العقود
الطبعة : الطبعة الثانية  
المؤلف : سميح عاطف الزين
عدد الصفحات :   800
تاريخ النشر :   2013




النظر إلى المـرأة

يجب أن نفرِّقَ أولاً بين النظر إلى المرأة لأجل الخطبة، والنظر إليها فيما عدا ذلك.
فالنظر إلى المرأة التي يريد أن يخطبَها أحدٌ جائزٌ في الإسلام شرط ألاَّ يخلوَ بها. فقد روى جابر أن رسول الله (ص) قال: «إذا خطب أحدُكم المرأةَ فإن استطاع أن ينظرَ إلى ما يدعوه إلى نكاحها فليفعل»(+) . ولا بأس في النظر إليها بإذنها أو بغير إذنها، لأن الرسول (ص) أباح النظر، ولم يحدّد.
ولكن لا يجوز للخاطب أن يخلوَ بالمرأة وحدها لأن الرسول (ص) نهى عنه إذ قال: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يخلونَّ بامرأةٍ ليس معها ذو محرم منها فإن ثالثهما الشيطان»(+) . أي إنه يجوز للخاطب أن ينظر إلى قامة المرأة ومشيتها، وإلى الوجه والكفّين، بل إلى أكثر منهما مثل الشَّعر، أو الرقبة، أو الرجل، ولكن مع الحشمة والأدب اللذين يحفظان عورة المرأة وسترتها.. وفي الحقيقة إن الحكم الشرعيّ الذي يتعلق بالنظر مقتصرًا على الوجه والكفّين. وهو حكم عام يشمل الخاطبَ وغيره. ولكن يجوز للخاطب أنْ لا يكتفيَ بالنظر إلى الوجه والكفّين، بل إلى بعض ما يمكن أن يظهر من المرأة، من دون أن يكون عورة.. والغايةُ من ذلك معرفةُ محاسن المرأة التي سوف يرتبط بها مدى العمر، والتي يمكن أن يستمتع بها في أثناء الحياة الزوجيّة.
أما النظر إلى المرأة بوجه عام، أي بما لا يدخل في الاستثناء الذي أجيز للخاطب، فإن الله تعالى أمر المؤمنين أن يغضّوا من أبصارهم، فلا يصوِّب الرجل نظرةً خائنةً إلى المرأة، ولا المرأة تتحرشُ بغمزات عيونها بالرجل.
وزينة المرأة هي ما خفي من أعضاء جسدها، ما عدا الوجه والكفين، أي إنها تشمل سائر الأعضاء الأخرى، إلاَّ ما بين السرَّة والركبة فيحرم إبداؤه إلاَّ للأزواج. وكل ما كان من شَعر المرأة، أو رقبتها، أو مكان أساورها، أو مكان خلخالها، أو مكان عقدها، أو غير ذلك من الأعضاء يُعدّ محلًّا للزينة. أما ما بين السرّة والركبة، وكذلك صدر المرأة فهو كلّه عورة، ولا يجوز إبداؤه لغير الزوج.
روي أن أبا سفيان دخل على ابنته أم حبيبة، زوجة رسول الله (ص) حين قدم المدينة ليجدّدَ عهد الحديبية، فطوت فراش زوجها رسول الله (ص) لئلا يجلس عليه أبوها، لكنها لم تحتجبْ عنه. وذكرت ذلك للرسول (ص) فأقرَّها، ولم يأمرها أن تحتجبَ عنه، لأنه من محارمها على الرغم من أنه كان لا يزال يومها مشركًا.
وقد تكون هنالك ضرورةٌ لأن ينظرَ غيرُ الزوج، أو من غير المحارم، إلى المرأة، أو أن يكشفَ عليها، وكذلك الأمر بالنسبة إلى المرأة التي قد تنظر إلى رجل أجنبيّ في حالة الضرورة.. هنا يباح النظر أو الكشف على العضو الذي تستدعي الضرورة النظر إليه. كما في حالة الطبيبة، أو الممرضة، أو المحقّق، أو الجراح وغير هؤلاء من الذين يجيز الشرع أن ينظروا إلى الأعضاء، سواء كانت عورةً أو غير عورة. فقد روي أن النبي (ص) لما حكَّم سعد بن معاد في بني قريظة، كان يكشف عن مؤتزرهم.
وعن عثمان (رضي) أنه أوتيَ بغلامٍ قد سرق، فقال: «انظروا إلى مؤتزره» فوجدوه لم ينبت له شَعر فلم يأمر بقطع يده. وكان عمل عثمان (رضي) على مرأى ومسمع جماعةٍ من الصحابة فلم ينكر أحدٌ عليه ذلك. وفيما عدا حالة الضرورة أو الحاجة، فلا يُنظر إلى جسد المرأة مطلقًا. فقد روت السيدة عائشة أن أختها أسماء بنت أبي بكر دخلت على رسول الله (ص) في ثياب رقاق، فأعرض عنها وقال: «يا أسماء! إن المرأة إذا بلغت الحيض لم يصلح أن يُرى منها إلاَّ هذا وهذا» وأشار إلى وجهه وكفيه، وذلك تأكيدٌ لقول الله تعالى: {وَلاَ يُبْدِينَ زَينَتَهُنَّ إِلاَّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا}(+) . قال ابن عباس: «الوجه والكفين».
والنهي عن إبداء الزينة يتناول كل ما يحطّ من كرامة المرأة بتعريض جسدها للتبذل أو الامتهان. لأن المرأة كلها عورة إن بدت بمفاتنها أو أظهرت ما تُغري به الرجل. وما نُهيت عن إبدائه، يُلزم الرجلَ وينهى عن النظر إليه.
وكما أنَّ في المرأة عورات، فكذلك في الرجل، إذ يمكن أن تنظر المرأة منه ما ليس بعورة فقط، ويُكره لها أن تنظر إلى أعضاء جسده عاريًا. وقد قالت السيدة عائشة: «كان رسول الله (ص) يسترني بردائه وأنا أنظر إلى الحبشة يلعبون..»(+) .
وقد روى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جدّه قال: قال رسول الله (ص): «إذا زوّج أحدكم خادمه أو أجيره فلا ينظر إلى ما دون السرّة وفوق الركبة فإنه عورة».
وروي عن جرير بن عبد الله أنه قال: سألت رسول الله (ص) عن نظر الفجاءة فأمرني أن أغضّ بصري. وعن علي (عليه) قال: قال لي رسول الله (ص)(+) : «لا تُتْبِع النظرةَ النظرةَ فإنما لك الأولى وليس لك الآخرة» ، وهذا يعني النهي عن التكرار الذي قد يسبب الشهوة، وعُدّ أن النظر الفجائي قهريٌّ يسبق به البصر. وأما قول الله تعالى: {قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ}(+) فإن المرادَ منه خفضُ البصر عما يحرم النظر إليه، أي عورة الرجل ما بين السرّة والركبة، وعورة المرأة وهي جميع بدنها ما عدا وجهها وكفيها.
أما العجوز، الطاعنة في السن، التي لا تُشْتَهى فيباح النظر منها إلى ما يظهر غالبًا، لقول الله تعالى: {وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ اللاَّتِي لاَ يَرْجُونَ نِكَاحًا فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ وَأَنْ يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَهُنَّ}(+) ، أي يجوز للنساء، اللواتي أصبحن في سنّ العجز، ولا يطمعن في نكاح، أن يضعن عنهنّ الثيابَ الظاهرةَ كالجلباب والملحفة، غير متبرجات. لكن الاستعفاف أي الإبقاء على الثياب خير لهنَّ من تركها. وإباحة رفع الثياب وإظهار ما يبدو عادة دليل على جواز النظر إليه من الرجل، لأن ما حرِّم كشفه، حرِّم النظر إليه، وما أبيح كشفه أبيح النظر إليه.
وفي الحياة داخل البيوت وخارجها حالاتٌ معينةٌ تستدعي التوقفَ عندها وبيانَ حكم الله تعالى فيها. ومن قبيل ذلك الحالتان الشائعتان:
ـ الحالة الأولى وهي التي يسكن فيها الإخوة أو الأقارب بعضهم مع بعض في بيت واحد، فقد تظهر نساء كل منهم للآخرين في ثياب الراحة والاسترخاء داخل المنزل، أو قد تكون عارية الرأس، أو الرقبة، أو الذراعين أو الساقين، وقد يقع النظر عليها من إخوة زوجها، أو من أقاربه غير المحارم، وهم في الحقيقة أجانب عنها كأي رجل آخر غير أبيها وإخوتها.. وقد يزور ذلك البيت أولاد العم، أو أولاد الخال ومن شاكلهم من غير المحارم، فيسلمون على النساء، ويجلسون إليهنّ وقد بدا منهنَّ أكثر من الوجه والكفين، فيعاملون معاملة المحارم، وذلك كلّه حرام شرعًا. ويجب الإقلاع عن هذه الأمور التي أصبحت شائعة، وقد ابتلي بها أكثر المسلمين، ولاسيما في المدن، وفي ظنّهم أن زيارة القريب غير المحرم، والنظر إلى المرأة أمر مباح. وهذا منكرٌ شائعٌ يجب أن يزول، لأن الحكم الشرعي فيه هو أن تؤمر النساء، حين قدوم أجنبي إلى البيت، سواء كان من الأرحام غير المحارم، أو من غير الأرحام، والإذن له بالدخول، أن يسترن أبدانهنَّ جميعها، ولا يبدين سوى الوجه والكفين، لأن الشارع لم يفرق بين أقارب الأرحام غير المحارم، وغير الأقارب، بل احتسبهم جميعًا أجانبَ بالنسبة إلى المرأة. وقد ذكرنا أن الذين يمكنهم فقط النظر إلى المرأة هم الذين عددتهم الآية 31 من سورة النور..
ولو افترضنا أن النساء لم يسترنَ عوراتهن عندما يأتي إلى بيوتهنَّ أجانب عنهنّ، فإن بدينَ لهم في ثياب التبذّل، كاشفات الرأس أو الرقبة أو ما شابه من عورات النساء، فعلى الرجال أن يغضوا البصرَ ويأمروهنَّ بالتستّر عملاً بقول الله تعالى: {قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ}.. وما عليهم بعد غض البصر من إثم، لأنَّ الأمرَ من الشارع هو غضُّ الطرف أو عدمُ النظر.
ـ الحالة الثانية وهي التي تمثل الواقع الراهن في حياة المسلمين. إذ حين حُكمت بلادهم بأنظمة الفسق صارت النساء غير المسلمات يخرجن شبه عاريات: مكشوفات الصدر والظهر، عاريات الرأس والذراعين والساقين.. وصار بعض نساء المسلمين يقلدنهنّ فيخرجن إلى الأسواق على تلك الحالة من التّعري، ولم يعد في الإمكان التمييز بين المرأة المسلمة، وغير المسلمة.. والرجال المسلمون الذين يعيشون وسط هذه الأجواء لا يملكون أن يزيلوا هذا المنكر.. ثم إن كثيرين منهم يعيشون في بلاد أجنبية والسفورُ والعريُ يلاحقهم أينما ذهبوا، وحيثما حلّوا.. في الطرقات، في الجامعات، في المتاجر، في كل مكان.. وأنظارهم تقع باستمرار على عورات النساء، ولا يمكن أن يحترز الرجل، في حياة كهذه من رؤية تلك العورات، اللهم إلاَّ أن يقبعَ في بيته، ولا يخرجَ منه، وهذا ما لا يتأتى له مطلقًا، إذ هو في حاجة سواء كان في بلادٍ إسلامية أو غير إسلامية، إل إقامة علاقاتٍ مع الناس في البيع والشراء، والإجارة والعمل، والتعلم والكسب إلخ.. فماذا يفعل الإنسانُ المسلمُ وتحريم النظر إلى عورات النساء، مسلماتٍ أو غير مسلمات، صريح في الكتاب والسنّة؟.
ليس أمام المسلم، حتى يتفادى الإثم، إلاَّ إتباعُ الحلّين التاليين:
ـ الأول : وهو ما يتعلّق بنظر الفجاءة في الطرقات والأماكن العامة، وهذا يُعفى فيه عن النظرة الأولى وعليه أن لا يكرّر النظرةَ الثانية.
ـ الثاني وهو ما يتعلق بالحديث مع المرأة التي تكشف عن رأسها أو ذراعيها أو صدرها مثلاً، فهذه يجب تحويل النظر عنها، والغضُّ من البصر عن عوراتها، لما نُقِل عن رسول الله (ص)، كما روى أبو داود: «كان الفضل بن العباس رديف النبي (ص) فجاءته الخثعمية تستغيثه فجعل الفضل ينظر إليها وتنظر إليه فصرف رسول الله (ص) وجهَهُ عنها». فيكون علاجُ هذا الواقع الأليم خفضَ البصر أو تحويلَه عن المرأة، في أثناء تحدثه إليها، أو متابعة عمله بجانبها، أو زمالته لها على مقعد الدرس، أو ركوبه معها في سيارة واحدة، وما إلى ذلك من الحالات التي تفرض على المسلم أن يكون قريبًا من المرأة.
وقد يقال: إنَّ هذا الواقع هو البلاء العظيم الذي يعمُّ المسلمين بعامة، والمؤمنين منهم بخاصة، ويصعب الاحتراز منه.. لكن هذا القولَ، أو اتّباعَ قاعدة من هذا القبيل مخالفٌ للشرع تمامًا. لأن الحرام لا يمكن أن يصير مباحًا إذا ابتلي به المسلمون.. فلا يقال هؤلاء نساءٌ غيرُ مسلمات فيعاملن معاملة الإماء، فعورتهن عورة الأمة، لا يقال ذلكَ لأن الحديث عن المرأة عامٌّ ولم يقتصر على المرأة المسلمة. فالتحريم ينطبق على النظر إلى المرأة، مسلمةً كانت أو غير مسلمة، وفي جميع الحالات، ومنها العيش في أجواء المدن، أو في الأماكن التي يكثر فيها العري والتبذّل.. وفي مطلق الأحوال لا يمكن أن تقاس المرأة غير المسلمة على الأمة. لأنه لا وجه للقياس.



Copyright © Samih Atef El-Zein 2010     VINTOB