العقود
الطبعة : الطبعة الثانية  
المؤلف : سميح عاطف الزين
عدد الصفحات :   800
تاريخ النشر :   2013




النسب

لقد اقتضت الحكمة الإلهية أن تكون الأنثى هي محل الحمل والولادة في الحياة البشرية، بل وفي كل حياةٍ تحتاج في نشأتها إلى الذكر والأنثى، وفقًا لسنّة الله تعالى في خلقه، حيث أودع في المخلوقات الحيّة الأنظمة التي تتوالد فيها، بالعناية والدقة اللتين تستلزمهما نشأةُ تلك المخلوقات، وذلك لقوله تعالى: {سُبْحَانَ الَّذِي خَلَقَ الأَزْوَاجَ كُلَّهَا مِمَّا تُنْبِتُ الأَرْضُ وَمِنْ أَنْفُسِهِمْ وَمِمَّا لاَ يَعْلَمُونَ*}(+) .
ولما كانت المرأةُ هي محلَّ الحمل والولادة في النوع البشري، فقد وجب في الإسلام، بل وفي الأديان السماوية كافة، ألاَّ تكونَ المرأةُ إلاَّ لرجلٍ واحد، ومُنعت من التزوّج بأكثرَ من زوجٍ في زواج واحد. وقد حُرِّم عليها ذلك حتى يمكن لكل شخص أن يعرف من ينتسب إليه في الأبوّة، فلا يضيع نسبه، ودفعًا لما يترتّب على ذلك من آثارٍ سلبية كثيرة، نشهدها اليوم وشهدتها قرونٌ كثيرة ماضية، حيث أدت معاشرةُ المرأة لأكثرَ من رجلٍ إلى ضياع أبوّة الأبناء، واضطرار الأمّ إلى ادعاء نسبتهم إلى شخص معيَّن، أو الاكتفاء بانتسابهم إليها.. من هنا كان اهتمامُ الإسلام وعنايةُ الشرع الإسلاميّ بإثبات النسب، وتبيان حكمه أتَمَّ بيان.
مدّة الحمل:
اتفق جميع الأئمة على أن أقلَّ مدّة الحمل ستةُ أشهرٍ لقول الله تعالى: {وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاَثُونَ شَهْرًا}(+) ..
والفصال: هو الرضاع. وقد قال تعالى عن مدة الرضاع: {وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ}(+) .
ومن هاتين الآيتين الكريمتين يتبين أن مدة الحمل والرضاع ثلاثون شهرًا، فإذا أسقطنا منها مدة الرضاع عامين، أي أربعة وعشرين شهرًا، بقيت مدة ستة أشهر، وهي أقلّ مدة الحمل.. وهذه المدة الأقل جاءت الأبحاث الطبية الحديثة تؤيدها، وتؤكد أن المولود الذي تضعه أمه بعد حمل ستة أشهر قابلٌ للحياة، شأنه شأن أيّ مولود آخر يولد بعد حمل تسعة أشهر، كما هو متعارف عليه شرعًا وواقعًا..
أما أقصى مدة الحمل، فقد تباينت آراء الفقهاء حولها.. فمنهم من قال هي سنتان، ومنهم من قال أربع، ومنهم من قال خمس.. غير أنّ علماء الشيعة الإمامية اختلفوا في ما بينهم، في تحديد أقصى مدة الحمل، فقال أكثرهم هي تسعة أشهر، وقال بعضهم عشرة، وقال بعض آخر هي سنة كاملة، إلاَّ أنهم أجمعوا كلّهم على ألاَّ تزيد على السنة.فإن طلَّقها الزوج أو مات عنها، ثم ولدت بعد سنة، ولو بساعة واحدة، لم يلحق الولد بالمطلِّق أو المتوفى، لقول الإمام جعفر الصادق (عليه)؛ «إذا طلَّق الرجل زوجته، وقالت: أنا حبلى، وجاءت به لأكثر من سنة، ولو ساعة واحدة، لم تصدق دعواها»(+) .
وقد أخذت مصر بهذا التشريع، فأصدرت عام 1929 القانون رقم 25 الذي نصت المادة 15 منه على أن أكثر مدة الحمل سنة فقط(+) .
الوطء بشبهة:
هو الوطء الذي يحصل، بالصدفة، ومن غير زنى، ولا يكون بين الرجل والأنثى عقد زواج صحيح أو فاسد. كما لو أنَّ رجلاً وجد امرأة نائمة في فراشه، فظنها زوجته فوطئها، فإذا ما حملت من هذا الرجل وولدت طفلاً فإلى من يعود نسبه؟
ـ قال الإمامي: يثبت النسب الشرعيّ بكل ما تتحقق به الشبهة، ولو نفى الرجلُ المشتبهُ الولدَ، فإنه لا ينتفى عنه بحال، بل يلزم به قهرًا.
ـ وقال غيرهم: إن النسب لا يثبت بأي نوع من أنواع الشبهة، إلا إذا ادَّعى المشتبهُ الولدَ له، وأقرَّ به، لأنه أعلم بنفسه.
والواقع أنه مهما يكن الأمر، فإن أصول التشريع عند جميع الأئمة تستدعي عدم جواز الحكم على إنسان تولد من ماء إنسان أنه ابن زنى متى أمكن حمله على أنه ابن شبهة، فإذا توافر للقاضي تسع وتسعون حيثية على أنه ابن زنى، وتوافرت له حيثية واحدة بأنه ابن شبهة، وجب عليه الأخذ بهذه الحيثية، وطرح ما عداها ترجيحًا للحلال على الحرام، وللصحيح على الفاسد، لقول الله تعالى: {وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً}(+) ، وقوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ}(+) .. وقد ثبت عن رسول الله (ص)، عند جميع الأئمة، قوله (ص): «الحدود تُدرأ بالشبهات، دع ما يريبك إلى ما لا يريبك». وقال الإمام علي (عليه): «ضع أمر أخيك على أحسنه».
وقال الإمام الصادق (عليه): «كذب سمعك وبصرك عن أخيك».. مما يعني أنَّ الآيات القرآنية الصريحة والأحاديث الصحيحة تحتم على كلّ إنسانٍ ألاَّ يشهد، ولا يحكم على أحد أنّه تولّد من حرام إلاَّ بعد الجزم واليقين أنه ليس في واقع الأمر أيُّ نوع من أنواع الشبهة.




اللقيط:
اللقيط هو طفل لا يعرف نسبه، ولا يستطيع أن يجلب لنفسه نفعًا، ولا أن يدفع عنها ضرًّا، فوجده إنسان - أو مؤسسة - فضمَّه إليه، وصار مكفولاً كسائر عياله، (أو كسائر اللقطاء الذين تتولى المؤسسة تربيتهم).
وقد اتفق جميع الأئمة على أنه لا توارث بين اللقيط والملتقِط. قالوا: إنه محضُ عملِ خيرٍ وإحسانٍ، وهو تعاون على البر والتقوى، فمثله كمثل إنسان وهب آخر مالاً كثيرًا تقربًا إلى الله، فجعله غنيًّا بعد فقرٍ، وعزيزًا بعد ذلٍّ. فكما أنَّ الإحسان بالمال لا يكون سببًا للتوارث، كذلك الالتقاط.
التبنّي:
وهو أن يقصد إنسان إلى ولد معروف النسب، فينسبه إلى نفسه. وقد اتفق جميع الأئمة على أن التبنّي غير جائز في الإسلام، ولا يُعدّ سببًا من أسباب الإرث، لأنه لا يغير الواقع عن حقيقته، بعد أن كان نسب الولد ثابتًا ومعروفًا..
والنسب لا يقبل الفسخ، ولا يسقط بالتنازل عنه أو بالإسقاط.
وذكر المفسرون قصة تبنّي زيد بن حارثة، إذ سبي في الجاهلية، فاشتراه رسول الله (ص). وبعد الإسلام جاء حارثة، والد زيد، إلى مكة، وطلب من الرسول (ص) أن يبيعه ابنه زيدًا، أو يُعتقَهُ، فقال رسول الله (ص): «هو حرٌّ لوجه الله تعالى، فليذهب حيث يشاء». لكنَّ زيدًا، بعد عتقه، أبى أن يفارقَ رسول الله (ص)، فغضب أبوه حارثة وقال: يا معشر قريش! اشهدوا أن زيدًا ليس ابني، فقال الرسول (ص): «اشهدوا أن زيدًا هو ابني»، فصار من يومها يدعى زيد بن محمَّد. لكنَّ الله - سبحانه وتعالى - أنزل جبريل الأمين بقوله الكريم: {مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ وَمَا جَعَلَ أَزْوَاجَكُمُ اللاَّئِي تُظَاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهَاتِكُمْ وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ ذَلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْوَاهِكُمْ وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ * ادْعُوهُمْ لآِبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ}(+) .
الرضاع:
إن أفضل ما يرضع به المولود هو لبن أمِّه، لأنه أكثر ملاءمةً لمزاجه، وأنسب موافقةً لصحته، حيث كان غذاءً له وهو في بطن أمه، فلا يكون لبنٌ يرضع منه المولود أعظمَ بركةً وأكثرَ فائدةً من لبن أمه.. ولم لا، والله تعالى أودع في الأم هذه الخصيصة، التي تروي الطفلَ لبنًا سائغًا، مما تأكل من طيبات ما رزقها ربُّ العالمين، بل هي المعجزة الإلهية لبناء حياة الطفل مدة عامين كاملين، يشتد خلالها عظمه ولحمه، فيقوى على المشي، والحركة، وتلقّي المعلومات وتعلّم الكلمات.. فالرضاع أساسي في حياة الطفل، ومنحه الصحة الجسديّة والنفسيّة.
مدة الرضاعة:
لقد حدّد الشارع الأعظم المدةَ التي يجب أن يرضعَ فيها المولود، بحولين كاملين بقوله تعالى: {وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلاَدَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ وَعَلَى الْمَولُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ لاَ تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلاَّ وُسْعَهَا لاَ تُضَآرَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلاَ مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ}(+) .
وأجاز الشرعُ الرضاعَ لمدة واحد وعشرين شهرًا، لقوله تعالى: {وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاَثُونَ شَهْرًا}(+) ، أي إن حملت به تسعة أشهر كما هو في الغالب، كانت المدة الباقية للرضاع واحدًا وعشرين شهرًا. قال الإمام الصادق (عليه): «الرضاع واحد وعشرون شهرًا فما نقص فهو جور على الصبيّ».
أجرة الرضاعة:
اتفق الأئمة على أن الأمّ لا تُجبر على إرضاع ولدها، لقوله تعالى: {فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ}(+) . ولكن إذا انحصر إرضاع الولد بالأم، بحيث يتضرر بتركها إرضاعَه، فحينها يجب عليها أن ترضعه، ولها أن تطالب بأجرة إرضاعه.
فإن كان للمولود مال فأجرتها من ماله، وإلا فعلى الأب الموسر، وإن علا. وإن لم يكن للأب مال وجب عليها أن ترضعه مجانًا. وما ذلك إلا لأن الرضاع طعامٌ وغذاء، فيكون حكمه تمامًا كحكم النفقة. التي هي في مال الإنسان نفسه، وتنتقل منه إلى مال أبيه الموسر، وجده من أبيه، مهما علا الآباء والجدود. وإن لم يكن للأب مال فالنفقة على الأم، ولذلك كان حكم الرضاع مثل حكم النفقة. وإذا طلبت الأم أجرةً أكثر من غيرها، كان للأب انتزاعُ الطفل منها، وتسليمه إلى غيرها، وكذلك الحال إذا وُجدت من ترضعه مجانًا، وأبتِ الأم إلا الأجرة. أما إذا رضيت بما ترضى به أخرى غيرها من الأجرة أو التبرُّع، فالأمّ أولى بإرضاع وليدها. قال الإمام الصادق (عليه): «إذا طلَّق الرجل المرأة وهي حبلى أنفق عليها حتى تضع حملها، فإذا وضعته أعطاها أجرها، ولا يضارها إلا أن يجد أرخص منها، فإن رضيت بذلك الأجر فهي أحقُّ بابنها حتى تفطمه»(+) .


ولايةُ الأب:
الأب هو المسؤول عن الأُسرة، فهو رئيسها، وقائدها، ومدبر أمرها، والقائم عليها، ولذلك كانت له الولاية عليها، فهو الوليّ على أولاده الصغار والكبار غير المكلفين، ذكورًا وإناثًا، وفي النفس والمال، ولو كان الصغار في حضانة الأمّ أو أقاربها.
والشخص إما أن يكون صغيرًا أو كبيرًا. والكبير إما أن يكون عاقلاً أو غير عاقل. فإن كان كبيرًا عاقلاً فلا ولاية لأحدٍ عليه من حيث النفس والمال، بل هو الذي يتولى أمور نفسه، ومع ذلك فإن حق الولاية عليه يبقى للأب. أما إن كان صغيرًا، أو كبيرًا غير عاقل - بأن كان مجنونًا أو معتوهًا. فإن ولايته لا تكون لنفسه، لأنه عاجز عن ذلك، بل تكون الولاية الكاملة لأبيه. وتستمر هذه الولاية ما دام الوصف الموجِب لها موجودًا، وهو الصغر وعدم العقل. فإن بلغ الولد الصغير أو شفي الولد الكبير من الجنون والعته، انقطعت الولاية عنه، وصار هو وليَّ نفسه. وتبقى للأب عليهما ولاية ندبٍ واستحباب، لأن له حق الولاية دائمًا.
الحضانةُ أو كفالةُ الطفل:
الحضانة، لغةً، مأخوذةٌ من الحضن، وهو الجنب، فهي إذن الضمُّ إلى الجنب.
والحضانة، شرعًا، هي تربية الطفل ممن له حقُّ الحضانة.
والطفل عندما يكون صغيرًا، وفي سنٍّ لا يعقل فيها الأشياء، ولا يدرك الفرق بين معاملة أمه ومعاملة أبيه، كأنُْ يكون في سن الفطام وما دونها، أو ما فوقها ولكن قريبًا منها، فإنه لا يميّز، ويُضمُّ إلى أمه، لأن الثابت عند جميع الأئمة أن الأم أحقّ بحضانة الطفل، ولم يرد نص يمنعها من حضانته. فقد روى أبو داود عن عبد الله بن عمرو بن العاص: «أن امرأة جاءت النبي (ص) وقالت: يا رسول الله، إن ابني هذا كان بطني له وعاءً، وثديي له سقاء، وحجري له حواءً، وإن أباه طلقني وأراد أن ينتزعه مني. فقال رسول الله (ص): «أنت أحق به ما لم تنكحي»(+) .
وللحضانة مقوماتُ أساسيّةٌ لا بد من توافرها في الحاضن، فهي تتطلب الحكمة، واليقظة، والانتباه، وسعة الصدر، والخلق الكريم، أي التربية الصالحة والصفات الحميدة، والأخلاق الفاضلة، حتى ليُكره أن يدعوَ الوالد أو الحاضن على ولدٍ أثناء تربيته كما يُكره أن يدعوَ على نفسه وخادمه وماله، لقول رسول الله (ص): «لا تدعوا على أنفسكم، ولا تدعوا على أولادكم، ولا تدعوا على خدمكم، ولا تدعوا على أموالكم، لا توافقوا من الله تعالى ساعة يسأل فيها عطاء فيستجيب له»(+) أي حذرًا من أن يكون دعاؤكم في ساعةٍ يستجيب فيها الله دعاء عباده فيقع ما يسووءكم.
وروى أبو موسى عن ابن عباس: «أن أوس بن ساعدة الأنصاريّ دخل على النبيّ (ص) فقال: يا رسول الله، إنَّ لي بنات، وأنا أدعو عليهن بالموت. فقال (ص): «يا بن ساعدة، لا تدع عليهنَّ فإن البركة في البنات، هن المجملات عند النعمة، والمنعيات عند المصيبة، والممرضات عند الشدة، ثقلهنّ على الأرض، ورزقهنَّ على الله تعالى»(+) .
كفالة الطفل أو حضانته:
والحضانة ليس لها علاقة بالولاية على الطفل، ولا على أمواله، بل هي رعايته من أجل تربيته، وصيانته في أثناء المدة التي يحتاج فيها إلى النساء، وهي حق للأم باتفاق جميع الأئمة.
وتباينت آراء الفقهاء حول المدة التي يحتاج فيها الطفل إلى حضانة الأم، ومَنْ هي الأوْلى بعد الأم، وفيما يشترط بالحاضنة واستحقاقها للأجر، إلى غير ذلك من الأمور التي نبيّنها فيما يلي:
مستحقّ الحضانة:
قال الإمامية: الأم، ثم الأب. وإن مات الأب، أو جنَّ بعد أن انتقلت إليه الحضانة، وكانت الأم لا تزال على قيد الحياة، عادت إليها الحضانة، وكانت أحقَّ من جميع الأقارب بمن فيهم الجدُّ لأب. وإذا فُقد الأبوان، انتقلت الحضانة إلى الجد لأب، وإذا فقد ولم يكن له وصيّ كانت الحضانة لأقارب الولد على ترتيب الميراث، الأقرب منهم يمنع الأبعد. ومع التعدد والتساوي، كجدة لأم، وجدة لأب، وكالعمة، والخالة، أقرع بينهم مع الخصومة، فمن خرجت القرعةُ باسمه كان أحقَّ بالحضانة إلى أن يموت، أو يعرض عن حقه.
ـ وقالت الحنفية: الأم، ثم أم الأم، ثم أم الأب، ثم الأخوات الشقيقات، ثم اللائي لأم، ثم اللائي لأب، ثم بنت الأخ الشقيقة، ثم بنت الأخت لأم، وهكذا حتى تنتهيَ الحضانة إلى الخالات والعمات.
ـ وقالت المالكية: الأم، ثم أم الأم وإن علت، ثم الخالة الشقيقة، ثم الخالة لأم، ثم خالة الأم، ثم عمة الأم، ثم عمة الأب، ثم أم أبيه.. إلى آخره.
ـ وقال الشافعية: الأم، ثم أم الأم وإن علت، شرط أن تكون وارثة. ثم الأب، ثم أمه (أم الأب)، ثم أم أمه وإن علت بشرط أن تكون وارثة، ثم الأقرب من الإناث، ثم الأقرب من الذكور.
وقال الحنبلية: الأم، ثم أمها، ثم أم أمها، ثم الأب، ثم أمهاته. ثم الجد، ثم أمهاته. ثم الأخت لأبوين، ثم الأم، ثم الأب، ثم الخالة لأبوين، ثم الخالة لأم الخ....


شروط الحضانة:
اتفق جميع الأئمة على أنه يُشترط في الحاضنة أن تكون عاقلةً أمينةً، عقيقةً لا فاجرة، ولا مستهترة، ولا شاربة للخمر، ولا مصابة بمرض من الأمراض السارية، ولا مهملة للطفل..
والغايةُ من هذه الشروط لصفات الحاضنة، التي هي شروط للحاضن أيضًا، الاحتفاظُ بالطفل صحيح الجسم، سليم العقل، كريم الخلق.
وتباينت آراء الفقهاء حول إسلام الحاضن:
ـ فقال الإمامية والشافعية: لا حضانة لكافر على مسلم.
ـ وأما الحنفية والمالكية والحنبلية فلم يشترطوا الإسلام. إلا أن الحنفية قالوا: ارتداد الحاضن أو الحاضنة يسقط الحضانة.
وعن سقوط الحضانة: قال الإمامية: تسقط حضانة الأم بالزواج مطلقًا، سواء كان الزوج رحمًا أم أجنبيًّا.
ـ وقال الأئمة الأربعة: إذا طُلِّقت الأم، وتزوجت من رجلٍ أجنبيّ عن الطفل، تسقط حضانتها. أما إذا كان الزوج رحمًا للصغير، فتبقى الحضانة.
ـ وقال الإمامية والحنفية والشافعية والحنبلية: إذا طلقت الأم من الزوج الثاني يرتفع المانع، وتعود حضانتها بعد أن سقطت بالزواج.
ـ وقال المالكية: لا تعود.
مدة الحضانة:
قال الإمامية: مدة حضانة الأم للذكر سنتان، وللأنثى سبع سنين. وبعد ذلك تعود الحضانة للأب إلى أن يتم الذكر خمس عشر سنة، والأنثى تسعًا، فيختار كل منهما أيَّ الأبوين يشاء.
وقال الحنفية: مدة الحضانة سبع سنوات للذكر، وتسع للأنثى.
وقال المالكية: مدة حضانة الغلام من حين الولادة إلى أن يبلغ، والأنثى حتى تتزوج.
وقال الشافعية: ليس للحضانة مدة معلومة، بل يبقى الطفل عند أمه حتى يميز ويمكنه أن يختار أحد أبويه. فإن اختار الولدُ الذكرُ الأمَّ مكث عندها في الليل، وعند أبيه في النهار كي يقوم بتعليمه، وإذا اختارت الأنثى حضانة الأم تستمر عندها ليلاً ونهارًا. وإن اختار الطفل الأب والأم معًا أقرع بينهما. وإذا سكت ولم يختر أحدًا منهما كان للأم.
ـ وقال الحنبلية: مدة الحضانة سبع سنوات للذكر والأنثى، وبعدها يخيَّر الطفل بينهما، ويكون مع من اختار منهما.
أجرة الحضانة:
ـ قال الإمامية والمالكية: لا تستحق الحاضنة أجرةً على الحضانة.
ـ وقال الحنفية: تجب الأجرة للحاضنة إن لم تكن الزوجيةُ قائمةً بين أَبَوَيِ الطفل، ولم تكن الأمُّ الحاضنةُ معتدَّةً من الطلاق الرجعيّ لأبي الولد، وكذلك إذا كانت معتدةً بطلاقٍ بائنٍ، أو فسخ، تستحق فيه النفقة من أبي الطفل. وأجرة الحضانة تجب في مال الولد إن كان له مال، وإلاَّ فعلى من تجب نفقته عليه(+) .
ـ وقال الشافعية والحنبلية: للحاضنة الحقُّ في طلب الأجرة على الحضانة أمًا كانت أو غيرها. وصرَّح الشافعية بأنه إن كان للصغير مال فالأجرة في ماله، وإلاَّ فهي على الأب، أو من تجب عليه النفقة.
سفر الحاضنة:
ـ قال الإمامية والحنفية: لا يحق للوالد السفر بولده ليستوطن به في بلد آخر إذا كان الطفل في حضانة أمه.
ـ وقال المالكية والشافعية والحنبلية: يحقّ للوالد السفر بولده إذا كانت ظروفه تقتضي ذلك.
وأما إذا كانت الحاضنة هي الأم وأرادت السفر:
فقد قال الإمامية: ليس للأم المطلَّقة أن تسافر بالولد الذي تحضنه إلى بلدٍ، بغير رضا أبيه.
وقال الحنفية: لها أن تسافر ولكن بشرطين:
1 - أن يكون سفر الانتقال إلى بلدها الذي نشأت فيه.
2 - أن يكون العقد قد وقع في بلدها الذي قررت الانتقال إليه.
فإن فات أحد الشرطين مُنعت من السفر، إلا إلى مكان قريب يمكن المضيُّ إليه والعودةُ قبل الليل.
ـ وقال المالكية والشافعية (وأحمد في إحدى الروايتين عنه): الأب أحق بولده سواء أكان هو المنتقل أم هي.

التنازل عن الحضانة:
ـ قال الإمامية والمالكية والشافعية والحنبلية: إن الحضانة حقّ للأمّ تتنازل عنه متى تشاء، ولا تجبر عليه إذا امتنعت. واستدل على ذلك صاحب الجواهر بأن العلماء لم يجمعوا على إلزام الحاضنة بالحضانة، والشرع لم ينصّ على ذلك، بل يدل ظاهر النصوص على أن الحضانة كالرضاع، وعليه فلها إسقاطها متى تشاء.
ـ ونقل ابن عابدين الخلاف بين الحنفية في ذلك، وأشار إلى أن الأَوْلى أن تكون الحضانة حقًّا للولد، وعليه فلا يحقّ للأم إسقاطُها.
النفقة والإنفاق:
النفقة من الإنفاق، وهو الإخراج، ولا يستعمل إلاَّ في الخير، وجمعها نفقات.
وهي لغةً: ما ينفقه الإنسان على عياله. وشرعًا: هي كفاية من يموّنه من الطعام، والكسوة، والسكنى.
والأصل في الإنسان أن يعمل لينفق على نفسه وأهله، وهو ما حثَّه الله - سبحانه وتعالى - عليه، أي أن يعمل إذا كان محتاجًا للنفقة، وذلك في قوله تعالى: {فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ}(+) .
وعن الزبير بن العوام عن النبي (ص) قال: «لأن يأخذ أحدكم حَبْلَهُ فيأتي بحزمة حطب على ظهره فيبيعها فيكفَّ الله تعالى بها وجهه خيرٌ له من أن يسأل الناس أعطوه أو منعوه»(+) . فكلمة «خير» هنا، ليست بمعنى أفعل التفضيل، إذ لا خير في السؤال مع القدرة على الاكتساب، وإنما هي، هنا، من قبيل الثناء والمدح والحث على العمل والكسب. فكل من كان قادرًا على العمل، وجب عليه أن يعمل، وليس فقط إن كان محتاجًا للنفقة، لينفق على نفسه فحسب، بل لأن العمل من مقومات حياة الإنسان، وبه عمارة الأرض، التي أوكل الله - سبحانه وتعالى - مهمتها للإنسان. والعمل، في الشرع الإسلاميّ، فرض واجب على كل قادر عليه من الذكور، ولا سيما إن كان محتاجًا للنفقة، لأنه ضمانةٌ له، ووسيلةٌ فاعلةٌ لتأمين حاجاته الأساسيّة.
وإلى جانب واجب العمل، فقد فرض الإسلام على الرجل النفقة للأنثى مطلقًا، سواء أكانت قادرة على الكسب أم عاجزةً عنه. أي إنه لم يوجب عليها عملاً وكسبًا بل فرض لها النفقة، كما فرضها تمامًا لذوي الحاجة من الذكور، أو العجزَة بسبب الظروف التي لم تتح لهم عملاً يقومون به. فكلٌّ من هؤلاء يُعدّ عاجزًا، وتجب له النفقة.
وأما من يقوم بالإنفاق، أي بتأمين جميع الحاجات الأساسية من المأكل والملبس والمسكن، فقد عيّنه الشرعُ تعيينًا واضحًا بأدلّةٍ منها صريح الدلالة، ومنها ما استُنبط استنباطًا.
نفقة الزوجة:
لقد فرض الإسلامُ النفقة للزوجة على الزوج، وبيّن أنها المأكل والملبس والمسكن، قال تعالى: {أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ}(+) ، وقال تعالى: {لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ}(+) .، وقال تعالى: {قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ فِي أَزْوَاجِهِمْ}(+) . والرسول (ص) قال: «ولهنَّ عليكم رزقهن وكسوتهن». وقال (ص) أيضًا: «وحقَّهنَّ عليكم أن تُحسنوا إليهنَّ في كسوتهنَّ وطعامهنَّ»(+) .. فهذه النصوص صريحة في وجوب النفقة للزوجة على الزوج، وقد أوضحتها بأنها المسكن والملبس والمأكل، وذلك بعبارات: «أسكنوهنَّ، كسوتهنَّ، رزقهنَّ، وطعامهنَّ».
نفقة الأهل:
وفَرَضَ الإسلامُ أيضًا النفقة للأب والأم على الأولاد. قال تعالى: {وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً}(+) ، وقال رسول الله: «إن أطيب ما أكل الرجلُ من كسبْه، وإنَّ ولدَهُ من كسبه»(+) .
والإحسان في قوله تعالى: {وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً} يدخل فيه جميع أنواع العمل الطيب، ومنه الإنفاق، بصورة خاصة على الوالدين، لما لهما من منزلة خاصة عند الله تعالى في حقوقهما على الأولاد. كما أن عبارة: «إن أطيب ما أكل الرجل من كسبه» في قول رسول الله (ص) قد أوردت «الأكل» ويراد به جميع أنواع النفقة، وإنما ذكرَهُ من باب الاكتفاء أي من قبيل ذكر شيءٍ واحدٍ، من بين جميع تلك الأشياء التي يُطلب تأمينها لتحقيق الغاية نفسها التي يتجه إليها الشيء الواحد.
ويدخل في الأهل الأقاربُ من المحارم. فيكون الإسلامُ قد فرض النفقة على القريب ذي الرحم المحرم لقريبه. قال الله تعالى: {وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ}(+) ، بعد قوله تعالى: {وَعَلَى الْمَولُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ}(+) . وروي أن رجلاً أتى النبيَّ (ص) وقال له: عندي دينار فعلى من أنفقه؟ قال رسول الله (ص): «أنفقْهُ على نفسك» فقال الرجل: عندي آخر... فقال له الرسول (ص): «أنفقْه على أهلك». قال الرجل: عندي آخر. فقال الرسول (ص): «أَنفقه على خادمك». وقال (ص): «وابدأ بمن تعول: أمَّك وأباكَ، وأختَك، وأخاك، ثم أدناكَ أدناكَ»(+) وهو يعني النفقة أبدًا، لأن الكلام في الإنفاق.
وعن ابن حكيم، عن أبيه، عن جدِّه، قال: قلت: يا رسول الله، من أَبرُّ؟ قال (ص): «أمَّك، قلت: ثم من؟ قال (ص): «أمّك». قلت: يا رسول الله، ثم من؟ قال: «أمَّك»؛ قلت: ثم من؟ قال (ص): «أباكَ ثم الأقرب فالأقرب»}(+) .
وعن المقدام بن معد يكرب قال: سمعت النبي (ص) فقال: يا رسول الله من أَبَرُّ؟ قال (ص): «أمك وأباكَ، وأختك وأخاكَ، ومولاكَ الذي يلي، ذاكَ حقّ واجب، ورحم موصولة»(+) . أي أن تكون الرحم موجودة في جميع من ذكرهم.
وهكذا يتبين أن كلمة «الأهل» يدخل فيها القريب المحرم، وتؤيدها الآيات القرآنية، بدليل قول الله تعالى: {إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي}(+) ، وقوله تعالى: {وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي*}(+) ، وقوله تعالى: {رَبِّ نَجِّنِي وَأَهْلِي}(+) ، وقوله تعالى: {فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ}(+) ، وقوله تعالى: {وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ}(+) .فيكون ما ورد: في آية الوارث، وفي أقوال رسول الله (ص): «أنفقه على أهلك»، ثم «أدناكَ أدناك»، ثم الأقرب فالأقرب».. كلها أدلة على الأقارب وذوي الرحم.
ثم قوله (ص): «وابدأ بمن تعول» إنما يعني النفقة، لأن النفقة تدخل في الإعالة، بل هي الإعالة. وقوله (ص): «ورحم موصولة» إنما تعني التواصل في القربى، أي الأقارب، وبصورة متسلسلة الأقرب فالأقرب. وهكذا الحال أيضًا في قوله (ص): «إن الله تعالى يوصيكم بأمهاتكم ثم بآبائكم ثم الأقرب فالأقرب» أي قرابة الرحم، لأن القرابة المعدّة شرعًا هي قرابة الرحم المحرم.
فهذه النصوص، مجتمعة ومنفردة، هي أدلّة شرعية على وجوب النفقة للأهل، والأقارب ذوي الرحم المحرم.
تحصيل النفقة:
هـذه النفقة تحصِّلها الدولةُ جبرًا ممَّن فُرضت عليه إذا لم يُعْطِها مختارًا، وتُعدّ مقدَّمةً على سائر الديون. فلو حُكم على رجلٍ بدَين مسـتحقٍّ عليه لآخر، ثم حُكم عليه بنفقة، يُقدَّم تحصيلُ النفقة على تحصيل الدَّين، فتحصَّـل النفقة أولاً، فإن بقي لـدى الرجل مالٌ حصِّل الدَّينُ منـه وإلاَّ صُرف مالـه للنفقة وأُجِّل الدين. وذلك لأن الله تبارك وتعالى أمر بإنظار(+) المُعْسِر فقال: {وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ}(+) . لكنـه أمر بدفع النفقةـ ولم يُنْظِرْ فيها ما دامت قد فُرضت. فحكم النفقة أن تحَصَّل ولا تُقبل فيها دعوى الإعسار، في حين أننا نجـد أن حكمَ الدَّين تُقبل فيه دعـوى الإعسـار ويُنْظَر صاحبُـهُ إلى مَيْسرَة.
ومن وجبت عليه نفقةُ امرأته، وكان له عليها دَين فأراد أن يحتسب عليها نفقتها في مقابل دينه، فإن كانت موسِرةً فَلَهُ ذلك إذا وافقت هي ورضيت أن يحتسبَ الدَّين، لأنّ مَنْ عليه حقٌّ فلَه أن يقضيه من أيِّ أمواله شاء، وهذا الدَّين هو من مالها المترتب لها في حقها بالنفقة فيمكنها قضاؤه منه. أما إذا كانت معسرةً فليس له ذلك، لأن قضاء الدين إنما يجب في الفاضل من قوت الإنسان وقوت من يعوله، وفي إعسارها لا يفضل عنها مال لإيفاء الدين، ولأن الله تعالى أمر بإنظار المُعسِر بقوله: {فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ}. فيجب إنظارُها بما عليها وتأديَةُ نفقتها إليها..
أما إن كان من وجبتْ عليه نفقته غيرَ امرأته، بأن كان ابنَه أو أباه أو أخاه أو أيَّ وارث، فإنه إن كان لمنْ وجبت عليه النفقة دَينٌ على أحد من الذين يعولهم بالنفقة - أي على من وجبتْ لهم - وأراد أنْ يحتسبَ عليه بدَينه مكان نفقته، فإنه ليس له ذلك، لأنه لا تجب النفقة لغير الزوجة، إلا في حال عدم الغنى، أي الإعسار، لأن صريح الآية الكريمة يدلّ عليه: {وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ}(+) .فَيُجْبَرُ على إعطاء النفقة، ويُجْبَرُ على إنظار من له النفقة بما له من دين عليه، أي يعطيه النفقة ويؤخر استيفاء الدين منه.
وبضمان النفقة للزوجة والأبوين والأبناء وكل ذي رحم محرم قد ضمن النظام الإسلاميُّ تأمين جميع الحاجات الأساسية لأبناء المجتمع إلاَّ إذا عجز أصحابُ النفقة عن الإنفاق، أو إذا وجد من ليس له رحم محرم يُنفق عليه.. وهاتان الحالتان قد احتاط الشرع، وشرع لهما أحكامًا معيَّنة محددة. ففي حال عدم استطاعة الإنفاق ممن تتوجَّب عليهم النفقة، أو في حال عدم وجود القريب الذي ينفق على محرمه فقد أوجب الشرع النفقة على بيت المال، أي على الدولة.
قال رسولُ الله (ص): «مَنْ تَرَكَ كَلًّا فَإلينا. ومَنْ تَرَكَ مالاً فَلِوَرَثَتِه»(+) . والكَلُّ هو الضعيف الذي لا ولد له ولا وَالد. وقال (ص): «فأيُّما مؤمن مات وتَرك مالاً فلْيرثه عصبَتُه من كانوا، ومن تَرَك ديْنًا أو ضياعًا فليَأْتِني فأَنا مولاه»(+) . والضياع هنا العيال. فكأنها مخلوقاتٌ ضائعةٌ بعد موت مولاها الذي كان ينفق عليها. أو هو وصفٌ لمن خلَّفَهُ الميتُ بلفظ المصدر، أي ترك ذوي ضياع أي لا شيء لهم. وهذا أيضًا بمعنى: ضائعين. ففي هذا دليلٌ واضحٌ على أن النفقة واجبة على الدولة.
وهذه النفقة ليست في وجوبها على الدولة كباقي ما يجب عليها من صرف أموال. بل الصرف لها مقدَّم على كل صرف، وهي مستحقةٌ على بيت المال في حال الوجود والعدم، أي إن وُجد فيه مال أم لم يوجد. فإن وُجد فيه مال صرف للنفقات، وإن لم يوجد فيه مال وجب على الدَّولة أن تفرض ضرائب على المسلمين وتحصِّلها منهم بالقوة كسائر الضرائب لتقوم بصرفها للنفقات، لأن النفقة مما يجب على بيت المال ومما يجب على المسلمين في آن.
أما وجوبها على بيت المال فظهر من الحديثَين السابقين. وأما وجوبها على المسلمين فَلِقَولِ الرَّسولِ (ص): أيما أهل عرصة(+) أصبح فيهم امرؤٌ جائعًا فقد برئت منهم ذمَّةُ الله تبارك وتعالى»(+) . وهو إخبارٌ يتضمن الطَّلب مقرونًا بالذَّم. ولذا كان طلبًا جازمًا ودلَّ على أنه فرض على المسلمين. ولذلك وجب على الخليفة - إن لم يوجد في بيت المال مال للصرف لمن تجب لهم النفقة - أن يفرض الضرائب ويحَصِّلَها ويقومَ بصرف النفقة الواجبة لجميع المحتاجين.
وإذا خِيفَ الضررُ من انتظار فرض الضرائب وتحصيلها وجبَ على الدولة أن تقترض مالاً للصرف لمن يُخْشَى عليهم الضررُ ممن وجبت لهم عليها النفقة، لأن إزالة الضرر عن الناس فرضٌ. فقد رُويَ عن ابن عباس أنه قال: قال رسولُ الله (ص): «لا ضَرَر وَلاَ ضِرَار»(+) . وكذلك رُوِيَ أنّه (ص) قال: «مَنْ ضَارَّ أَضرَّ الله بِهِ، وَمَنْ شَاقٌّ شَاقَّ الله عليه»(+) وإزالةُ الضرر عمَّن وجبت لهم النفقة تكون: بالتعجيل بدفعها لهم. ولهذا وجب على الدولة أن تقترض من أغنياء رعيتها ومن مؤسساتهم وغيرها، لتعجِّل بدفعها لأصحابها. وهذا يبين إلى أيَّ مدًى يحرص الشرعُ الإسلاميُّ على ضمان صرف النفقة من قِبَل الدَّولة إذ جعلها من ألزَمِ ما يجب عليها صرفه، واحتاط لذلك كل الاحتياط.
ولا يقال إن الشرعَ لم يوجب النفقة على الدولة إلاَّ في حال عدم استطاعة الأقارب دفع النفقة، لأن النفقة لم يوجبها الشرع على القريب إلاَّ إذا كان لديه ما يفضلُ عن حاجاته الأساسية وحاجاته الكمالية، ولذوي الرحم من دون غيرهم. وقد ألزمَ الشرعُ الأقاربَ القادرين أولاً بدفعها ولم يوجبها على الموسرين إلاَّ لذوي الرَّحم المحرّم، واستثنى ذوي القربى الأبعدين، لأن ذلك يُفْقِرُ الموسرين حين يقتسم الأقارب ما لديهم من مال بينهم وبين قريبهم، ويؤدِّي إلى انخفاض مستوى المعيشة عند الجميع.
أما مَن كان لا يوجد لديه ما يفضلُ عن حاجاته الكمالية فلا تجب عليه النفقة، لأنها لا تجب إلاَّ على القادر على دفعها. والقادر شرعًا هو مَن كان لديه مالٌ يُفضلُ عن حاجاته الأساسية وحاجاته الكمالية، بحسبما هو معروف لمثله في مجتمعه الذي يعيش فيه من مأكل وملبس ومسكن وخادم، وما يركبه لقضاء حاجاته. وقد قال النبيُّ(ص): «خيرُ الصَّدَقة ما كانَ عن ظَهْرِ غِنى»(+) .
وعن حكيم بن حزام (رضي) عن النبي (ص) قال: «اليدُ العُليا خيرٌ من اليد السُّفْلى وابدأْ بِمنُ تَعول، وخيرُ الصَّدقَة عن ظَهْرِ غِنى...»(+) والصدقة والنفقة سواء، والصدقة إنما هي للنفقة، والغنى هنا ما يستغني عنه الإنسان مما يزيد على جميع حاجاته الأساسية والكمالية التي هي ضرورية لمثله في المجتمع.
قال الله تعالى: {لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ}(+) وقال الرَّسول (ص): إذا كان أحدُكم فقيراٌ فليبدأْ بنفسِه، فإن كان فيها فضلٌ فعلى عياله، فإن كان فيها فضلٌ فعلى ذي قرابته»(+) : فالنفقة إنما هي من الفضل، ولا تجب إلاَّ على من كان لديه فضلٌ عن حاجاته الضرورية، والكمالية.
ومن هذا كله يتبين أن الإسلام قد ضمن لجميع الرَّعية، فردًا فردًا، تأمينَ جميع حاجاتهم الأساسية بإيجاب النفقة على هذا الوجه، وجعل النفقة شاملةً للملبس والمأكل والمسكن، وهي الحاجات الأساسية التي لا غنى عنها لأحد.
أما الدليلُ على أنه ضَمِنَ أن يكون تأمينُ هذه الحاجات الأساسية تأمينًا كليًّا، فإنه ظاهرٌ في أدلَّة النفقة، فالله تعالى يقول: {وَعَلَى الْمَولُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ}(+) .
ومعنى بالمعروف هنا، ما عُرفَ عن نفقة مثلِه عن مأكل وملبسٍ ومسكن لدى الناس. فلكلِّ نفس ما يكفيها ممَّا هو معروف عند الناس من كفايتها. وقال (عليه): «وَلَهُنَّ عَليكمُ رزْقُهُنَّ وَكِسْوتُهُنَّ بالمعروف»(+) . وبذلك حدَّد الرزقَ والكسوةَ بأن يكونا بحسبما هو معروف في المجتمع بين الناس لأمثال الذين تتوجّب لهم النفقة. وهذان دليلان، من القرآن والسنّة، يُظهران أن النفقة يجب أن تكون كافيةً للحاجات بحسب المتعارف، وأن يكون تأمينها بحسب مستوى معيشة الشخص الذي فرضت له النفقة.
وهذا أيضًا ظاهرٌ في النفقة من مالِ اليتيم على من له الولاية عليه، فإن الشرع جعل له أن يأخذ للإنفاق على نفسه - إذا كان محتاجًا - ما يقوم بحاجاته الأساسية، فقال تعالى: {وَلاَ تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَنْ يَكْبَرُوا وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ}(+) . فقد جعل لكافلِ اليتيم القائم بشؤونه والمحافظ على ماله وإرثهِ، حقَّ الأكلِ، أي حقَّ الإنفاق على نفسه، شرط أن يكون هذا الإنفاقُ بحسبما هو معروف من نفقته عند الناس في المجتمع، أي بقدَر كفايته بما عُرِفَ عند الناس من كفايةِ مثلهِ.
والعرف العام في المجتمع يشمل عادة الطعام وما يَلزم له من أوانٍ وأدوات مطبخ بحسب الوسط الذي يعيش فيه، وما يَلزم لأدوات الطبخ من وقود، وما يلزم لوضع الأدوات من خزائن. وجعل من المسكن ما يلزم له من فراش وأثاث بحسبما هو معروف عند الناس. وجعل ما يلزم للمأكل والملبس والمسكن من خادم بحسبما هو معروف في مجتمعه لأمثاله، وجُعلت نفقة الخادم أيضًا بحسبما هو معروف على من تجب عليه النفقة لأن الخادمَ من النفقة.
وقد أخرج البخاري عن علي بن أبي طالب (عليه): «أنَّ فاطمة (عليها) أَتت النبيَّ (ص) تسأله خادمًا»(+) .
وفي كل ذلك يشترط في النفقة الكفاية بالمعروف، وهي أن تستكمل الأمور الثلاثة: الطعام والكسوة والمسكن بحسبما هو معروف عند الناس، لأن كلمة «بالمعروف» تكررت في القرآن الكريم والحديث الشريف.
ciloxan notice kobhvorlangtid.site ciloxan alkohol



Copyright © Samih Atef El-Zein 2010     VINTOB