العقود
الطبعة : الطبعة الثانية  
المؤلف : سميح عاطف الزين
عدد الصفحات :   800
تاريخ النشر :   2013




التـركـة

قال الله تعالى: {لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا*}(+) .وقال تعالى: {وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُمْ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ}(+) .
فقد شرَّع الله سبحانه قواعد الإرث في القرآن الكريم، بيانًا لرعايته تعالى لشؤون الفرد والجماعة على حدٍّ سواء. فالإسلام هو دينه الحقّ، وقد جعل هذا الدينُ التكافلَ في الأسرة حجرًا أساسيًّا لبناء التكافل العام في المجتمع. والإرث هو أحد مظاهر التكافل الأسرويّ والمجتمعيّ بما له من وظائفَ اقتصاديةٍ وإنسانيةٍ مهمة. ولم يكن مثل هذا الوضع موجودًا في الجاهلية حيث كان العربُ يورّثون الرجال من دون النساء ومن دون الصبيان وغير القادرين على حمل السلاح لحماية القبيلة والدفاع عن مصالحها. بل كانت التركةُ تعطى للأقوى فالأقوى من الرجال أنفسهم. فجاء الإسلام يلغي تلك العادات ويثبت بديلاً عنها قواعدَ إنسانيةً، معيارها صلةُ الرحم والقرابة، ورائدها العدالة.
وقد بيّن الله - سبحانه وتعالى - حكمَ التركة من حيث توزيعُها بين الرجال والنساء المستحقين بقوله تعالى: {لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ} فأعطى الرجال حظًّا وسهمًا، كما أعطى النساء حصةً وسهمًا مما ترك والدا الورثة أو مما ترك الأقاربُ «مما قلَّ منه أو كثر» أي سواء أكانت التركةُ قليلةً أم كثيرةً «نصيبًا مفروضًا» أي لكلٍّ من الورثة نصيبٌ مفروضٌ من الله سبحانه وتعالى، يستوجب الأداء لكل مستحقّ منهم في الآية السابعة من سورة النساء.
ومما يلاحظ أن هذا التشريع الربانيّ في الآية 7 من سورة النساء قد صحح المسيرة الإنسانية بعد أن كانت مبتورةً في الجاهلية، وخصوصًا عندما أُشركت النساء في تركة الميت مع الرجال.
أما في الآية 12 من سورة النساء نفسها فقد أثبت الحقُّ الوصية ووفاءَ الدَّيْن قبل تقسيم التركة وتوزيعها وذلك مراعاةً لإرادة المورِّث في عطاء بعض أمواله لأشخاصٍ يوصي لهم، بناء على أسبابٍ قدّرها نتيجةَ معاملتهم له، أو حفاظًا على حقوق الآخرين من ذوي الدَّيْن الذي ترتّب بذمته ولم يكن قد أدّاه قبل وفاته.
والتركةُ، في اللغة، ما يتركه الشخص ويبقيه. وهي في الاصطلاح: «ما تركه الإنسانُ صافيًا، خاليًا من حقَّ الغير». وكما أشرنا إليه فإن الميراثَ له أبلغُ الأثر في الحياة الاجتماعية والاقتصادية، إنْ على صعيد الفرد، أو على صعيد الجماعة، كونه وسيلةً من وسائلِ تفتيت الثروة، وليس تفتيتُ الثروة علَّةً لها بل هو بيانٌ لواقعه. وذلك أن الثروة وقد أبيحت ملكيتها، قد تتجمع في أيدي بعض الأفراد وهم في حالة الحياة، ولكي لا يستمرَّ هذا التجمع بعد مماتهم ويزدادَ، كان لا بدّ من وسيلةٍ لتفتيت ثروتهم وتقسيمها بين الناس. والواقع يشهد أن أهمّ وسيلةٍ لذلك هي الميراث.
ومن استقراء الأوضاع العامة يتبين أن الحالات التي تحكم تفتيت الثروة في الإرث هي ثلاث:
1 ـ أن يكون الورثة يستغرقون جميع المال بحسب أحكام الإرث، فتوزع حينئذٍ التركةُ بكاملها عليهم.
2 ـ ألاّ يكون هنالك ورثةٌ يستغرقون جميع المال بحسب أحكام الإرث، كما إذا توفي الميت عن زوجة فقط، أو عن زوج فقط، فإن الزوجةَ تأخذ الربع، والزوجَ يأخذ النصف، ويكونُ باقي الميراث لبيت المال.
3 ـ أن لا يكون هنالك وارثٌ مطلقًا، وفي هذه الحال يعود المال كلّه لبيت المال أي للدولة الإسلامية.
ويُعدّ الميراث بابًا مهمًّا من أبواب النفقة، وقد بيّنَّا، من قبل، أحكامَ الوصية، وآراءَ الفقهاء فيها واختلافَ هذه الآراء حولها، والآن نبيّن - بحول الله تعالى وقوته - أقوالَ الفقهاء في الميراث، والأسسَ التي بَنَوْا عليها آراءهم في توزيع الثروة عن طريق الإرث.
ـ فالشيعة الإمامية قد وزعوا التركة على الوارثين بحسب مراتبهم الطبيعية. فعدّوا الأبويْن والأولاد في المرتبة الأولى وهم أحقُّ الجميع في الميراث، لأن قرابتهم من الميت بلا واسطة.
وجعلوا في المرتبة الثانية الإخوة والأخواتِ، والأجدادَ والجداتِ لأن قرابتهم منه بوساطة واحدةٍ هي الأب أو الأم.
وفي المرتبة الثالثة والأخيرة: جعلوا الأعمامَ والعماتِ، والأخوالَ والخالاتِ، لأن قرابتهم منه بوساطتين هما الجدُّ أو الجدةُ، والأبُ أو الأم.
وكل أصحاب مرتبةٍ من هذه المراتب الثلاث أولى وأحقُّ بتركة الميت ممن يليهم في المرتبة الأخرى. فإذا فقدت المرتبة الأولى بكامل أصحابها، انتقل استحقاق الإرث إلى الثانية، وإذا لم يوجد أيُّ واحد من أصحاب المرتبة الثانية، انتقل الإرث إلى الثالثة.
ولم يأخذ الائمة الأربعة بهذا الترتيب، الذي أخذت به الشيعة الإمامية في التركة وهذا ما اتفق عليه الأئمة، وما تباينت وجهاتُ النظر حوله، محاولين تبيان ذلك، وفقًا لما يلي:
الحقوق المتعلقة بالتركة
قد يتعلق بتركة الميت حقوق متنوعة منها:
1 ـ ما يتعلق بحق الرهانة، وهذا الحق يقدّمُ على جميع الحقوق، حتى الكفن، وسائر ما يتوقف عليه تجهيز الميت الواجب كالغسل والدفن وغيرهما من التكاليف. فإذا افترض أنَّ شخصًا رهن جميع ما يملك فلا يُخرجُ حتى ثمن الكفن من ماله المرهون، بل يكون حالهُ، حالَ الفقير الذي يموت، وهو لا يملك شيئًا، حتى يكفّن من بيت المال، فإن لم يكن فيه مالٌ فعلى المحسنين، ذلك أن صاحب المال ممنوع شرعًا من الترف في المرهون.
2 ـ التجهيز الواجب للميت من كفن وغسل وجميع تكاليف الدفن، فإنه مقَدّم على الديون، لأنه بمنزلة النفقة الضرورية التي تُقدّمُ على حقوق الدائنين حالَ الحياة. وسواء أكانَ الدَّين للناس، أم لله، كالخمس والزكاة والكفارات وردّ المظالم(+) وحجة الإسلام.
وقد اتفق الأئمة على أن منها ما يُخرجُ من الثلث (وهو الوصية) ومنها ما يُخرجُ من الأصل.
وتباينت آراء الأئمة حول كيفية ترتيب الحقوق وتعيين الأهم منها:
ـ قال الإمامية يُبتدَأ، أولاً وقبل كل شيء، بالتجهيز الواجب للميت، من ثمن الكفن، وتكاليف الغسل، وأجرة العاملين، على الدفن، وثمن القبر (كما يحصل في بلدان معينة) ويُقدم هذا التجهيز على غيره سواء أوصى بذلك الميت أم لم يوصِ، فتجهيز الميت مقدم حتى على الديون، سواء أكانت حقًّا لله تعالى، أم حقًّا للناس، لقول الإمام جعفر الصادق (عليه): «أولُ شيءٍ يُبدأ به من المال الكفنُ، ثم الدَّينُ، ثم الوصيةُ، ثم الميراث»(+) .
ـ وقال الحنفية والمالكية والشافعية: إن الحقوق المتعلقة بأعيان التركة تُقدّم على التجهيز(+) .
ـ وقال الحنبلية: يُقدّم التجهيز على جميع الحقوق والديون ولو برهنٍ وغيره(+) .
تركة الميت:
اتفق الأئمة على أن التركة تنتقل إلى ملك الورثة إذا لم يكن هنالك دَيْنٌ أو وصية. كما اتفقوا على انتقال ما زاد على الدَّين والوصية إلى الورثة.
وتباينت آراؤهم حول ما يساوي الدَّين والوصية من التركة، أي هل يدخل في ملك الورثة أم لا؟
ـ قال أكثرية فقهاء الإمامية: إن التركة تنتقل إلى الورثة في الدين المستغرق لها وغير المستغرق، وإن الدَّين يتعلق بها بنحو من الأنحاء سواء كان كتعلق حق الرهانة، أو كان تعلقًا مستقلاً، وفي أيّ حال فالدَّين لا يمنع من أصل الميراث، وإنما يمنع من التصرف فيما يقابل الدَّين. فعن أمير المؤمنين عليّ (عليه) أنه قال: «إن رسول الله (ص) قضى بالدّيْنِ قبل الوصية»(+) .
ـ وقال الحنفية: إن الجزء الذي تساوي قيمته مقدار الدَّين لا يدخل في ملك الورثة، وعليه فإذا كانت التركة مستغرقة بالدَّين فالورثة لا يملكون شيئًا منها، لكنّ لهم حقَّ استخلاصها من الدائن بسداد ما عليها من الدَّين. وإذا لم تكن التركة مستغرقة بالدَّين، فيملكون منها الزائدَ عمَّا يقابل الدَّين.
ـ وقال الشافعية وجمهور الحنبلية: إن ملكية الورثة تثبت في التركة المدينة، سواء كان الدَّين مقابل جميع التركة أو بعضها، إلا أن الدين يتعلق بها جميعًا، وهي ضامنة له.
وتظهر جليًا فائدة تباين الآراء في النماء المتخلل بين الوفاة ووفاء الدين، فعلى قول أكثرية الإمامية والشافعية والحنبلية يكون النماء للورثة، يتصرفون فيه من دون معارضةٍ من أصحاب الدَّين أو غيرهم. وعلى رأي الحنفية يكون النماء تابعًا للتركة في تعلق الديون المتعلقة به.
الموجبات والموانع
موجبات الإرث ثلاثة: القرابة، والنكاح الصحيح، والولاء. أو بعبارة أخرى، يمكننا القول إن الموجبات تنحصر في النسب والسبب. فالنسب هو القرابة، والسبب يشمل النكاح والولاء.
الولاء:
هو رابطة بين شخصين تجعل بينهما لحمة كلحمة النسب، فمن كان عنده عبد فأعتقه يصبح مولىً له، ويرثه إن لم يكن للعبد المعتَق وارث. فزيدُ بن حارثة كان عبدًا، فأعتقه رسولُ الله (ص) فأنزل الله تعالى قرآنًا يبيّن موقع زيدٍ من رسول الله (ص) بقوله تعالى: {فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ}(+) ، أي إن عتقاءكم ومحرَّريكم إذا اعتقتموهم من رقٍّ فلكم ولاؤهم..
هذا هو حكم المولى: يرثه مَن أعتقه إذا لم يكن له وارث. وقد رأينا أن من الأفضل عدمَ البحث عن الولاء بجميع أنواعه ومعانيه، لأنه لم يعد له وجودٌ في عصرنا الحاضر.
القرابة:
تتحقق القرابة بعلاقة الولادة الشرعية بين شخصين، إما بانتماء أحدهما إلى الآخر كالآباء وإن علوا، والأبناء وإن نزلوا، وإما بانتمائهما إلى شخص ثالث، كالإخوة والأعمام والأخوال.
والولادة الشرعية تشمل الزواج الشرعيّ، والنكاح بشبهة. أما الزوجية فلا تتحقق إلا بعقد صحيح بين الرجل والمرأة. ولا خلاف بين الأئمة في ثبوت التوارث بين الزوجين، وإنما الخلاف حصل في توريث بعض الأقارب:
ـ قال المالكية والشافعية: إن أولاد البنات، وأولاد الأخوات، وبنات الإخوة، وأولاد الإخوة من الأم، والعمات من جميع الجهات، والعم من الأم، والأخوال والخالات، وبنات العم، والجد أبا الأم ليسوا من ذوي الفروض، ولا من العصبات(+) . فإذا مات الإنسان، وتركَ بعد موته تركة، ولم يكن له أقرباءُ إلاَّ من هؤلاء المذكورين، فإنهم لا يُعطون شيئًا، وتؤول تركته إلى بيت مال المسلمين، لأنهم لا يدخلون في ذوي الفروض(+) ، ولا في العصبات.
ـ وقال الحنفية والحنبلية بتوريثهم، ولكن في حالة خاصة وهي فَقْدُ أصحاب الفروض والعصبات(+) .
وقال الإمامية بتوريثهم من دون هذا القيد.
وتفصيل ذلك كله فيما يلي:
اتفق جميع الأئمة على أن موانع الإرث ثلاثة: اختلاف الدين، والقتل، والرّق.
فأما الرق فإنه لا وجود له في عصرنا الحاضر، لذا لن نتطرق إلى الحديث عنه، بل نحصر بحثنا في المانعين الآخرين.
المانع الأول - اختلاف الدين:
اتفق جميع الأئمة على أن غير المسلم لا يرث المسلمَ. ونحن عندما نقول «المسلم» فإننا نعني به، حقًّا وصدقًا، كلَّ مسلمٍ من أهل القبلة، ويشهد بأن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وعلى هذا فهو يشمل كل المسلمين من أهل السنّة والشيعة، لذا فالسنّي يرث الشيعيّ، والشيعيّ يرث السنّي.
والسؤال: هل يرث المسلمُ من غير المسلم؟
قال الإمامية: يرث.. وقال الأئمة الأربعة: لا يرث.. هذا من حيث الإرث وتقسيم السهام، أما الوصية فيجب تنفيذها بحسب نَصِّها. قال الريَّان بن شبيب: سألت الرضا (عليه) فقلت: إنَّ أختي أوصت بوصية لقوم نصارى، وأردتُ أن أصرف ذلك إلى قوم من أصحابنا مسلمين. فقال: أمضِ الوصيَّة على ما أوصت به. قال الله تعالى: {إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ}(+) .
واتفق الأئمة على أنه إذا كان أحد أبناء الميت أو أحد أقاربه غير مسلم، ثم أسلم بعد موت المورِّث، وبعد قسمة التركة بين الورثة فلا يرث.
وتباينت آراؤهم حول مَنْ أسلم بعد موت المورِّث، وقبل قسمة التركة، فهل يرث أم لا؟
قال الإمامية والحنبلية: يرث.. وقال الحنفية والمالكية والشافعية: لا يرث..
المرتد:
ـ قال الإمامية: هناك فارق بين المرتدّ عن فطرة(+) ، والمرتد عن ملّة.
فالمرتدّ عن فطرة، إذا كان رجلاً، قُتل، ولا يستتابُ، وتعتدّ زوجته عدة الوفاة من حين الارتداد، وتقسم تركته سواء وقع عليه القتل أم لم يقتل، ولا تقبل توبته بالنسبة إلى فسخ الزواج وتقسيم التركة، ووجوب القتل، وتقبل في الواقع أمام الله تعالى وأمام الناس بالنسبة إلى الأمور الأخرى من طهارة بدنه وصحة عباداته. كما أنه يملك بعد التوبة الأموال الجديدة التي يحصل عليها بالعمل أو التجارة أو الإرث.
أما المرتد عن ملّة فإنه يُستتاب، فإن تاب فله ما للمسلمين، وعليه ما عليهم، وإلاَّ قتل، وتعتد زوجتُه من حين الارتداد عدة الطلاق، فإن تاب في العدة رجعت إليه، ولا تقسم تركته حتى يقتل أو يموت. أما المرأة المرتدة فلا تقتل، سواء كان ارتدادها عن فطرة أم عن مِلَّة، بل تحبس، وتضرب أوقات الصلاة حتى تتوبَ، أو تموتَ، ولا تقسم تركتُها إلاَّ بعد الموت.
ـ وقال الأئمة الأربعة: المرتدُّ عن دين الإسلام لا يرث سواء أكان ارتداده عن فطرة، أم عن ملّة، إلاَّ أن يرجعَ، ويتوبَ قبل القسمة(+) .
ميراث أهل الملل:
ـ قال الإمامية والحنفية والشافعية: يرث أهل الملل بعضُهم من بعض.
ـ وقال المالكية والحنبلية: لا يرث أهلُ الملل بعضهم من بعض، فلا يرث اليهوديّ من النصرانيّ، ولا النصرانيّ من اليهوديّ، وكذا من عداهما من أهل الأديان المختلفة.
الغُلاة:
اتفق الأئمة، كلمةً واحدة، على أن الغُلاة مشركون، وليسوا من الإسلام والمسلمين في شيء.
مُنكر الضرورة:
اتفق الأئمة على كفر من أنكر شيئًا ثابتًا ومعلومًا من الدين بالضرورة، فقال للحرام الثابِت في الكتاب والسُنّة إنه حلال، أو قال للحلال هذا حرام، فعندها يخرج من الإسلام، ويدخل في ملّة الكفر. وعليه فإنَّ من أحلَّ الخمر، أو الميسر، أو الميتة أو الدم أو لحم الخنزير مثلاً يُعدّ منكرًا للضرورة وداخلاً في الكفر..
المانع الثاني، القتل:
اتفق الأئمة على أن القتل عمدًا، بغير حقّ، يمنع الإرث لحديث رسول الله (ص): - «لا ميراث للقاتل» ولأنه تعجَّل الميراث، فعُومِلَ بخلاف قصده.
وما عدا قتلَ العمد، فقد تباينت آراء الأئمة حوله..
ـ قال الإمامية والمالكية: من قتل قريبَهُ خطأً، أو دفاعًا عن نفسه، أو بأمر الحاكم العادل، وما إلى ذلك من المسوّغات الشرعية، لا يُمنع من الإرث.
ـ والقتلُ خطأً غيرُ مانع للإرث، وعمد الصبيّ والمجنون يكون بحكم الخطأ. والخطأُ يشمل القتلَ شبهَ العمد(+) ، كما يشمل بعض التسبيبات التي قد يترتب عليها التلف أو القتل، كحفر البئر في الطريق إذا وقع القريب فيها، فهذه لا تُعدّ موانع للإرث، بل يرث الذي حَفَرَ البئرَ من قريبه، وإن وجب عليه الضمانُ ودفعُ الدية، إذ لا مانع في الجمع بين دفع الدية واستحقاق الإرث.
ـ وقال الإمام أبو حنيفة: إن القتلَ المانعَ من الإرث هو الذي يوجبُ قصاصًا، أو ديةً، أو كفارةً. ويدخل في ذلك قتلُ الخطأ، ولا يدخلُ فيه القتلُ بالتسبيب، ولا قتلُ المجنون والصبيّ.
ـ وقال الإمام الشافعيّ: إن قتل الخطأ يمنع من الإرث كقتل العمد، وكذا إن كان القاتل مجنونًا أو صبيًّا.
ـ وقال الإمام أحمد: إن القتل المانع من الإرث هو القتل الذي يوجب عقوبةً، ولو ماليّة، فيخرج القتل بحق، فمن قَتَل قصاصًا، أو دفاعًا عن النفس، أو قتل الباغي في الحرب، فإنه يرثه(+) .
توزيع التركة
قال الله تعالى: {يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلاَدِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ وَلأَِبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلأُِمِّهِ الثُّلُثُ فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلأُمِّهِ السُّدُسُ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ لاَ تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا*}(+) .
وقال تعالى: {وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُمْ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلاَلَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ فَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَآرٍّ وَصِيَّةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ*}(+) .
وقال تعالى: {يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلاَلَةِ إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ وَهُوَ يَرِثُهَا إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ فَإِنْ كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ وَإِنْ كَانُوا إِخْوَةً رِجَالاً وَنِسَاءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ*}(+) .
لقد اتفق جميع الأمة على أن يُبدأ في توزيع التركة، بأصحاب الفروض المقدّرة في كتاب الله الكريم، وذلك قبل غيرهم، لأنَّ الفروض مقدمة على غيرها لقول رسول الله (ص): «تعلّموا الفرائض وعلّموها الناس، وتعلّموا العلم وعلّموا الناس، فإني امرؤ مقبوض، وإن العلم سيقبض، وتظهر الفتن، حتى يختلف الاثنان في الفريضة لا يجدان من يفصل بينهما»(+) .
وعن عبد الله بن عمر، أن رسول الله (ص) قال: «العلم ثلاثة، وما سوى ذلك فضل: آيةٌ محكمة، أو سنّةٌ قائمة، أو فريضةٌ عادلة»(+) .
الفروض وأصحابها:
الفرض هو السهم المقدّر في كتاب الله الكريم. والسهام المقدّرة فيه ستة باتفاق الجميع، وهي: الثلثان، النصف، الثلث، الربع، السدس، الثمن.
1 - الثلثان : للبنتين فأكثر مع عدم وجود أولاد ذكور {فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ}. وللأختين فأكثر لأبوين أو لأب مع وجود الأخ. كذلك {إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ وَهُوَ يَرِثُهَا إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ فَإِنْ كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ}.
2 - النصف : أ - للبنت الواحدة إذا لم يكن معها أخ لها {وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ} وتعامل بنت الابن كالابنة الصلبية عند الأئمة الأربعة، وعند الإمامية ترث كأبيها.
ب - للأخت الواحدة للأبوين أو لأب إذا لم يكن معها أخ {إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ}.
ج - للزوج إذا لم يكن للزوجة ولد {وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ}.
3 - الثلث : ويعطى للأمّ إذا لم يكن لولدها ابنٌ ذكر، ولا إخوة له يحجبونها عما زاد عن السدس، وللاثنين فصاعدًا من الإخوة والأخوات من الأمّ.
4 - الربع : ويعطى للزوج إذا كان للزوجة ولد، ويعطى للزوجة إذا لم يكن للزوج ولد.
5 - السدس : للأب مع الولد، وللأمّ مع الولد (لكل منهما السدس مما ترك إن كان له ولد)، أو مع وجود الإخوة للميت. وللأخ أو الأخت للأم مع عدم التعدد. وتوريث السدس لهؤلاء الثلاثة بالفرض باتفاق جميع الأئمة. وزاد الأئمة الأربعة توريث السدس بالفرض لبنت ابنٍ فأكثر مع بنت صلبية، فإذا كان للميت بنت وبنتُ ابن، أخذت الأولى النصف والثانية السدس. فإذا كان له بنتان فأكثر وبنتُ ابن تُحرمُ بنتُ الابن من الميراث إلا أن يكون مع بنت الابن غلام بحذائها، كما لو كان الغلام أخاها أو أسفل منها كما لو كان ابنَ أخيها أي ابنَ ابنِ ابنِ الميت.
ويعطي كذلك السدس للجدّ لأب مع عدم وجود الأب، وللجدّة تمامًا كالأمّ. وإنما ترث الجدّةُ ذلك إذا كانت أم الأم، أو أمَّ الأب، أو أمَّ أبي الأب. فإذا كانت أمَّ أبي الأمِّ فإنها لا ترث. وإذا اجتمع جدتان متحاذيتان كأم الأم وأم الأب فالسدس بينهما على السواء.
الثمن : ويعطى للزوجة إذا كان للزوج ولد: {فَإِنْ كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُمْ}.
اجتماع الفروض بعضها مع بعض:
الثلثان : يجتمع الثلثان مع الثلث: كأختين فصاعدًا لأبٍ مع الإخوة لأمّ. أي تأخذ البنتان الأختان، أو البنات الأخوات من الأب الثلثين مع وجود إخوةِ لهما من الأمّ.
ـ النصف: يجتمع مع مثله: كزوج وأخت، فلكل منهما النصف.
ـ ويجتمع مع الربع: كزوجٍ وبنت، للبنت النصف، وللزوج الربع.
ويجتمع مع الثمن: كزوجةٍ وبنت، للزوجة الثمن، وللبنت النصف.
ويجتمع مع الثلث: كزوجٍ وأمٍّ مع عدم الحاجب، فللزوج النصف ولها الثلث.
ويجتمع مع السدس (أي مع وجود واحد من كلالة الأم) للزوج النصف، وللكلالة(+) السدس.
الربع : يجتمع الربع مع الثلثين، كزوج وبنيتن: للبنتين الثلثان، وللزوج الربع.
ويجتمع مع الثلث، كزوجة ومتعدد من كلالة الأم: للزوجة الربع، وللكلالة المتعددة الثلث.
ويجتمع مع السدس كَزوجة وُمتّحِد من كلالة الأم: للزوجة الربع، وللكلالة السدس.
السدس : يجتمع السدس مع السدس، كالأبوين مع الولد.
الثمن : يجتمع الثمن مع الثلثين، كزوجة وبنتين: للزوجة الثمن، وللبنتين الثلثان.
ويجتمع مع السدس كزوجة وأحد الأبوين مع الولد...
الفروض التي لا تجتمع:
لا يجتمع ربعٌ وثمن، ولا ثلثٌ، ولا ثلثٌ وسدس.
العصبات النسبية والسببية
العصبات النسبية ثلاثة أنواع: عصبةٌ بنفسها، وعصبةٌ بغيرها، وعصبةٌ مع غيرها.
العصبة بنفسها: وهي عصبةٌ كلِّ ذكرٍ لا يدخل في نسبته إلى الميت أنثى. وهي لا تفتقر إلى الغير، وإن صاحبتَها عاصبٌ في جميع الصور والحالات.
أما العصوبة بالغير ومع الغير: فهي التي يكون صاحبها عاصبًا في حالة، وغير عاصب في حالة أخرى.
والعصوبة بنفسها أقرب العصبات، ويرث أهلها على الترتيب التالي:
ـ الابن.
ـ ابن الابن وإن نزل، فإنه يقوم مقام أبيه.
ـ الجد لأب وإن علا.
ـ الأخ لأبوين.
ـ الأخ لأب.
ـ ابن الأخ لأبوين.
ـ ابن الأخ لأب.
ـ العم لأبوين.
ـ العم لأب.
ـ ابن العم لأبوين.
ـ ابن العم لأب.
وإذا اجتمع هؤلاء مع بعض قُدِّمَ الابن على الأب، بمعنى أن الأب يأخذ فرضه وهو السدس، وما بقي يأخذه الابن بالعصبة عند الأئمة الأربعة.
وكذلك يُقدّمُ ابن الابن على الأب. ويُقَدّمُ الأب على الجدّ لأب. إلا أنه اختلف في هذا الجد، لناحية هل يُقَدَّمُ على الإخوة في الميراث، أم أنهم يرثون معه، ويكونون جميعًا في درجة واحدة؟
ـ قال الإمامية والمالكية والشافعية: يرثون معه لأنهم في درجته.
ـ وقال أبو حنفية: الجدّ يُقدم على الإخوة، ولا يرثون معه شيئًا.
ويُقدّمُ في العصبات ذو القرابتين على القرابة الواحدة: فيقدم الأخ لأبوين على الأخ لأب، وابن الأخ لأبوين أولى من ابن الأخ لأب واحد.. وكذا الشأن في الأعمام، إذ إن عمَّ الميت أولى من عمِّ أبيه، وعمّ أبيه أولى من عمِّ جدِّه، وهكذا الأقرب فالأقرب.
أما العصبة بالغير فأربع من الإناث:
ـ البنتُ أو البنات.
ـ بنتُ الابن أو بنات الابن.
ـ أختٌ أو أخواتٌ لأبوين.
ـ أختٌ أو أخواتٌ لأب..
ومعلوم أن جميع هؤلاء يرثن بالفرض إذا لم يكن معهنَّ أخٌ(+) ، للواحدة النصف، ومع التعدد لهنَّ الثلثان. وإذا كان معهنَّ أخٌ يرثن بالعصبة - عن الأئمة الأربعة - ولكن لا بأنفسهن، بل بأخيهنَّ ويقتسمن معه للذكر مثلُ حظّ الأنثيين.
أما العصبة مع الغير فتتناول:
الأختَ والأخواتِ لأبوين. الأختَ والأخواتِ لأبٍ مع البنت، أو مع بنت الابن.
فالأخت والأخوات يرثن بالفرض إذا لم يكن معهنَّ بنت أو بنتُ ابن. ويرثن بالعصبية مع البنت أو بنت الابن. فتأخذ البنتُ أو بنتُ الابن فرضَها، وما بقي تأخذه الأختُ أو الأخواتُ الشقيقات أو الأخواتُ لأبٍ فقد صِرْنَ عصبة مع البنت.
وهكذا يتبين أن الأختَ لأبوين أو لأبٍ لها ثلاثُ حالات:
ـ ترث بالفرض إذا لم يكن معها أخ، ولم يكن للميت بنت.
ـ ترث بالعصبة بالغير إذا كان معها أخ.
ـ ترث بالعصبة مع الغير إذ كان للميت بنت.
وما ينطبق على الأخت الواحدة، ينطبق على عدة أخوات.
ويتبين أيضًا أن الأعمام لأبوين أو لأبٍ لا يشتركون في الميراث مع البنتِ إلا عند فقد الإخوة أو الأخوات لأبوين، أو لأب.
وقال الأئمة الأربعة: إن العاصب إذا انفرد عن ذي فرض يأخذ المال بكامله، وإذا اجتمع معه يأخذ ما فضل عن فرضه.
وإذا لم يكن عصبة يُعطى الفاضلُ إلى بيت المال عند المالكية والشافعية، ويُردّ على أصحاب الفروض عند الحنفية والحنبلية، ولا تُعطى التركة لبيت المال إذا لم يكن ذو فرض، ولا عصبة، ولا ذو رحم.
والإمامية ينكرون الميراث بالعصبة. وقد حصروه بصاحب الفرض والقرابة من دون فرقٍ بين قرابة النساء والرجال. فكما يختص الابن المنفرد بالميراث، كذلك تختص به البنت المنفردة، والأخت المنفردة، وجعلوا الوارثين ذكورًا وإناثًا على ثلاث مراتب:
الأولى : الأبوان، والأولاد وإن نزلوا.
الثانية : الإخوة والأخوات وإن نزلوا، والأجداد والجدات وإن علَوا من جميع الجهات.
الثالثة : الأعمام والعمات، والأخوال والخالات من أيّ جهة، وأولادهم.
وهكذا فإنه بحسب قول الإمامية:
متى وُجد واحدٌ أو واحدةٌ من المرتبة الأولى، حَجَبَ عن الإرثِ كلَّ من كان في المرتبة الثانية والثالثة. ومتى وُجد واحدٌ أو واحدةٌ من المرتبة الثانية، حجب عن الإرث كلَّ من كان في المرتبة الثالثة.
أما عند الأئمة الأربعة فإن هذه المراتب تتداخل، ويشترك بعضها مع بعض. وقد تجتمع المراتب الثلاث في بعض الحالات كأمّ، وأختٍ لأمّ، وعمٍّ لأبوين: فللأم الثلث، وللأخت السدس، وللعم الباقي.
التعصيب(+) والعَوْل(+) :
قد تتساوى الفروضُ الستّةُ كابنتَينِ أحيانًا مع مجموع التركة كابنتَين وأبوين، حيث تأخذ البنتان الثلثين، والأبوان الثلثَ. وأحيانًا قد تنقص الفروضُ عن التركة كوجود ابنة واحدة، التي فَرْضُها النصف، أو وجود ابنتين، وفرضهما الثلثان. ففي هذه الحالات إلى مَنْ يُعطى ما تبقَّى من التركة؟ وهذا هو التعصيب، أي عندما لا تستغرق الفروض كل التركة.
وأحيانًا قد تزيد الفروضُ على مجموع التركة كزوجِ وأبوين وبنت، فإن فرضَ الزوج الربع، وفرضَ البنت النصف، وفرضَ الأبوين الثلث (لكل منهما السدس). ومن الطبيعي القولُ إن التركةَ لا يمكن أن تتسع للربع + النصف + الثلث، فكيف يجب التعامل مع الورثة؟ وهذا هو العَوْل، أي عندما تزيد الفروض على كل التركة.
التعصيب:
لقد عرَّفوا التعصيب بأنه توريثُ العصبة مع ذي فرض قريب، كما إذا كان للميت بنتٌ أو أكثر، وليس له ولد ذكر، أو لم يكن له أولادٌ أصلاً، لا ذكورًا ولا إناثًا، وله أخت أو أخوات، وليس له أخ، وله عمّ..
قال الإمامية: إن التعصيب باطلٌ، وإن ما بقي من الفرض يجب ردُّه على صاحب الفرض القريب. فالتركة عندهم بكاملها للبنت أو للبنات، وليس لأخ الميت شيء. وإذا لم يكن له أولادٌ ولا إناث، وكان له أخٌ أو أخوات، فالمال كله للأخ أو للأخوات ولا شيء للعم، لأن الأخ أو الأخت أقربُ منه، والأقربُ يحجبُ الأبعدَ. قال الله تعالى: {يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلاَلَةِ إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ وَهُوَ يَرِثُهَا إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ فَإِنْ كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ وَإِنْ كَانُوا إِخْوَةً رِجَالاً وَنِسَاءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ}(+) .
وقال الأئمة الأربعة: يكون أخ الميت شريكًا مع البنت أو البنات، فيأخذ مع البنت النصف، ومع البنتين الثلث. وكذلك العم مع الأخت أو الأخوات.
وحقيقة الخلاف بين الإمامية والأئمَّة الأربعة يعود إلى حديث طاوس، فلقد اعترف بصحته الائمة الأربعة، وأنكره الإمامية. والحديث هو: «ألحقوا الفرائض بأهلها، فما بقي فلأَوْلى عصبةٍ من ذكر». وروي بلسانٍ آخر: «فما بقي فهو لرجلٍ ذكر» كما روي بلسان آخر: «فما بقي فلأَوْلى رجل ذكر». فالبنت صاحبة فرض، وهو النصف، وأقرب رجل إلى الميت بعدها أخوه فيعطى النصفَ الباقي. وكذا إذا لم يكن له ولدٌ قطّ، وله أخت وليس له أخ، تأخذ الأخت النصفَ بالفرض، والنصفُ الآخر يأخذه عمّ الميت لأنه أقربُ رجلٍ إليه بعد أخته.
والإمامية ينكرون نسبة حديث طاوس إلى النبيّ (ص)، لأن طاوس بنظرهم لا يوثق بحديثه، بسبب ضعفه. ولو وثقوا به لقالوا بما قاله الأئمة الأربعة، كما أن هؤلاء لو ضعَّفوا الحديث ولم يثقوا به لقالوا بمقالة الإمامية.
واستدل الإمامية على بطلان التعصيب بقول الله تعالى: {لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا*}(+) .. فقد دلت هذه الآية الكريمة - بنظرهم - على المساواة بين الذكور والإناث في استحقاق الإرث، وفقًا للقاعدة العامة {لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ}، ولأنها حكمت بالنصيب للنساء، كما حكمت بالنصيب للرجال. مع أن القائلين بالتعصيب فرقوا بين النساء والرجال، وقالوا بتوريث الرجال من دون النساء، في ما إذا كان للميت بنتٌ وابنُ أخٍ وبنتُ أخٍ، فإنهم يعطون النصفَ للبنت، والنصفَ الآخر لابن الأخ، ولا شيء لابنة الأخ، مع أنهم يورثون أخاها. ثم لا شيء لأخت الميت إذا كان له أختٌ مع أنها في درجة الأخ ومساويةٌ له.
وكذا لو كان له أختٌ وعمٌّ وعمةٌ فإنهم يوزّعون التركة بين الأخت والعم، من دون العمة، في حين أن نصَّ الآية صريحٌ بتوريث الرجال والنساء: {وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ}. ولما كان التعصيب يورث الرجالَ، ويهمل النساءَ، فقد كان القولُ بالتعصيب باطلاً بنظر الإمامية، لأنه مستلزمٌ للباطل.
وقال الأئمة الأربعة: إن توريث التركة بكاملها للبنت أو البنات يتنافى مع قوله تعالى: {يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلاَدِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ وَلأَِبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلأُِمِّهِ الثُّلُثُ فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلأُمِّهِ السُّدُسُ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ}(+) .. وما استند إليه القائلون بذلك هو أن سبب نزول هذه الآية الكريمة أن امرأةَ سعد بن الربيع جاءت إلى رسول الله (ص) بابنتيها من سعد، فقالت: يا رسول الله، هاتان ابنتا سعد بن الربيع، قتل أبوهما معك شهيدًا في أحُد، وإن عمهما أخذ مالهما، فلم يدع لهما مالاً، ولا ينكحان إلاَّ بمال. فقال (ص): «يقضي الله تعالى في ذلك» ، فنزلت آية الميراث. فأرسل رسول الله (ص) إلى عمهما، فقال: «اعطِ ابنتيْ سعدٍ الثلثين، وأمَّهما الثمن، وما بقي فهو لك»(+) . وقيل: إن هذه أولُ تركةٍ قُسِّمت في الإسلام.
وينطبقُ الوضع نفسه على توريث التركة للأخت وحدها، فقد قالوا إنه مخالف لقول الله تعالى: {إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ وَهُوَ يَرِثُهَا إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ فَإِنْ كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ}(+) .
وقد أجاب الإمامية على ذلك بقولهم:
أولاً - فيما يتعلق بالآية: (11) من سورة النساء: نعم إن القرآن الكريم قد فرض الثلثين للبنتين فأكثر، وفرض النصف للبنت المنفردة، ولا بدَّ من وجود شخص ما، يُردُّ عليه الباقي من الفرض. والقرآن الكريم لم يعيّن هذا الشخص بالذات، وإلا لما كان وقع الخلاف. والسنّة لم تتعرض له من قريب أو بعيد، لأن حديث: «ألحقوا الفرائض» غير صحيح، فلم يبق ما يدل على تعيين من يُردُّ عليه الباقي إلا ما جاء في سورة الأحزاب، في قوله تعالى: {وَأُولُو الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ}(+) ، حيث دلَّت هذه الآية الكريمة على أن الأقربَ أَوْلى ممن هو دونه في القرابة. وليس من شك أن البنت أقرب إلى الميت من أخيه، لأنها تتقرب إليه بلا وساطة، والأخ يتقرب إليه بوساطة الأب، أو الأم، أو هما معًا، فيتعيّن، والحال هذه، الردُّ على البنت والبنتين، من دون الأخ.
ثانيًا - إذا ترك الميت بنتًا أو بناتٍ ولم يوجد واحد من أصحاب الفروض والعصبات(+) ، فالمال كله للبنت: النصف بالفرض، والباقي بالردّ. وكذلك للبنتين الثلثان فرضًا، والباقي ردًّا. وإذا كانت الآية لا تدلّ على نفي الردّ على أصحاب الفروض، في هذه الحالة، فكذلك لا تدل على النفي في غيرها، لأن الدلالة الواحدة لا تتجزأ.
ثالثًا - إذا ترك الميت أمًّا، وليس معها أحد من أصحاب الفروض والعصبات، تأخذ الثلث بالفرض، والثلثين الباقيين بالردّ. وإذا أخذت الأمّ جميع التركة فكذلك أيضًا يجب أن تأخذها البنت، لأن الاثنتين من أهل الفروض(+) .
واتفق الأئمة الأربعة على أن الميت إذا ترك أبًا وبنتًا، يأخذ الأب السدس بالفرض، وتأخذ البنت النصف بالفرض والباقي يُردُّ على الأب وحده، مع أن الله سبحانه وتعالى قال: {وَلأَِبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ}. فكما أن هذا الفرض في هذه الآية الكريمة لا ينفي أن يكون للأب ما زاد على السدس، كذلك الفرض في قوله تعالى: {فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ} لا ينفي أن يكون للبنات ما زاد على الثلثين، وللبنت ما زاد على النصف، وخصوصًا أن فرض البنات والأبوين وارد في آية واحدة، وسياق واحد.
رابعًا - قال الله تعالى: {وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ}(+) ..
نصّت هذه الآية الكريمة على أن الدَّيْن يثبت بشاهدين من الرجال، كما يثبت بشهادة رجل واحد وامرأتين معًا، مع أن بعض أئمة الفقهاء أثبته بشاهد ويمين. والإمام مالك قال: يثبت بشهادة امرأتين ويمين.. وكما أن هذه الآية المباركة لم تدلّ على أن الدَّين لا يثبت بشاهد ويمين، كذلك آية الميراث لا تدلّ على عدم جواز الردّ على البنت والبنات، والأخت والأخوات.
والإمامية أجابوا عن الآية 176 من سورة النساء «وإن امرؤ هلك ليس له ولد...» بأن الولد يطلق على الذكر والأنثى، لأنه لفظه مشتق من الولادة التي تشمل الابن والابنة، ولأن القاسم المشترك بين الإنسان وأقاربه هو الرحم، والرحم يعمُّ الذكور والإناث على السواء. وقد استعمل القرآن الكريم لفظ الأولاد للذكور والإناث فقال عزَّ من قائل: {يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلاَدِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ}(+) . وقال سبحانه وتعالى عمَّا يشركون: {مَا كَانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ سُبْحَانَهُ}(+) ، أي لا ذكرًا ولا أنثى.
وعليه فكما أن الابنَ يحجب الأخ، كذلكَ فإن البنتَ تحجبه، بالإضافة إلى أن ما أجيب به عن ميراث البنت يجاب به أيضًا عن ميراث الأخت.
ويُقدِّمُ الإمامية مثالاً من كتاب الجواهر، على ظلم التعصيب حيث يقول: «لو أنه كان للميت عشرُ بنات وابن، فيأخذ الابن مثل حظ الأنثيين أي أربعة أسهم من أصل أربعة وعشرين سهمًا. فيبقى عشرون سهمًا تأخذ كل بنت سهمين، فيكون للابن السدسُ، وللبنات خمسةُ أسداس. ولو كان مكان الابن ابنُ عمٍّ للميت فعلى القول بالتعصيب يأخذ ابنُ العم الثلثَ، والبناتُ الثلثين لأن الله تعالى يقول في كتابه الكريم: {فَإِنْ كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ}، وعليه يكون ابنُ العمّ بالتعصيب أحسنَ حالاً من الابن، لأن الابن لم ينل من التركة إلاَّ السدس، في حين أن ابن العم نال الثلث. هذا مع العلم أنَّ الإنسانَ أرأفُ بولده من أخويه، وهو يرى أنَّ ولده امتدادٌ لوجوده.
العَوْل:
العَوْلُ، كما ذكرنا سابقًا، هو أن تزيدَ السهامُ على قيمة التركة، مثلما لو ترك الميت زوجةً، وأبوين، وابنتين، فيكون: للزوجة الثمنُ، وللأبوين الثلثُ، وللابنتين الثلثان. والتركة لا تتسع للثمن والثلث والثلثين.
وكذا الأمر لو ماتت امرأةٌ وتركت زوجًا وابنتين أو أختين لأب، فإن فرضَ الزوج النصفُ، وفرضَ الأختين أو البنتين الثلثان، ولا تحتمل التركة نصفًا وثلثين. والعَوْلُ لا يتحقق إلا بوجود الزوج، أو الزوجة. فما هو حكم العَوْل؟.
إنَّ الأئمة الأربعة هم الذين قالوا بالعَوْل، أي بدخول النقص على نصيب كلّ واحد من الورثة بقدر فريضتِه تمامًا كأرباب الديون إذا ضاق المال عن حقهم. فإذا وجدت زوجةٌ مع أبوين وبنتين، تكون المسألة عندهم من مسائل العَوْل وتصبح التركةُ موزعةً إلى سبعة وعشرين (27) سهمًا بدلاً من أربعة وعشرين (24) سهمًا، فتأخذ الزوجةُ ثلاثةَ أسهم من السبعة والعشرين (27/3) - بحيث يصبح ثمنها تسعًا - ويأخذ الأبوان ثمانيةَ أسهم (27/8)، والبنتان - أو البنات - ستّةَ عَشَرَ سهمًا (27/16) 27/3 + 27/8 + 27/16 = 27/27.
أما الإمامية فلم يأخذوا بالعَوْل، وقالوا ببقاء الفريضة أو التركة كما كانت أي أربعةً وعشرين سهمًا. ويدخل النقص على البنتين - بالنسبة إلى الحالة المومى إليها - فتأخذ الزوجةُ ثمنها كاملاً (24/3)، ويأخذ الأبوان الثلث (24/8)، والبنتان تأخذان الباقي أي ما يوازي: 24/13 سهمًا.
الحَجْب:
الحَجْبُ نوعان: حجبُ حرمانٍ، وحجبُ نقصان.
أما حجبُ الحرمان فهو الحجبُ عن جميع التركة، كما يُحجبُ الجدُّ بالأب.
وحجبُ النقصان هو الحجبُ عن بعض التركة (أو عن أجزاء من الإرث) كما يحجبُ الولدُ الزوجَ من النصفِ إلى الربع، والزوجةَ من الربع إلى الثمن.
وقد اتفق جميع الأئمة على أن الأولاد والأبوين والزوجين لا يُحجبونَ حجبَ حرمان، وأنهم متى وجدوا أخذوا حظّهم من الميراث، لا يمنعهم عنه مانع، لأنهم أقرب الجميع إلى الميت، فينتمون إليه بلا وساطة، في حين أن غيرهم ينتمي إليه بوساطة.
واتفقوا كذلك على أن الابن يمنع إخوةَ وأخواتِ الميت من الميراث، ويمنع الأعمامَ والأخوالَ (أي أعمامه وأخواله).. وتقول المذاهبُ الأربعةُ بخصوص الابن أنه لا يمنعُ الجدَّ لأب، ولا الجدَّة لأمّ. وابن الابن تمامًا كالابن عند فقد هذا الأخير، بحيث يرثُ ابن الابن كما يرثُ الابن، ويحجب كما يحجب.
واتفق جميع الأئمة أيضًا على أن الأبَ يمنع الإخوةَ والأخواتِ من الميراث، ويَمنعُ الجدَّ لأب..
ـ وتقول الإمامية بأن الأبَ كالابن لا يرثُ معه الأجدادُ ولا الجدات، من جميع الجهات، لأنهم من المرتبة الثانية، والأبُ من المرتبة الأولى. والأمّ، كالأب، تمنع الأجدادَ والجداتِ، والإخوةَ والأخوات. والبنتُ، كالابن، تحجب أولاد الأولاد، ذكورًا وإناثًا، والإخوة والأخوات.
ـ وقال الأئمة الأربعة: إن الأمّ تحجب الجدات من جميع الجهات، ولا تحجب الأجدادَ، ولا الإخوةَ والأخواتِ، ولا العمومةَ لأبوين أو لأب، فإن هؤلاء يشتركون معها في أصل الميراث.
وبخصوص البنت قالوا: البنت لا تحجبُ ابنَ الابن. وإن البنتين فأكثر يحجبن بناتِ الابن، إلاَّ إذا كان مع بناتِ الابن ذكر. أما البنت الواحدة فلا تحجب بناتِ الابن. والبنت الواحدة، أو البنات، يحجبن الإخوةَ لأمّ.
واتفق جميع الأئمة على أن كُلًّا من الجد والأخ يحجب الأعمام، وأن الولد، ذكرًا كان أو أنثى، يحجب الزوجَ من النصف إلى الربع، والزوجة من الربع إلى الثمن.
لقد أعطينا صورةً مجملةً عن الحجب، في حين أنَّ باب الحجب في الميراث واسعٌ جدًا، ويمكن أن تدخل فيه جميع مسائل الإرث، ويتبين ذلك من المباحث التالية:
الردّ:
وهو لا يتحقق إلا مع أصحاب الفروض، لأن سهامهم مقدَّرةٌ ومحدَّدة.
وقد تستغرق سهامُ أصحاب الفروض التركةَ جميعها، كأبوين وبنتين، فلأبوي الميت الثلث، ولابنتيه الثلثان.
وقد لا تستغرقها جميعها، كأم وبنت، فللأم السدسُ، وللبنت النصفُ، ويبقى الثلثُ فإلى من يعود، أو على من يُردُّ؟
ـ قال الإمامية: يُرَدُّ الفاضلُ من التركة على كلّ ذي فرضٍ بحسب نصيبه أو سهمه إذا لم يوجد قريبٌ في مرتبته.
أما إذا وجد مثلُ هذا القريب فيأخذ ذو الفرض فرضَه، والباقي للقريب.. كأمّ وأب، فتأخذ الأم نصيبها المفروض، ويأخذ الباقي الأب. وإذا وجد ذو الفرض مع من هو في غير مرتبته مع الأقارب، أخذ ذو الفرض فرضَهُ وَرُدَّ الباقي عليه، كأم وأخ، فللأم الثلث بالفرض، والباقي يُردُّ عليها، ولا شيء للأخ، لأنه من المرتبة الثانية، وهي من الأولى. وكذلك الأختُ لأبٍ مع العم، ترث الأختُ النصفَ فرضًا، والنصفَ الآخر ردًّا، ولا شيء للعم، لأنه من المرتبة الثالثة، وهي من الثانية.
وإذا ترك الميت أختًا لأم، وأختًا لأب، فللأولى السدس، وللثانية النصف، والباقي يُردُّ عليها من دون الأخت لأمّ. كما أن الإمامية يردّون على الزوج من دون الزوجة، إذا لم يكن وارثٌ غيرهما.
ـ وقال الأئمة الأربعة: ما زاد عن أصحاب الفروض يُعطى للعصبة. فإذا كان للميت بنتٌ واحدة، وأب، أخذت البنتُ النصفَ، والباقي للأب. فإن لم يكن للميت أبٌ فللأخوات لأبوين أو لأب النصفُ الآخر، بعد البنت، لأنهن عصبة مع البنت. فإن لم يكن هنالك أخواتٌ، فلابن الأخ لأبوين، فإن لم يكن فلابن الأخ لأب، فالعمّ لأبوين، فالعمّ لأب، فابن العم لأب. فإن فقد هؤلاء جميعًا، رُدَّ الفاضل من التركة على ذوي الفروض بقدر سهامهم، ما عدا الزوجَ والزوجةَ فلا يُردُّ عليهما. فمثلاً: إذا ترك الميت أمًّا وبِنْتًا، فللأم السدسُ وللبنت النصف، فرضًا، والباقي يرد عليهما أرباعًا، وتكون الفريضة من أربعة، الربعُ للأمّ، والثلاثة أرباعٍ للبنت. وكذلك إذا ترك أختًا لأب وأختًا لأمّ، أخذت الأولى سهمَ البنت، والثانية سهمَ الأم.


ميراث الأب:
اتفق جميع الأئمة على أن الأب إذا لم يكن معه أحد، وانفرد عن الأمّ، والأولاد وأولاد الأولاد، وعن الجدات، وأحد الزوجين، حاز التركة كلها. ويحوزها بالقرابة عند الإمامية، وبالتعصيب عند الأئمة الأربعة.
واتفقوا على أنه إذا كان معه ابنٌ - أو بنون ـ، أو بنونَ وبنات، أو ابنُ ابنٍ وإن نزل، يأخذ الأبُ السدسَ، والباقي للآخر - أو للآخرين ـ. أما إذا كان معه بنتٌ واحدةٌ، فله السدس بالفرض، ولها النصف.
وهنا يبقى الثلث، فإلى من يكون؟.
ـ قال الإمامية: يرد الثلثُ على الأب والبنت. وتكون الفريضة من أربعة: الربعُ للأب، والثلاثةُ أرباعٍ للبنت، لأن كلّ موضع من مواضع الرَّدّ كان الوارثُ فيه اثنين من ذوي الفروض، فالردُّ أرباعًا. وإن كان الوارثُ فيه ثلاثًا من ذوي الفروض فالردّ فيه أخماسًا.
ـ وقال الأئمة الأربعة: يُرَدُّ الثلثُ على الأب بالتعصيب، والأبُ، يحجب الأجدادَ، والإخوةَ والأخوات، من سائر الجهات، لأبوين كانوا، أو لأبٍ، أو لأمّ.
وإذا كان مع الأب بنتان فأكثر:
ـ قال الأئمة الأربعة، للبنات الثلثان، وللأب الثلث.
ـ وقال الإمامية: للأب الخمس وللبنات أربعة أخماس.
وإذا كان مع الأب أمّ:
ـ قال الأئمة الأربعة: تأخذ الأمّ الثلث إذا لم تُحجب عنه باثنين من الإخوة أو الأخواتُ....
ـ وقال الإمامية: تأخذ الثلث إذا لم تُحجب عنه بأخوين، أو بأخ وأختين، أو أربع أخوات. والباقي يأخذه الأب.
ـ وعند جميع الأئمة: إذا حُجبت الأمّ بالإخوة، تأخذ السدس، والباقي للأب.
وإذا كان مع الأب ابنُ بنت:
ـ عند الأئمة الأربعة: يأخذ الأبُ جميع التركة ولا شيء لابن البنت.
ـ وعند الإمامية: للأب السدسُ بالفرض، ولابن البنت النصفُ (نصيب والدته) ويرد الباقي عليهما معًا، تمامًا كمسألة اجتماعه مع البنت.
ميراث الأمّ:
ـ قال الإمامية: تحوز الأمّ التركةَ بأكملها إذا لم يكن معها أبٌ، ولا أولادٌ، ولا أولادُ أولادٍ، ولا زوجة (أو زوج).
ـ وقال الأئمة الأربعة: لا تأخذ الأمّ جميع المال إلاَّ عند فقد جميع أصحاب الفروض والعصبات، عندما لا يوجد أي أولاد وأولادهم، ولا إخوة وأخوات وأولادهم، ولا أبٌ، ولا جدّ لأب، ولا أجداد، ولا أعمام وأجدادهم. أما الجدات فلا يمنعنها من حيازة جميع التركة لأنهن يُحجبن بها، كما يحجبُ الأبُ الأجدادَ. وكذا الأخوال والخالات لا يمنعون الأم من حيازة التركة، لأنهم يُدْلون بها، ومن أدلى بغيره حُجب به.
وإن قاعدة: «من أدلى بغيره حجب به» مسلمةٌ عند الإمامية. إلا أن أهل السُنَّة استثنوا من هذه القاعدة الإخوة لأم، فإنهم يرثون معها مع أنهم يدلون بها.
وقال الحنبلية بتوريث الجدة لأب مع أبي الميت، أي مع ابنها(+) (أي إنها ترث من حفيدها لأبٍ، مع وجود أبيه).
الأمّ مع الأبناء والأحفاد:
اتفق جميع الأئمة على أنه إذا كان مع الأمّ ابنٌ (أو بنون) أو بناتٌ وبنون، أو ابنُ ابنٍ وإن نزل، فإنها ترث السدسَ، والباقي للآخر - أو للآخرين ـ.
الأمّ مع أولاد البنت:
ـ قال الإمامية: إن أولاد البنت كأولاد الصلب، فابنة البنت تُعدّ ولدًا تحجب الأمّ عما زاد على السدس، تمامًا كالابن من دون أي فرق.
ـ وقال الأئمة الأربعة: تأخذ الأمُّ السدسَ إذا كان للميت أولادٌ للصلب، أو أولادُ ابنٍ وإن سفل. أما أولادُ البنت فلا يحجبون الأمّ مما زاد عن السدس.
الأم مع بنتٍ واحدة:
ـ قال الإمامية والحنفية والحنبلية: إذا كان مع الأمّ بنتٌ واحدةٌ فقط للميت، من دون أصحاب الفروض والعصبات، تأخذ الأمّ السدسَ، والبنتُ النصفَ، والباقي يرد عليهما، وتكون الفريضةُ أربعةً: ثلاثةَ أرباعٍ للبنت، والربعَ الأخير للأم.
وقال المالكية والشافعية: يُردّ الباقي لبيت المال. أما لو كان الإمام غير عادل، فيردّ الباقي على أصحاب الفروض بنسبة سهامهم المقدرة لهم.
الأمّ مع جدٍّ لأب:
ـ قال الإمامية: إذا كان مع الأمّ جدٌّ لأبٍ، فالمال كله للأمّ، ولا شيء للجدّ، لأنه من المرتبة الثانية، وهي من الأولى.
ـ وقال الأئمة الأربعة: إنَّ الجدَّ يقوم مقام الأب.
الأمّ مع أخٍ لأبوين، أو أخٍ لأب:
ـ قال الإمامية: إذا كان مع الأمّ أخٌ لأبوين، أو أخٌ لأب، فإنها تأخذ المال كله فرضًا وردًّا، ولا شيء لإخوة الميت.
ـ وقال الأئمة الأربعة: تأخذ الأمُّ الثلثَ بالفرض، والباقي للأخ بالتعصيب. وإذا كان معها اثنان من الإخوة أو الأخوات لأبوين، أو لأبٍ، أو لأمّ، أخذت السدسَ، والباقي للإخوة، لأنها تُحجب بهم عما زاد على السدس.
الأمّ مع إخوةٍ أو أخواتٍ لأمّ:
ـ قال الحنفية والحنبلية: إذا كان مع الأمّ واحدٌ من الإخوة أو الأخوات لأمٍّ من دون غيره من ذوي الفروض والعصبات، أخذ الواحد من قرابة الأمّ السدسَ بالفرض، وأخذت الأم الثلثَ، والباقي يُردّ على كلٍِّ بحسب فرضه.
وإذا كان معها اثنان أو أكثر من الإخوة والأخوات لأمّ، أخذوا الثلثَ فرضًا، وأخذت هي الثلثَ الثاني، والباقي يردّ عليهما معًا، لأن ما يفضل من أصحاب الفروض يُردّ عليهما على قدر سهامهم.
ـ وقال المالكية والشافعية: يعطى الباقي لبيت المال، إذا كان مُنْتَظمًا، وإلاَّ يُردُّ على أصحاب الفروض.
وقال الإمامية: تحوز الأمّ المالَ كلّه.
الأمّ مع الأعمام لأبوين أو لأب:
ـ قال الأئمة الأربعة: إنَّ اجتماعَ العمومة لأبوين، أو لأبٍ مع الأم، كاجتماع الإخوة لأبوين أو لأبٍ معها من حيث التوريث، ومقدار الأنصبة. فمثلاً إذا كان معها عمّ لأب، وأخت لأمّ، أخذت الأمّ السدسَ، والأختُ السدسَ، والباقي ومقداره الثلثان للعم.
يقول الإمامية: نلاحظ هنا، أن العم الذي يُعدّ من المرتبة الثالثة، يجتمع مع الأخت التي هي من المرتبة الثانية، ومع الأمّ التي هي من المرتبة الأولى. لذلك يقولون: إن المال كلّه للأمّ، لأنها هي من المرتبة الأولى. وهي تحجبُ المرتبة الثانية والثالثة.
ـ وقال الحنفية والحنبلية: إذا كان مع الأم زوجٌ، وإخوةٌ لأم، وأخوةٌ لأمٍّ وأبٍ، يأخذ الزوج النصفَ، والأمُّ السدسَ، والإخوةُ من الأمّ الثلثَ، ولا شيء للإخوة من الأبوين لأنهم عصبة. وقد تمَّ المال بالفروض، أي أخذ كلّ ذي فرضٍ فرضه، ولم يبق للعصبة شيء.
وقال المالكية والشافعية: إن الثلثَ يكون للإخوة لأبوين والأخوةِ لأمّ، يقتسمونه بينهم «للذكر مثل حظ الأنثيين»(+) .
ميراث الأولاد، وأولاد الأولاد:
أ - ميراث البنين:
اتفق جميع الأئمة على أنَّ الابنَ المنفردَ عن الأبوين، وأحد الزوجين، يأخذ المال كلّه.
وإذا اجتمع البنون والبناتُ اقتسموا التركة «للذكر مثل حظ الأنثيين. والابن يحجب أولاد الأولاد، والأخوةَ، والأخواتِ، والأجدادَ، والجداتِ، وابنَ الابنِ، لأن ابن الابن كالابن».
ب - ميراث البنات:
قال الإمامية: إذا انفردت البنتُ عن الأبوين، وأحد الزوجين، أخذت جميعَ المال: النصفَ بالفرض، والنصفَ الآخر بالردّ. وكذلك البنتان تأخذان الثلثين فرضًا، والباقي ردًّا، ولا شيء للعصبة.
وهذا يعني أنه لا يرث أحدٌ من الإخوة والأخوات مع البنت الواحدة، أو مع البنات، ولا مع بنت الابن، ولا مع بنت البنت، لأن البنت وإن نزلت هي مرتبة أولى، والإخوة مرتبة ثانية.
ـ وقال الأئمة الأربعة: إن الأخوات لأبوين، أو لأبٍ، عصبة مع البنت أو البنات. ومعنى هذا أن البنتَ الواحدةَ لأبوين، أو لأبٍ، ترث النصف بالفرض، مع عدم وجود الولد ذكرًا كان أو أنثى. وأن البنتين فأكثر لهن الثلثان فرضًا مع عدم الولد. فإذا كان للميت بنتٌ، أو بناتٌ، أو بنتُ ابن، وكان له أختٌ، أو أخواتٌ لأبوين أو لأب، وليس مع الأخت، أو مع الأخوات، أخٌ لهنَّ، أخذت الأختُ أو الأخواتُ ما بقي عن سهم البنت، أو البنات، بالعصبة. وتكون الأختُ لأبوين تمامًا كالأخ لأبوين في التعصيب، وحجبِ ابن الأخ لأب، ومَن بعدَهُ مِنَ العصبة. وتكون الأختُ لأبٍ عصبةً كالأخ لأب، وتحجب ابنَ الأخ لأبوين ومَنْ بَعدَهُ من العصبة(+) .
ـ وقال الحنفية والحنبلية: إذا لم يوجد ذو فرض ولا عصبة ولا وارثٌ سوى البنات، يرثن التركة بأجمعها فرضًا وردًّا. وإلاَّ فإن كان معهنَّ أبٌ أخذ الباقيَ عن الفرض. فإن لم يكن فالجد لأبٍ، فإن لم يكن فالأخُ لأبوين أو لأب. فإن لم يكن فابنُ الأخ لأبوين أو لأب، فإن لم يكن فالعمّ لأبوين أو لأب، فإن لم يكن فابن العم لأبوين أو لأب، فإن فُقد هؤلاء العصبات جميعًا، وفُقد أصحابُ الفروض، حازت البنات جميع المال.
ـ وقال المالكية والشافعية: إذا لم يوجد ذو فرض ولا عصبة ولا وارثٌ سوى البنات، تأخذ البنتُ الواحدةُ النصفَ، والبنتان فأكثر الثلثين، ويُردُّ الباقي لبيت المال(+) .
ج - ميراث أولاد الأولاد:
ـ قال الإمامية: لا يرث أحدٌ من أولاد الأولاد مع وجود أحد الأولاد، ذكرًا كان أو أنثى. فإذا ترك الميت بنتًا، وابنَ ابنٍ، فالمال كله للبنت، ولا شيء لابن الابن.
وقالوا: إن أولاد الأولاد يقومون مقام الأولاد في حال عدم وجود الأولاد، ويأخذ كلّ فريق منهم نصيبَ من يتقربه به. فلأولاد البنت ولو تعددوا، وكان ذكورًا، الثلث. ولأولاد الابن، ولو كانت أنثى واحدة، الثلثان، ويشاركون أبوَيِ الميت كآبائهم، ويردُّ على أولاد البنت كما يردّ عليها ذكورًا وإناثًا. ولو كان معهم زوج - أو زوجة - كان لهم النصيبُ الأدنى.
ـ قال الأئمة الأربعة: إن الابن يحجب أولاد الأولاد ذكورًا كانوا أو إناثًا.
وقالوا: إذا ترك الميت بنتًا، وأولادَ ابنٍ، فإذا كان أولادُ الابن ذكورًا فقط، أو ذكورًا وإناثًا، أخذت البنتُ النصفَ، وأخذ أولادَ الابن النصفَ الآخر، يقتسمونه «للذكر مثل حظ الأنثيين».
وإذا كان مع البنت الواحدة بناتُ ابن، فللبنت النصفُ، ولبناتِ الابن - سواء كانت واحدة أو أكثر - السدسُ. وما بقي للأخت.
وإذا كان للميت بنتان وأولادُ ابن، يُنظر: فإن لم يكن من أولاد الابن ذكر فليس لبنات الابن شيء، وإن كان معهن ذكر، أخذت البنتان فأكثر الثلثين، والباقي لأولاد الابن - ذكورًا وإناثًا - يقتسمونه «للذكر مثل حظ الأنثيين». والبنتُ تحجب أولاد البنت الأخرى، كما يحجب الابنُ ابنَ الابن.
وقال أيضًا الأئمة الأربعة: إذا لم يكن للميت أولاد، لا ذكور ولا إناث، وكان له أولادُ أولاد، فإن ابن الابن كالابن يقوم مقامه في الحجب والتعصيب، وما إلى ذاك. وإذا كان مع ابن الابن أخواتٌ اقتسموا المال «للذكر مثل حظ الأنثيين». وقالوا: إن بنات الابن بمنزلة البنات للصلب عند عدم وجود هؤلاء الأخيرات، للواحدة النصف، ولِلاِثْنَتينِ فأكثر الثلثان، وفي حجبهنَّ الإخوة من الأمّ، وفي أنه إذا كان معهن ابنُ ابنٍ يقتسمون المال «للذكر مثل حظ الأنثيين»، سواء أكان ابنُ الابن أخًا لهن أو ابنَ عمّ، فتكون بنتُ الابن كالبنت.
وخلاصة القول: إن أولاد ابن الميت، كأولاد الميت تمامًا.
ـ وقال الحنفية والحنبلية: إن أولاد البنت، وأولاد بنات الابن يرثون إذا لم يكن هناك ذو فروض، ولا عصبة.
ـ وقال المالكية والشافعية: إن أولاد البنات لا يرثون شيئًا، ذكورًا كانوا أو إناثًا، لأنهم من فئة ذوي الأرحام. فإذا لم يوجد أحدٌ من أصحاب الفروض، ولا العصبات، يمنع أولاد البنت من التركة، وتعطى بكاملها لبيت المال. ومثله الحكم في أولاد بنات ابن الميت.
ميراث الإخوة والأخوات:
الإخوة والأخوات ثلاثة أقسام:
ـ الأول: إخوة للأبوين.
ـ الثاني: إخوة للأب فقط.
ـ الثالث: إخوة للأمّ فقط.
أ - قال جميع الأئمة:
إذا اجتمع الإخوة والأخوات، الذكورُ والإناثُ، ولم يوجد معهم أحد من ذوي الفروض والعصبات، كالأب، والأمّ، والبنت، والجدة، وابن الابن، عندها يحوزون جميع المال، ويقتسمونه بينهم «للذكر مثل حظ الأنثيين».
وقالوا: إذا كان الإخوة ذكورًا، أو كانوا ذكورًا وإناثًا، ومعهم أخٌ أو أختٌ لأمّ، فيأخذ ولدُ الأمّ السدسَ، والباقي لوَلدِ الأبوين. وإذا كان ولد الأمّ اثنين فأكثر، فلهم الثلث ذكورًا أو إناثًا، والباقي لولدِ الأبوين.
ب - الأخت أو الأخوات لأبوين:
ـ قال الإمامية: إذا كان للميت أختٌ واحدةٌ لأبوين، فلها النصفُ فرضًا، وأختان فأكثر فلهن الثلثان بالفرض. وإذا لم يوجد مع الأخت والأخوات لأبوين بنتٌ، ولا أحدٌ من الإخوة والأخوات لأمّ، ولا الأجداد والجدات، رُدَّ الباقي عليها وعلى أخواتها.
ـ وقال الحنفية والحنبلية: يعطى الباقي للعصبة، وهم: العمّ لأبوين، العمّ لأب، ابن العمّ لأبوين، ابن العمّ لأب. فإن لم يكن أحد من هؤلاء، رُدّ الباقي على الأخت أو الأخوات.
ـ وقال المالكية والشافعية: يعطى الباقي لبيت المال.
ج - الأخ لأبوين مع الأخ لأب:
قال أهل السنة: إذا كان للميت أخٌ لأبوين مع أخٍ لأب، ورث الأولُ، وسقط الثاني من الميراث. ويقوم الأخُ لأبٍ مقام الأخ لأبوين عند عدمه.
د - الأخت الواحدة لأبوين مع الأخت أو الأخوات لأب:
قال أهل السنّة: إذا كان للميت أختٌ واحدةٌ لأبوين، وأختٌ أو أكثرُ، أخذت الأختُ لأبوين النصفَ، وأخذت الأختُ (أو الأخوات) لأبٍ السدس، إلاَّ إذا كان مع الأخوات لأبٍ ذكرٌ، فلهن مع أخيهن النصفُ يقتسمونه: «للذكر مثل حظ الأنثيين».
وقال الإمامية: إن المتقرب بالأبوين من الإخوة والأخوات يمنع المتقرب بالأب وحده مطلقًا، ذكرًا كان أو أنثى، فلو ترك الميت أختًا واحدةً فقط لأبوين، وخمسة إخوةٍ بين ذكور وإناث لأب، ورثت هي وحدها، وهم لا ينالون من الميراث شيئًا.
هـ الأخت (والأخوات) مع البنت:
ـ قال الأئمة الأربعة: إذا كان مع الأخت (أو الأخوات) بنتٌ أو بنتان للصّلب، تأخذ كلّ من البنت المنفردة، أو البنات النصيبَ المفروضَ في كتاب الله تعالى. أي تأخذ البنتُ الواحدةُ النصفَ، والبنتان فأكثر الثلثين، والباقي للأخت أو الأخوات.
وبنت الابن تمامًا كالبنت للصّلب.
ـ وقال الإمامية: المال كلّه للبنت أو البنات، ولا شيء لأخت والأخوات.
و - الإخوة والأخوات لأمّ:
قال الأئمة الأربعة: الإخوةُ والأخواتُ لأمّ لا يرثون مع الأب، ولا مع الأمّ، ولا مع الجد لأب، ولا مع الأولاد، ذكورًا وإناثًا، ولا مع بنات البنين، أي إن الإخوة والأخوات لأمّ يسقطون بالأم، والبنت وبنت الابن(+) .
وقد تبين من رأي الأئمة الأربعة في ميراث الأم والبنت، أن الإخوة والأخوات لأبوين، أو لأب، يرثون مع الأمّ، ومع البنت، بل لو اجتمع الإخوةُ والأخواتُ لأبوين، أو لأبٍ، مع أولاد البنات، ورث الإخوةُ والأخواتُ وحدهم، ومنعوا من الإرث أولادَ البنات، حتى الذكور منهم.
ـ وقال الإمامية: للأخت لأبوين النصفُ، وللأخت من الأمّ السدسُ، ولا شيء للأخت من الأب، لأنها تسقط بالأخت لأبوين، والباقي يردّ على الأخت لأبوين وحدها. وتكون الفريضة من ستة: خمسة منها للأخت من الأبوين. وسهم واحد للأخت من الأم.
والإمامية لا يُرُدُّون على وُلْد الأمّ إذا اجتمعوا مع وُلْدِ الأبوين، أو الأب، ويردون على وُلْدِ الأبوين، أو وُلْدِ الأب فقط.
ميراث أولاد الإخوة والأخوات:
قال الإمامية: إن أولاد الإخوة والأخوات لا يرثون مع وجود واحد من الإخوة أو الأخوات. ومتى فُقد الإخوةُ، والأخواتُ قام أولادهم مقامهم، ويأخذ كلٌّ نصيبَ من يتقرَّب به: فالسدسُ لابنِ الأخ أو الأخت من الأمّ، والثلثُ لأولاد الإخوة من الأمّ، والباقي لأولاد الأخ من الأب، والأبوين. ويسقط من أولاد الإخوة المتقرّب بالأب خصوصًا بوجود المتقرّب بالأبوين. فابنُ الأخ من الأب لا يرث مع ابن الأخ من الأبوين. ويقتسم أولادُ الإخوة والأخوات من الأمّ بالسوية كآبائهم، ويقتسم أولادُ الإخوة والأخوات من الأب بالتفاوت «للذكر مثل حظ الأنثيين» كآبائهم. والأعلى من أولاد الإخوة يحجب الأسفل، فابن ابن الأخ يسقط بوجود بنت الأخت تبعًا لقاعدة الأقرب فالأقرب. وأولادُ الإخوة يشاركون الأجداد، كآبائهم عند عدمهم، فابن الأخ أو الأخت يرث مع الجد لأب، كما يرث أبو الجدّ مع الأخ، إذا فُقِدَ الجدّ.
وقال الأئمة الأربعة: إنَّ الأخَ لأبٍ يحجب عن الميراث أبناءَ الأخ لأبوين. وإن بني الأخ لأبوين يحجبون أبناء الأخ لأب. أما أولادُ الأخوات، من أيّ جهة كنَّ الأخوات، وأولادُ الإخوة لأمّ، وبناتُ الإخوة لأبوين أو لأب، فهؤلاء جميعًا هم من فئة ذوي الأرحام لا يرثون شيئًا مع وجود الأعمام لأبوين أو لأب، ولا مع أولادهم.
ميراث الجدّ لأم:
ـ قال الإمامية: يرث الجدّ لأمّ مع الجدّ لأب، ومع الإخوة والأخوات من جميع الجهات لأنه من المرتبة الثانية، وهم من المرتبة الثالثة في مراتب الإرث. فإذا وُجد الجدّ مع العمومة لأبوين، حاز الجدّ لأمّ جميع التركة، ولا شيء للعم.
ـ وقال الحنفية والحنبلية: إن الجدَّ لأمّ من فئة ذوي الأرحام الذين لا يرثون مع ذي فرض أو عصبة. وعليه فلا يرث الجدّ لأمّ مع الجدّ لأب، ولا مع العمومة، ولا مع أبناء العمومة. فإن فقدوا جميعًا، ولم يوجد واحدٌ ذو فرض، استحقّ الجدّ لأمّ.
ـ وقال المالكية والشافعية: لا يرث الجدّ لأمّ، ولا ذَوو الأرحام أبدًا.
ميراث الجدّ لأب:
ـ قال الإمامية: إن الأجداد والجدات، والإخوة والأخوات يشتركون في الميراث، ومرتبتهم واحدة. فإذا اجتمعوا، واتّحدوا في النسبة إلى الميت، فكانوا جميعًا لأب، أخذ الجد مثل الأخ، وأخذت الجدة مثل الأخت، واقتسموا المال «للذكر مثل حظ الأنثيين».
وإذا اجتمعوا وكانوا جميعًا لأمّ اقتسموا «للذكر مثل حظ الأنثيين».
وإذا اجتمعوا واختلفوا بالنسبة إلى الميت، فكان الجدّ والجدة لأم، والإخوة والأخوات لأبوين أو لأب، أخذ الجدّ أو الجدة، أو هما معًا، الثلثَ، وأخذ الإخوة والأخوات الثلثين.
وإذا كان الأجداد لأبٍ، أو الإخوة لأمّ، فللأخ المنفرد أو للأخت المنفردة السدسُ. وإذا تعدد الإخوةُ لأمّ أخذوا الثلثَ، واقتسموا بالسوية ذكورًا وإناثًا، والباقي للجدّ أو الجدة معًا، يقتسمانه «للذكر مثل حظ الاثنيين». وأولادُ الإخوة والأخوات، من أيّ جهة وإن نزلوا، يقومون مقام آبائهم عند عدمهم، في مقاسمة الأجداد والجدات من أيّ جهة، ويرث كل واحد منهم نصيبَ من يتقرب به.
وقال الأئمة الأربعة: إن أبا الأب يقوم مقام الأمّ عند عدمها، ويشترك في الميراث مع الابن كالأب، ويفترق عنه في مسألة أمّ الأب، فإنها لا ترث مع الأب إلاَّ عند الحنبلية. وترث مع الجدّ لأب، أي مع زوجها.
ويفترق الأب عن الجد أيضًا في مسألة اجتماع الأبوين مع أحد الزوجين، فإن للأم مع الأب وأحد الزوجين ثلثَ الباقي عن سهم الزوجين. وإذا اجتمعت الأمّ مع الجدّ وأحد الزوجين، تأخذ ثلث أصل المال لا ثلثَ الباقي.
وقالوا: إنّ الجدّ لأبٍ يمنع الميراثَ عن الإخوة والأخوات لأمّ، وعن أولاد الإخوة لأبوين أو لأب. واختلفوا في ما بينهم حول الجدّ لأبٍ وسألوا: هل يمنع الجدّ لأبٍ نفس الإخوة والأخوات لأبوين أو لأب، أو يجتمع معهم في الميراث؟.
قال أبو حنيفة: إن الجدّ لأبٍ يمنع الإخوة والأخوات من الميراث من أي جهة كانوا، تمامًا كما يمنعهم الأب.
ـ وقال مالك والشافعيّ وأحمد، وتلميذا أبي حنيفة: (أبو يوسف ومحمد) يشترك الإخوة والأخوات لأبوين، أو لأب، مع الجدّ لأب. أما كيفية توريثهم معه فإنه يعطى أوفر الحظين من ثلث جميع المال، ومن تنزيله منزلة الأخ. وعلى هذا فإن كان الإخوة، ذكرًا وأنثى، عُدَّ أخًا وأخذ سهمين من خمسة أسهم، وإن كان الإخوةُ ثلاثة ذكور عُدَّ أخًا معهم وكان له الربع(+) .
ميراث الجدات:
ـ اتفق جميع الأئمة على أن الأمّ تمنع من الميراث جميع الجدات من أية جهة كنَّ.
ـ وقال الإمامية: إذا اجتمعت الجدّة لأمّ مع الجدة لأب، أخذت الجدة لأم الثلث، وأخذت الجدة لأب الثلثين، كما هي الحال بين الأمّ والأب، لأن المتقرب بالأم من الأجداد والجدات يأخذ الثلث، واحدًا كان أو أكثر، ويقتسمون بالسوية. والمتقرب بالأب يأخذ الثلثين، واحدًا كان أو أكثر، ويقتسمون بالتفاوت.
ـ وقال الأئمة الأربعة: إذا فُقدت الأمّ قامت أمُّها مقامها، وهي تجتمع في الميراث مع الأب، ومع الجدّ لأب، ولها السدسُ معهما. كما أنه لا خلاف في توريث جدتين معًا كأمّ الأمّ وأمّ الأب، ولهما السدس تقتسمانه بالسوية.
وقالوا: القريبة من الجدات تمنع الجدة البعيدة من جهتها.
ميراثُ الأعمام والأخوال:
ـ قال الإمامية: إذا انفرد الأعمام والعمات، ولم يوجد معهم أحدٌ، فللعمّ الواحد أو للعمة الواحدة المالُ كلّه، سواء أكان عم الميت لأبوين، أو لأب، أو لأمّ فقط.
وإذا تعدد الأعمامُ والعمات، واتحدوا في نسبتهم إلى المورّث، فإن كانوا جميعًا لأبوين أو لأب، اقتسموا بينهم «للذكر مثل حظ الأنثيين». وإذا كانوا جميعًا لأم، اقتسموا بالسوية من غير فرق بين الذكر والأنثى.
وإذا اختلفت نسبة الأعمام والعمات إلى المورّث، فكان بعضهم لأبوين، وبعضهم لأب أو لأم فقط، فالمتقرب بالأب فقط يسقط بالمتقرب بالأبوين. ويرث المتقرب بالأب إذا فقد المتقرب بالأبوين.
وإذا اجتمع الأعمام والعمات لأبوين، أو لأب مع الأعمام والعمات لأمّ، يأخذ الواحد من قرابة الأمّ السدس، وإن تعددوا أخذوا جميعًا الثلثَ واقتسموه بالسوية من غير فرقٍ بين نصيب الذكر والأنثى.
وإذا وُجد الأخوالُ والخالاتُ وليس معهم أحدٌ من الأعمام والعمَّات، فللخال الواحد المالُ كلّه، لأبٍ كان أم لأمّ، أم لأبوين. وإذا تعدد الأخوالُ والخالاتُ، واتحدوا في نسبتهم إلى المورّث، فإن كانوا جميعًا لأبوين، أو لأب، أو لأم فقط، اقتسموا بالسوية «للذكر مثل حظ الأنثيين». وإذا اختلفوا في انتسابهم إلى المورّث، فكان بعضهم لأبوين، وبعضهم لأب، وبعضهم لأمّ، سقط المتقربُ بالأب خصوصًا بالمتقرب بالأبوين. وإذا اجتمع الأخوالُ والخالاتُ لأبوين أو لأب، مع الأخوال والخالات لأمّ، يأخذ الواحد من قرابة الأمّ السدسَ، وإن تعددوا أخذوا الثلثَ واقتسموه بالتساوي ذكورًا وإناثًا. والباقي لقرابة الأبوين، أو لقرابة الأب، والقسمة بينهم «للذكر مثل حظ الأنثيين». وإذا اجتمع العمّ والخال، فللخال الثلثُ، واحدًا كان أو أكثر، ذكرًا كان أو أنثى. والثلثان للعمّ، واحدًا كان أو أكثر، ذكرًا كان أو أنثى.
ومتى فُقد الأعمامُ والعمات، والأخوالُ والخالات، قام أبناؤهم مقامَهم. ويأخذ كلٌّ نصيب من يتقرب به، واحدًا كان أو أكثر. فلو كان لعمّ عدةُ أولاد، ولعمّ آخر بنتٌ واحدة، كان للبنت وحدها النصف، ولسائر أولاد العمّ الآخر النصفُ الثاني. فابن العم لا يرثُ مع العمّ، ولا مع الخال، إلا في حالة واحدة، إذا وجد ابنُ عمٍّ لأبوين مع عمّ لأب، كان المال كلّه لابن العمّ لأبوين.
وابن الخال لا يرث مع الخال، ولا مع العمّ. فلو كان ابنُ عم وخال، فالمال كلّه للخال. ولو كان ابنُ خال مع عمّ فالمال كله للعمّ.
وعمومة الميت وعماته، وأخواله وخالاته، وأولادهم، أولى بالميراث من عمومة أبي الميت وخؤولته.
وكلُّ أولاد بطنٍ أوْلى بالإرث من بطنٍ أبعد. فلو كان ابنُ عمّ وعمٌّ لأب، فالمال لابن العم، ومثله ابنُ الخال مع خال الأب، تبعًا لقاعدة الأقرب فالأقرب.
وإذا اجتمع الزوج - أو الزوجة - مع العمّ والخال، فللزوج - أو الزوجة - نصيبُه الأعلى، وللخال الثلثُ، واحدًا كان أو أكثر، ذكرًا كان أو أنثى. فالنقص يدخل على العمّ في جميع الحالات التي يجتمع فيها أحد الزوجين مع الأعمام والأخوال. فإذا كان زوجٌ مع خالٍ أو مع خالةٍ، وعمٍّ أو عمةٍ، فللزوج ثلاثةُ أسداس، وللخال أو الخالة سدسان، وللعم أو العمة السدسُ الأخير. وإذا كانت زوجة، فلها الربع، وللخال الثلث، والباقي للعمّ.
ـ وقال الأئمة الأربعة: لا ترث العماتُ من جميع الجهات، ولا العمّ لأمّ، ولا الأخوالُ والخالاتُ من أيّ جهة مع العمومة لأبوين أو لأب، ولا مع أبنائهم. فإذا وُجد عمٌّ لأبوين أو لأب، أو ابن أحدهما، مُنع الأخوالُ والخالاتُ جميعًا من الميراث لأنهم من فئة الأرحام، في حين أنه هو من العصبة، والعصبةُ مقدمٌ (عند الأربعة) على ذي رحم.
ويرث العمّ لأبوين إذ لم يكن هناك أحد من الإخوة لأبوين أو لأب، ولا أحد من أبنائهما، كما لا يرث العمّ مع الأخوات لأبوين أو لأب، فإن هؤلاء وإن كانوا عصبة، فإن رتبتهم متقدمة عن رتبة العمّ في التعصيب.
ويجتمع العمّ لأبوين في الميراث مع البنت والأمّ، لأنهما ترثان بالفرض، وهو يرث بالتعصيب. وإذا اجتمع العصبة مع صاحب فرض أخذ صاحبُ الفرض فرضه، وما بقي من التركة فللعصبة. وإذا لم يوجد ذو فرض قطّ، حاز العصبةُ جميع التركة.
ومن هنا إذا اجتمع العمّ لأبوين، أو لأب، أو أحد أبنائهما مع أولاد البنت، أو أولاد بنات الابن، حاز العمّ، أو ابنه، المال بكامله، ولا شيء لأولاد البنت، حتى الذكور منهم.
وإذا فُقد العم لأبوين، قام مقامَهُ العمّ لأب، فإن لم يكن فابن العمّ لأب. أما كيفية توريث العمّ لأبوين، ومن يقوم مقامه، فإنه - كما أشرنا - يأخذ المال إذا انفرد عن ذي فرض، ويأخذ الباقي إذا اجتمع معه، فيكون العمّ لأبوين، أو لأب، تمامًا كالأخ لأبوين، أو لأب، عند عدمه. ويُقدَّم العمّ الأقرب على العمّ الأبعد. فعمّ الميت مقدّم على عم أبيه، وعمّ الأب مقدّم على عم الجد، كما أن العمَّ من الأبوين مقدَّم على العمّ لأب.
ومتى فُقد العمّ لأبوين، أو لأب، وأبناؤهما، استحق الإرثَ، عند الحنفية والحنبلية: العمُّ لأم والعماتُ من جميع الجهات، والأخوالُ والخالات. فإذا انفرد أحدهم أخذ المال كله، وإذا اجتمعوا يعطى لقرابة الأب الثلثان، ولقرابة الأم الثلث.
فلو تركَ الميت خالاً وعمةً، فللخال الثلث، وللعمة الثلثان، ويقتسم الأخوالُ والخالاتُ لأم في ما بينهم {لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ}(+) .
ميراثُ الزوجين:
اتفق جميع الأئمة على أن كُلًّامن الزوج، والزوجة، يشارك في الميراث جميعَ الورثة الآخرين، من دون استثناء، وعلى أن للزوج النصفَ من تركة الزوجة، إذا لم يكن لها ولدٌ، سواء منه أو من غيره، والربع إذا كان لها ولدٌ منه أو من غيره، وعلى أنَّ للزوجة الربعَ من تركة الزوج، إذا لم يكن له ولدٌ منها أو من غيرها، والثمنُ إذا كان له ولدٌ منها أو من غيرها.
ـ وقال الإمامية: المراد بالولد، مطلقُ الولد وولدُ الولد، ذكرًا كان أو أنثى، فبنت البنت تمامًا كالابن تحجب أحد الزوجين من نصيبه الأعلى إلى الأدنى.
وإذا تعددت الزوجات فهنَّ شريكاتٌ في الربع إذا لم يكن للزوج ولدٌ، وفي الثمن إذا كان له ولدٌ. ويقتسمنَ الربع - أو الثمنَ - بالسويّة في ما بينهنَّ.
ـ وقال الأئمة الأربعة: إن المراد بالولد هنا أن يكون من صلب الميت، وولدُ الابن فقط، ذكرًا كان أو أنثى. أما ولد البنت فإنه لا يمنع أحد الزوجين من نصيبه الأعلى وزاد المالكية والشافعية على ذلك، فقالوا: إن ولد البنت لا يرثُ، ولا يحجبُ، لأنه من فئة ذوي الأرحام.
واتفق جميع الأئمة على أن الرجل إذا طلَّق زوجته طلاقًا رجعيًّا، ثم مات أحدهما في عدة الطلاق، توارثا، كما هي الحالُ في عدم الطلاق.
وتباينت آراؤهم حول عدم وجود الوارث، إلاَّ أحد الزوجين، فهل يُردُّ الباقي عليه، أم يُردُّ لبيت المال؟
قال الأئمة الأربعة: لا يردُّ، لا على الزوج، ولا على الزوجة(+) ، بل يُرَدُّ لبيت مال المسلمين.
واختلف الإمامية، في ما بينهم، على ثلاثة أقوال:
الأول: الردّ على الزوج من دون الزوجة، وعلى هذا عمل معظم فقهاء الإمامية.
الثاني: الردّ على الزوج والزوجة معًا، مطلقًا، وفي جميع الحالات.
الثالث: الردّ عليهما إذا لم يوجد الإمام العادل. وإذا وُجِدَ الإمام العادل فلبيت مال المسلمين.
أموال المفقود:
المفقود: هو الذي غاب وانقطعت أخباره، ولم يُعلم موتُهُ ولا حياته.
وقد اتفق جميع الأئمة على أنه يجب التربصُ في تقسيم أموال المفقود، حتى تمضيَ مدةٌ لا يعيشها أمثاله في الغالب. ويرجع ذلك إلى نظر القاضي واجتهاده، لأن هذه المدة تختلف، بين مفقود وآخر، باختلاف الزمان والمكان، والظروف التي ترافق الفقد، وغيرها من الأمور التي يجب على القاضي التدقيقُ فيها، والتحرّي عنها. ومتى حكم القاضي بموت المفقود، ورثه الحيُّ الأَوْلى بميراثه عند صدور الحكم، لا من مات من أقاربه قبل صدور حكم القاضي.
وإذا مات قريبٌ لهذا المفقود في أثناء غيبته المنقطعة، وجبَ أن يُعزلَ نصيبُه من الإرث مستقلًّا، ويكونَ كسائر أمواله، حتى يتبيَّنَ الأمر، أو يحكمَ القاضي بموته.
amantadin cena amantadin ratiopharm amantadin nedir



Copyright © Samih Atef El-Zein 2010     VINTOB