العقود
الطبعة : الطبعة الثانية  
المؤلف : سميح عاطف الزين
عدد الصفحات :   800
تاريخ النشر :   2013




الوصـايـا

الوصية : هي الإيصاء، وتطلق، لغةً، بمعنى العهد إلى الغير في القيام بفعل معيَّنٍ حالَ حياته أو بعد وفاته. وجمعها: وصايا. فيقال: أوصيت له، وأوصيت إليه بمعنى جعلته وصيًّا يقوم على تنفيذ ما أُوصي به من بَعدي وفي هذا المعنى اشتهر لفظ «الوصاية» وتطلق الوصيةُ أيضًا على جعل المال للغير، فيقال: وصيت أو وصيت لفلان بكذا، أي جعلته له، وهي ليست مقصورةً على المال، بل تشمله وتعمُّ غيره.
والوصية، أو الإيصاء، وفي الاصطلاح الفقهيّ: «تمليكٌ مضافٌ إلى ما بعد الموت بطريق التبرع»، سواء أكان المتملَّك عينًا (أي حق الملكية) أو منفعةً (أي حق الانتفاع). وبهذا تميّزت الوصية من التمليكات المنجزة عينًا (كالبيع والهبة)، أو منفعةً (كالإجارة والإعارة)، وعن الإضافة إلى غير ما بعد الموت (كالإجارة المضافة إلى وقتٍ في المستقبل كما لو حددت الإجارة لأول السنة المقبلة مثلاً).
وأثر الوصية والعملُ بها مؤخر لما بعد وفاة الموصي. وهذا أيضًا ما يميز الوصية من الهبة التي هي تبرعٌ أو تمليكٌ، بين الأحياء، بمعنى أن الوصية تنفّذ بعد الموت، في حين أن الهبة تكون حالَ الحياة.
والوصية تمليك بطريق التبرع كما قلنا لأنها تكون مبدئيًّا من دون عوض، أي إنها من عقود التبرع لا من عقود المعاوضة على الرغم من جواز تقييدها بأداء عوضٍ أو بشرطٍ مباح.
وتشمل الوصايا أيضًا: الإبراء من الدَّين، لأن الإبراء هو تمليك الدَّين ممَّن عليه الدَّين. وتكون الوصيَّة مطلقةً ومقيدة:
فالوصية المطلقة هي التي تخلو من أي شرط معلقٍ أو فاسخ، ومن كل قيد. كأن يقول الموصي: أوصيت لفلان بكذا... في حين أن الوصية المقيدة أو المعلقة هي التي تتوقف صحتها ونفاذها على تحقق أحد الشروط التي يفرضها الموصي، أو التي يقيدها بقيدٍ معين. فلو قال أحدهم: أوصيت لفلان بكذا إن متُّ في سفري هذا، أو في مرضي هذا، فإن تحقّقَ الوصية يكون متوقفًا على السفر والموت، أو على المرض والموت. فإن مات الموصي فعلاً في سفره صحت الوصية لأن شرطها قد تحقق.
وقد جاء الإسلام بنظامٍ للوصايا يختلف تمامًا عما كان يسير عليه الناس، أو يتعارفون عليه من قبل، حيث كانت وصاياهم تتَّسم، في كثير من الأحيان، بالظلم والإجحاف. فمثلاً لم يكن صاحب الأُسرة التي تضم الأبناء والأقارب، ليتورعَ عن التصرف بأمواله تصرفًا غير مقيد بأي نظام، كأن يوصي إلى عشيقة له، أو إلى صديق، أو إلى مشروع خيريّ بقدر ما يشاء من تلك الأموال، وقد يوصي لأحد أبنائه بكل ثروته ويحرم الباقين من أفراد العائلة، فيعيشون من بعده كلًّا على الناس، ويعانون حالة من الفقر والحرمان والذلّ طوال حياتهم، لا لشيء إلاَّ لأن الموصي حرمهم من الإرث. والعرب في الجاهلية كانوا على تلك الحال من اللانظام الإيصائي، حيث كان كثيرون يتفاخرون بالوصية إلى أجانبَ عن العائلة، متخلّين عن الأبناء، والآباء، والأقارب، متباهين بما فعلوا، وغير عابثين بصلات الرحم. وهذا ما بدَّله الإسلام عندما وضع نظاماً للوصايا هدفه الأول حمايةُ ذوي الأرحام والأقارب من ضياع حقوقهم التي هم أولى بها من الغير. فكان أول ما فعله، وقبل تشريع الميراث، أن ألزم أصحاب الأموال بالوصية للوالدين والأقربين، وذلك في قوله تعالى: {كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ*}(+) . وقد قال جمهور من الفقهاء إن هذه الآية الكريمة نسخت بقوله تعالى: {لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ}(+) .
وحين نزلت آيات سورة النساء التي فصّلت تشريع المواريث، قيَّدت الوصيةَ المشروعةَ في الإسلام بقيدين:
الأول : عدم نفاذها للوارث إلا بإجازة الورثة، وقاعدتها «لا وصية لوارث إلا أن يجيزها الورثة». وقد أخذت هذه القاعدة من قول رسول الله (ص) في خطبة الوداع: «إن الله قد أعطى كلَّ ذي حقّ حقه فلا وصيه لوراث»(+) . أي إنه يشترط في الموصى له ألاّ يكون وارثاً للموصي (وأجازها الإمامية لوارث وغير وارث كما سنرى). ولا يجوز بالتالي للموصى له إذا كان وارثاً أن يستفيد من الوصية إلا إذا قبل بذلك باقي الورثة بعد وفاة الموصي. والسبب أن الإرث حق لازم، وأن قواعد الميراث إلزامية، فلا يجوز للمورث تغييرها أو مخالفتها عن طريق الإيصاء لمصلحة أحد الورثة، وحتى أنَّ الوالدين قد صارا من ضمن الورثة، ولهما نصيب مفروض من التركة، فصارت الوصية بالتالي مندوبة لغير الوارثين.
والثاني : لا وصية لغير الوارث بأكثر من الثُّلث إلا بإجازة الورثة. وهكذا حدد مقدار الوصية للأجنبيّ بالثلث. ويجوز أن تكون أقل من الثلث ولكن لا يجوز أن تكون أكثر. وقد فرض هذا التحديدَ الرسولُ (ص)، عندما أتاه سعد بن أبي وقاص، وكان ذال مالٍ، ويريد الإيصاء بثلثَيْ ماله أو بشطره للغير، إذ لم يكن له إلا ابنة واحدة فقال له الرسول (ص): «الثلث، والثلث كثير. إنك إن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تدعهم عالة يتكففون الناس»(+) . وقال رسول الله (ص): «إن الله تعالى تصدَّق عليكم عند وفاتكم بثلث أموالكم زيادة لكم في أعمالكم»(+) .. يتبّين منه أن من حقّ الموصي أن يتصرف بثلث أمواله فقط، المنقولة وغير المنقولة، وذلك عن طريق الإيصاء به لغير الورثة. أما ما زاد على الثلث فإنه من حق الورثة ولا ينفذ تصرف المورث فيه إلا بموافقتهم ورضاهم. وسواء كانت الوصية لأحد الأبناء، أو الأقارب، أو للغير فإن موافقة الورثة أمر لا غنىً عنه، بعد وفاة الموصي.
والوصية عند جمهور الفقهاء من العقود الرضائية التي يكفي الرضا وحده لانعقادها من دون أن يكون لها شكلٌ خاصّ. ولذا تصح سواء أكانت شفهية أم خطية. ويمكن إثباتها عند إنكار الورثة بالبيّنة الشخصية، أي بشهادة الشهود. وعلى الرغم من ذلك فإن كتابة الوصية من الأمور المستحبة، لأن ذلك أحفظُ لها، وأحوطُ لما فيها. وفي الحديث: «ما حق امرئ مسلم يبيت ليلتين، وله شيء يريد أن يوصي به، إلاَّ ووصيتُه مكتوبة عند رأسه»(+) . وقد أورد ابن ماجه، في خبر له عن معنى المحروم، قال: «المحروم هو من حرم الوصية، فمن مات على وصية مات على سبيلٍ وسُنّةٍ، وتقىً وشهادةٍ، ومات مغفوراً له».
وهذا كله يعني أنه ليس من الرأي السديد أن يمرَّ على الإنسان زمنٌ يمتلك فيه المال، ويريد أن يوصيَ به، ولا يكتب وصيته، مما يفيد الحثَّ على المبادرة بكتابة الوصية.
وفيما يتعلق بصيغة الوصية أو صورتها يُستحبّ أن يكتب في صدرها ما يلي:
«بسم الله الرحمن الرحيم:
هذا ما أوصى به فلان... أنه يشهد بأن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمداً (ص) عبده ورسوله، وأن الجنة حق، والنار حق، وأن الساعة آتية لا ريب فيها، وأن الله يبعث من في القبور. وأوصي من تركت من أهلي أن يتّقوا الله عزَّ وجلَّ، ويصلحوا ذات بينهم، ويطيعوا الله ورسوله إن كانوا مؤمنين. وأوصيهم ما أوصى به إبراهيم (عليه) بنيه، ويعقوب (عليه): {يَابَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ*}(+) . ثم يتابع ما يريد أن يوصي به من أداء واجبات عليه وتوزيع ميراث... ويوقع على وصيته أو يبصم بإبهامه للتأكيد على أن الوصية له.
وحكمة الوصية: تحصيل ذكرى الخير في الدنيا، ونوال الثواب في الآخرة، ومكافأة من أسدى للمرء (الموصي) معروفاً، شرط التزام المعروف أو العول، وتجنب الإضرار بالوصية، لقوله تعالى: {مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَآرٍّ}(+) . ومعنى: «غير مضار» أن لا يكون هنالك إضرار بالوصية، ويكون هذا الإضرار عندما يوصي بأكثر من الثلث. والإضرار بالدين: أن يبيع بأقلَّ من ثمن المثل، ويشتريَ بأكثر منه، أو يقرَّ بدينٍ لا حقيقة له دفعًا للميراث عن وارثه، أو يقرَّ باستيفاء دين له في مرضه وهو لم يستوفه، إلى غير ذلك من الأمور التي من شأنها أن تلحق الأذى بالورثة...
وكيفما كانت الوصية وعلى أي وجه كانت، فإن الله تعالى منع الضرار فيها، وذلك بمنع الموصي أن يكتب في وصيته ما يضرُّ بالورثة أو بالميراث. وجاء في الحديث: «إن الضرار في الوصية مِنَ الكبائر»(+) .
والوصية تكون عادة لمشروع خيريّ، أو صديقٍ عزيز، محتاج أو غير محتاج، أو قريبٍ لا يرث، أو شخصٍ أسدى للموصي معروفًا في حياته. وهي أربعة أنواع:
1 ـ واجبة: كالوصيّة بردِّ الودائع والديون.
2 ـ مستحبة: كالوصية للأقارب غير الوراثين، ولجهات البر والخير والمحتاجين.
3 ـ مباحة: كالوصية للموسرين من الأصدقاء والأقارب.
4 ـ محرَّمة: كالوصية بمعصية، أي الوصية بالإنفاق على مشروعات مخالفة للشرع، كالتبرع لمشاريع تخالف الشرعة الإسلامية، أو كإنشاء مصنع خمور، وغير ذلك.
أركان الوصية:
اتفق جميع الأئمة على صحة الوصية، وجوازها في الشريعة الإسلامية. وهي كما قلنا «تمليك مضاف إلى ما بعد الموت بطريق التسرع». ويكون التمليك عينًا أو منفعة. وهي تصح في حالة الصحة والسلامة من الأمراض، وفي حالة السقم ومرض الموت(+) . وحكمها سواء في الحالين.
والرضا في الوصية، نظرًا إلى أهميته وارتباط باقي شروط الانعقاد به، قد أسماه الفقهاء بركن العقد. والرضا يعني ارتباط الإيجاب بالقبول. وهو في الوصية صدور الإيصاء من الوصي، وقبول من الموصى له.
ولا يشترط في الإيجاب لفظٌ معيّنٌ مخصوص، فيكفي أن يقول: أوصيتُ، وهبتُ، وملَّكتُ، وأعطيتُ، وتركتُ، وما شابه. وتكفي الإشارة ممن كان عاجزًا عن النطق كالمريض والأخرس. وللموصي أن يرجع عن إيجابه ما دام الموصى له لم يقبل. كما يمكن الرجوع عن إيجابه، ما دام حيًّا، ولو أعلن الموصى له القبول.
وتباينت آراء الفقهاء حول اشتراط القبول لصحة الوصية:
ـ قال المالكية: قبول الموصى له شرط في صحة الوصية.
ـ وقال الشافعية: إن إيجاب الموصي وحده يجعل الوصية ملزمة، وقبول الموصى له ليس شرطًا لصحتها.
ـ وقال الإمامية والحنفية والحنبلية: يفرق في المسألة، فإن كان الموصى له غير معيَّن، كالفقير والمسكين، فإن الوصية تلزم الورثة بعد الوفاة، ولا تحتاج إلى قبول. أما إذا كان الموصى له معينًا فيشترط قبوله - أو من يمثله شرعًا - بعد الموت لنفاذ الوصية.
وأركان الوصية أربعة: الصيغة، الموصي، الموصى له، والموصى به.
1 - الصيغة:
اتفق الأئمة على أنه ليس للوصية صيغة معيَّنة، أو لفظ خاص، فتصح بكل شكل يعبِّر عن إنشاء التمليك بعد الموت تبرعًا. فإذا قال الموصي: أوصيت لفلان بكذا، دلَّ اللفظ بنفسه على الوصية من دون أن يقيد بما بعد الموت. أما إذا قال: أعطوا أو ادفعوا لفلان كذا فلا بد من التقييد بما بعد الموت، لأن اللفظ لا يدل على قصد الوصية من دون التقييد.
ـ قال الإمامية والمالكية والشافعية: إذا اعتقل لسان المريض تصح وصيته بالإشارة المفهمة.
ـ وقال الحنفية والحنبلية(+) : إذا طرأ على لسان الموصي مرض منعه من النطق، فلا تصح وصيته إلا إذا استمر زمنًا طويلاً فصار كالأخرس بحيث يتكلم بالإشارة المعهودة، وحينئذٍ تكون إشارته وكتابته كالنطق.
2 - الموصي:
اتفق جميع الأئمة على أن الوصية لا تصح إلا إذا كان الموصي بالغًا، عاقلاً، مختارًا، أهلاً للتبرع. فعليه لا تصح الوصية من الصغير غير المميِّز، والمعتوه، والمكره، والمحجور عليه.
ولكن تباينت آراؤهم حول بعض الأمور.
أ - الصبيّ المميِّز:
ـ قال الإمامية والشافعية: تصح وصيته في وجوه البر والإحسان. ولكن اشترط الإمامية بلوغه العاشرة من العمر على الأقل(+) .
ـ وقال الحنفية: لا تجوز إلا إذا أوصى بوسائل تجهيزه، وتكاليف دفنه.
ـ وقال المالكية والحنبلية: تجوز وصية من أتَمَّ عشر سنوات.
ب - المجنون والمعتوه:
ـ قال الإمامية: يشترط العقل حال إنشاء الوصية، فإذا أوصى ثم جنَّ لم تبطل وصيته(+) .
ـ وقال الحنفية: يشترط لبطلان الوصية استمرار الجنون أو العته ستة أشهر(+) .
جـ المكره:
وهو المضغوط عليه من دون حقّ بحيث يفسد رضاه. فهذا لا تصح وصيته لأنه لا يملك الرضا الضروريّ لانعقادها.
د - السفيه المحجور عليه:
ـ قال الإمامية والشافعية: إن وصيته غير صحيحة.
ـ وقال الحنفية: يمكن عدّها صحيحة استحسانًا إذا كانت في سبيل الخير.
هـ المديون الذي استغرقت ديونه جميع أمواله:
لا تصح وصيته إلا إذا أبرأ الغرماء ذمته، أو إذا أجازوا الوصية، وذلك لأن حقّ الغرماء مقدم على الوصية(+) .
3 - الموصى له:
ـ قال الأئمة الأربعة: بعدم جواز الوصية لوارثٍ إلا إذا أجازها الورثة.
ـ وقال الإمامية: تجوز للوارث وغير الوارث، ولا تتوقف على إجازة الورثة ما لم تتجاوز الثلث.
واتفق جميع الأئمة على أن للذميّ أن يوصيَ لذمّي أو لمسلمٍ، وعلى أن للمسلم أن يوصيَ للذميّ، لقول الله تعالى: { لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ* إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَن تَوَلَّوْهُمْ وَمَن يَتَوَلَّهُمْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ}(+) .
أما بالنسبة إلى الوصية من مسلم إلى ذميّ حربيّ فقد تباينت آراؤهم حولها:
ـ قال الحنفية وأكثر الإمامية: لا تصح الوصية من المسلم إلى الذميّ الحربيّ.
ـ وقال المالكية والشافعية والحنبلية: إنها تصحُّ.
واتفق الأئمة على صحة الوصية للحمل (الجنين) شرط انفصاله حيًّا، لأن الوصية تجري مجرى الميراث، والحمل يرث بالإجماع فيجب أن يملك الموصى به أيضًا.

موت الموصى له:
ـ قال الإمامية: إذا توفي الموصى له قبل الموصي، ولم يرجع الموصي عن وصيته، قام ورثة المتوفى (الموصى له) مقامه. واستدلوا بأن القبول حقّ للمورَّث فينتقل هذا الحق لورثته، تمامًا كخيار الردّ.
ـ وقال الأئمة الأربعة: إذا مات الموصى له قبل موت الموصي بطلت الوصية، لأنها صادفت المُعطَى له ميتًا فتبطل(+) .
4 - الموصى به:
اتفق الأئمة على أن الشيء الموصى به يجب أن يكون قابلاً للتمليك كالنقود والسيارة والدار ومنافعها. فلا تصح الوصية بما لا يقبل التمليك كالخمر إذا كان الموصي مسلمًا، لأن التمليك أخذ في مفهوم الوصية، فإذا انتفى لم يبقَ لها موضوع.
واتفقوا على صحة الوصية بثمرة البستان لسنةٍ معينةٍ، أو دائمًا وتوسعوا في أحكام الوصية، فأجازوا فيها ما لم يجيزوه في البيع، ولا في غيره، حيث ذهبوا إلى صحة الوصية بالمعدوم المتوقع الوجود، وبالمجهول، كالوصية بثوب، أو حيوان.
مقدار الوصية:
اتفق جميع الأئمة على وجوب تنفيذ الوصيّة التبرعيّة في مقدار الثلث فقط، مع وجود الوارث، سواء صدرت في المرض أو الصحة، وما زاد على الثلث يحتاج إلى إجازة الورثة. فإن وافقوا جميعًا جازت الوصية، وإن رفضوا بطلت، وإن وافق بعضهم ورفض الآخرون نفذت في حق الموافقين فيما زاد على الثلث.
وفيما يتعلق بعدول الورثة:
ـ قال الإمامية: إذا أجاز الورثة، فلا يحقّ لهم العدول عن إجازتهم، سواء أكانت الإجازة في حياة الموصي، أم بعد وفاته.
ـ وقال الحنفية والشافعية والحنبلية: لا يُعدّ الردّ والإجازة إلا بعد موت الموصي. فلو أجازوا في حياته، ثم بدا لهم فردوا بعد وفاته كان لهم ذلك، سواء أكانت الإجازة في حال صحة الموصي أم في مرضه.
ـ وقال المالكية: إذا أجازوا في مرض الموصي فلهم الرد، وإذا أجازوا في صحته لا يحق لهم الردّ.
واتفق الأئمة على أنه لا ميراث ولا وصية إلا بعد وفاء الدين، أو الإبراء. فالثلث الذي تنفذ فيه الوصايا إنما هو الثلث الفاضل عن الدين.
أما آراؤهم حول الوقت الذي يقدّر فيه الثلث فهي متباينة: أي هل هو الثلث عند الوفاة أو عند قسمة التركة؟
ـ قال الإمامية: يحسب من التركة ما يملكه بعد الموت، كالدية في قتل الخطأ، وفي قتل العمد إذا صالح الأولياء على الدية.
ـ وقال الحنفية: يقدر الثلث عند قسمة التركة، فكل زيادة أو نقص يعرض على التركة يشمل الورثة والموصى لهم. وقد وافق على ذلك بعض المالكية، وبعض الحنبلية.
ـ وقال الشافعية: يُعدّ الثلث وقت الوفاء.
وتباينت آراء الأئمة أيضًا حول الذي أوصى بجميع أمواله، وليس له وارث خاص...
ـ قال الإمامية والحنفية: تجوز في جميع الأموال لمن ليس له وارث.
ـ وقال الإمام مالك: لا تجوز الوصية إلا في الثلث.
ـ وقال الشافعي وأحمد بقولين: أحدهما تجوز في جميع المال، والآخر لا تجوز إلا في الثلث(+) .
دين الله أحق بالقضاء:
ـ قال الإمامية والشافعية والحنبلية: إذا كان على الميت زكاة، أو كفارة واجبة، أو حجة إسلام، وما إلى ذلك من الواجبات المالية التي تدخل في الفرائضُ تنفذ من أصل المال لا من الثلث، سواء وصَّى بها أم لم يوصِّ، لأنها حق الله تعالى، وحق الله - سبحانه - أحقّ أن يُقضى. وإذا أوصى بها الميت، وعيّن مخرجها من الثلث، يؤخذ بقوله رفقًا بالوارث.
ـ وقال الحنفية والمالكية: إن أوصى بها تخرج من الثلث لا من الأصل وإن لم يوصِ بها تسقط بموته(+) .
لكنّ الأئمة اتفقوا على أن الوصية بالعبادة المستحبةُ تخرج من الثلث.
الرجوع عن الوصية:
اتفق الأئمة على أن الوصية ليست ملزمة من طرف الموصي، ولا من طرف الموصى له، فللأول الرجوع عن وصيته، سواء أكانت بعينٍ، أم بمنفعةٍ، أم بولاية. ويتحقق رجوعه بالقول وبالفعل، كما لو أوصى ببستان، أو بدار فيبيعه، أو بسيارة فيهبها. كما أن للثاني عدم قبول بالوصية، أو الرجوع عن قبوله.
ciloxan notice kobhvorlangtid.site ciloxan alkohol



Copyright © Samih Atef El-Zein 2010     VINTOB