العقود
الطبعة : الطبعة الثانية  
المؤلف : سميح عاطف الزين
عدد الصفحات :   800
تاريخ النشر :   2013




المـرأةُ والعمـل

قد يتبادر إلى أذهان بعضهم أن هناكَ تناقضًا في أحكام الشرع الإسلامي، فهو من ناحية يضع على المرأة القيودَ فيمنع عليها الخلوةَ مع رجل غير محرم، ويمنع عليها التبرجَ وإبداءَ زينتها لكل رجل أجنبيّ عنها، ويفرض عليها أن تعيشَ في حياتها الخاصة مع نساءٍ معيّنات وأشخاص محددين.. ثم هو من ناحية أخرى يفسح لها في المجال أن تخرجَ إلى معترك الحياة، فتكونَ تاجرًا تبيع وتشتري أو تستخدم في المؤسسات العامة، أن تتوظف في وظائف الدولة، أو تتقلَّد مناصبَ القضاء لفصل المنازعات بين الناس، أو تُنتخبَ عضوًا في مجلس الشورى تناقش الحكام وتحاسبهم إلى غير ذلكَ من المجالات التي يمكن أن تعملَ فيها.
ولعلَّ التفكير في وجود تناقضٍ من هذا القبيل لا يكون إلاَّ من باب التشكيك في الإسلام وأنظمته، أو في عدم الاطّلاع على الأحكام التي أتى بها أو عدم فهمها على حقيقتها. غالبًا ما يأتي هذا التشكيك من أصحاب ذلك التفكير عندما تفرض عليهم أحكامُ الشرع في النظام الاجتماعيّ، فينظرون إليها من جوانب واقع الحياة التي يعيشونها في ظل حكم النظام الرأسمالي، وما يشيع فيه من تناقضات، ومفاسد، فيصعب عليهم تصوّرُ تطبيق الإسلام بمفاهيمه ونظمه الحضارية الراقية.
ولعلَّ أولَ ما يجب أن يعرفه الناسُ في هذا المجال هو أن النظامَ الاجتماعيَّ في الإسلام إنما نعني به النظامَ الذي يقوم على علاقة الرجل بالمرأة، وما يشتمل عليه من أحكامٍ شرعيةٍ متعددةٍ، مترابطةٍ، متماسكةٍ، حتى ليأخذ بعضُها برقاب بعض، بحيث لا يمكن طلبُ التقيد بحكم آخر، بل يجب على المسلم والمسلمة، التقيدُ بأحكام الشرع جميعها، وإلاَّ حصلَ التناقضُ في حياة الشخص الواحد، وبدا التناقضُ وكأنه جاء من الأحكام. فمثلاً الإسلام لا يعني في إباحة العمل للمرأة أن تذهبَ إلى دائرة الدولة التي تمارس فيها وظيفتها، أو إلى المستشفى الذي تعمل فيه ممرضة، بعد أن تكونَ قد أخذت زينتها على أتمها، وأعدَّت نفسها في تلك الزينة كأنها ستزفَّ في عرس، ثمَ تبرز مفاتنها للرجال، بمثل هذا التبرج الإغرائيّ وكأنها تهتف بهم: هلمَّ شهواتكم أثيروها!! ولا يعني الإسلام في إباحة العمل أن تذهبَ المرأةُ إلى المتجر لتباشرَ البيعَ بأساليبَ من التطرّي والإغراء، وبالأحاديث التي تغري المشتري بمطارحتها الحديث في أثناء المساومة، بينما تحاول أن ترفع ثمن السلعة، ليدفع ثمن الإغراء الذي عرضته، قبل ثمن السلعة التي سوف يحملها معه.. ولا يعني الإسلام في إباحة العمل أن تشتغلَ المرأةُ مستكتبةً عند محام، أو أمينةَ سرّ لصاحب مؤسسة، أو سكرتيرةً لمديرها وتُتركَ لتختليَ به كلما احتاج العمل إلى الخلوة، وتلبسَ له من الثياب ما يكشف شَعرها، وصدرها، وظهرها، وذراعيها، وساقيها - وموضةُ تقصير الثوب وتضييقه إنما تزداد غلوًّا يومًا بعد يوم - بحيث تبدي له ما يشتهي من جسمها العاري ولا تستر عنه إلا القبيح منه.
كلا!! إن كلّ ذلك لا يبيحه الإسلام ولا يبيح أيّ شيء آخر من قبيله مما يحصل في المجتمعات غير الإسلامية أو في المجتمعات التي ظاهرها إسلاميّ، في حين أن طريقة الغرب في الحياة تسيطر عليها في الواقع.. فحين أباح هذا الدين العظيم للمرأة أن تباشر البيع والشراء في السوق مثلاً، منعها في الوقت نفسه من أن تخرج إليه متبرجةً، سافرةً، مكشوفةَ الأعضاء التي هي محل الزينة، أي فرض عليها أن تأخذ بالحكمين معًا: العمل والحشمة. فالاعتقادُ بالإسلام يحتم على المسلم تطبيقَ جميع أحكامه على نفسه، وليس بعضَ هذه الأحكام وتركَ بعضها الآخر. وقد شرع الإسلام أحكامًا كثيرة تشتمل على القيام بأعمالٍ إيجابية، وأعمال سلبية، وكلها تحفظ المسلم - رجلاً كان أو امرأة - من الخروج عن جادَّة الدِّين والفضيلة، وتشكِّلُ له وقايةً من الانزلاق إلى الإثم والمعصية، حينَ يكونُ في الجماعة، ويعاشر الناس في الحياة العامة.
ومن تلك الاحكام التي تشتمل على القيام بأعمالٍ إيجابية، الأحكامُ التالية:
1 ـ أمر الإسلام الرجال والنساء أن يغضّوا من أبصارهم وأن يحفظوا فروجهم، فقال تعالى: {قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ * وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ}(+) . وغضّ البصر من كلٍّ من الرجل والمرأة هو الحصانة الحقيقية لكل منهما. تلك الحصانة الذاتية التي تحول بينه وبين الوقوع في المحرمات، لأن البصر هو الوسيلة الفاعلة الموصلة إلى ذلك. ومتى غُضَّ البصرُ فقد مُنعَ المُنكر..
2 ـ أمر الإسلام الرجل والمرأةَ بتقوى الله - عزَّ وجلَّ - قال تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيدًا*}(+) . وقال تعالى: {وَاتَّقِينَ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدًا*}(+) . وقال تعالى: {وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى*}(+) .ومتى اتصف المسلم بتقوى الله - عزَّ وجلَّ - فخاف عقابَهُ وعذابه، وطمع في جنته ونوال رضوانه، فإن هذه التقوى تصرفه عن المنكر، وتصدُّه عن معصية الله العزيز الحكيم. وهذا هو الرادع الذاتيّ الذي ما بعده رادع. وإذا اتصف المسلم بهذه التقوى فقد اتصف بأعلى صفات الكمال.
3 ـ أمر الإسلإم الرجلَ والمرأة أنْ يبتعدا عن مواطن الشّبهاتِ، وأن يحتاطا من ذلك حتى لا يقعا في معصية الله تعالى، وأن لا يغشيا مواطن السوء ولا يأتيا أيّ عمل يُتَّهمان فيه. وأمر أن لا يتلبّسا بأيّ حالةٍ فيها شبهةٌ حتى لا يقعا في الحرام. قال رسول الله (ص): «إنَّ الحلاَل بيّنٌ والحرامَ بيّنُ وبينهما مشتبهات لا يعلمهن كثيرٌ من الناس. فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه. ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام، كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يقع فيه. ألا وإن لكلّ ملكٍ حمى، إلا وإن حمى الله محارمُه»(+) .
والشبهة هنا تقع على ثلاثة أوجه.
أحدها : أن يشتبه الشخص في الشيء هل هو حرام أم مباح؟ أو في الفعل هل هو فرض أم حرام أم مكروه أم مندوب أم مباح؟ ووجود هذه الشبهة في وصف الشيء، أو في حكم الفعل، لا يجيز له أن يقدم عليه حتى يتبين حكم الله تعالى فيه، فيقدم مطمئنًا إلى ما غلب على ظنه أن حكم الله تعالى فيه، سواء أكان ذلك بعد اجتهاد منه، أم بعد معرفته حكم الله تعالى فيه: إما من مجتهد، أو من عالم بالحكم، ولو كان مقلِّدًا أو عاميًّا، ما دام واثقًا بتقواه وعلمه بالحكم ذاته، لا علمه المطلق.
والثاني : أن يشتبه على الشخص أن يقع بالحرام من فعله المباح، لمجاورة هذا الفعل للحرام، أو للظن به من أن يؤدي للحرام، كبيعه عنبًا لتاجر يملك معامل خمر.
والثالث : أن يشتبه الشخص بالعمل المباح أنه عملٌ ممنوع، فيبتعد عن العمل المباح خشية أن يظن به الناس الظنون وذلك كمن يمر في مكان مشبوه بالفساد، فيظن الناس به أنه فاسد، فخشية أن يقول الناس عنه ذلك يبتعد عن المباح. أو كمن يتشدد في أن تستر زوجُته أو محارمُه وجوههن، وهو يرى أن الوجهَ ليس بعورة لكنه يتشدد خشية أن يقول الناس إن زوجةَ فلان أو أختَه أو ابنته سافرة. وفي هذا المعنى ناحيتان:
إحداهُما اتقاء العمل لدفع الشبهة: أي أن يكون الشيء الذي يَشتبهُ الناس به أنه حرام أو مكروه، هو بالفعل غير حرام أو مكروه شرعًا. بل هو في الحقيقة من الأعمال المباحة، لكن الناس يظنون أن من قام به قام بعمل محرّمٍ. ففي هذه الحال يتقي الشخص العمل المباح خشية أن يظن الناس به سوءًا، أو أنّ عليه أن يفسر لهم. «عن علي بن الحسين (عليه) أن صفية بنت حُيَيٍّ زوج النبيّ (ص) أخبرته أنها جاءت رسول الله تزوره وهو معتكف في المسجد في العشر الغوابر من رمضان. فتحدثت عنده ساعة من العِشاء ثم قامت تنقلب - أي تعود - فقام معها النبيّ (ص)، حتى إذا بلغت باب المسجد الذي عند مسكن أم سلمة زوج النبيّ (ص) مرّ بهما رجلان من الأنصار، فسلّما على رسول الله (ص) ثم نفذا، فقال لهما رسول الله (ص): «على رسلكما إنما هي صفية بنت حُييّ» قال: سبحان الله يا رسول الله، وكبر عليهما ما قال. قال: «إن الشيطان يجري من ابن آدم مبلغ الدم، وإني خشيت أن يقذف في قلوبكما»(+) . ومعنى تنقلب (ترجع). ومعنى يقلبها (يرجعها). ويفهم من هذا الحديث أن الرسول (ص) دفع الشبهة التي قد توجد عند صاحبيه مع أنه (ص) فوق الشبهات.
ثانيتهما القيام بالعمل مع الشبهة: أي أن يكون الشيء الذي يشتبه الناس به أنه ممنوع هو في الحقيقة غير ممنوع، لكن الشخص، خشية أنْ يقول الناسُ عنه إنه فعل الممنوع، يبتعد عنه. ومثل هذه الشبهة لا تجيز الابتعاد عنه، بل على الشخص أن يقوم به على الوجه الذي أمر به الشرع، من دون أن يحسب حسابًا للناس. وقد عاتب الله تعالى رسولَه الكريم، فقال تعالى: {وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ} مما يدل على أن المسلم إذا رأى أن الشرع لا يمنع الشيء فليفعله ولو قال الناس جميعًا إنه ممنوع.
هذه الشبهات التي نهى الشرع عنها إذا اتَّقاها الرجل والمرأة صانتهما من المعصية وجعلتهما يتَّصفان بالفضيلة.
4 ـ حث الإِسلام على التبكير في الزواج، حتى يحتاط في حصر هذه الشهوة الجنسية منذ بدء فوران الميل الجنسي. قال (ص): «يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فَلْيَتَزَوَّجْ....»(+) وقد سهَّل أمر الزواج تسهيلاً كليًّا بأن حضّ على تقليل المهور. قال (ص): «أعظم النساء بركةً، أيسرهنّ صداقًا»(+) .
5 ـ أمر الإسلام أولئك الذين لم تمكنهم ظروف خاصة من الزواجِ أن يتصفوا بالعفة ومنعة النفس. قال تعالى: {وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لاَ يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ}(+) . وأمرهم أن يصوموا علاجًا لشهوة الجنس حتى يستعينوا بعبادة الصوم على مقاومة هذه الشهوة والتغلب عليها. وإشغال النفس بالعبادة أسمى وأرفع عمل يقوم به العبد وهو تقوية صلته بربّه بالطاعات.
قال (ص): «يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج فإنه أغضُّ للبصر، وأَحْصَنْ للفرج. ومن لم يستطع فعليه بالصوم، فإنه له وِجاء»(+) .
وليس الصوم لكبت الميل الجنسيّ، بل لإِيجاد مفاهيم تتعلق بغريزة التدين (وأحد مظاهرها الصوم) يشغل بها الإِنسان عن مفاهيم غريزة النوع (وأحد مظاهرها الميل الجنسي)، فلا تثور حتى لا تزعجه وتؤلمه. وليس المرادُ من الصوم إضعافَ الجسم حتى تخفَّ الشهوة لأنَّ الأكلَ في الليل وأخذَ الكمية المغذية تغني عن الأكل في النهار، فالإِضعاف في هذا الصوم غير محقق وليس هو المطلوب بل إن صوم التطوع هو الوجاء، أي التعفف والوقاية.
6 ـ أمر الإسلام النساء بالحشمة وبارتداء اللباس الكامل في الحياة العامة، وجعل الحياة الخاصة لهنَّ مقصورة على النساء وعلى المحارم. ولا شك في أن ظهور المرأة محتشمة، جدِّية، غير متساهلة يحول بينها وبين النظرات المريبة ممن لا يتقون الله تعالى.
وقد وصف القرآن الكريم هذا اللباس وصفًا دقيقًا كاملاً شاملاً بالنسبة إلى لباس النساء من الأعلى قوله تعالى: {وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ}(+) . أي يُلْوِينَ أغطية رؤوسهن على أعناقهن وصدورهن، ليخفين ما يظهر من طوق القميص وطوق الثوب من العنق والصدر. وقال بالنسبة إلى لباس النساء من الأسفل: {يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلاَبِيبِهِنَّ} أي يرخين عليهن أثوابهن التي يلبسنها فوق الثياب للخروج، من ملاءة وغيرها، يرخينها إلى أسفل. والمرأة حين تلبس هذا اللباس الكامل فتضرب بخمارها على جيبها أي تلوي غطاء رأسها على عنقها وصدرها، وحين تدني عليها جلبابها أي ترخي ملاءتها إلى أسفل كي تستر جميع جسمها حتى قدميها، تكون قد لبست اللباس الكامل، وظهرت فيه حشمتها.
وقد بيَّن الله تعالى هذا التفصيل من لباس المرأة الكامل في الآيتين الكريمتين المذكورتين آنفًا. ثم بيّن هذا المعنى نفسه في آية أخرى بنهي المرأة عن إظهار جسمها، إلاَّ ما لم يذكر في هاتين الآيتين، وهو الوجه الذي يظهر من كون الخمار يُلوى على العنق والصدر لا على الوجه، ثم الكفَّين، لأنه لم يرد في تغطيتهما نص. نعم بيَّن سبحانه وتعالى هذا المعنى فقال عزَّ وجلَ: {وَلاَ يُبْدِينَ زَينَتَهُنَّ إِلاَّ مَا ظَهَرَ} أي لا يظهرن من أعضائهن التي هي محل الزينة إلا الوجه والكفين، وهما ما كانا يظهران أمام الرسول، وفي الحياة العامة في عصره (ص).
وبهذا البيان للباس المرأة يمكن أن يُدركَ ما هو لباس المرأة المسلمة الذي أمرها الله تعالى أن تظهر فيه بين الجماعة، وهذا هو اللباس الكامل الذي يمكّنها من مباشرة أعمالها، مع منتهى الحشمة والوقار.
تلك هي الأحكام الشرعيَّة التي تشتمل على القيام بأعمال إيجابية.
أما الأحكام الشرعيَّة التي تشتمل على أعمال سلبية فمنها ما يلي:
1 - منع الإِسلام كُلًّا من الرجل والمرأة من الخلوة أحدهما بالآخر. والخلوة هي أن يجتمع الرجل والمرأة في مكان لا يمكِّن أحدًا من الدخول عليهما إلا بإذنهما، كاجتماعهما في بيت أو في خلاء بعيدين عن الطريق والناس. وبما أنَّ الخلوة هي الاجتماع بين اثنين على انفراد في مكان يأمنان فيه وجود غيرهما معهما فهذا الفساد بعينه. لذلك منع الإِسلامُ منعًا باتًّا كلَّ خلوةٍ بين رجلٍ وامرأة غير محرمين أيًّا يكن هذان الشخصان، وأيًّا تكن هذه الخلوة. قال (ص): «لايخلونَّ رجل بامرأة فإنَّ ثالثهما الشيطان».
وبمنع الخلوة أوجد الشرعُ الوقاية بين الرجل والمرأة. وواقع الخلوة أنها هي التي تجعل الرجل لا يعرف في المرأة غير الأنثى، وهي التي تجعل المرأة لا تعرف في الرجل غير الذكر. وبمنع هذه الخلوة تُحسم أسبابُ الفساد، لأن الخلوة من الوسائل المباشرة للفساد. وهذا ما يلاحظ في المكاتب وسكرتيرات المكاتب.
2 - منع الإسلام المرأة من التبرج ونهى عنه. قال الله تعالى: {وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ اللاَّتِي لاَ يَرْجُونَ نِكَاحًا فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ}(+) ... فنهى القواعد من النساء عن التبرج.
وإذا كانت القواعد قد نهين عن التبرج فإن غيرهن من النساء منهيّاتٌ عنه من باب أولى. وقال تعالى: {وَلاَ يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ}(+) فإن مثل هذا يُعدّ تبرجًا. وإن الضربَ بالأرجل يجعل الخلاخل الذهبية، أو غير الذهبية، تتحرك ويُسمع رنينها الذي يحرك الغرائز الحيوانية. والتبرج هو إظهار الزينة والمحاسن للأجانب. يقال تبرجت المرأة: إذا أظهرت زينتها ومحاسنها كي تلفت الأنظارَ إليها.
وواقع التبرج أنه يدعو إلى إذكاءِ العواطف وإثارة غريزة النوع للاجتماع الجنسي عند الرجل والمرأة على السواء. وهو يدعو إلى تحرش الرجال بالنساء تحرشًا يجعل التقريب بينهما على أساس الذكورة والأنوثة، ويجعل الصلة بينهما صلةً جنسية ويفسد التعاون بينهما إفسادًا يجعله تعاونًا على هدم كيان الجماعة لا على بنائها. ويحول هذا التبرج بين التقريب الحقيقي الذي أساسه الطهارة والتقوى.
وهذا التبرج يملأ فراغ الحياة بالعواطف المشبوبة وبغريزة النوع المثارة. وما يكون للحياة أن تُملأ إلاَّ بالتبعات الجسام، والأمور العظام، والهموم الكبار بحيث تُصرفُ القدارتُ إلى إشباع جوعات الجسد بما يثيره التبرج من هذه الجوعات، ويحول - بسببها - بين المسلم، رجلاً كان أو امرأة وبين أداء رسالتِه في الحياة، وهي حمل الدعوة الإسلامية والجهاد في سبيل إعلاء كلمة الله تعالى. ولهذا كان لا بد من تقدير خطر التبرج على الجماعة الإسلامية، وتقدير ما في التبرج، عندما تتبدى فيه الأنثى للذكر وكأنها تهيجه وتهتف به، من خطر على الجماعة وعلى صِلاتها. هذا هو التبرج الذي حرمه الإسلام. وهذا هو واقعه وما فيه من خطر على الجماعة الإسلامية. أما إظهار المحاسن والزينة في البيت وفي الحياة الخاصة فلا يُعدّ تبرجًا ولا ينطبق عليه لفظ التبرج.
3 - منع الإسلام كُلًّا من الرجل والمرأة من مباشرة أيّ عمل فيه خطر على الأخلاق، أو فساد للجماعة. فتُمنع المرأة من الاشتغال في كل عمل يقصد منه استغلال أنوثتها. فعن رافع بن رفاعة قال: «نهانا رسول الله (ص) عن كسب الأمة إلا ما عملت بيديها. وقال: هكذا...» (مشيرًا بأصابعه نحو الخبز والغزل والنقش) فتمنع المرأة من الاشتغال مثلاً في المتاجر لجلب الزبائن، أو الاشتغال بالسفارات والقنصليات والمكاتب وغيرها بقصد الاستعانة بأنوثتها على الوصول إلى أهداف سياسية، أو أن تشتغل مضيفة في طائرة بسبب جمالها... وما إلى ذلك من الأعمال التي تستخدم فيها المرأة بقصد استغلال أنوثتها.
4 - نهى الإِسلام عن قذف المحصنات أي عن رميهن بالزنى. قال تعالى: {وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلاَ تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ*}(+) . وقال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلاَتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ*}(+) . وقال رسول الله (ص): «اجتنبوا السبع الموبقات» قالوا: وما هنَّ يا رسول الله؟ قال: «الشرك بالله، والسحر، وقتل النفس التي حرَّم الله، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات المؤمنات الغافلات»(+) . والمراد من المحصنات هنا العفائف، فكل عفيفة يحرم قذفها. وفي هذا النهي عن رمي المحصنات يُسِكتُ الشرعُ الألسنَ التي تعودت أن تتحرك بالسوء، وأن تَلغ في أعراض الناس، حتى لا تشيع قالةُ السوء في الجماعة الإِسلامية ولا يشيعَ الاتهامُ بالباطل. وفي هذا صيانة للجماعة الإِسلامية.
فهذه الأحكام الشرعية التي تشتمل على النهي عن القيام بأعمالٍ سلبيةٍ تجعلُ الجماعةَ الإِسلامية، قادرةً على إيجاد تعاون بين أعضائها وسائرةً في هذا التعاون في حدود الطهارة والتقوى.
وبهذا كله يمكن أن يتصورَ الإِنسانُ الجماعةَ الإِسلاميةَ ما هي، ويمكن أن يدركَ المرأةَ المسلمةَ ما هي، ويمكنه أن يرى أن قيامَ المرأة في الحياة العامة بالأعمالِ التي أباحها الشرعُ لا ينتج منه أي فساد، ولا يؤدي إلى أي ضرر، بل هو ضروريّ للحياة العامة ولرقيّ الجماعة.
ولهذا كان لا بد للمسلمين من أن يتقيدوا بأحكام الشرع سواء كانوا في دار إسلام أو في دار كفر، في بلاد إسلامية أو في بلاد غير إسلامية، بين جماعة المسلمين أو غيرهم، وأن يجيزوا الأعمال التي أباح الشرع للمرأة أن تقوم بها، ولا يخشوا من ذلك بأسًا، فإنَّ في العمل بأحكام الشرع صيانةً للمرأة، وترقيةً للجماعة، وإطاعةً لأوامرِ الله تعالى ونواهيه. فالشرعُ أعلم بما يُصلح الإِنسان، فردًا كان أو جماعة، سواء في الحياة الخاصة أو في الحياة العامة.
هذه هي خلاصُة النظام الذي عالج به الإِسلامَ الاجتماعَ الذي قد تنشأ عنه مشاكل، وهو اجتماعَُ الرجال بالنساء. ومن هذا النظام يتبين أن الأحكام الشرعية التي جاء بها الإسلام كفيلة في منع الفساد الذي قد تسببه الاتصالات بين الرجل والمرأة، وفي جلب الصلاح الذي تتوافر فيه الطهارة والتقوى والجد والعمل. وهو يضمن حياة خاصة يسكن إليها الإِنسان وتهدأ بها نفسه، ويرتاج فكره من العناء، ويضمن حياة عامةً تكون جدِّيةً منتجةً موفِّرةَ للجماعة ما تحتاجه في حياتها من سعادة ورفاهية.
ويمكن أن نلخص ما تقدم ذكره من النظام الاجتماعي أي من علاقة المرأة بالرجل في الإِسلام، بالأمور التالية:
1 ـ الأصلُ في المرأة أنها أمّ وربة بيت، وهي عِرض يجب أن يصان.
2 ـ الأصل أن يَنْفَصِلَ الرجالُ عن النساء في الحياة الخاصة، وألاّ يجتمعوا إلا لحاجة يقرها الشرع ويجيز الاجتماع من أجلها.
3 ـ للمرأة كل الحق في العمل وفق الأحكام التالية:
(أ) أن تُزَاوِلَ التجارةَ والصناعةَ والزراعةَ، وأن تتولى العقودَ والمعاملات، وأن تملكَ كل أنواع الملك، وأن تنمّيَ أموالها، وأن تباشر شؤونها في الحياة بنفسها، في الإطار الذي يحفظ صونها وكرامتها.
(ب) يجوز لها أن تُعَيَّنَ في وظائف الدولة التي لا تجمعها مع الرجال تحت سقفٍ واحدٍ، كمربيةٍ للأطفال وكمعلمةٍ للبنات.
(ج) لا يجوزُ أن تتولى المرأة الحكم، فلا تكون خليفةً ولا قاضيًا في محكمةِ المظالم ولا واليًا ولا عاملاً ولا تباشرُ أيّ عملٍ يُعدّ من الحكم.
4 ـ تُمنعُ الخلوةُ بغير محرم، ويُمنعُ التبرجُ أمام غير محرم، ويُمنعُ الاختلاط.
5 ـ يمنع كلُّ من الرجل والمرأة من مباشرة أيّ عمل فيه خطر على الأخلاق أو فساد المجتمع.
آراء الأئمة في الزواج:
قلنا إن العلاقاتِ التي تنشأ عن اجتماع الرجال والنساء تشمل الزواج، كما تشمل غيره من مظاهر غريزة النوع. ولقد بينا أحكامَ النظام الاجتماعيّ وفقًا للأدلّة التي وردت في النصوص القرآنية، أو في الأحاديث الشريفة، بمقدار ما وفقنا الله تعالى إلى تبيان المعاني التي تنطوي عليها تلك النصوص والأحاديث. ونعود الآن فنبيّن آراء الأئمة في عقد الزواج وما ذهبت إليه مذاهبهم فيه.
عقد الزواج:
إنَّ آراء الأئمة تباينت في صحة عقد الزواج إذا لم يقع في صيغة الماضي، أو إذا وقع بألفاظٍ غيرِ مشتقةٍ من مادتي الزواج والنكاح، كألفاظ الهبة والبيع وما أشبه ذلك.
ـ قال الإماميّة: يجب أن يكون الإيجابُ بلفظ: زوجتُ وأنكحتُ، أي بصيغة الماضي، وكذلك يكون القبول بقول: قبلتُ أو رضيتُ أي بصيغة الماضي أيضًا. لأن الزواج لا ينعقد بغيرها، ولا بغير مادة الزواج والنكاح، لأنهما يدلان على المقصود بدلالة الوضع. ولأن صيغة الماضي تفيد الجزم، وقد نصَّ القرآن الكريم عليهما، بقوله تعالى: {فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا}(+) .
ـ وقال الحنفيّة: يجوز العقد بكل ما دلَّ على إرادة الزواج، حتى التمليك والهبة، والبيع والعطاء، والإباحة والإحلال، إن كان العقد مصحوبًا بالقرينة الدالة على الزواج. ولا ينعقد الزواج بلفظ الإجارة والإعارة، لأنهما لا يفيدان الدوام والاستمرار. واستدلوا على ذلك بما جاء في صحيح البخاري ومسلم: من أن امرأة جاءت النبيَّ (ص) وقالت له: «يا رسولَ الله، جئت لأهبَ لك نفسي». فطأطأ النبيّ (ص) رأسه ولم يجبها، فقال بعضُ من حضر: إن لم تكن لك بها حاجة فزوجنيها. فقال له النبيّ (ص): هل عندك من شيء». قال الرجل: لا والله. فقال له النبيّ (ص) : «ما معك من القرآن؟» قال الرجل: كذا..، فقال النبيّ (ص): «لقد ملكتَها بما معك من القرآن».
ولكنَّ هذا الحديث روي عند الإماميّة بلفظٍ آخر، حيث قالوا: «جاءت امرأة النبيَّ (ص) فقالت له: زوِّجني. فقال النبيّ (ص): «من لهذه المرأة؟». فقام رجل من الحاضرين وقال: أنا. فقال له النبيّ (ص): «ما تعطيها؟». قال الرجل: ما لي شيء. فقال النبي : «لا». فأعادت، فأعاد النبيّ (ص)، فلم يقم غير الرجل الأول.. ثم أعادت فأعاد، فقال النبيّ (ص): «أتحسن من القرآن شيئًا». قال الرجل: نعم. فقال الرسول (ص): «زوجتُكها على أن تعلّمها ما تُحسن من القرآن» ، (فاللفظ كان الزواج لا الملك).
ـ وقال المالكيّة: ينعقد الزواج بلفظ التزويج والتمليك، وما يجري مجراهما كالبيع والهبة والصدقة والعطية، شرط ذكر المهر ليكون قرينةً على إرادة الزواج، فإن لم يذكر المهر فلا ينعقد الزواج.
ـ وقال الشافعيّة والحنبليّة: ينعقد الزواج بلفظ النكاح والزواج، وما يشتق منهما، ولا يصح أن ينعقد بغيرهما من الألفاظ. فالآية الكريمة التي تقول: {وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا خَالِصَةً}(+) وهي من خصوصيات النبيّ (ص)..
فورية العقد:
يشترط الإماميّة والشافعيّة والحنبليّة: الفور في العقد، وهو أن يقع القبول عقيب الإيجاب من غير فاصل، في حين أن الحنفية لا يشترطون الفور، فعندهم لو أرسل رجل إلى امرأة كتابًا يخطبها فيه، وهو غائب، فأحضرت شهودًا وقرأت عليهم الكتاب، وقالت: «زوجته نفسي»، فإن الزواج يتم(+) .
أما المالكيّة فقالوا: لا يضر الفاصل اليسير، كما إذا حصل الفصل بخطبة يسيرة.
واتفق الأئمة على أن العقد يتمّ بغير اللغة العربية، في حال العجز عنها. لكنهم لم يتفقوا حول صحة العقد في حال القدرة على الكلام بالعربية. قال الإماميّة والشافعيّة، لا يصح، في حين أن الحنفيّة والمالكيّة والحنبلية قالوا: يصح.
أما من حيث الكتابة في عقد الزواج:
فقد قال الإماميّة والمالكيّة والشافعيّة والحنبليّة بعدم صحة العقد بالكتابة (أي بالمراسلة الكتابية)، في حين أن الحنفية قالوا بأنه يصحّ إذا لم يكن الخاطب والمخطوبة في مكان واحد.
واتفق الأئمة على أن الأخرس يكتفي بالإشارة دليلاً على قصد الزواج صراحة إذا لم يحسن الكتابة، فإن أحسنها فالأولى الجمع بينها وبين الإشارة.
شهودُ العقد:
قال الإماميّة: يُستحبّ الإعلانُ والإظهارُ في النكاح الدائم والإشهاد على الزواج غير واجب.
ـ وقال الحنفيّة والشافعيّة والحنبليّة: إن الزواج لا ينعقد إلا بشهود.
ـ وقال المالكيّة: لا يشترط الإشهاد، بل يكفي الإعلان ولو بالدفّ. وهذا هو المشهور عنهم في كتب الفقه القديمة والحديثة.. لكنّ بعض الفقهـاء يذكر رأيًا آخـر للمالكيّة فيقـول: إن المـالكيّة يوجبون الشهادة عند الزواج، وينكرون على الذين يقولون عكس ذلك.
وقال بعض فقهاء السنّة ومنهم أبو بكر الأصم، وأبو ثور، وابن أبي ليلى: لا تشترطُ الشهادة في الزواج، لأن الآيات الواردةَ في شأن الزواج لا تشترط الإشهاد، مثل قوله تعالى: {وَأَنْكِحُوا الأَيَامَى مِنْكُمْ}(+) . وقوله تعالى: {فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ}(+) ، فيعمل بها على إطلاقها، والأحاديث الواردة لا يصح أن تكون مقيدة.
شروطُ العاقدين:
اتفق جميع الأئمة على وجوب التعيين، فلا يصح أن يقال: زوجتك إحدى هاتين البنتين، ولا زوَّجتُ أحد هذين الرجلين.
واتفقوا على وجوب الرضا والاختيار، وعدم انعقاد الزواج مع الإكراه، ما عدا الحنفيّة فإنهم لا يشترطون توافر حقيقة الرضا، فيصح عندهم الزواج مع الإكراه.
كما اتفق الأئمة على شرطي العقل والبلوغ، وقالوا: يجب توافر أهلية التصرف، بحيث يكون العاقد لنفسه أو لغيره أهلاً لمباشرة العقد وذلك بالتخيير فقط فإن كان غير مميز كصبي لم يبلغ السابعة، أو مجنونًا، لم ينعقد الزواج، بل يكون باطلاً، لعدم توافر الإرادة، والقصد الصحيح المعدّ شرعًا.. ومن هنا كان خطأ العادة الشائعة في بعض أوساط المسلمين الذين يعقدون على أولادهم قبل أن يبلغوا الحلم، فهذا العقد فضلاً عن كونه مخالفًا للإنسانية، ولسر المعاشرة الزوجية، فإنه مخالفٌ للمعقول أيضًا، مما يعني وجوبَ أن يُترَكَ الاختيار نفسه، حتى لا يكونَ هناك قهر ذاتيّ، وإكراه معنويّ غالبًا ما يؤديان إلى الفرقة والطلاق بعد الزواج والنضوج الفكريّ... لكنَّ الإمامية أجازوا إجراء ما يسمُّونه بعقد التحريم، الذي يُجرونه على القاصرة بإذن أبويها، وذلك من أجل تحليل أمها على رجل من غير محارمها، تحليلاً غير مُواز لتحليل الزواج العادي، لكنه يجيز النظرة الخاطفة واللَّمحةَ غير المقصودة وما شابه ذلك إذا كان بين الرجل وتلك المرأة مجاورة أو مرافقة في سفرٍ أو غيره.
أما أمارات البلوغ فهي الحيض عند الأنثى، كما قال الأئمة جميعهم؛ لأن الحيض بمنزلة المنيّ عند الرجل.
وقال الإماميّة والمالكيّة والشافعيّة والحنبليّة: إن ظهور الشَّعر الخشن على العانة يدل على البلوغ، في حين أن الحنفيّة قالوا لا يدل هذا الظهور على البلوغ لأنه كسائر شعر البدن.
أما من حيث السنّ:
فقال الإماميّة: إن البلوغ بالسن يتحقق بخمس عشرة سنة في الغلام، وتسع في الجارية.
وقال الحنفيّة: ثماني عشرة في الغلام، وسبع عشرة في الجارية وهذا هو الحد الأقصى للبلوغ. أما الحد الأدنى فهو اثنتا عشرة سنة للغلام، وتسع للجارية... وهو الحد الذي يمكن معه الاحتلام والإنزال والإحبال من الغلام، والاحتلام، والحيض والحمل من الجارية.
ـ وقال المالكيّة: سبع عشرة سنة في كلٍّ من الغلام والجارية.
ـ وقال الشافعيّة والحنبليّة: إن البلوغ بالسنّ يتحقق بخمس عشرة سنة من الغلام والجارية.
شروطُ الزوجة:
ـ قال الإماميّة: لو اشترطت الزوجة في أثناء العقد ألاّ يتزوجَ عليها، أو ألاّ يطلّقَها، أو ألاّ يمنعَها من الخروج متى تشاء وأين تشاء، أو أن يكون الطلاقُ بيدها، أو ألاّ يرثَها أو ألاّ تتزوجه حتى يطلّق امرأته(+) وما إلى ذلك.. مما يتنافى مع مقتضيات العقد، فيبطل الشرط ويصح العقد. أما إذا اشترطت عليه ألاّ يخرجها من بلدها، أو يسكنها منزلاً معيًّنًا بأن يحمل أوصافًا معيَّنة، أو شرطت أنَّها لا تسافر إلى بلد معين، أو خارج بلدها، فيصح العقد والشرط معًا.
وقال الحنفيّة: إذا اشترط الرجل أن يكون الطلاق بيد المرأة، كما لو قال لها: تزوجتك على أن تطلّقي نفسك، كان هذا الشرط فاسدًا. أما لو اشترطت هي ذلك، وقالت له: زوجتك نفسي على أن يكون الطلاق في يدي - أي العصمة بيدي - وقال: قبلت. فيكون العقد والشرط صحيحين وتطلّق نفسها متى شاءت.
وقال المالكيّة والشافعيّة (وبعض الحنفيّة): يبطل الشرط ويصح العقد.
ـ وقال الحنبليّة: من حق المرأة أو وليّها أن يشترطَ ألاَّ يتزوج الرجل عليها، فلو شرطت الزوجة في عقد الزواج، على زوجها ألا يتزوج عليها صح الشرط ولزم. وكان لها حق فسخ الزواج إذا لم يفِ بالشرط، ولا يسقط حقها في الفسخ إلا إذا أسقطته ورضيت بمخالفته، إذ إن الشرط في الزواج أكبر خطرًا منه في البيع والإجارة ونحوهما من العقود. فلهذا يكون الوفاء بما التزم منها أوجب وآكدَ، لقول رسول الله (ص): «أحقُّ الشروط أن توفُوا به ما استحللتم به الفروج»(+) .
وخلاصة القول في هذا الأمر: إن عقد الزواج إذ قُرن بشرط، فإما أن يكون هذا الشرط من مقتضيات العقد، أو يكون منافيًا له، أو يكون ما يعود نفعه على المرأة، أو يكون شرطًا نهى الشرع عنه، ولكل من هذه الشروط أحكامه من حيث الصحة والبطلان.
أما الشروط التي هي من مقتضيات العقد، فلا خلاف على الوفاء بها.
ـ والشروط التي لا ينبغي الوفاء بها مع صحة العقد، فهي ما كان منافيًّا لمقتضى العقد، كاشتراط أنْ لا مهر للمرأة، أو أن يكون للزوج الحق بأن يعزل نفسه عنها، أو اشتراط أن تنفق عليه الزوجة، أو اشتراطه ألاَّ يكون عندها إلاَّ ليلة واحدة في الأسبوع.
ـ وأما ما يعود لنفع المرأة مثل الاشتراط لها أن تسكن في دارةٍ معيَّنة وفي حيّ معيّنٍ، وبأثاث أو فرش معيَّن، أو ألاّ تخرج من بلدها، أو ألاّ يسافر ويتركها وحيدة، أو أن لا يتزوج عليها.. ففي هذه الحالات هناك من العلماء من رأى أن الزواج صحيح، وأن مثل تلك الشروط ملغاةٌ ولا يُلزمُ الزوجُ الوفاء بها، ومنهم من ذهب إلى وجوب الوفاء بما اشترط للمرأة فإذا لم يفِ كان لها فسخ الزواج.
ونحن مع الرأي الأول والقائل بأن الشروط تُعدّ ملغاةً، ويمكن للزوج مخالفتُها وعدمُ الوفاء بها، لأن الأدلة التي ذكرها العلماء الذين قالوا بهذا الرأي كانت هي الأقوى، ومنها قول رسول الله: «كل شرط ليس في كتاب الله فهو باطل»(+) وتلك الشروط ليست في كتاب الله تعالى، والشرع لا يقتضيها فكان احتسابها ملغاةً أصحَّ وأوجب.


دعوى الزواج:
اتفق جميع الأئمة على أنه إذا ادَّعى رجلٌ زوجيّة امرأة، فأنكرت، أو ادَّعت هي فأنكر، فعلى المدّعي البيّنةُ، وعلى المنكِر اليمين. وإذا عجز المدعي عن إقامة البيِّنة فعلى المنكِر اليمين وتُردُّ الدعوى.
واتفقوا على أن البيّنة لا بد من أن تكون من رجلين عدلين، وأن شهادة النساء لا تقبل، لا منفردات، ولا منضمات. إلاَّ الحنفيّة فإنهم قبلوا شهادة رجل وامرأتين على شرط العدالة، لأن العدالة عند الحنفيّة شرطٌ في إثبات الزواج عند الإنكار والخصومة، وليست شرطًا في صحة العقد لدى وقوعه.
المحرّمات من النساء:
ليست كلُّ امرأة صالحةً للعقد عليها، بل يُشترطُ في صحة العقد خلوُّ المرأة من الموانع. وهذه الموانع ثمانية: نسب وسبب. الأول سبعة أصناف ويقتضي التحريم المؤبّد، والثاني عشرة منها ما يوجب التحريم المؤبّد، ومنها ما يوجب التحريم المؤقت.
التحريمُ المؤبد: هو الذي يمنع المرأةَ أن تكون زوجةً للرجل في كلّ الأوقات.
والتحريم المؤقت: هو الذي يمنع المرأة من التزوج ما دامت على حالةٍ خاصةٍ قائمةٍ بها. فإذا تغيّرت الحال وزال التحريم الوقتيُّ صارت حلالاً.
أسبابُ التحريم المؤبد هي: النسب، المصاهرة، الرضاع. وهي المذكورة في قول الله تعالى: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالاَتُكُمْ وَبَنَاتُ الأَخِ وَبَنَاتُ الأُخْتِ وَأُمَهَاتُكُمُ اللاَّتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ اللاَّتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللاََّّتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ وَحَلاَئِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلاَبِكُمْ وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الأُخْتَيْنِ إِلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ}(+) .
اتفق جميع الأئمة على أن النساء اللاتي يحرمن من النسب سبع:
ـ الأم، وتشمل الجدات لأبٍ كنَّ أو لأمّ.
ـ البنات، وتشمل بنات الابن والبنت وإن نزلن.
ـ الأخوات لابن أو لأمّ أو لكليهما.
ـ العماتُ وتشمل عمات الآباء والأجداد.
ـ الخالات، وتشمل خالات الآباء والأجداد.
ـ بنات الأخ وإن نزلن.
المحرّمات بسبب المصاهرة: المصاهرة هي علاقة بين الرجل والمرأة تستلزم تحريم الزواج عينًا أو جمعًا. وتشمل الحالات التالية:
ـ اتفق الأئمة جميعهم: على أن زوجة الأب تحرم على الابن وإن نزل، بمجرد العقد، سواء أدخل الأب أم لم يدخل. والأصل فيه قول الله تعالى: {وَلاَ تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ}(+) .
ـ وعلى أن زوجة الابن تحرم على الأب وإن على لمجرد العقد. والأصل فيه قول الله تعالى: {وَحَلاَئِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلاَبِكُمْ}(+) . والحلائل جمع حليلة وهي الزوجة، والحليل هو الزوج.
ـ وعلى أن أمّ الزوجة، وإن علت، تحرم بمجرد العقد على البنت وإن لم يدخل، لقوله تعالى: {وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ}(+) .
ـ وعلى أن بنت الزوجة لا تحرم على العاقد بمجرد وقوع العقد، فيجوز له الزواج منها إذا طلَّق أمها قبل أن يدخل بها، لقوله تعالى: {وَرَبَائِبُكُمُ اللاَّتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللاََّّتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ}(+) .
وتباينت آراؤهم حول ما إذا عقد الرجل زواجه ولم يدخل، وإنما نظر إلى المرأة أو لمسها بشهوة، فهل تحرم عليه بنت الزوجة؟
ـ قال الإمامية والشافعيّة والحنبليّة: لا تحرم بنات النساء (الربائب إلا بالدخول، ولا أثر للّمس، ولا للنظر بشهوة أو بغيرها).
ـ وقال الحنفيّة والمالكيّة: اللمس والنظر بشهوة يوجبان التحريم، تمامًا كالدخول.
وقال الأئمة باتفاق الجميع:
ـ إنَّ حكم وطء الشبهة(+) حكم الزواج الصحيح في ثبوت النسب، وحرمة المصاهرة.
ـ وإنَّ الجمعَ بين الأختين حرامٌ لقوله تعالى: {وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الأُخْتَيْنِ}(+) .
ـ وإنَّ الرجل يجوز له أن يجمع بين أربع نساء، ولا تجوز له الخامسة، لقول الله تعالى: {فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلاَثَ وَرُبَاعَ}(+) .
وإذا خرجت إحداهن من عصمة الزوج بموت أو طلاق، جاز له التزوج من أخرى بديلاً عنها.
اللِّعان:
اللِّعان مأخوذ من اللعن. وقيل هو الإبعاد. والمتلاعنان سُمّيا بذلك لما قد يعقب من نتائج على تلاعنهما. وقيل أيضًا: اللِّعان من الإثم والإبعاد، ولأن أحد المتلاعنين كاذب فيكون ملعنًا. وقيل: لأن كلّ واحد منهما يبعد عن صاحبه بتأبيد التحريم.
قال الله تعالى: {وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلاَّ أَنْفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ *وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ *وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ *وَالْخَامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ*}(+) .
ويكون اللِّعان إذا رمى رجل زوجته بالزنى، أو نفى أن يكون الولد من صلبه، أي ثمرة الجُماع بينه وبين زوجته، وأكذبته هي، ولا بيّنة له عندها، جاز له أن يلاعنها.
كيفية الملاعنة: يشهد الرجل بالله تعالى أربع مرات إنه لمن الصادقين فيما رماها به، ثم يشهد بالله تعالى شهادةً خامسةً أن لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين. وتشهد المرأة بالله تعالى أربع مرات إنه من الكاذبين، وتشهد الخامسةَ أن غضب الله عليها إن كان من الصادقين.. فإن رمى زوجته، وامتنع عن الملاعنة، أقيم عليه الحدّ، وإذا لاعن وامتنعت هي، أقيم عليها الحدّ. وإذا تمت الملاعنةُ من الطرفين يسقط الحدُّ عنهما، ويفرِّق بينهما، ولا يلحق بالرجل الولد الذي نفاه عنه، ولم يعترف بأبوّته له.
هذا هو حكم الملاعنة باتفاق جميع الأئمة.
الطلاق المتعدّد:
اتفق الأئمة على أن الرجل إذا طلَّق زوجته ثلاث مرات، بينهما رجعتان، حرمت عليه، ولا تحلُّ له حتى تنكح زوجًا غيره، وذلك بعد أن تعتدَّ بعد الطلاق الثالث. وعند انتهاء العدة(+) تتزوج زواجًا شرعيًّا دائمًا، ويدخل بها الزوج الثاني. وإذا فارقها الثاني بطلاق أو موت، وانتهت عدتها جاز للأول أن يعقد عليها ثانيةً، فإذا عاد وطلَّقها ثلاثًا حرمت عليه حتى تنكح زوجًا غيره.
وهكذا فإن المرأة تحرم على مطلِّقها بعد كل طلاق ثالث، وتحلُّ له بمحلِّل أي بعد تزوُّجها من غيره وفراقه لها.

الزواج من الكتابيّة أو من المشركة:

اتفق الأئمة على أنه لا يجوز للمسلم أن يتزوج مشركةً تعبد الأصنام، أو النجوم، أو النار، أو تدين بعقيدة الشيطان، كما هو منتشر في بعض أوساط الغرب، وما شاكل ذلك من عبادات المشركين، لقول الله تعالى: {وَلاَ تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ وَلأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ وَلاَ تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ}(+) .
كما اتفق الأئمة على أنه لا يجوز للمسلمة أن تتزوج مشركًا أو كتابيًّا. لكنه يجوز للمسلم أن يتزوج الكتابية، وهي اليهوديّة أو النصرانيّة باتفاق الأئمة الخمسة من سنة وشيعة.
وزواج المسلم من الكتابيّة جائز لقول الله تعالى: {الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ}(+) .
والإسلام إنما أباح الزواج من الكتابيات ليزيل الحواجز بين المسلمين وبين الكتابيين، لأن في الزواج المعاشرة، والمخالطة، وتزاور الأُسر، وتقارب بعضها من بعض، فتتاح الفرص لدراسةِ الإسلام، ومعرفةِ أحكامه ومثله وحقائقه. ولذا كان على من يبتغي الزواج من كتابية أن يجعل هذا الهدف العامّ في رأس الأهداف الأخرى الخاصة التي يتوخاها من زواجه. وقد فرَّق الإسلام بيْن أهل الكتاب وأهل الشرك بقول الله تعالى: {لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ*}(+) .. ففرق بينهم في اللفظ. وظاهر العطف يقتضي المغايرة وهذا يعني أن المشركين هم غير أهل الكتاب. والفرقُ كبيرٌ مِنْ ثَمَّ، بين الكتابيَّة والمشركة:
فالكتابيّة لها دين، وهي تؤمن بالله تعالى وملائكته، وببعض كتبه، وبكثير من رسله، كما تؤمن بيوم القيامة، وبالجنة والنار، وغيرها من المعتقدات الدينية التي يؤمن بها المسلمون. هذا فضلاً عن أنها تدين بوجوب عمل الخير، وبتحريم الخيانة، وحفظ الأمانة، وما إلى هنالك من القيم الإنسانية التي أوجبت أو نهت عنها الأديان السماوية. وأما المشركة فلا تعمل بشيء مما أنزل الله تعالى. وعقيدتها الدينية عبارةٌ عن مجموعةٍ من المفاهيم التي ابتدعها أحد أبناء البشر، وبالتالي فإنَّ دينها لا علاقة له بالإيمان بحقيقة وجود الله تعالى، الإيمانِ بملائكته وكتبه ورسله. وبالتالي فليس في صلب عقيدة الشرك خوفٌ من ربّ السماوات والأرض في تحريم الخيانة، ووجوب الأمانة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وهي موكولة إلى عاداتها وتقاليدها، التي غالبًا ما تكون خرافات الوثنية وأوهامها، أو دسائس الشياطين، وهذا الشّرك مما يفسد عقيدةَ أولادها، فلا يجوز بالتالي أن تكون زوجةً لمسلم، وأمًّا لأبناء المسلمين تقوم على تنشئتهم وتربيتهم.
الرضاع:
اتفق الأئمة جميعًا على أن المحرمات بسبب الرضاع هنَّ المحرمات بسبب النسب. ودليل التحريم قول الله تعالى: {وَأُمَهَاتُكُمُ اللاَّتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ}(+) . وقول رسول الله (ص): «يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب(+) ...».. وبناء عليه تكون كلّ امرأةٍ محرَّمة من حيث النسب محرَّمة من حيث الرضاع. فأيّ امرأة تصير بسبب الرضاع أمًّا أو بنتًا أو أختًا، أو عمة، أو خالةً، أو بنتَ أخٍ، أو بنتَ أختٍ، يحرم الزواج منها.
وتباينت الآراء حول عدد الرضعات التي توجب التحريم.
ـ قال الإماميّة: لا تتحقق الحرمة إلا إذا رضع الطفل من المرأة يومًا وليلة، على أن يكون غذاؤه في هذه المدة منحصرًا بلبن المرأة فقط، لا يتخلله طعام آخر، أو إذا رضع خمس عشرة رضعة كاملة لا يفصل بينها رضعةُ امرأة أخرى. وعلّلوا ذلك بأن في هذه الكمية من اللبن ما ينبت اللحم ويشتد به العظم.
ـ وقال الحنفيّة والمالكية: يثبت التحريم بمجرد أن يحصل الرضاع كثيرًا كان أو قليلاً.
ـ وقال الشافعيّة والحنبليّة: لا بد من خمس رضعات على الأقل.
واتفقوا جميعًا على أن صاحب اللبن، هو زوج المرضعة، يصير أبًّا للرضيع. ويحرم بينهما ما يحرم بين الآباء والأبناء، فأمّ صاحب اللبن جدّة للرضيع، وأخته عمةٌ له، كما تصبح المرضعةُ أمًّا له، وأمها جدة، وأختها خالة.
الإحرام:
ـ اتفق الإمامية والمالكية والشافعية والحنبلية على أن المحرم للحج أو للعمرة، لا يتزوج ولا يزوّج، رجلاً كان أو امرأة، وكيلاً أو وليًّا، وإن حصل الزواج كان باطلاً لقول رسول الله (ص): «لا يَنكِحُ المحرمُ ولا يُنكَحُ ولا يخطب»(+) .
ـ وقال الحنفيّة: الإحرام لا يمنع من الزواج.
وأوضح الإماميّة بقولهم: إذا حصل العقدُ حال الإحرام، فإن كان مع الجهل بالتحريم حرمت المرأة مؤقتًا، فإذا أحلاَّ، أو أحلَّ الرجل إن لم تكن المرأة محرمة، جاز له العقد عليها. وإن كان مع العلم بالتحريم فُرِّق بينهما وحُرمت مؤبّدًا.
أما الأئمة الأربعة، وفيما يتعلق بالجهل أو العلم، فقالوا: تحرم مؤقتًا لا مؤبّدًا.
الوِلاية:
الوِلاية لغةً هي المحبّة والنصرة، والسلطة والقدرة، فعن المحبّة والنصرة قال الله تعالى: {وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ*}(+) ، وقال تعالى: {وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ ً بَعْضُهُمْ ً أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ}(+) . وعن السلطة والقدرة يقال: الوالي، بمعنى صاحب السلطة.
وفي اصطلاح الفقهاء: هي القدرة على مباشرة التصرف من غير توقّف على إجازة أحد. ويسمى متولّي عقد الزواج «الوليّ» لقوله تعالى: {فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ}(+) .
وإنَّ سلطة الزواج الشرعية في الولاية جُعلت على المولَّى عليه كالقاصر أو المجنون، وذلك لنقص فيه، ورجوعِ مصلحةٍ إليه كي تُحفظَ حقوقه، ولا تضيعَ أو تهدر.
الصِّغرُ والجنون:
اتفق الأئمة على أن للوليّ أن يزوّج الصغير والصغيرة، والمجنون والمجنونة. لكنّ الشافعيّة والحنبليَّـة خصصوا هذه الولاية بالصغيرة البكر فقط، أما الثّيب فلا ولاية عليها.
وقال الإماميّة: زواج الصغير والصغيرة موكولٌ للأب، والجد للأب فقط من دون غيرهما.
وقال الحنفيّة: يجوز زواج الولاية بجميع العصبيات حتى العم والخال.
وقال المالكيّة والحنبلية (في المشهور): بل للأب فقط.
البالغةُ الراشدة:
قال أكثر فقهاء الإمامية: إن البالغةَ الراشدةَ تملك ببلوغها ورشدها جميع التصرفات من العقود وغيرها حتى الزواج، بكرًا كانت أو ثيبًا، فيصح أن تعقد لنفسها مباشرةً وتوكيلاً، إيجابًا وقبولاً، سواءٌ أكان لها أبٌ أم جدّ، أم غيرهما من العصبيات، أم لم يكن، وسواء رضي الأب أو كره. وسواء أكانت رفيعة أم وضيعة، وتزوجت بشريفٍ أو وضيع وليس لأحد أن يعترض، فهي تمامًا كالرجل من دون أي فرق. واستدلوا بقول رسول الله (ص): «الأيِّم(+) أحقّ بنفسها من وليها(+) » ورواه أيضًا ابن عباس بلفظ: «الثَّيبُ أحقُّ بنفسها من وليها، والبكر تُستأذنُ في نفسها، وإذنها صماتها». وأما المرأة المطلَّقة فليس لوليها أن يمنعها من الرجوع إلى زوجها بدليل قوله: {فَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ}(+) .. أي لا تمنعوهنَّ ظلمًا عن التزوج. والعضلُ مأخوذ من المنع والضيق والشدّة. والأمر المعضل: هو الممتنع بصعوبته. وداء عضال: ممتنع علاجه على الأطباء لشدته.
ـ وقال الحنفيّة: للبالغة العاقلة أن تنفرد باختيار الزوج، وأن تنشئ العقد بنفسها بكرًا كانت أو ثيِّبًا، وليس لأحد عليها ولايةٌ ولا حقُّ الاعتراض - تمامًا كما قال الإماميّة - لكنَّ الحنفيّة اشترطوا أن تختار في ذلك الكفء، وأن لا تتزوج بأقل من مهر المثل. فإن تزوجت بغير الكفء يحق للوليّ أن يعترضَ، ويطلبَ من القاضي فسخ الزواج، وإن تزوجت بالكفء بأقل من مهر المثل يطلب الفسخ إذا لم يتمم الزوجُ مهر المثل.
ـ وقال المالكيّة والشافعيّة والحنبليّة: ينفرد الوليّ بزواج البالغة الراشدة إن كانت بكرًا، أما إن كانت ثيبًا فلا ينفرد دونها، ولا تنفرد دونه، ويجب أن يتولى هو إنشاء العقد، لأنه لا ينعقد بعبارات المرأة أبدًا، وإن كان لا بد من رضاها. واستشهدوا أيضًا بالآية الكريمة: «فلا تعضلوهن»، أي بالآية نفسها التي استشهد بها الإماميّة، وذكروا عن معقل بن يسار أنَّ هذه الآية نزلت فيه: فقال: «زوّجت أختًا لي من رجل فطلّقها، حتى إذا انقضت عدتها جاء يخطبها، فقلت له: زوجتك، وأفرشتك وأكرمتك، فطلَّقتها، ثم جئت تخطبها! لا والله لا تعود إليها أبدًا». ويتابع معقل قائلاً: وكان رجلاً لا بأس به، وكانت المرأة تريد أن ترجع إليه، فأنزل الله تعالى هذه الآية: {فَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ}(+) . فقلت: الآن أفعل يا رسول الله... فزوجته إيّاها».
وعَدّ أصحاب هذه المذاهب أن الآيةَ المباركةَ وسببَ نزولها أصرحُ دليلٍ على اعتبار الوليّ، وإلاَّ لما كان لعضل معقل أخته أيُّ معنى، ولأنها لو كان لها أن تزوج نفسها لم تحتج إلى أخيها، ومن كان أمره إليه لا يقال: إن غيره منعه منه. وعندما أتوا على ذكر حديث رسول الله (ص) الذي رواه ابن عباس: «الثيّب أحقّ بنفسها من وليّها، والبكرُ تستأذن في نفسها وإذنها صُماتها»(+) ، قالوا: هذا الحديث يعني أنها أحقّ بنفسها في أن الوليّ لا يعقد عليها إلا برضاها، لا أنها أحق بنفسها أن تعقد على نفسها من دون وليّها.
السفيه:
قال الإماميّة والحنفيّة والشافعيّة: لا يصحّ عقد الزواج من السفيه إلا بإذن وليّه.
وقال المالكيّة والحنبليّة: يصح ولا يُشترط إذنُ الولي.
ترتيبُ الأولياء:
ـ قال الإماميّة: الولاية لا تكون إلا للأب، والجد للأب، والحاكم في بعض الحالات. فكلٌّ من الأب والجد يستقلُّ بولاية العقد على الصغير والصغيرة، وعلى من بلغ: مجنونًا كان أو سفيهًا، أي إذا ما اتصل الجنونُ والسفهُ بالصغر. ولو بلغا راشدين عاقلين ثم طرأ عليهما الجنون أو السفه لم يكن للأب ولا للجد ولايةُ العقد على أحدهما، بل يستقل الحاكم بذلك مع وجود الأب أو الجد. وإذا اختار الأب شخصًا، واختار الجدّ غيره، قُدِّم اختيارُ الجد. واشترط الإماميّة لإنفاذ عقد الوليّ أبًا كان أو جدًّا أو حاكمًا ألاّ يكونَ فيه ضرر على المولَّى عليه، فإذا تضرر الصغير بالزواج، يُخيَّر بعد البلوغ والرشد بين فسخ العقد أو بقائه.
ـ وقال الحنفيّة: الولاية أولاً لابن المرأة إن كان لها ابن، ثم ابن ابنه، ثم الأب، ثم الجد للأب، ثم الأخ الشقيق، ثم الأخ للأب، ثم ابن الأخ الشقيق، ثم ابن الأخ لأب، ثم العم، ثم ابن العم إلخ..
ـ وقال المالكيّة: الوليّ هو الأب، ووصيّ الأب، ثم الابن، ثم الأخ، ثم ابن الأخ، ثم الجد، ثم العمّ إلخ.. ثم تنتقل الولاية إلى الحاكم.
ـ وقال الشافعيّة: الأب، ثم الجد للأب، ثم الأخ الشقيق، ثم الأخ للأب، ثم ابن الأخ، ثم العم، ثم ابن العم إلخ.. ثم تنتقل الولاية إلى الحاكم.
ـ وقال الحنبليّة: الأب، ووصيّ الأب، ثم الأقرب فالأقرب من العصبيات كالإرث، ثم الحاكم.
واتّفق الأئمة على أن للحاكم العادل أن يزوّج المجنون والمجنونة إذا لم يوجد الوليّ القريب، لحديث: «السلطان وليُّ من لا وليَّ له».
واتفقوا على أن من شَرْطِ الولاية بلوغَ الولي، وإسلامَه، وذكوريتَه. أما العدالة فهي شرط في الحاكم لا في القريب، إلا الحنبلية فإنهم اشتركوا العدالة في كل ولي، حاكمًا كان أو قريبًا.
الكفاءة:
الكفاءة لغة: المماثلة والمساواة، يقال فلان كفءٌ لفلان، أي هو مساوٍ له، ومنه قول رسول الله (ص): «المسلمون تتكافأ دماؤهم»(+) .
ـ قال الإمامية والمالكية: إن الكفاءة لا تكون إلا في الدين لقول رسول الله (ص): «إذا أتاكم من ترضون دينه وخلقه فأنكحوه، تفعلوه تكن فتنة في الأرض وفساد كبير»(+) .
ـ وقال الحنفية والشافعية والحنبلية: يكون عدّ الكفاءة في الدين والنسب والحرفة، واختلفوا في المال واليسار، فعدّه الحنفية والحنبلية، ولم يُعدّه الشافعية.
أما من حيث العلاقة ما بين الكفاءة والمهر:
ـ فقد قال الحنفية: إذا زوّج الصغيرة الأبُ أو الجد بغير الكفء، أو من دون مهر المثل، فإن هذا العقد يصح إذا لم يكن معروفًا بسوء الاختيار. أما إذا زوّجها غير الأب أو الجد بغير الكفء، أو من دون مهر المثل، فلا يصح الزواج أصلاً.
ـ وقال المالكية والحنبلية: للأب أن يزوج ابنته من دون مهر المثل.
ـ وقال الشافعية: ليس للأب أن يزوِّج ابنته من دون مهر المثل (أي كما قال المالكية).
أما الإمامية فقالوا: يجوز للأب أن يزوِّج ابنته بمهر المثل، كما يجوز ذلك للجد.
العيوب:
إذا وجد أحد الزوجين عيبًا في الآخر فهل يحق له طلب فسخ الزواج أي نقضه؟ فإنّ فسخ عقد الزواج يعني نقضهُ، وحلَّ الرابطة التي تربط بين الزوجين. وقد يكون الفسخ بسبب خلل وقع في العقد، أو بسبب طارئ عليه يمنع بقاءه.
أنواع العيوب:
تنقسم العيوب من حيث المنع من الدخول وعدمه قسمين:
1 - عيوب جنسية تمنع من الدخول كالعنن، والجب والخصاء في الرجل، والرتق والقرن والعضل والإفضاء، في المرأة.
2 - عيوب لا تمنع من الدخول، لكنها عبارة عن أمراض منفرة بحيث لا يمكن المقام معها إلا بضرر كالجنون والبرص والجذام وغيرها..
العنن:
العنن داء يعجز معه الرجل عن مجامعة المرأة، ويحول دون ممارسة العمل الجنسي. وهذا العنن يوجب للزوجة خيارَ الفسخ باتفاق جميع الأئمة.
كما اتفقوا أيضًا على أن المرأة التي تدّعي العنة لدى زوجها، وينكر الزوج، فهي ملزمةٌ بأن تقيم البيّنة على ذلك، فإن لم يكن لديها بيّنة ينظر: فإن كانت لا تزال بكرًا عرضت على نساء طبيبات خبيرات، وعُمل بقولهنَّ. وإن كانت ثيبًا عرض اليمين على الزوج لأنه منكر(+) . - إذ الزوجة هي التي تدّعي وجود عيب فيه موجب للخيار - فإن حلف رُدَّت دعواها، وإن نَكل حلفت هي. ثم يؤجله القاضي سنة قمرية، فإن بقيت بعد انتهاء هذه المدة على دعواها خيَّرها القاضي بين البقاء معه أو الفسخ، فإن اختارت البقاء فالأمر لها، وإن اختارت الفسخ فسخت هي، أو فسخ الحاكم بطلب منها.
وفيما خص الطلاق:
ـ قال الإمامية والشافعية والحنبلية: لا تحتاج إلى طلاق، لأن العقد يُعدّ منفسخًا حكمًا.
ـ وقال الحنفية: القاضي يأمر الزوج بالطلاق، فإن امتنع طلَّقها هو.
ـ وقال المالكية: تطلّق هي نفسها بأمر القاضي.
أما عن المهر، في حالة العنن:
ـ فقال الإمامية: يثبت لها نصف المهر.
وقال الحنفية: يثبت لها جميع المهر.
ـ وقال المالكية والشافعية والحنبلية: لا شيء لها.
وإذا عرضت العنّة بعد العقد والدخول فلا خيار للزوجة، وإن طرأت بعد العقد وقبل الدخول فلها الخيار كما لو كانت العنّةُ موجودةً قبل العقد.
الجبُّ والخصاء:
الجبُّ هو قطع الذكر. والخصاء هو سلُّ الخصيتين أو رضُّهما. ويثبت فيهما خيار الفسخ للزوجة باتفاق جميع الأئمة من غير إمهال على أن يعرض الجبُّ أو الخصاء قبل الوطء، أما لو حدث أحدهما بعد العقد والوطء، فلا خيار لها.
قال الحنفيّة: إذا تم الفسخ بسبب الجبّ أو الخصاء فلها المهر كاملاً.
وقال غيرهم من الأئمة: إذا اختارت الفسخ بسبب الجبّ فلا مهر حيث لا دخول، وإذا اختارته بسبب الخصاء فلها المهر مع الإيلاج، ولا شيءَ لها من دونه.
كما يرى الحنفيّة أن ليس للزوج حقُّ الفسخ ولو رأى عدّة عيوب مجتمعة في المرأة. أما الزوجة فتفسخ بالعنّة، والجبّ والخصاء فقط. ولذا لا يبقى كلامٌ للحنفيّة في العيوب الأخرى، كما هي الحال في البرص والجذام والجنون..
البرصُ والجذام(+) :
ـ قال الإماميّة: البرصُ والجذامُ من العيوب التي يفسخ بها الرجل من دون المرأة شرط أن يحدث قبل العقد، وأن يكون الرجل جاهلاً به، ولا يحقّ للمرأة أن تفسخ إذا كان أحد هذين العيبين في الرجل.
ـ وقال المالكيّة والشافعيّة والحنبليّة: إن هذين المرضين من العيوب المشتركة بين الرجل والمرأة فلكلٍّ منهما أن يفسخ العقد إذا وجد بصاحبه برصًا أو جذامًا. وحكمهما عند الشافعيّة والحنبليّة حكم الجنون.
وفي بعض التفصيل عند المالكيّة أنَّ المرأةَ تفسخ بالجذام إذا وجد في الرجل قبل العقد وبعده، أما الرجل فيفسخ إذا كان الجذام في المرأة قبل العقد أو حينه.
أما بالنسبة إلى البرص، فإن كان قبل العقد، فلكل منهما الخيار، وإن حدث بعده فالخيار لها، لا لَهُ، ولا أثر للبرص اليسير بعد العقد. ويؤجل الحاكم الأبرص والمجذوم سنةَ قمريّة مع احتمال الشفاء والبرء، و ألاَّ يتركَ بعد علاجه أثرًا مشوِّهًا أو معيبًا.
وفي رأينا: إنَّ على القاضي أن يعطيَ أجلاً لأيِّ مرضِ مشترك غيرِ معدٍ، ويمكن معالجته أو استئصاله، وسواء حصل المرض قبل العقد أو بعده. أما إذا كان المرضُ معديًا، سواءٌ كان في الزوج أو الزوجة، فعليه فورًا أن يفسخَ العقد وفي كل وقت.
الجنونُ وفسخُ الزواج:
قال الإماميّة: لا يفسخ الزوج بجنون زوجته المتجدّد بعد العقد حيث يمكنه الطلاق، وتفسخ هي بجنون زوجها سواءٌ كان الجنون قبل العقد أم حدث بعده، وبعد الدخول.
واتفق المالكيّة والشافعيّة والحنبليّة على أن الزوج يفسخ العقد بجنون زوجته، والزوجة تفسخ بجنون زوجها، لكن آراءهم تباينت حول التفاصيل:
فقال المالكيّة: إذا حدث الجنون قبل العقد فلكلٍّ منهما الفسخُ شرطَ أن يتضرر العاقل بمعاشرة المجنون. وإذا حدث الجنون بعد العقد، تفسخ به الزوجة فقط، بعد أن يؤجل الحاكم سنةً قمرية، إذ ربما عوفي الزوجُ في أثناء هذه المدة، أما الزوج فلا يحقّ له الفسخ بجنون زوجته المتجدّد بعد العقد.
وقال الشافعيّة والحنبليّة: يثبت الفسخ لكل منهما، سواءٌ أحدث الجنون قبل العقد أم بعده، وبعد الدخول أيضًا، ولا يُشترطُ الإمهالُ كما هي الحال في العنن.
واتفق الإمامية والمالكيّة والشافعية والحنبليّة على أن للزوجةِ المهرَ كاملاً مع الدخول، ولا شيءَ من دونه.



Copyright © Samih Atef El-Zein 2010     VINTOB