العقود
الطبعة : الطبعة الثانية  
المؤلف : سميح عاطف الزين
عدد الصفحات :   800
تاريخ النشر :   2013




الطـلاق

الطلاقُ لغةً، مأخوذ من الإطلاق، وهو حل القيد. والإطلاق هو أيضًا الإرسال والترك.. ويقال: أطلقَ الأسيرَ إذا حلّ قيده وأرسله، أي أطلق سراحه.
والأصلُ في الشرع الإسلاميّ الزواجُ لا الطلاق، لأن ما من شيء أحبُّ إلى الله تعالى من بيتٍ يعمر بالزواج، وما من شيءٍ أبغض إليه سبحانه من بيتٍ يخرب بالطلاق. والطلاق حلالٌ ومشروع في الإسلام، لكنه أبغضُ الحلال إلى الله. هذه هي القاعدة الأساسيّة التي يجب أن ينطلق منها المسلم، ويبنيَ على أساسها حياته الاجتماعية. فعليه أن يكون مدركًا لحقيقتها، فيختار بين أمرٍ هو أحبُّ شيءٍ إلى الله - جلَّ شأنه - الذي هو خالقه، ومدبِّر حياته، وبين أمرٍ هو أبغض شيءٍ إلى الله - عزَّ وعلا - خالق الأنفس والأزواج. وما من عاقل حكيم يختار ما يُبغض الله - سبحانه - على ما يحبّه..
أما لماذا هذا الربط بين هذه العلاقة التي تقوم بين شخصين، وعناية الخالق ولطفه فلأن استمرار الحياة البشرية وعمارة الأرض إنما يقومان قبل كل شيءٍ على استقرار الحياة الزوجية، ويخربان من دونها أو بالفرقة بين الأزواج. من أجل ذلك لم يكن عقدُ الزواج لينعقدَ إلاَّ لدوام العلاقة بين الزوجين، فيعملان جاهدين ليجعلا من بيتهما مهدًا للراحة والطمأنينة يأويان إليه، وينعمان في أجوائه بظلال السعادة الوارفة، ليتمكَّنا بتماسكهما وجهدهما المتواصل من تنشئة أولادهما تنشئةً صالحةً تكون الأساسَ للحياة الإنسانية الطيبة. ومن أجل هذا كانت الصلة بين الزوجين من أوثق الروابط الإنسانية، وأطهرها، وأجلّها في بناء الإنسان ورقيّه. وليس أدلّ على ذلك من أن الزواج، في الإسلام لا ينعقد إلاَّ بالميثاق الذي فرضهُ الله تعالى بقوله العزيز: {إِلَى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا*}(+) .. والميثاق الغليظ هو العهد المتين، الشديد، المأخوذ على الزوج حالة العقد. وقد بيَّن الرسول الكريم (ص) أهمية عقد الزواج الذي تصبح فيه المرأة حلالاً لزوجها بقوله (ص): «أخذتموهنَّ بأمانة الله واستحللتم فروجهنَّ بكلمة الله»(+) .
وبعد هذا التوثيق المؤكد لعقد الزواج لا ينبغي الإخلال به، أو التهوين من قدره. وكل امرئٍ يحاولُ أن يوهن هذا الرباط المقدس، ويُضعف من أمر هذه الصلة المتينة، هو بغيض إلى الإسلام، لأنه يفكك عُرى الأسرى، ويوجد الكراهية بين أبناء المجتمع الواحد، لقول رسول الله (ص): «أبغض الحلال إلى الله الطلاق»(+) ، وقوله (ص): «ما أحلَّ الله ُ شيئًا أبغض إليه من الطلاق»(+) .. كما أن كل امرئٍ يريد أن يُفسد بين الزوجين ليفرّق بينهما فهو مفسد، وليس له حق شرف الانتساب إلى الإسلام بفساده هذا، لقول رسول الله (ص): «وليس منا خَبَّب (أفسد) امرأة على زوجها»(+) .
أما الزوجان فيجب أن يتحلّيا بحسن الطباع، والذهنية - لأنَّ المطلوبَ منهما التآلف والتقارب والتفاهم على مختلف الأمور التي تهم الحياة الزوجية - كما أنه يمكن أن يحصل الخلاف بينهما في التفكير، أو في معالجة الأمور - أحيانًا كثيرة - فتنشأ عن ذلك مشاكلُ كثيرةٌ وهذا أمر طبيعيّ في الحياة الزوجية، إلاَّ أن مقدرتهما تظهر بالعمل على حلِّ تلك المشاكل، من غير أن تترك آثارها السيئة على حياتهما، وحياة العائلة بأسرها.. من أجل ذلك شرَّع الإسلامُ طرائق وديةً لِحَلِ ما ينشأ من نزاعٍ بين الأزواج، فأعطى المجال دائمًا للصلح بينهما، بدءًا من الحالة التي تخاف المرأة فيها ابتعادَ زوجها أو إعراضَهُ عنها، فقال تعالى: {وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ}(+) .
ثم إن الله - سبحانه وتعالى - أمر الرجال باللجوء إلى الوسائل التي يخففون بها من حدة نشوز النساء، وذلك عن طريق الوعظ والإرشاد والمعاملة باللطف، أو هجرهنَّ في المضاجع، وإرسال حَكَمَين يصلحان بينهما، من أقاربهما، إذا عجز الزوجان أنفسهما، أو عجز الأهل عن الإصلاح بينهما، أو باتباع غير ذلك من الطرائق أو الوسائل التي تؤلف بين الزوجين، وتنقذ زواجهما من التدهور والانحلال.. قال الله تعالى: {وَاللاَّتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلاَ تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا*}(+) .. والمعنى أن الرجال الذين يخافون عصيان نسائهم ومخالفتهُنَّ لهم في مختلف الأمور، ولا سيما تلك المهمة في حياة الأُسرة، وفي حياة الزوج الخاصة، أن يعظوهنَّ بالقول الحسن، والحكمة البليغة، وكلِّ ما يمكن أن يرشدهنَّ، ويردّهنَّ عن عصيانهنَّ، أو غيهنَّ. حتى إذا لم تفلح وسائل الوعظ والإرشاد، فللرجال أن يهجروهنَّ في المضاجع، ولا يقربوهنَّ في الفراش، فلعلَّ هذا الهجر يردعهنَّ. فإذا لم ترجع الزوجةُ بعد ذلك إلى طاعة زوجها، وأصرَّت على دأبها في المخالفة، وإثارة الشقاق والنزاع، فللزوج أن يضربَها. وقد اتفق أهل العلم على أن الضربَ المباح هو الضرب غير المبرّح أي الذي لا يؤدي إلى قطع لحمها (جرحها) أو كسر عظمها... فإن عادت المرأة إلى طاعة زوجها واستقام له ظاهرها - بأن حسّنت من أخلاقها، وتعاطيها للأمور بتهدئة الأحوال - فليس له أن يجور عليها، أو يظلمها.. فإن الله - سبحانه - لا يرضى بإذلالها والجور عليها لأنه - سبحانه - قد تعالى عن أن يكلّف الإنسان إلاَّ مقدار طاقته، ومقدار ما يمكن أن تتحمله الزوجةُ من أعباء قد تكون هي السبب في نشوزها.
وأما إذا حصل التباين بين الزوجين، واشتد النزاع بينهما، إلى حدٍّ لم يقدرا معه على التفاهم بعضهما مع بعض فإن الطريقة المثلى هي دخول أهل الصلح بينهما من أهليهما، وفقًا لما أرشدنا وهدانا إليه العليم الخبير بقوله تعالى: {وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلاَحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًا*}(+) . أما إذا لم يستطع الحكمان أن يوفقا بين الزوجين، ولم يقبل هذان بالتوفيق بينهما، وبالوعد على بذل ما في وسعهما لنبذ كل ما كان يفرِّقهما، فحينئذٍ لا مجال لاستمرار الحياة الزوجية بينهما. إذ بعد كل تلك المحاولات الجادّة لا بدَّ من أن تكون حالتهما قد وصلت إلى حدٍّ من الإرهاق، والتعقيد، بحيث تكون العقدةُ النفسيّةُ التي نشأت عند كل منهما غيرَ قابلةٍ للحل، إلاَّ بالطلاق. وعسى أن يجدَ كلٌّ منهما منحًى ثانيًا في حياته أو لعلَّ تلك العقدةُ تُحلُّ بهذا الطلاق. قال الله تعالى: {وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلاًّ مِنْ سَعَتِهِ وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعًا حَكِيمًا*}(+) . والمعنى أنه إذا تفرق الزوجان بالطلاق فإن الله - سبحانه وتعالى - يُغني كُلًّا منهما عن صاحبه فلا يعود في حاجة إليه، فلربما يرزقها زوجًا غيره قد يسعدها، ويرزقهُ زوجةً غيرها قد تسعده.
هذا، وقد لا تصل الحال بالزوجة إلى درجة اليأس من زوجها، مع هذا نراها تطلب الطلاق لأسباب تستطيع الصبر عليها، فهذه تُحرِّم على نفسها رائحة الجنة لقول رسول الله (ص): «أيّما امرأة سألت زوجها طلاقًا من غير يأس، فحرام عليها رائحة الجنة»(+) . إذ يجب التحمل، والتسامح، والصفح عن الأخطاء، لأن الأمور يمكن أن تسوَّى مع الزمن، وتستعيد العائلة رونق حياتها وطمأنينتها. وكم من زوجاتٍ صالحاتٍ تحمّلن القهر والعذاب من أجل الأبناء، وكم من أزواجٍ قبلوا السكوتَ عن جهل المرأة، والصبرَ على تعنّتها وعنادها، لكي تبقى الأُسرةُ على تضامنها وتآلفها. وكثيرة هي الحالاتُ التي نجح فيها الأزواج، فسلمت فيها الأُسر من التفرقة والشتات...
ومن القواعد التي أقرَّها الإسلام أيضًا جعل الطلاق بيد الزوج، لا بيد الزوجة، وذلك لأسباب كثيرة أبرزها اثنان:
الأول: الحفاظ على الزواج، واتقاء المخاطر التي من شأنها إنهاؤه بشكل سريع. إذ إن المرأة غالبًا تتأثر بما يحيط بها أكثر من الرجل، بحيث تترك في كثير من الأحيان لعواطفها أن تتحكم بها من دون أن تجعل للعقل سلطانًا على ميولها وأهوائها. وربما أقدمت على طلب الطلاق لأسباب عادية وبسيطة، لا تستدعي في حقيقتها هدم الحياة الزوجية.
والثاني: الواجباتُ التي تلقى على عاتق الزوج، فإنه هو الذي يدفع المهر، وينفق على الأُسرة. فإن وقع الطلاق كان عليه أن يدفع المهر المؤجل، ونفقة العدة، وإن كان له أولادٌ كان مسؤولاً عن الإنفاق عليهم.. ومثل هذه الأعباء المالية، بالإضافة إلى ضرورة رعاية الأولاد في كنفه، قد تجعله أكثرَ تقديرًا لعواقب الأمور، وأبعدَ عن الطيش في تصرّفٍ يُلحق به ضررًا كبيرًا...
هذا كله من شأنه أن يحمل الرجل على التروّي في إيقاع الطلاق، فيكون من الخير والمصلحة جعلُ الطلاق بيد من هو أحرص على عدم هدم الحياة الزوجية.
وهكذا فإن الإسلام لمّا جعل الطلاق بيد الزوج، فلأنه جعل منه القيّم على الزوجة، لقول الله تعالى: {الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ}(+) .. أي إنه تعالى جَعَلَ الرجالَ قوامين على النساء في التدبير، والتأديب، والرعاية بما ولاهم الله تعالى أمرهنَّ وبما لهن عليهم من العزم والنفقة.
وإنَّ التبصّر في واقع الزواج والطلاق يُظهر أنه لما كان الزواج ابتداءً لحياة زوجية جديدة، كان الرجل والمرأة متعاونين في اختيار كل منهما الزوج الذي يريده، وكان لكل منهما التزوج بمن يشاء، ورفض الزواج بمن لا يشاؤه. ولكن بعدما حصل الزواج بالفعل، وأعطيت القوامة والقيادة للزوج، كان من المحتم أن يكون الطلاق بيد الرجل، وأن يكون من حقه هو.. لأنه رئيس العائلة، وقائد الأُسرة، وعليه وحده أُلقيت مسؤولية البيت وتكاليفه، فيجب أن يكون له وحده صلاحية حلّ عقد الزواج. والصلاحية بقدر المسؤولية، والتفريق بين الزوجين بيد القوّام منهما على الآخر. ومن البديهيّ القول إن الذي يعطي، ويتحمل المسؤولية هو الذي يحقّ له فسخ العقد، لا الذي يأخذ وينتظر من يقوم برعاية شؤونه.
وعلى الرغم من أن مسببات الطلاق قد تكون كثيرة ومتنوعة، فإنه ليس بالضرورة أن يؤدِّيَ حصوله إلى فراقٍ حاسم ونهائيٍّ بين الزوجين. فإنَّ السبل لا تزال متاحة أمامهما للعودة إلى الحياة الزوجية مرة ثانية وثالثة، وذلك عندما يثير فراقُ كلٍّ منهما للآخر الرغبة في نفسه للعودة إلى كنف الزوجية، واستئناف حياةٍ جديدةٍ ملؤها الوفاق والوئام. ومن هنا نجد أن الشرع جعل الطلاق ثلاث مرات، فقال الله تعالى: {اَلطَّلاَقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ}(+) .. أي أن التطليق الذي يمكن المراجعة فيه مرتان، فعليكم إمساكهن بعده بأن تراجعوهن من غير ضرار وإلاَّ فإطلاق سراحهن بإحسان.
وهذا تدبير إلهيّ حتى يترك للزوجين أن يراجع كل منهما نفسه، وأن يرجع إلى تقوى الله - سبحانه - المتركزة في صدره، فلعلهما يحاولان معاودة تجربة الحياة الزوجية مرة أخرى بشكل هادئ، إذ ربما ارتاحا واطمئنا ووجدا حياة لم يكونا يعرفانها من قبل. لذلك نجد الإسلام قد أباح للزواج، أن يعيد زوجته بعد الطلقة الأولى والثانية. كما أنه يساعد الزوجين على محاسبة أنفسهما، والتفكير في الأمر مليًّا، والنظر إلى هذا الأمر نظرةً جدّيةً كفيلةً بتكوين الرأي النهائي والثابت. لأنه جعل بعد كل طلاق فترةَ العدّة ثلاث حيضات، وهي تقرب من ثلاثة أشهر، أو وضع الحمل. وجعل على الزوج واجب الإنفاق على زوجته التي طلَّقها، وإسكانها طوال مدة العدّة، ومنع الزوج من إخراجها نهائيًّا من حياته حتى تستوفيَ عدّتها. وذلك كله تأليفًا للقلوب، وتصفية للنفوس، وإتاحة للفرصةِ كي يستأنفا الحياة الصافية الجديدة، إذا عادا عن عزمهما عن الفراق، مضافًا إلى أن العدَّة فرصةٌ قد يظهر فيها الحَمْل أو عدمُه.
وقد قضى الإسلام بعدم الاعتداء على النساء المطلّقات فقال الله تعالى: {وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَلاَ تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ}(+) .. والاعتداء هنا بمعنى معاشرتهن بسوء، واللجوء إلى الأساليب التي تكرِّه المرأة بالتفكير في الرجوع، أو الطلب منها افتداء نفسها، أو تطويل حبسها. والرجال الذين يفعلون ذلك، يجهلون ولا ريب أن هذا الضرر هو الاعتداء الذي نهى عنه ربُّ العالمين، وأنَّ من يفعل ذلك فقد ظلم نفسه، بتعريضها لغضب الله عزَّ وجلَّ.
وكلّ التحصينات التي فرضَها الإسلام للزواج، وكل الوسائل التي أتاحَها لتسوية الوضع في فترات الطلاق.. إذا لم تنفع، ثم حصل الطلاق الثالث، فالقضيةُ حينئذٍ تكون أعمقَ جذورًا، وأكثر تعقيدًا، ولا فائدةَ بعدئذٍ من المراجعة، بل يكون الفراق التام هو العلاج، لعلهما يستأنفان عشرة أخرى، تناسبهما أكثر.. من هنا جعل المولى، تبارك وتعالى، الطلاق الثالث حاسمًا لا رجعة فيه، إلاَّ بعد أن تتزوج المطلّقة من رجل ثانٍ، ويطلِّقا، فقال تعالى: {فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلاَ تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَتَرَاجَعَا إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ يُبَيِّنُهَا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ*}(+) .. والمعنى أنه إنْ طلَّق الرجلُ زوجته مرةً ثالثة، بعد طلقتين سبقتا، فلا تحلّ له من بعد الطلقة الثالثة، حتى تتزوجَ من رجل غيره، زواجًا شرعيًّا وفعليًّا، بحيث يدخل فيها وتذوق عسيلته، ويذوق عسيلتها، لا أن تعقد المرأة زواجًا صوريًّا لبضع ساعات، أو بضعة أيام، ثم تنقضي العدة، لتعود وتتزوج بعد طلاقها من الثاني، من زوجها الأول. وإذا لم يقع بينها وبين الرجل الثاني زواج فعلي، فإن ذلك يكون احتيالاً على الشرع، وغير جائزٍ مطلقًا، فينبغي أن يكون زواج المرأة من الرجل الثاني زواجًا تامًّا، وناجزًا بجميع مفاعيله الشرعية والمادية. فإن لم يحصل الوفاق، والعشرة الطيبة في الزواج الثاني، وحصل الطلاق، فلا جناح على المرأة والزوج الأول أن يتراجعا بعد انقضاء العدة من طلاق الزوج الثاني، مع اشتراط أن يقيما حدود الله تعالى وفقًا لما بيّنها في قرآنه المجيد، لأنه سبحانه إنما يبيّنها لقوم يعقلون، ومعناها: ويتدبرون فحواها، فلا يتعدونها حتى لا يقعوا في ظلم أنفسهم، وينالهم عذاب الله عزَّ وعلا.
هذا ولا بد من الإشارة هنا إلى أن بعض الرجال الذين يقدمون على الطلاق بطيش، أو حماقة، أو غضب، أو شهوة جامحة، أو ميلٍ جارف، ثم يعودون إلى رشدهم، كثيرًا ما ينتابهم الندم الشديد، ويحاولون بعد حين أن يصلحوا ما أفسدوه، لكن الأوان يكون قد فات، فيقعدون ملومين محسورين بقية حياتهم.
ثم إنّ هنالك عاداتٍ بشعةً لا تزال قائمةً في بعض المجتمعات الإسلامية، وهي أن يقدم الرجل على تطليق زوجته من دون أي عذرٍ أو مسوّغٍ شرعيّ، بحيث يسهل عليه الطلاق لمجرد أن تراودَهُ فكرتهُ، أو أن يخطرَ على باله أمرٌ لا يحبّب إليه زوجته. وقد بات مطلوبًا الإقلاعُ عن هذا النمط السهل في تطليق الزوجات، وخصوصًا عندما يكون هنالك أطفالٌ يحتاجون إلى رعاية الأبوين معًا، أو عندما يكون هنالك أولاد أو شباب يقهرهم فراق الأبوين ويُذِلُّهم. وفضلاً عن ذلك أليس الزواج، بمعناه الحقيقي، هو طلب استقرار الحياة، والاندماج بين الزوجين حتى لكأنهما نفسٌ واحدةٌ، فما بال أناس يتناسون كلّ تلك الحقائق، ولا يراعون حدود الله، فيستسهلون الطلاق ويستبيحون لأنفسهم فسخ عُرى رابطةٍ مقدسةٍ، ما كانت لتقوم إلاَّ بتشريع من الله تعالى، فقد قال عزَّ من قائل: {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ*}(+) ، وقال تعالى: {وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَنِينَ وَحَفَدَةً وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ هُمْ يَكْفُرُونَ*}(+) . وقال رسول الله (ص): «إنما الدنيا متاع وليس من متاع الدنيا شيء أفضل من المرأة الصالحة». وقال (ص): «ما استفاد المؤمن بعد تقوى الله خيرًا من زوجة صالحة إن أمرها أطاعته وإن نظر إليها سرّته، وإن أقسم عليها أبرَّته، وإن غاب عنها حفظته في نفسها وماله»(+) .
كل ذلك يبيّن فضلَ الزواج، وأهميةَ الرابطة التي تقوم بين الزوجين، حتى إنه سبحانه وتعالى جعلها آيةً من آياته الدالَّة على قدرته في الخلق. أما الطلاق فقد شرعه الله تعالى ليكون تشريعًا استثنائيًّا، يُلجأ إليه للضرورة القصوى، وللضرورة القصوى فحسب، من دون أيّ سلطان للأهواء والميول والرغبات.
ولا يكون هذا الطلاق إلا بعد أن يسلك الرجل المراحل الآتية:
أ ـ المعاشرة بالمعروف.
ب ـ الصبر على العشرة بين الزوجين، وهو الصبر المفروض على كليهما لتحمُّل الأذى في سبيل الحفاظ على متانة الأُسرة وسعادتها.
ج ـ الوعظ بكتاب الله وسنة رسوله، والنصح والإرشاد والتوعية من خلال التجارب التي يصادفها الزوجان في حياتهما.
د ـ الهجر في المضاجع.
هـ ـ الضرب غير المبرّح.
و ـ إرسال حكمين، واحد من أهله، وواحد من أهلها، ليقيما الصلح بينهما لأن الصلح خير.
تلك هي الأحكام التي يرشد إليها التشريع قبل وقوع الطلاق، ومنها يظهر ما في هذا التشريع، من الحكمة البالغة والنظر الدقيق إلى الحياة الاجتماعية، ليتحقق لها الاستمرار والعيش الهانئ.. فإن فُقدت كلُّ العوامل التي تؤلّف بين قلبي الزوجين، وخيّمت على بيتهما أجواء الشقاء والتعاسة والكراهية، ولم يبقَ أملٌ لإصلاح ذات البين في حياتهما، كان لا بد من انفصالهما عن بعضهما، ولذلك شرَّع الله تعالى الطلاقَ لعباده.
وإننا نرى العالمَ اليومَ يتلظى بنار الطلاق، سواء في البلاد الإسلامية، أم في المجتمعات الأخرى التي تركت الأمور على عواهنها في علاقة الرجل بالمرأة، فتفلَّت الناس من القيود الدينية والأخلاقية، ولجأوا إلى المعاشرة غير الشرعية، التي استباحت الحرام، وقوَّضت مفاهيم الزواج. وحتى عندما يعقدون زواجهم عن طريق الزواج المدنيّ، فإنه يسهل عليهم أمر الطلاق. مما جعلَ هذا الطلاق أمرًا شائعًا، وسهلَ المنال، تلجأ إليه المرأة، كما يلجأ إليه الرجل، في أي وقت، ولمجرد أن لا تعود عشرةُ أحدهما تعجبُ الآخر..
من هنا كانت نارُ الطلاق تكوي الناس، فالمسلمون لا يحسنون تطبيق الأحكام الشرعية، إما عن جهل، وإما لعدم اكتراث بنتائجها. وأما بقية الناس، من غير المسلمين، فليس لديهم صيغة عقد الزوجية التي تتفق مع نظرة الأديان، ولذا كانت معايشة الزوجين عندهم غيرَ منتظمةٍ في معظم جوانب حياتهم.
وعند وقوع الطلاق، ما الشروط المتعلقة بكلٍّ من المطلِّق والمطلَّقة.
• المطلِّق:
يشترط في المطلّق أربعة شروط:
1 - البلوغ:
اتفق الأئمة على أن يكون المطلِّق بالغًا، فلا يصح بالتالي طلاق الصبيّ، وإن كان مميزًا، ما عدا الحنبلية فإنهم قالوا: يقع طلاق المميِّز، وإن كان دون عشر سنوات.
2 - العقل:
أ - حالة المجنون والمغمى عليه: اتفق الأئمة على أن طلاق المجنون لا يصح حال جنونه، سواء كان جنونه مطلقًا أو دوريًّا، وكذلك طلاق المغمى عليه، أو الذي غاب عقله بسبب مرضٍ فصار يهذي.
ودليل اشتراط البلوغ والعقل قول رسول الله (ص): «كلُّ طلاق جائزٌ إلا طلاقَ الصبيّ والمجنون»(+) ، وقوله (ص): «رفع القلم عن ثلاثة: عن الصبيّ حتى يحتلم، وعن النائم حتى يستيقظ، وعن المجنون حتى يفيق»(+) .
ب - السكران: لقد تباينت آراء الأئمة حول طلاق السكران:
ـ فقال الإمامية: لا يصح طلاقه بحال من الأحوال.
ـ وقال الأئمة الأربعة: يصح إذا تناول المسكر المحرم باختياره، أما من يشرب مباحًا فغاب عقله، أو أكره على الشرب، فلا يقع طلاقه.
ج - الغضب: اتفق الأئمة على أنه يصح طلاق الغضبان مع تحقق قصد الطلاق. وإذا خرج عن شعوره وإدراكه بالمرة، فيكون حكمه حكم المجنون، لقول رسول الله (ص): «لا طلاق في إغلاق»(+) . (والإغلاق: كل ما يسدّ باب الإدراك والقصد والوعي لجنونٍ أو لشدة غضبٍ ونحوهما).
3 - الاختيار:
اتفق الأئمة على أنه لا يقع الطلاق من المُكرَه، لحديث رسول الله (ص): «رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه»(+) ، وقوله (ص): «إن الله تعالى تجاوز لي عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه»(+) . ما عدا الحنفية فإنهم قالوا: يقع طلاق المكره.
4 - القصد:
ـ قال الإمامية: لو نطق الزوج بالطلاق سهوًا أو غلطًا أو هزلاً فلا يقع الطلاق.
ـ وقال الحنفية: «يقع في المذهب الحنفيّ طلاقُ كل شخص، ما عدا الصغير والمجنون والمعتوه، فيقع طلاق الهازل والسكران من محرَّم، والمكره»(+) .
ومن المقرر في المذهب الحنفيّ «أن طلاق المخطئ والناسي يقع»(+) . والمخطئ هو من أراد التكلم لغير الطلاق فسبق لسانه إليه.
ـ بقية المذاهب: «وقد وافق مالك والشافعيّ أبا حنيفة وأصحابه بالنسبة للهازل، وخالفه أحمد، فلم يقع طلاقُه عندَه»(+) .
وجاء في كتاب فقه السنّة للسيد سابق قولُه تحت عنوان:
«طلاق الهازل والمخطئ»:
«يرى جمهور الفقهاء أنَّ طلاق الهازل يقع، كما أنَّ نكاحه يصح، لما رواه أحمد، وأبو داود، وابن ماجه، والترمذي وحسَّنه، والحاكم وصحَّحه، عن أبي هريرة أنَّ رسول الله (ص) قال: «ثلاث جدّهن جدّ، وهزلهن جدّ: النكاح والطلاق والرجعة».
ويتابع السيد سابق قائلاً: «وهذا الحديث وإن كان في إسناده عبد الله بن حبيب، وهو مختلف فيه، فإنه تقوّى بأحاديث أخرى».
«وذهب بعض أهل العلم إلى عدم وقوع طلاق الهازل. منهم: الإمام الباقر، والإمام الصادق، والناصر، وهو قول في مذهب أحمد ومالك، إذ إن هؤلاء يشترطون لوقوع الطلاق الرضا بالنطق اللساني، والعلم بمعناه، وإرادة مقتضاه. فإذا انتفت النية والقصد، اعتُبر اليمين لغوًا، لقول الله تعالى: {وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلاَقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ*}(+) ».
وإنما العزم على ما عزم العازم على فعله، ويقتضي ذلك إرادة حازمة بفعل المعزوم عليه، أو تركه. ويقول الرسول (ص): «إنما الأعمال بالنيات...»(+) .
والطلاق عملٌ مفتقرٌ إلى النيّة، والهازلُ لا عزم له ولا نية.
وأما طلاق المخطئ، وهو من أراد التكلم بغير الطلاق فسبق لسانه إليه(+) فلا يقع منه الطلاق أيضًا لعدم النـيَّـة وعدم العزم.
واتفق جميع الأئمة على أن السفيه يصحّ طلاقُهُ وخلعه.
طلاقُ الوليّ:
ـ قال الإمامية والحنفية والشافعية: ليس للأب أن يطلِّق عن ابنه الصغير، لحديث: «إنما الطلاق لمن أخذ بالساق»(+) .
ـ وقال المالكية: للأب أن يخالع زوجة ولده الصغير.
المطلَّقة:
اتفق جميع الأئمة على أن الإسلام قد نهى عن طلاق الزوجة البالغة المدخول بها، غير الحامل إذا كانت غير طاهر (وقت الحيض) أو كانت في طهرٍ واقعها زوجُها فيه.
ـ وقال الأئمة الأربعة: إن النهي للتحريم لا للفساد، وإن من أوقع الطلاق من دون تحقق الشروط يأثم ويعاقب، ولكن يصح طلاقه.
ـ وقال الإمامية: إن النهي للفساد لا للتحريم، لأن مجرد التلفظ بالطلاق غير محرّم وإنما القصد وقوع الطلاق لغوًا كأنه لم يكن، تمامًا كالنهي عن بيع الخمر، فإن التلفظ بالبيع لا يحرم بل لا يتحقق به النقل والانتقال.
وأجاز الإمامية طلاقَ خمسٍ من الزوجات، كنَّ في الحيض أم لم يكنّ. وهنَّ:
1 ـ الصغيرة التي لم تبلغ التاسعة.
2 ـ التي لم يدخل بها الزوج ثيبًا كانت أو بكرًا، حصلت الخلوة بها أو لم تحصل.
3 ـ الآيسة من الحمل.
4 ـ الحامل.
5 ـ التي غاب عنها زوجها شهرًا كاملاً أو أكثر، على أن يقع الطلاق حال غيابه عنها، ويتعذر عليه معرفة حالها، وهل هي في حيض أو في طهر. ويُعدّ عندهم المحبوس كالغائب.
وقالوا: إن الزوجة التي تكون في سنّ من تحيض، ولا ترى الدم خلقة، أو لمرضٍ، أو نفاسٍ لا يصح طلاقها إلا بعد أن يمسك عنها الزوج ثلاثة أشهر، وتسمى هذه المرأة بالمسترابة.
صيغة الطلاق:
ـ قال الإمامية: لا يقع الطلاق إلا بصيغة خاصة وهي: «أنت طالق»، أو «فلانة طالق» أو «هي طالق».
ولو قال الزوج: أنت طالق ثلاثًا، أو قال: أنتِ طالق، أنتِ طالق، أنتِ طالق، تقع طلقة واحدة فقط مع تحقق شروط الطلاق.
ولا يقع الطلاق عندهم بالكتابة، ولا بالإشارة إلا من الأخرس العاجز عن النطق. كما لا يقع الطلاق بغير اللغة العربية مع القدرة على التلفظ بها. والأولى للأعمى أو الأخرس أن يوكّل عنه إذا أمكن.
ولا يقع الطلاق عندهم أيضًا بالحلف واليمين، ولا بالنذر والعهد، ولا بشيء آخر إلا بلفظ «طالق».
أي إن صيغة الطلاق للمرأة الطاهر، من غير جماعٍ أو حيضٍ، هي التالية: «أنتِ طالق» ويشهد شاهدان عدلان. وكل ما سوى ذلك فهو ملغى. وبذلك فلا تفوَّض المرأة بالطلاق أو غيره، بما يعرف أن بيدها العصمة. والمذاهب الأربعة أجازت الطلاق مطلقًا ومقيدًا بصِيَغٍ عدةٍ. ومنها مثلاً: «إن خرجتِ من الدار فأنتِ طالق» أو «إن فعلتِ كذا فأنتِ طالق». وأجازت أيضًا وقوع الطلاق ثلاثًا بلفظ واحد أي بقول: «أنتِ طالق ثلاثًا». وأجازت كذلك الطلاقَ بتفويضه إلى المرأة وغيرها.
ولم تشترط المذاهب الأربعة الإشهاد لصحة الطلاق، بخلاف الإمامية - كما أشرنا إليه سابقًا - التي عدّت الإشهاد ركنًا من أركانه.
يقول الشيخ أبو زهرة - رحمه الله - في كتابه (الأحوال الشخصية، ص365): «قال فقهاء الشيعة الإمامية: إن الطلاق لا يقع من غير إشهاد عدلين لقوله تعالى: في أحكام الطلاق وإنشائه، في سورة الطلاق: {وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ ذَلِكُمْ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَحْتَسِبُ}(+) .. فهذا الأمر بالشهادة جاء بعد ذكر إنشاء الطلاق، وجواز الرجعة، فكان المناسب أن يكون راجعًا إليه. وإن تعليل الإشهاد بأنه يوعظ به من كان يؤمن بالله واليوم الآخر، يرجّح ذلك ويقويه، لأن حضور الشهود العدول لا يخلو من موعظة حسنة يزجونها إلى الزوجين، فيكون لهما مخرج من الطلاق الذي هو أبغض الحلال إلى الله سبحانه وتعالى. وإنه لو كان لنا أن نختار المعمول به في مصر لاخترنا هذا الرأي، فيشترط لوقوع الطلاق حضور شاهدين عدلين». انتهى قول الشيخ أبي زهرة.
الطلاقُ رجعيّ وبائن:
اتفق جميع الأئمة على أن الطلاق الرجعي هو الذي يملك فيه الزوج حق الرجوع إلى زوجته المطلقة ما دامت في العدة، سواء رضيت أم لم ترضَ. ومن شروطه أن تكون المرأة مدخولاً بها، لأنَّ المطلَّقة قبل الدخول لا عدة لها، لقوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا}(+) .. ومن شرط الطلاق الرجعيّ أيضًا ألاَّ يكون على بذل مال وألاَّ يكون مكملاً للثلاث حيضات.
والمطلَّقة الرجعية بحكم الزوجة، وللمطلَّق كلّ حقوق الزوج، فيحصل التوارث بين الزوجين لو مات أحدهما قبل انتهاء العدة، ولا يحل المهر المؤجل لأقرب الأجلين (الموت أو الطلاق) إلا بعد مضيّ العدة من دون أن يُرجعها المطلِّق إلى عصمته. وخلاصة القول: إن الطلاق الرجعيّ لا يغيّر أو يحدث شيئًا سوى أنه يُعدُّ من الطلقات الثلاث. أما الطلاق البائن فلا يملك فيه المطلِّق الرجوع إلى المطلَّقة. وهو يشمل عددًا من أنواع المطلَّقات:
1 ـ غير المدخول بها.
2 ـ المطلقة ثلاثًا (أي ثلاث طلقات).
3 ـ الآيسة عند الإمامية.
4 ـ المطلَّقة خلعًا (وقال بعضهم عن الطلاق الخلعيّ إنه فسخ وليس بطلاق).
الخلع:
الخُلْعُ لغةً: النزع والإزالة، وعرفًا: إزالة الزوجية. وفي المصطلح الشرعيّ: هو إبانة الزوجة على مالٍ تفتدي به نفسها من الزوج. وبعبارة أخرى هو: أن تبذل المرأة أو غيرها للرجل مالاً على أن يطلِّقها، أو تُسقط عنه حقًّا من حقوقها لها عليه، فتقع به طلقة بائنة.
ـ قال الإمامية لا يصح الخلع، والمطلِّق لا يمل الفدية، ولكن يصح الطلاق ويكون رجعيًّا مع اجتماع شرائطه، واستدلوا بقوله تعالى: {فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاََّ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ}(+) ، حيث علَّقت الآية الكريمة جواز الفدية على الخوف من الوقوع في المعصية (أي عدم إقامة حدود الله تعالى) إذا استمرت الزوجية.
وقال الأئمة الأربعة: إن الطلاق الخُلع جائز، ومشروعيته من الكتاب والسُنَّة:
أما الكتاب: فقول الله تعالى: {فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ}(+) ، وقوله تعالى: {فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا*}(+) ، وقوله تعالى: {فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا}(+) .
وأما السُنَّة: فحديث ابن عباس: «أن امرأة ثابت بن قيس جاءت لرسول الله (ص) فقالت: يا رسول الله، إني لا أعيب عليه من خلق ولا دين، ولكني أكره الكفر في الإسلام. فقال رسول الله (ص): «أتردّين عليه حديقته؟». قالت: نعم. فقال رسول الله (ص): «اقبل الحديقة وطلّقها تطليقة»(+) .
ومنه يُستدل أنها لا تريد مفارقته لسوء في خلقه، ولا لنقصان في دينه، وإنما كرهت كفران العشير، والتقصير فيما يجب له عليها من حقوق الزوجية بسبب شدة البغض له فخافت أن يكون ذلك بمنزلة كفر لحقوق الزوج، فأمرها النبيّ (ص) أمر إرشاد وإصلاح بردِّ حديقته التي أمهرها إياها.
والخلع عند بعض الأئمة الأربعة يمكن أن يشمل الفرقة بعوض أو من دون عوض.
هذا وقد اتفق جميع الأئمة على أن الفدية يجب أن تكون ذات قيمة، وأنه يجوز أن تكون بمقدار المهر أو أقل، أو أكثر.
عوض الخلع مع غير الزوجة:
قال الأئمة الأربعة: يصح الخلع مع غير الزوجة. فإذا قال أجنبي مثلاً للزوج: طلّق امرأتك بألف دينار عليَّ، وطلَّقها على ذلك صحَّ، وإن لم تعلم الزوجة، أو لم ترضَ بعد العلم، ووجب على الأجنبي أن يدفع المبلغ للمطلِّق.
وقال الإمامية: لا يصح الخلع، ولا يجب على الأجنبي الفدية بإذنها، فيقول للزوج: طلِّقها بكذا وعليَّ ضمان المبلغ بعد أن تأذن هي بذلك. فإن طلّقها على هذا الشرط وجب على الضامن أن يدفع المبلغ للمطلِّق، ويرجع به على المطلَّقة.
العِـدة:
أجمع الأئمة على وجوب العدة للمدخول بها، لقول الله تعالى: {وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاَثَةَ}(+) ، وقول رسول الله (ص) لفاطمة ابنة قيس: «اعتدّي في بيت ابن أم مكتوم»(+) .
واتفقوا على أن المطلَّقة قبل الدخول بها والخلوة لا عدة عليها.
الخلوة:
قال الإمامية والشافعية: لا أثر للخلوة.
وقال الحنفية والمالكية والحنبلية: إن خلا بها الزوج ولم يُصبها، ثم طلَّقها، فعليها العدة، تمامًا كالمدخول بها.
عِدة الوفاة:
اتفق الأئمة على أن عدة المتوفى عنها زوجها، وهي غير حامل، أربعة أشهر وعشرة أيام، كبيرة كانت أم صغيرة، آيسة أم غير آيسة، دخل بها أم لم يدخل، لقول الله تعالى: {وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا}(+) .
ولقول رسول الله (ص): «لا يحلّ لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر، أن تحدَّ على ميت فوق ثلاث، إلا على زوج أربعة أشهر وعشرًا»(+) . وهذا إن حصل لها الجزم بأنها غير حامل، أما إذا ظنت أو احتملت الحمل فعليها الانتظار حتى تضع حملها، أو يحصل الجزم بعدم الحمل.


زوجة الغائب أو المفقود:
اتفق الأئمة على أن الغائب الذي تكون غيبته غير منقطعة بحيث يعرف مكانه، وتتلقى زوجته دائمًا أخبارَهُ، لا يحل لزوجته أن تتزوج غيره إلا بعد أن يأذن بطلاقها ويطلِّقها الفقيه أو قاضي الشرع ثم تعتدُّ بحسب الأصول.
أما إذا انقطعت أخبارُهُ، ولا يُعلم مكانُهُ، فقد تباينت آراء الأئمة في حكم زوجته.
فقال الإمامية: إن المفقود الذي لا يُعلم موتُهُ ولا حياتُهُ، ينظر: فإن كان له مال تنفق منه زوجته، أو كان له وليٌّ يُنفقُ عليها، أو وُجِدَ متبرعٌ بالإنفاق، وجب على زوجته - في هذه الحالات - الصبرُ والانتظار. ولا يجوز لها أن تتزوج بحال حتى تعلم بوفاة الزوج أو طلاقها منه وانقضاء عدّتها. وإن لم يكن له مالٌ ولا من يُنفق عليها فإن صبرت فذلك خيرٌ، وإن أرادت الزواج رفعت أمرها إلى الحاكم الشرعي أو وكيل عنه، فيؤجلها أربع سنوات من حين رفع الأمر إليه، ثم يتحرَّى عنه في تلك المدة، فإذا لم يتبين شيء ينظر: فإن كان للغائب وليٌّ يتولى أموره يأمره القاضي، بالطلاق. وإن لم يكن له وليٌّ ولا وكيل، أو كان له وكيل وامتنع هذا الوكيل عن الطلاق، ولم يتمكن من إجباره، طلَّقها الحاكم بولايته الشرعية.
أما كيفية التحرّي أو الفحص عن الغائب فتكون بالسؤال عنه في مكان وجوده، ويستخبر عنه القادمون من البلد الذي يحتمل وجودُهُ فيه. وخير وسيلة للفحص أن يستنيب الحاكم من يثق به من المقيمين في ذلك البلد ليتولى البحث عنه ثم يكتب للحاكم بالنتيجة. وقد بات من الوسائل المعروفة في التحرّي عن غائب التدخلُ لدى الدولة التي يحتمل وجوده على أراضيها، أو النشر في الصحف العالمية، أو في وسائل الإعلام الأخرى السمعية والبصرية، فإن أجيب الحاكم من أحد كان به، وإلاَّ وجب أن يشرع في معاملات الطلاق. أي إنه بعد انقضاء المدة التي يعيِّنها الحاكم يقع الطلاق، وتعتد الزوجة أربعة أشهر وعشرة أيام، ولكن لا حداد عليها. وتستحق النفقة أيام العدة. ويتوارثان - هي وزوجها - ما دامت في العدة. وإذا حضر الزوج قبل انتهاء العدة فله الرجوع إليها إن شاء، كما أن له إبقاءها على حالها. وإن جاء بعد انتهاء العدة فلا سبيل له عليها.
ـ وقال أبو حنيفة، والشافعيّ في القول الجديد الراجح، وأحمد في إحدى روايتيه: إن زوجة هذا المفقود لا تحل للأزواج حتى تمضيَ مدةٌ لا يعيش الزوج مثلَها، وقد حدَّها أبو حنيفة بمئة وعشرين سنة، والشافعيّ وأحمد بتسعين سنة.
ـ وقال مالك: تتربَّص أربع سنوات، ثم تعتد بأربعة أشهر وعشرة أيام، وتحلّ بعدها للزواج.

المعتدة (الرجعية البائنة):
ـ الرجعيّة: اتفق جميع الأئمة على أن المطلَّقة رجعيًّا تعتد في بيت الزوج، فلا يجوز له إخراجُها، كما لا يجوز لها أن تخرج منه، لقوله تعالى: {لاَ تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلاَ يُخْرَجْنَ إِلاَّ أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ}(+) .
ـ البائنة: قال الإمامية: إن أمر البائنة بيدها، إذ لها أن تعتد في أي مكان تشاء لانقطاع العصمة بينها وبين الزوج، وانقضاء التوارث بينهما، وعدم استحقاقها النفقة، إلا إذا كانت حاملاً. وعليه فلا يحقّ للزوج احتباسها. وخصصوا الآية الكريمة (الطلاق: 1) بالمطلَّقات الرجعيات فقط.
ـ وقال الأئمة الأربعة: تعتدّ في بيت الزوج، كالمطلَّقة الرجعية، من غير فرق.
الظِّهار والإيلاء:
الظِّهار هو أن يقول الرجل لزوجته: أنت عليَّ كظهر أمي.. أي حَرُمْتِ عَلَيَّ كَما حَرُمتْ أمِّي.
اتفق جميع الأئمة على أنه إذا قال لها ذلك فلا يحلّ له وطؤها حتى يكفّر بعتق رقبة، فمن لم يجد فبصيام شهرين متتابعين، فإن عجز عن الصيام فبإطعام ستين مسكينًا.
واتفقوا على أنَّه إذا وطأها قبل أن يكفّر عدّ عاصيًا. لكن الإمامية أوجبوا عليه كفارتين: كفارةً للظِّهار، وكفارةً للمعصية.
واشتراط الإمامية لصحة الظِّهار أن يقع بحضور عدلين يسمعان قول الزوج، وأن تكون الزوجة في طهر، كما هو شأن المطلَّقة، وإلاَّ لم يقع الظِّهار.
والظِّهار كان من طلاق الجاهلية. أما حكمه في الإسلام فهو ما ورد في أول «سورة المجادلة» من القرآن الكريم.
وأسباب نزول آيات الظِّهار، كما يذكر المفسرون، أنه كان لأَِوْس بن الصامت زوجةٌ حسنة، وقد رآها يومًا ساجدةً في صلاتها، فلما انتهت أرادها فأبت عليه، فغضب، وقال لها: أنتِ عليَّ كظهر أمي...
وبعد أن هدأ روعُه وتفكر بما فعل قال لزوجه: ما أظنُّكِ إلاَّ حَرُمْتِ عليَّ؟ قالت: لا تقل ذلك، واذهب إلى رسول الله (ص) فاسأله. قال: أستحي أن أسأله عن مثل هذا. قالت: دعني أنا أسأله.فرخَّص لها بذلك. فذهبت إلى النبيّ (ص)، وكانت زوجته السيدة عائشة تغسل رأسه فقالت: يا رسول الله إن زوجي أوسًا تزوجني، وأنا شابة، غانية، ذاتُ مال وأهل، حتى إذا أكل مالي، وأفنى شبابي، وتفرق أهلي، وكبر سني، ظاهر عليَّ ثم ندم، فهل من شيء يجمعني وإياه فتنعشني به؟
قال النبيّ (ص): «ما أراك إلا حُرِّمت عليه».
قالت: يا رسول الله، والذي أنزل عليك الكتاب ما ذكر طلاقًا. وإنه أبو ولدي، وأحبُّ الناس إليَّ.
فقال لها (ص): «لم أؤمر بشأنكِ».
ولكن المرأة لم تستكن، وراحت تراجع النبيّ وهو لا يجيبها بشيء، حتى إذا وجدت حالها في يأس من بقائها على زواجها، راحت تبث شكواها إلى الله تعالى، وهي تقول: «أشكو إلى الله فاقتي وحاجتي، وشدة حالي، فأَنْزِلِ اللهم على نبيك ما يكشف كربتي».
وأعادت على الرسول الكرَّة، واستعطفته قائلةً: جعلت فداك يا نبيّ الله، انظر في أمري..
وبينما هي تجادل الرسولَ (ص) التفتت إليها السيدة عائشة وقالت: اقصري حديثك ومجادلتك، أما ترين وجه رسول الله؟ (وكان الرسول (ص) إذا نزل عليه الوحي أخذه مثل السبات).
والتفت الرسول (ص) إلى تلك المرأة وقال لها: «ادعي زوجك». فلما أتاه تلا عليه قول الله تعالى: { قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ* الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنكُم مِّن نِّسَائِهِم مَّا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلَّا اللَّائِي وَلَدْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنكَراً مِّنَ الْقَوْلِ وَزُوراً وَإِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ* وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِن نِّسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِّن قَبْلِ أَن يَتَمَاسَّا ذَلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ* فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِن قَبْلِ أَن يَتَمَاسَّا فَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِيناً ذَلِكَ لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ*}(+) .
وبعد هذه التلاوة المباركة قال رسول الله (ص) لأوس: هل تستطيع أن تعتق رقبة؟.
قال الرجل: إذن يذهب مالي كله.
قال الرسول (ص): هل تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين؟.
قال الرجل: والله إذا لم آكل كل يوم ثلاث مرات كلَّ بصري، وخشيت أن تعشى عيناي.
فقال الرسول (ص): فهل تستطيع ان تطعم ستين مسكينًا؟
قال الرجل: إلاَّ أن تعينني على ذلك يا رسول الله.
فقال الرسول (ص): إني معينك بخمسة عشر صاعًا، وأنا داع لك بالبركة.
فأخذ أوس بن الصامت ما أمر له به رسول الله (ص) وأطعم المساكين، وأكل معهم، واجتمع أمره إلى زوجته ببركة ما نزل من عند الله سبحانه وتعالى، وببركة رسول الله (ص).
الإيـلاء:
يقال في اللغة آلى على نفسه إيلاءً، أي عاهد وأقسم يمينًا بأن يفعل كذا أو أن لا يفعل.. فالإيلاء هنا هو أن يحلف الزوج بالله تعالى على ترك وطء زوجته، وألاَّ يقربها بعد اليمين. والأصل فيه قول الله تعالى: {لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ * وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلاَقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ*}(+) .
قال الإمامية: يشترط للإيلاء أن تكون الزوجة مدخولاً بها، وإلاَّ لم يقع الإيلاء.
واتفق الأئمة على أن الإيلاء يقع إذا حلف الزوج على ترك وطء الزوجة مدة حياتها، أو مدة تزيد على أربعة أشهر(+) .
كما اتفقوا على أنه إذا وطأ في الأشهر الأربعة يُكَفِّر، ويزول المانع من استمرار الزواج.
لكن آراءهم تباينت في الأشهر الأربعة:
فقال الحنفية: تُطلق تلقائيًّا طلقة بائنة من دون أن ترفع إلى القاضي، أو يطلّقها الزوج(+) .
ـ وقال الإمامية: إذا مضى أكثر من أربعة أشهر، ولم يطأها، فإن صبرت ورضيت فلها ذلك، ولا يحق لأحد أن يعترض. وإن لم تصبر رفعت أمرها إلى الحاكم. وبعد مضي الأشهر الأربعة من تاريخ رفع الأمر إليه، يجبره على الرجوع أو الطلاق، فإن امتنع ضيَّق عليه، وحبسه حتى يختار أحد الأمرين. ولا يحق للحاكم أن يطلّق رغمًا عن الزوج.
ـ وقال المالكية والشافعية والحنبلية: إذا مضى أكثر من أربعة أشهر، ولم يفعل، رفعت أمرها إلى الحاكم لكي يأمره بالوطء، فإن امتنع طلَّقها الحاكم، ويكون الطلاق رجعيًا في أيّ حال.
اليمين:
اتفق جميع الأئمة على أن كفارة اليمين أن يخيّر الحالف بين إطعام عشرة مساكين، أو كسوتهم، أو تحرير رقبة، فإن لم يجد فصيام ثلاثة أيام.
وذهب الإمامية إلى أن كل يمين لا تنعقد إلا إذا كان المقسَم به ذات الله المقدسة. ولا تنعقد أيضًا من الولد والزوجة مع منع الوالد والزوج إلا في فعل الواجب، أو ترك المحرّم. ولا تنعقد أيضًا من أحد، كائنًا من كان، إذا حلف على الإتيان بفعل، تركُه أولى من فعلِه، أو حلف على ترك فعل، فِعْلُه أولى من تركه، إلا يمين الإيلاء فإنها تنعقد مع أن تركها أولى.



Copyright © Samih Atef El-Zein 2010     VINTOB