَّنًا لإنسان محدد فإنه، عند المالكية وأكثرية الحنبلية، كغيره لا يحتاج إلى القبول. في حين أن المرجّح، عند الشافعية، اشتراطُ القبول.
ـ وقال الإمامية، مثل الشافعية، باشتراط القبول.
ج - التنجيز: قال أكثر الإمامية بوجوب التنجيز، وعدم جواز التعليق. فمثلاً إذا قال الواقف: إذا متُّ فهذا وقف، فإنه لا يصير وقفًا بعد الموت. أما إذا قال: إذا متُّ فاجعلوا هذا وقفًا، فيكون وصيةً بالوقف، وعلى الوصيّ أن ينفّذ، وينشئ الوقف.
ـ وقال المالكية: يجوز أن يكون الوقفُ معلقًا على شرط، فإذا قال المالك: إذا جاء الوقتُ كذا فداري وقفٌ، صحَّ وتمَّ الوقف. في حين قال الحنفية والشافعية: لا يصح التعليق، بل يجب أن يكون الوقفُ مطلقًا، فإذا كان معلقًا تبقى الدار لصاحبها.
ـ وقال الحنبلية: يصح التعليق على الموت فقط. كما لو قال: هذا وقف بعد موتي، صارت الدار وقفًا بتحقيق موته. ولا يصح في ما عدا ذلك.
2 - شروط الواقف: اتفق جميع الأئمة على أنه لا يصح وقفُ المجنون، لنفي التكليف عنه، وعدم الأخذ بمقاصده، وأقواله وأفعاله.
كما اتفقوا على أن البلوغَ شرطٌ لصحة الوقف، فلا يجوز وقف الصبي: مميزًا كان أو غير مميز. ولا يحق لوليه أن يقف عنه. ولا للقاضي أن يتولى ذلك، أو يأذن به.
أما الإمامية فقد ورد عن محمد الباقر (عليه) قوله: «إذا أتى على الغلام عشر سنين فإنه يجوز في ماله ما أعتق أو تصدّق أو أوصى على حدٍّ معروف وَحقٍّ فهو جائز»(+) .
واتفقوا أيضًا على أنه لا يصح وقفُ السفيه، لأنه يُعدّ من التصرفات المالية، وهو ممنوع منها. لكن الحنفية أجازوا وقف السفيه بالوصية، فقالوا: يصح أن يوصيَ السفيهُ من ماله بالثلث، شرط أن تكون الوصيةُ في وجه البر والإحسان، سواء أكان بالوقف، أم بغيره.
أ - القصد، أو النيَّة عند الواقف:
القصدُ في الوقف شرطهُ لأجل تحققه، فإذا تلفظ به السكران، أو النائم، أو المغمى عليه، أو العابث، فإنه يكون لغوًا لا قيمة له، ولا يتحقق به الوقف.
واختلف الأئمة في نيَّة القربة:
ـ فقال الإمامية: إن القربة لله تعالى ليست شرطًا لصحة الوقف، ولا لقبضه، بل تكون بنيَّة الأجر والثواب عليه، ولذا يتم الوقف من دونها(+) .
ـ وقال الحنفية: إن القربة شرط في الحال أو المآل، أي إن الموقوف يجب أن يُصرف على وجوه البر، إما حالَ الوقف، وإما بعدَه، كما لو وقف على الأغنياء الموجودين، ومن بعدهم على أولادهم الفقراء. لذلك قال الإمام مالك، والإمام الشافعي: «لا يُشترطُ في الوقف نيَّةُ القربة»(+) .
ـوقال الحنبلية: يُشترطُ أن يكون الوقفُ على برٍّ وقربة، كالمساكين، والأقارب، والمساجد، والمدافن، وكتب العلم، لأنه شرع لتحصيل الثواب، فإن لم يكن، لم يحصل المقصود الذي شُرِّع من أجله.
ب - إرادة الواقف:
قال الأئمة: إذا كان الوقف عطيةً، وتبرعًا، وصدقةً، يكون الواقفُ، والحالة هذه، معطيًا ومتبرعًا، ومتصدقًا، وبديهيٌّ أن للإنسان العاقل، البالغ، الرائد، سليم العقل، غير المحجور عليه في التصرفات المالية (أي للسفه)، أن يتبرَّع من أمواله ما يشاء إلى من يشاء، وعلى النحو الذي يراه. وفي الحديث: «الناس مسلَّطون على أموالهم»(+) . وقال الإمام علي (عليه): «الوقوف بحسب ما يقفها أهلها»(+) . وإن ألفاظ الواقف تحمل على العُرف، وهي كألفاظ الشارع في وجوب الاتّباع، ومثل من ينذر النذور.
إرادة الواقف في الإدخال والإخراج:
قال الإمامية: إن اشترط الواقف إخراج من يريد من أهل الوقف، بطل وقفه، وإن اشترط إدخال من سيولد مع الموقوف عليهم جاز وقفه، سواء أكان الوقف على ذريته، أي أولاده، أم كان على أولاد غيره. فعن محمد الباقر (عليه) أنه قال في الرجل يتصدَّق على وُلده وقد أدركوا: إذا لم يقبضوا حتى يموت فهو ميراث، فإن تصدَّق على من لم يدرك من وُلده فهو جائز، لأنَّ والده هو الذي يلي أمره(+) .
وقال الحنفية والمالكية: إن اشترط الواقف أن يخرج من يشاء من أهل الوقف، ويدخل من يشاء من غيرهم، صحَّ وقفه.
وقال الشافعية والحنبلية: لم يصح.
الوقف على البنين أو البنات:
اتفق جميع الأئمة على أنه إذا وقف أحدهم على أبنائه لا تدخل البنات، وإذا وقف على البنات لا يدخل البنون وإذا وقف على أولاده، دخلوا جميعًا، بنين وبنات، واقتسموا بالسوية أي يكون لكل منهم نصيبٌ مساوٍ لنصيب الآخر. ولكن إذا قال: للذكر مثل حظ الانثيين، أو قال: للأنثى مثل حظ الذكر، أو قال: من تزوجت من النساء فلا حظَّ لها، صحّ في ذلك كله، مراعاةً لشرطِ الواقف.
3 - المال الموقوف: اتفق جميع الأئمة على أن الموقوف يشترط فيه ما يشترط في الشيء المباع من حيث كونه عينًا مملوكةً للواقف، تمامًا كما يشترط في البائع من توافر الملك والعقل والبلوغ والرشد، وعدم السفه. فلا يصح بالتالي وقف الدَّين، ولا الملك المجهول أو غير المحدّد، كجزء من عقار غير مفرز، كما لا يصح وقف ما لا يجوز أن يملكه المسلم كالخنزير والخمر.
واتفقوا على أنه لا بدَّ من إمكان الانتفاع بالموقوف مع بقاء عينه.
أما ما لا يمكن الانتفاع به إلاَّ بإتلافه، كالمأكول والمشروب، فلا يصح وقفه. ومن هذا القبيل حقُّ الانتفاع بالشيء. فمن استأجر دارًا أو أرضًا لأمدٍ معين، فلا يصح منه وقف حق الانتفاع بالشيء. فمن استأجر دارًا أو أرضًا لأمدٍ معيَّن، فلا يصح منه وقف حق الانتفاع عليها، إذ لا يصدق على هذا الانتفاع مفهومُ الوقف، من أنه تحبيس الأصل، وتسبيل العين. واتفقوا على صحة وقف الأعيان الثابتة كالدار والبستان.
واتفقوا - ما عدا الحنفية - على صحة وقف الأعيان المنقولة أيضًا، كالحيوان، والماعون، والأشياء التي يحتاجها الإنسان لقضاء حاجاته، حيث يمكن الانتفاعُ بها، مع بقاء العين.
4 - الموقوف عليه: الموقوف عليه، أو له: هو الذي يستحقُّ فعلاً رَيْعَ الوقف، والانتفاعَ به، ويشترط فيه: أن يكون موجودًا حين الوقف، فإذا كان معدومًا، كما لو وقف على من سيولد، فلا يصح عند الإمامية والشافعية ويصِحُّ عند الحنفية والمالكية.
ويصح - عند جميع الأئمة - الوقفُ على المعدوم تبعًا للموجود فعلاً، كمن وقف على أولاده الموجودين، ومن سوف يوجد من أولادهم.
الولاية على الوقف:
اتفق الأئمة على أن الولاية على الوقف هي سلطةٌ من أجل رعايته، وإصلاحه واستغلاله، وإنفاق ناتجه في وجهه الصحيح. وتنقسم الولاية إلى نوعين: عامة وخاصة.
أما الولاية العامة فهي التي تكون لوليّ الأمر.
في حين أن الولاية الخاصة هي التي تكون لمن يُولِّيه الواقف عند إنشاء الوقف، أو لمن يولِّيه الحاكم الشرعيّ.
واتفقوا على أن الوليّ يجب أن يكون عاقلاً، بالغًا، راشدًا وأمينًا. وبصفته أمينًا فلا يضمن إلا بالتعدي أو التقصير.
كما اتفقوا - إلا الإمام مالك - على أن للواقف أن يجعل التولية حين الوقف لنفسه مستقلًّا أو أن يشترط معه أحدًا غيره مدة حياته، أو لأجل معين. وله أن يجعل أمر الولاية بيد غيره.
كما اتفقوا أيضًا على أن للوليّ الذي عيّنه الواقف، أو الحاكم، أن يوكّل من يشاء في إنجاز مصلحة من مصالح الوقف، سواء أصرَّح من أسنَدَ إليه الولاية بذلك أم لم يصرّح، اللَّهم إلا إذا اشترط عليه المباشرة بالذات، فلا يعود له الحق بالتوكيل.
وفي اتفاق الجميع كذلك على أنه ليس للمتولي أن يفوّض التولية من بعده إلى غيره، إذا منعه عنها الوليّ الأصيل، إلاَّ أن له أن يفوّضها إلى غيره إذا أذن له بذلك. أما إذا سكت، ولم يتعرض للتفويض لا إيجابًا، ولا سلبًا، فقد ذهب الحنفية إلى أنَّ له ذلك. وقال الإمامية والمالكية والشافعية والحنبلية: ليس له حق التفويض. وإذا فعل يكون تفويضه لغوًا.
بيع الوقف:
لقد جرى التفريق في الفقه الإسلاميّ، بين بيع الأملاك الموقوفة لوجه العموم، وتلك الموقوفة وقفًا خاصًا. وسوف نقتصر في البحث هنا على أحكام بيع المسجد، ثم التفريق بين ما يجوز بيعه أو عدمه من الأوقاف.
بيع المسجد:
اتفق الأئمة - ما عدا الحنبلية - على عدم جواز بيع المسجد، بحال من الأحوال، مهما كانت الظروف والأسباب، حتى ولو خرب، وانتقل أهل المحلة، أو القرية، وابتعدوا عنه، وانقطعت المارَّة عن طريقه، إذ مع ذلك كله يجب أن يبقى على ما هو عليه من دون تغيير ولا تبديل. وعللوا ذلك بأنَّ وقف المسجد يقطع كلّ صلة بينه وبين الواقف إلا الله سبحانه وتعالى. ومن هنا عبَّروا عنه، تارة بأنه فَكّ ملك، وأخرى بأنه تحرير ملك، أي إنه كان مقيدًا فأصبح طلقًا من كل قيد.. وهذا الوقف الطلق إذا لم يكن ملكًا لأحد، فكيف يجوز بيعه، مع العلم أنه لا بيع إلا في ملك!..
أما الحنبلية فقالوا: إذا انتقل أهل القرية عن المسجد، وصار في موضع لا يصلّى فيه، أو ضاق بأهله، ولم يكن بالإمكان توسيعه، ولا عمارة بعضه إلا ببيع بعضه جاز، وإن لم يكن الانتفاع بشيء إلاَّ ببيع يباع(+) .
أموال المسجد:
إذا كان للمسجد وقف معيَّن كمساكن، ومحلات للإيجار، أو بستان، أو أرض للزرع، أو يستعمل كموقف للسيارات، أو ما شابه ذلك، فإن رَيع هذه الأموال ينفق على خدمة وإصلاح المسجد وفرشه. ومن البديهيّ أن أموال وعقارات المسجد يكون حكمها غير حكم المسجد من حيث الاحترام لكيانه، وأفضلية الصلاة فيه. وهذا ما يفرق بين المسجد نفسه، وأمواله وأملاكه التابعة له، إذ لا ملازمة شرعية، ولا غير شرعية بينهما، لأن المسجد وقف للعبادة، وهي مسألة روحية خالصة، في حين أن الأموال الموقوفة له، لأجل المنفعة المادية. ولذا كان المسجد نفسه من نوع الوقف العام، أما أوقافه فهي من الأوقاف الخاصة به وحده. من هنا كان الجائز بيع أوقاف المسجد، أو المدرسة، أو المقبرة أو غيرها..
ولو سأل بعضهم: هل يجوز بيع الأملاك التابعة للوقف مطلقًا؟ فالجواب:
إن هذه الأملاك على نوعين:
الأول: ما ينشئه المتولّي من ريع الوقف كأن يكون للمسجد بستان مثلاً، فيضمِّنهُ المتولي، ويشتري بناتجه محلًّا تجاريًّا لفائدة الوقف. ففي مثل هذه الحالة يجوز شراء المحل، وإعادة بيعه كما يجـوز مقايضته أو استبداله، ودائمًا لمصلحة الوقف، سواء أُوجدَ سببٌ من الأسباب التي ذكرها الفقهاء - لجواز البيع - أم لم يوجد، لأن هذا المحل أو الدكان ليس في الأصل وقفًا، بل هو ناتج من مال للوقف.
والثاني: الأعيان التي ينشئ وقفَها المحسنون لمصلحة المسجد، أو لمصلحة المدرسة، كمن أوصى بداره أن تكون وقفًا للمسجد أو للمدرسة، أو أنشأ هو، حالَ حياته، الوقفَ بنفسه. فهذه العين (الدار) تعطى حكمَ الأوقاف الخاصة، ويجوز فيها البيع لسبب من الأسباب التي تجيزه: كالخراب، وضآلة العائد الملحق بالعدم. وإنما بدون سبب فلا يجوز البيع. وأما إذا هُدم المسجد، أو هُجر، ولم يَعد بحاجة إلى أوقاف، فإن الوقف الخاص به يصرف إلى تجديد بنائه أو يُصرف إلى مسجد آخر. وكذلك الوقف الخاص بالمستشفى، أو المدرسة، فإنه يصرف إلى المثيل والنظير.
بيع أو استبدال غير المسجد:
مذهب الحنبلية: أجاز الحنبلية بيع المسجد، مع وجود المسوِّغ لبيعه، مثل أن يصبح خرابًا، أو مهجورًا لبعده عن أمكنة السكن، أي أن يبطل السبب الذي كان موقوفًا لأجله. فإذا كان الأمر كذلك بالنسبة للمسجد نفسه، فالأَوْلى جواز بيع غير المسجد من الأوقاف، واستبدالها، مع السبب الموجب.
مذهب الشافعية: لقد منع الشافعية البيع والاستبدال إطلاقًا، حتى ولو كان الوقف خاصًّا، كالوقف على الذرية، ولو وجدت أسباب كثيرة للبيع. وأجازوا للموقوف عليهم أن يستهلكوا بأنفسهم الوقف الخاص، إذا وُجد ما يقتضي ذلك، كالشجرة عند يباسها، بحيث لم تعد شجرة، فإن للموقوف عليهم أن يتخذوها حطبًا أو وقودًا، إنما لا يجوز لهم بيعها أو استبدالها.
مذهب المالكية: لقد أجاز المالكية بيع الوقف في حالات ثلاث:
الأولى: أن يشترط الواقف جواز البيع عند إنشاء الوقف، فيتبع شرطه.
الثانية: أن يكون الموقوف من نوع المنقول، ولم يعد يصلح للوجهة الموقوف عليها، فيباع، ويصرف ثمنه في مثله أو نظيره.
الثالثة: أن يباع العقار لضرورة توسيع المسجد، أو المدرسة، أو المصح. وفي ما عدا ذلك لا يسوّغ البيع، حتى ولو خرب العقار، وأصبح لا يُستغل لشيء.
مذهب الحنفية: لقد نقل الشيخ محمد أبو زهرة، في كتاب الوقف، أن الحنفية أجازوا الاستبدال في جميع الأوقاف الخاصة منها والعامة - باستثناء المسجد - وأنهم ذكروا لذلك ثلاث حالات:
الأولى: أن يشترط الواقف ذلك حين الوقف.
الثانية: أن يصير الوقف بحالٍ لا ينتفع به.
الثالثة: أن يكون الاستبدالُ أدرَّ نفعًا، وأكثر فائدة، و ألاَّ يكون هناك شرط من الواقف يمنع البيع أو الاستبدال.
مذهب الإمامية: لقد قسّم الشيعة الإمامية الوقف نوعين، وجعلوا لكل منهما حُكْمه وآثاره..
النوع الأول: الوقف الخاص، وهو ما كان ملكًا للموقوف عليهم، أي الذين يستحقون استثماره والانتفاع به، ومنه الوقف الذرّي، والوقف لصالح طلبة العلم والعلماء، أو الوقف للفقراء والمساكين، ووقف العقار لمصلحة المسجد، أو المدرسة، أو المقبرة، أو المصح، وما إليه.. فهذا النوع من الوقف يصح بيعه مع الأسباب الموجبة.
النوع الثاني: الوقف العام، وهو ما أريد منه انتفاع الناس، كل الناس، لا فئة خاصة، ولا جنس أو صنف، أو طبقة معيَّنة. ومنه المساجد، والمدارس، والمصحات، والمقابر، وعيون الماء، والأشجار المسبَّلة للمارة.. فهذه جميعها من أنواع الوقف العام، التي لا تختص بمسلم من دون آخر، ولا بفئة من المسلمين من دون أُخرى، أو بطبقة منهم من دون طبقة.. وقد اتفق جميع علماء الإمامية على أن مثل هذه الأوقاف العامة لا يجوز بيعها، ولا استبدالها بحال من الأحوال، حتى ولو خربت، أو أوشكت على الضياع، لأنها عندهم فكُّ ملك، ومن البديهي أن لا بيع إلا في ملك. وذلك بخلاف الأوقاف الخاصة، فإنها تحويل من ملك الواقف إلى ملك الموقوف عليهم.
أما إذا انقطعت الجهة الموقوف عليها كليةً، فيجوز تحويل الوقف إلى جهة أخرى قريبة من الأولى، كالمدرسة التي يوقف التدريس فيها، وينقطع عنها طلابها، بحيث يصبح متعذرًا إقامة الدروس فيها، فيباح تحويلها إلى مكتبة عامة، أو نادٍ ثقافيّ للمحاضرات، والمناظرات، والاجتماعات وما شابه ذلك. وكما في المستشفى إذ يجوز تحويلُه إلى كليةٍ لتعليم الطب، أو إلى مختبراتٍ لإجراء الفحوصات الطبية، أو إلى مستوصفاتٍ وما إلى ذلك. ولكن لا يجوز تحويل مقبرة إلى مسجد أو نادٍ حسينيٍّ، حتى ولو درست القبور فيها، بل يجب الإبقاء على تخصيصها وقفًا للدفن..



Copyright © Samih Atef El-Zein 2010     VINTOB