العقود
الطبعة : الطبعة الثانية  
المؤلف : سميح عاطف الزين
عدد الصفحات :   800
تاريخ النشر :   2013




العقود وأحكامها

قال الله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ} (+) .
إن الله - سبحانه وتعالى - أمر المؤمنين أن يفوا بالعقود التي يقيمونها في ما بينهم، كعقود البيع والإجارة والشراكة... أو التي يعقدها المرء على نفسه كعقد النكاح وغير ذلك.
والعقدُ، وفقًا لما هو متعارفٌ عليه، شرعةُ المتعاقدين. فهو إذن ينبع من التقاء الإرادات، ويهدف إلى تأمين المصالح المتبادلة. والغايةُ منه، في الحقيقة، وضعُ الضوابط التي تحدِّد حقوقَ الفرقاء وواجباتِهم أو الأطراف المتعاقدة بدقّةٍ ووضوح، بحيث يترتب عليهم احترامها وعدم انتهاكها أو خرقها من المتعاقدين.
والله - سبحانه وتعالى - عندما أمر المؤمنين بالوفاءِ بالعقود، فلأنَّ هذا الوفاء معناه انتظامُ الضوابط التي تقوم عليها حياةُ الناس، ولأن المؤمنين هم أولى الناس بالالتزام بهذا الانتظام، لعلَّ الآخرين يقتدون بهم، ويسيرون على منحاهم، فتتأمن الروابطُ والعلاقاتُ بين الناس على قاعدة العدالة والإنصاف، وتنعدم الاختلافات، وتقوم التوازنات بين أبناء المجتمع الواحد، وغيرهم في المجتمعات الأخرى.
وفي طليعة العقود يأتي عقدُ الإيمان الذي يربط الإنسانَ بالله تعالى ويحتّم الاعتراف بألوهيته ويفرضُ ما يقتضيه هذا الاعتراف من عبوديةٍ كاملة، والتزامٍ شاملٍ، وطاعة مطلقة واستسلامٍ تامٍّ لله رب العالمين. وعقدُ الإيمان هذا هو ما ينبغي أن تنبثقَ عنه وتُبنى عليه سائر العقود والضوابط في الحياة. ومن هنا كان العقدُ الإيمانيُّ يدخل في المفهوم الأساسي للعقيدة التي تنعقد في قلب الإنسان، بل تقوم عليه الروابط والعلاقات بين الناس، وخصوصًا المؤمنين منهم الذين خصَّهم الله تعالى بخطابه في الوفاء بالعقود.
ويُبنى على العقود، أو يدخلُ فيها، ما يُعرف في عصرنا الحاضر بالأحوال الشخصية. هذا الاصطلاح الأجنبيّ أخذ به كثير من البلاد الإسلامية وأصبح عنوانًا لكل ما يتعلق بأحكام الأُسرة، أي الأحكام التي تتصل بعلاقة الإنسان بأُسرته، بدءًا بالزواج، وانتهاءً بتصفيةِ الميراث.
وتشتمل تلك الأحكام على ما يلي:
1 ـ أحكام الزوجية والبنوَّة: من خطبةٍ وزواج، ومهرٍ ونفقة، وحقوقِ الأولاد من نسبٍ ورضاعٍ ونفقة.
2 ـ أحكام الطلاق، والتفريق للعيب والغيبة والضرر وعدم الاتفاق.
3 ـ أحكام الميراث التي فرضها الله تعالى للأهل وذوي القربى، وتُسمّى فقهًا «الفرائض»، وأحكام الوصايا والأوقاف ونحوها مما يُعدُّ تصرُّفًا مضافًا إلى ما بعد الموت.
4 ـ أحكام الأهلية والولاية والوصاية على الصغير.
ولما كان عقد النكاح من العقود التي لها تأثير كبير ومباشر في الرجال والنساء معًا، أي على حياة البشر جميعًا، فقد اتفق جميع الأئمة على أنَّ الزواج يتمّ بالعقد المشتمل على الإيجاب والقبول من الخاطب والمخطوبة، أو ممن ينوب عنهما كالوكيل والوليّ، ولا يتم بالرضا المتبادل من غير عقد. كما اتفقوا أيضًا على أنَّ العقد يصحّ إذا وقع بلفظ «زوّجْتُ أو أَنْكَحْتُ» من المخطوبة أو من ينوب عنها، وبلفظ «قبلت أو رضيت» من الخاطب أو ممَّن ينوب عنه.
وسوف نبيّن - بعون الله تعالى - مفهومَ الزواج وأهميتَه وتأثيرَه على مسار البشرية، ثُمَّ كيفيّةَ الخطبة والحكمة منها، ومِنْ ثمَّ الحالة التي يتم فيها الزواج.
الزواجُ وتأثيرُه في النظام الاجتماعيّ:
تقوم المجتمعات البشريّة على تلك الروابط والعلاقات التي تتناول مصالح الأفراد، ومصالح الجماعات. ولعلَّ أهمَّها وأشدَّها تأثيرًا في حياة الناس الحياةُ الزوجية، أي الحياة التي تنشأ من اجتماع الرجل والمرأة لبناء أُسرةٍ ذات كيانٍ ذاتيٍّ تتفاعل مع محيطها وفقًا للعادات والتقاليد والنُّظم التي تسود هذا المحيط.
والأسرةُ لم تنشأ عن عبث، بل هي السبيلُ لإنجاب النسل واستمرار الحياة البشرية عن طريق غريزة حفظ النوع.
وهذه الغريزة تقوم على الاجتماع الجنسيّ أولاً، وهو أحد مظاهرها المتعددة التي تتمثل بالأُمومة، والأبوّة، والأخوّة، والنبوّة، والخؤولة، والعمومة. فالزواج الذي يقوم على اجتماع المرأة والرجل هو أصل تلك المظاهر جميعها إذ لا يمكن أن تتأتَّى أمومة، أو أبوّة، أو أخوّة مثلاً من غير زواج.
وليس الزواج، في حقيقته، إلاَّ هذا التنظيم لصلات الرجال والنساء على شكلٍ معيّن، ووفق نظامٍ خاص، يجب أن ينتج منه الإنجابُ الشرعي الذي يؤدّي إلى تكاثر النوع البشريّ، واستمرار الوجود الإنسانيّ. والأُسرة هي التكوين الطبيعي، والصحيح للنظام الزوجيّ، الذي تُبنى عليه الحقوقُ والواجباتُ الزوجيّة، وعلاقة الأهل بالأبناء، وما يتفرع عن ذلك من صلاتٍ وروابطَ في نطاق المجتمع الواحـد، أو في علاقـة هذا المجتمع بغيره من المجتمعـات الأخرى... وقد عُنِيَ الدينُ الإسلاميُّ بالزواج عنايةً فائقة، وأولاه اهتمامًا بالغًا، نظرًا لأهميته وتأثيره في الحياة الفردية، وفي حياة الجماعات، ومن ثَمَّ في مسار البشريّة بأسرها... فهو من ناحية أُولى نهى عن التبتل، أي عن الانقطاع عن الزواج لقول رسول الله (ص): «لا رهبانيّةَ في الإسلام». لأن الرهبانية معناها الانقطاعُ عن النساء بقصد.. وهو من ناحيةٍ ثانيةٍ حثّ على الزواج، بل وأمر به لقولِ الله تعالى: {فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلاَثَ وَرُبَاعَ}(+) ، وقوله تعالى: {وَأَنْكِحُوا الأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ}(+) . وعن قتادة عن الحسن عن سمرة أن النبيَّ (ص) حضَّ على التزوّج، وقرأ قتادة: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلاً مِنْ قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجًا وَذُرِّيَّةً}(+) .. بل وقد حفلت السيرةُ النبويّة الشريفةُ بالأحاديث التي تحث على الزواج، وتبين أهميته من النواحي الدينية والخلقية والإنسانية، فقد قال رسول الله (ص): «من تزوّج أحرز نصف دينه فليتقِ الله في النصف الآخر»(+) . وقال (ص): «ركعتان يصلّيهما متزوج أفضل من رجل عزب يقوم ليله ويصوم نهاره»(+) . وقال (ص): «ما بُني بناءٌ في الإسلام أحبّ إلى الله عزَّ وجلَّ من التزويج»(+) . وقال (ص): «تزوّجوا فإني مكاثر بكم الأمم غدًا في يوم القيامة»(+) . وروى ابن عمر (رضي) أن رسول الله (ص) قال: «حجّوا تستغنوا، وصوموا تحصّوا، وتناكحوا تكثروا، فإني أباهي بكم الأمم»(+) .
وعن عمر بن الخطاب (رضي) أنه قال: إني لأتزوج المرأة وما لي فيها من حاجة، وأطؤها وما أشتهيها. قيل له: وما يحملك على ذلك يا أمير المؤمنين؟ قال: حتى يُخرجَ الله مني من يكاثر به النبيُّ (ص) النبيّين يوم القيامة(+) .
وعن ابن مسعود (رضي) أن الرسول (ص) أهابَ بالشباب أن يتزوجوا لكي يحفظوا دينهم وأنفسهم، فخاطبهم بقوله (ص): «يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج فإنه أغضُّ للبصر وأحصنُ للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء»(+) (والوجاء يعني رضّ الشيء. ويكون المعنى هنا أن الصوم شبيهٌ بالخصاء الذي يطفئ الشهوة للجماع).
وعن أمير المؤمنين علي (عليه) أنه قال: «إن جماعةً من الصحابة كانوا حرَّموا على أنفسهم النساء، والإفطار بالنهار، والنوم بالليل، (وداوموا الصلاة في الليل). فأخبرت أم سلمة رسولَ الله (ص)، فخرج إلى أصحابه فقال: «أترغبون عن النساء؟ إني آتي النساء، وآكل بالنهار، وأنام بالليل، فمن رغب عن سنَّتي فليس منّي» (+) .
ومن المزايا التي اعتمدها الإسلام للترغيب في الزواج أنَّه حثَّ على التزوّج من المرأة البكر، الولود. فقد ورد في الأثر أن النبي (ص) قال: «تزوّجوا بكرًا ولودًا، ولا تزوّجوا حسناءَ جميلةً، عاقرًا».
وروي أنه (ص) صعد المنبر ذات يوم فحمد الله تعالى وأثنى عليه، ثم قال: «أيها الناس، إن جبرائيل (عليه) أتاني عن اللطيف الخبير فقال: إن الأبكار بمنزلة الثمر على الشجر إذا أُدرِكَ ثمارُها فلم تُجتنَ أفسدته الشمسُ، ونثرته الرياح. وكذلك الأبكار إذا أدركن ما يدرك النساء فليس لهنَّ دواءٌ إلاَّ البعولة، وإلاَّ لم يُؤمَنْ عليهنَّ الفسادُ لأنهنَّ بشر... فقام إليه رجل فقال: يا رسول الله: فمَن نزوِّج؟ فقال (ص): الأكفاء. فقال الرجل: ومن الأكفاء؟ فقال الرسول (ص): «المؤمنون بعضهم أكفاء بعض، المؤمنون بعضهم أكفاء بعض»(+) . وقد ميّز رسول الله (ص) بين امرأةٍ وأخرى، فقال (ص): «أفضل نساء أمتي أصبحهنَّ وجهًا وأقلهنَّ مهرًا»(+) .
وعن أبي أمامة عن الرسول (ص) أنه قال: «ما استفاد المؤمن - بعد تقوى الله عزَّ وجلَّ - خيرًا من امرأةٍ صالحةٍ إذا أمرها أطاعته، وإن نظر إليها سرَّته، وإن أقسم عليها أبَرَّتْهُ، وإن غاب عنها نصحته - حفظته - في نفسها وماله»(+) .
ومن أقواله (ص) يتبين أنَّهُ نصح للرجل أن يختار في زواجه المرأةَ البكرَ، الولودَ التي تعرف عن طريق العلم بأمها وخالاتها وعماتها، وأن تكون من ذوات الدِّين، ومن الجميلات لكي تسرّ زوجها إذا رآها وتعفَّ نفسُهُ عمَّن سواها.
على أن ذلك كلَّه ليس شرطًا ضروريًّا، لا غنى عنه في المرأة، بل هو من قبيل الاستحباب والمفاضلة بين واحدةٍ وأخرى، والأمرُ يعود للرجل أن يختار الزوجة التي يراها صالحةً له، ويرضاها رفيقةً لحياته، تمامًا كما يعود للمرأة أن تختار الزوج الذي ترضاه.
وقد ثبت في الأثر قول رسول الله (ص): «المؤمنون بعضهم أكفاء بعض». فإذن جميع المسلمين، رجالاً ونساءً، بعضهمُ أكفاء بعض، ولا قيمة للفوارق بين الرجل والمرأة من حيث المال، أو الصنعة، أو المركز. وعلى هذا فإن ابن حمّالٍ كفؤٌ لبنت أمير المؤمنين، وابنَ أمير المؤمنين كفؤٌ لابنة حلاق، أو فلاح أو سائق إلخ... والفضلُ الوحيدُ في الكفاءة هو تقوى الله تعالى، لقوله الكريم: {إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ}(+) .
وقد طبق رسول الله (ص) بالفعل عدم التمايز في التزويج بين المؤمنين، فزوّج (ص) ابنة خالته زينبَ بنت جحش، التي هي من ذؤابةِ قريش، إلى زيد بنِ ثابت، وهو مولى قد أُعتق وتبنَّاهُ الرسول (ص). وعن عبيد الله بن بريدة، عن أبيه، قال: «جاءت فتاةٌ إلى رسول الله (ص) فقالت: «إن أبي زوّجني ابنَ أخيه ليرفع بي خسيسته». قال عبيد الله: فجعل الرسول (ص) الأمر إليها. فقالت: «قد أجزتُ ما صنع أبي، ولكن أردتُ أن تعلم النساء أنْ ليس إلى الآباء من الأمر شيء»(+) .. وقولها يعني أن أباها قد زوجها ابنَ عمها ليرفع شأنَه بتزويجه منها، وأنها لم تكن راضيةً به، لا لأنها تراه غير كفءٍ لها، بل لأنها لم تكن لترضاه وتقبل به، ومع ذلك عادت وقبلت بملء إرادتها ورضاها، لأن الأمر يعود إليها وحدها، وليس للآباء أن يجبروا بناتهم على الزواج من أحد.
وعن أبي حاتم المزني(+) أن رسول الله (ص) قال: «إذا أتاكم من ترضون دينَهُ وخلقَه فأنكحوه، تفعلوا تكن فتنةٌ في الأرض وفسادٌ كبير..» قالوا: يا رسول الله: وإن كان فيه؟ قال (ص): «إذا جاءكم من ترضون دينه وخلقه فأنكحوه. قالها ثلاث مرات». وعن حنظلة بن أبي سفيان الجمحي عن أمه أنها قالت: رأيت أخت عبد الرحمن بن عوف تحت بلال»، أي إنها تزوجت منه.. وهو زواج قرشية من إنسان فقير معدم، أصله عبد حبشي، ولكن إيمانه وصحبته للرسول (ص) جعلاه كفأً لتلك المرأة ذات الأصل العريق.
وهذه الأدلّة صريحةٌ وواضحةٌ بأن الكفاءة المادية أو المعنوية بين الزوجين لا يؤخذ فيها في الإسلام، بل المعوَّل الوحيد يكون على الإيمان والرضا بين الرجل والمرأة. وأما ما روي عن النبي (ص) أنه قال: «لا تنكحوا النساء الأكفاء، ولا يُزَوِّجهنَّ الأولياء»(+) فهي رواية ضعيفةٌ، والنَّصُّ القطعيُّ هو ما جاء في القرآن بقوله تعالى: {إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ} وفي قول رسول الله (ص): «لا فضل لعربيّ على أعجميٍّ إلا بالتقوى».
وأما اختلافُ الدين، فهو أمرٌ آخر، ومختلف تمامًا عن الكفاءة. والحكم في تزوج المسلمين من غير المسلمات قد بيّنه الله - سبحانه وتعالى - عندما أجاز للمسلم أن يتزوج من المرأة الكتابيّة - يهوديةً كانت أو نصرانية - وذلك بقوله تعالى: {الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلاَ مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ}(+) .. فهذا النصُّ القرآنيُّ صريحٌ في أنَّ المحصَناتِ من الذين أوتوا الكتاب (اليهود، والنصارى) يحلُّ زواج المسلم منهنّ، على أن يوفيهنَّ أجورهن (أي مهورهنَّ) وأن يتخذ المرأة زوجةً له، محصنًا عليها، لا يرتكب معها سفاحًا، ولا يتخذها خليلةً...
وأما تزوجُّ المرأة المسلمة من الرجل الكتابيّ (أي اليهودي أو النصراني) فحرامٌ شرعًا، وغيرُ جائزٍ مطلقًا، وإن حصل فهو نكاحٌ باطلٌ، لا ينعقد.. وهذا التحريمُ ثابتٌ بالنص القرآنيّ لقول الله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلاَ تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لاَ هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلاَ هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ}(+) . فهذا النصُّ واضحٌ بأن المسلمات لا هُنَّ حلٌّ للكفار ولا الكفار يَحلُّون لهنَّ، وكُفْر الزوج لا يجعل عقد النكاح ينعقد بينه وبين المرأة المسلمة.. وقد عبَّر بكلمة «الكفار»، بكلمة «المشركين» للتعميم، فكل من لا يؤمن بنبوّة محمد (ص) سواء أكان كتابيًا أم مشركًا فهو كافر بتوحيد الله عزَّ وجلَّ وبنبوَّة رسوله (ص) وأما المشركون - وهم غير أهل الكتاب - كالمجوس والصابئة والبوذيين والوثنيين وأمثالهم، فإنه لا يجوز التزوج ولا التزويج منهم إطلاقًا: لا المسلم ينبغي له أن يتزوجَ مشركةً، ولا المسلمةُ ينبغي لها أن تتزوجَ مشركًا مطلقًا وذلك بصريح النص القرآنيّ بقوله تعالى: {وَلاَ تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ وَلأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ وَلاَ تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ}(+) . فهذه الآية تحرِّم نكاحَ المشركة على المسلم، ونكاحَ المشرك على المسلمة تحريمًا قاطعًا. وإذا وقع مثل هذا النكاح كان باطلاً. وعن الحسن بن محمد قال: «كتب رسول الله (ص) إلى مجوس «هجر» يدعوهم إلى الإسلام فمن أسلم قُبل منه، ومن لا ضُربت عليه الجزيةُ في أن لا تؤكلَ له ذبيحةٌ ولا تُنكحَ له امرأة». وبهذا يكون الشرعُ الإسلاميُّ قد بيّن أهميةَ الزواج في الحياة، وبيّن خُلُقيةَ وفضلَ من يُقدم على الزواج لصَوْن نفسه، وبناء أُسرته، وميّز زواج المسلمين من أهل الكتاب، وتحريم هذا الزواج من المشركين، وبيّن الأحكام الشرعيّة التي تشترط عدم الزواج بامرأة متزوجة أو معتدّة، لأن شرط الزواج خلوُّ الزوجة من الإحصان والعدّة.
الخطوبة:
الخطوبة هي بالحقيقة إظهارُ الرغبة في الزواج بامرأة معيّنة - لأنها غالبًا ما تصدر عن الرجل - وإعلامُها هي أو وليّها بذلك. وقد يتمّ هذا الإعلامُ على يد الخاطب مباشرة، أو بوساطة أهله. ولذلك تُعدّ الخطوبةُ أهمَّ مقدمةٍ من مقدمات الزواج. أما الحكمةُ منها فهي الحرصُ على إقامةِ زواجٍ بقرار مكين يحقّقُ المعاشرةَ الطيبة، وبناءَ أسرةٍ يظلّلها الاستقرار والسعادة، بما يحول دون التصدّع الداخليّ لأتفه الأسباب. ففي فترة الخطوبة يسمح للرجل والمرأة أن يلتقيا - بحضور الأهل أو الأصدقاء - ليتعارفا، ويفهم كل منهما طبائع الآخر، وعاداته، وتقاليده، وعلاقاته بالآخرين، أي معرفة الخلقيّة التي يتمتع بها - بصورة موضوعية - والتي يمكن أن تناسبَ كلًّا منهما أو تبعدَه عن الآخر..
وفي أثناء الخطوبة قد تحصلُ بعضُ الخلافات في الرأي، أو قد يلاحظُ كلُّ طرفٍ بعضَ التصرفات التي تصدرُ عن الطرف الآخر ويتسامح بها، حتى إذا حصل الزواج، وتكررت مثلُ تلك التصرفات كانت غير خافية على الطرف الآخر، فلا يأبه لها، لأنه عرفها، ووطّن النفس على القبول بها، فتكون هذه المعرفةُ في أثناء الخطوبة حاميةً للرابطةِ الزوجيّةِ من كل نزاعٍ في ما بعد، مما يتيح للأولاد في المستقبل أن ينشأوا في أجواء الوفاق بين الوالدين وفي جوِّ المحبة، والألفة، والاطمئنان..
والخِطبةُ هي في الحقيقة مجرّدُ وعدٍ بالزواج - وليست زواجًا - لأن الزواج لا يتمُّ إلا بعد إجراء عقد النكاح، ولذلك فإنَّ كلًّا من الخطيبين يبقى أجنبيًّا عن الآخر، ولا يحلُّ للخاطب الاطلاعُ إلاَّ على الوجه والكفين المباح النظرُ إليهما شرعًا لدى المرأة. وأما ما يشيع بين الجهلة من الناس من أن قراءة الفاتحة - التي تدلُّ على الرضا بالخطوبة - تبيح كثيرًا من الأمور فهو خطأ كبير، ومنكرٌ قبيح، لأن الخِطبة ليست عقدًا، والعقد وحده هو الذي يبيح ما كان محرّمًا قبله. وفيما يتعلّق بمَن يتعرَّض لخطبة بنتٍ بعد خطبةٍ لها سبقت من غيره فقد حرمها الشرع لقول رسول الله (ص): «لا يبيع أحدكم على بيع أخيه، ولا يخطُب على خِطبة أخيه، أن يُؤذنَ له»(+) . وفي قولٍ آخرَ: روى عقبة بن عامر عن رسول الله (ص) أنه قال: «المؤمن أخو المؤمن فلا يحلُّ للمؤمن أن يبتاعَ على بيع أخيه، ولا يخطبَ على خطبة أخيه حتى يذر»(+) . وفي رواية البخاري عن رسول الله (ص) أنه «نهى أن يبيع الرجل على بيع أخيه، وأن يخطبَ الرجل على خِطبة أخيه حتى يترك الخاطب قبله، أو يأذن له الخاطب». فهذا النهيُ صريحٌ في تحريم الخِطبة الثانيةِ بعد تمام الموافقة على الخِطبة الأولى.
وسبب هذا التحريم أنّ الخِطبة الثانية قد تحدث نكثًا للوعد، وإيذاءً للخاطب الأول، وزرعًا للضغينة في نفسه، وتؤدي إلى العداوة والبغضاء بين الأهل، وهذا مكروه في الإسلام الذي يحرص على معاني الأخوّة بين المسلمين. أما إذا كانت المخطوبةُ قد ردّت الخاطبَ أَو لم تُجِبْهُ بعد، أو إذا عدل أحدُ الطرفين بعد الخطوبة، أو إذا تقدَّم أكثرُ من خاطبٍ ولم يصدر قولٌ نهائيٌّ بالموافقة لأحدهم، فالخِطبةُ الثانية تكون جائزة، ويحقُّ حينئذٍ للرجل أن يخطبَ المرأة، لأنها لا تُعدّ مخطوبةً لأحد. وقد روت فاطمةُ بنت قيس أنها أتت الرسولَ (ص) فذكرت أنه جاءها خاطبان هما فلان وفلان، فقال لها رسول الله (ص): «أما أبو جهم فلا يضع عصاه عن عاتقه، وأما معاويةُ فصعلوكٌ لا مال له، انكحي أسامة بن زيد»(+) . فهذا يدل على جواز تقدُّم أكثر من خاطبٍ إذا لم تقبل المرأة الخِطبة من أحدٍ قبلُ، أو إذا لم يُعطَ أيُّ خاطب الجوابَ النهائيَّ بالموافقة على الخِطبة.
وإذا خُطبت المرأة فإن لها وحدها الحقَّ في قبول الزواج أو رفضه، وليس لأحد من أوليائها ولا من غيرهم، تزويجُها بغير إذنها، ولا منعُها من الزواج. فقد روي عن ابن عباس أنه قال: قال رسول الله (ص): «الثيّبُ أحقُّ بنفسها من وليّها، والبكر تستأذن في نفسها، وإذنها صماتها» (أي سكوتها)(+) . وعن ابن عباس أيضًا: «أن جاريةً بكرًا أتت رسول الله (ص) فذكرت أن أباها زوّجها، وهي كارهة، فخيَّرها الرسول (ص)». وعن خنساء ابنة حذام الأنصارية: «أن أباها زوّجها، وهي ثيّب، فكرهت ذلك، فأتت رسول الله (ص) فردّ نكاحها». وكلها أحاديثُ صريحةٌ بأن موافقة المرأة أو قبولها هما الأصل في عقد الزواج. فإذا رفضت، أو أُكرهت، جاز فسخُ عقد زواجها، إلاَّ إذا عادت ورضيت.
وأما النهيُ عن منع المرأة من الرجوع إلى زوجها إذا كانت مطلَّقة ويرغب فيها من جديد فهو ثابت في النص القرآني. قال الله تعالى: {فَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ}(+) . (ومعنى فلا تعضلوهن: أي لا تمنعوهنَّ وتمسكوهنَّ من التزويج). والثابت في أسباب نزول هذه الآية المباركة أن معقل بن يسار زوّج أختًا له من رجل فطلَّقها، حتى إذا انقضت عِدّتُها جاء يخطبها، فقال له: «زوجتك وأفرشتك وأكرمتك فطلَّقتها، ثم جئت تخطبها، لا والله لا تعود إليك أبدًا». ويبدو أن الرجل والمرأة كانا يريدان الرجوع، فأنزل الله تعالى الآية: {فَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ}، فجاء عندئذٍ معقل إلى رسول الله (ص) قائلاً: «ألآن أفعل يا رسول الله.. أو أنه قال: فزوجتها إياه... وفي رواية أنه قال: فكَفَّرتُ عن يميني وأنكحتها إياه»... والعضل هو منع المرأة من التزويج وهو حرام، وفاعله يرتكب إثمًا عظيمًا، ولا سيما إذا طلبت هي ذلك. وعند الفقهاء أن الرجل يفسق بالعضل.. مما يؤكد على أن الخيار للمرأة وحدها، فمتى خُطبت للزواج، أو طلبت للزواج فإن لها وحدها أن تقرر بالموافقة أو الرفض.
وروي أن عمرو بن حُجْر، ملكَ كندة، خطب أمَّ أياس بنت عوف الشيباني، فلما حان موعد زفافها إليه خلتْ بها أُمُّها أمامة بنتُ الحارث، فأوصتها وصيةً قيّمةً، رائعةً، بيّنت فيها أسس الحياة الزوجية السعيدة، وما يجب على المرأة تجاه زوجها، فقالت:
أي بنيّة! إن الوصية لو تُركت لفضلِ أدبٍ لتركتُ ذلك لكِ، لكنها تذكرةُ الغافل، ومعونةُ العاقل.
ولو أن امرأة استغنت عن الزواج لغنى أبويها، وشدة حاجتهما إليها، كنتِ أغنى الناس عنه، ولكن النساء للرجال خُلقن، ولهنَّ خُلق الرجال.
أي بنيّة! إنك فارقت الجوَّ الذي منه خرجت، وخلفت المسكنَ الذي فيه درجت إلى مسكن لم تعرفيه، وقرينٍ لم تألفيه، فأصبح بملكه عليك رقبيًا ومليكًا، فكوني له أمةً يكن لك عبدًا وشيكًا، واحفظي له خصالاً عشرًا، يكن لكِ ذُخرًا.
الأولى والثانية: الخشوعُ له بالقناعة، وحسنُ السّمْع له والطاعة.
والثالثة والرابعة: التفقّدُ لمواضيع عينهِ وأنفِه، فلا تقعُ عينُه منكِ على قبيحٍ، ولا يَشُمُّ أنفه منك إلاَّ أطيبَ ريح.
الخامسة والسادسة: التفقّدُ وقتَ منامهِ وطعامِه، فإن تواترَ الجوعِ مهلبةٌ، وتَنْغيصَ النومِ مغضبةٌ.
السابعة والثامنة: الاحتراسُ بمالِهِ، والرعايةُ على حَشَمِهِ وعيَالِهِ، وملاكُ الأمرِ في المالِ حسنُ التقدير، وفي العيالِ حسنُ التدبير.
التاسعة والعاشرة: لا تَعْصِينَّ له أمرًا، ولا تُفشِينَّ له سِرًّا، فإنَّكِ إنْ خالَفْتِ أمرَهُ أَوْغَرْتِ صدرَهُ، وإن أَفشيتِ سرَّه لم تأمني غَدرَهُ.
ثم إيَّاكِ والفرحَ بين يديهِ إن كان مهتمًّا، وَالكآبةَ بين يديه إن كان فرحًا.
تلك وصيةُ بنت الحارث لابنتها قبل زواجها. وهي وصية عظيمة فعلاً تبيّن الخصال التي لو تمتَّعت بها المرأةُ لكانت أفضلَ الزوجات، وأكثر حبًّا من الزوج، ولكانت قادرةً على أن تنشئ الأبناءَ والبناتِ الصالحين.
ومن الأمور المستحبة عندما يريد المسلمُ أن يخطبَ لنفسه فتاةً أو امرأةً أن يستفتحَ هو، أو غيره من أهل الفقه أو العلمِ بالله تعالى الرحمنِ الرحيمِ، بخطبةِ الحاجة التي تركها الرسولُ الكريمُ ذُخرًا للمسلمين. فعن عبد الله بن مسعود قال:
«أوتي رسول الله (ص) فواتِحَ الخير وخواتيمه، فعلّمنا خطبة الصلاة وخطبة الحاجة...»(+) .
وخطبة الحاجة هي أن يقول الخاطب أو من ينوب عنه: «الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ به من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا. من يهد الله فلا مُضِلَّ له، ومن يُضلل اللَّهُ فلا هاديَ له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسُوله.
أما بعد، فإن الله تعالى، قال في محكم كتابه العزيز: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ*}(+) .
وقال تعالى: {يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا*}(+) .
وقال تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيدًا}(+) .
وقال تعالى: {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً}(+) .
ثم يقول: وبعد، فإن الله تعالى أمر بالنكاح، ونهى عن السفاح فقال مخبرًا وآمرًا: {وَأَنْكِحُوا الأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ}(+) .
ويجزي عن ذلك أن يقول من يتولى الخطبة: بسم الله والحمد لله، وصلَّى الله على محمدٍ وآل محمدٍ. إن فلانًا يخطب إليكم فلانة، فإن أنكحتموه فالحمد لله، وإن رددتموه فسبحان الله.
انعقادُ الزواج:
ينعقد الزواج بالإيجاب والقبول. فالإيجاب هو ما تقرره المرأة بالموافقة على الزواج، كأن تقول: زوجتك نفسي بكذا وكذا، فيقول الرجل: قبلت (أي إنه يقرر القبول بالزواج) فإذا حصل العكس، أي أن يقول الرجل: أتزوجينني نفسك بمهرٍ مقداره كذا وكذا؟. فتقول: نعم. فكذلك ينعقد الزواج بهذا الإيجاب والقبول.
وكما يكون الإيجاب والقبول بين الشخصين مباشرة، يصح أن يكون بين وكيليهما، أو بين أحدهما ووكيل الآخر. ويشترط في الإيجاب أن يكون بلفظ التزويج والإنكاح، ولا يشترط ذلك في القبول، بل شرطه رضا الطرف الآخر بالإيجاب، أي بلفظ يشعر بالرضا والقبول بالزواج. ولا بد أن يكون الإيجاب والقبول بلفظ الماضي، كأن يقال: زوجت وقبلت، أو أحدهما بلفظ الماضي والآخر بلفظ المستقبل لأن الزواج عقد واستعمال الماضي فيه دلالة على الثبوت.
وهنالك أربعة شروط لانعقاد الزواج:
الشرط الأول : انعقاد مجلس الإيجاب والقبول، أي أن يحضر العاقدان في البلد نفسه الذي يصدر فيه الإيجاب والقبول من كليهما. فإن كان أحد الخطيبين في بلد والآخر في بلدٍ آخر وكتب الخاطبُ إلى رجلٍ يُقيمه وكيلاً عنه في خطبة واحدة معيّنة، وإجراء عقد زواجه بها بالوكالة، ثم أجرى الوكيل ذلك فتمَّت الخطبةُ وعقدُ الزواج، وتمَّ الإيجاب منها والقبول منه بالوكالة، فإنَّ عقد الزواج يتم كما لو كان الخاطب حاضرًا.
الشرط الثاني : أن يسمعَ كل من العاقدين كلام الآخر ويفهمَهُ، ويعلمَ من كلامه أنه يريد عقد الزواج بما يقول. فإن لم يفهم أحدهما ولم يعلم قصد الآخر لا ينعقد الزواج، كأن يلقّنُ الرجلُ مثلاً المرأة عبارة «زوجتُكَ نفسي» باللغة الفرنسية، ثم تكرر اللفظ الذي لقّنها إياه من دون أن تفهمه، ومن دون أن تعلم أن الغرضَ منه عقدُ الزواج، فإن الزواج بينهما لا ينعقد. أما إن علمت بأن الغرض مما تقول هو عقد الزواج فإنه يصحُّ ذلك.
الشرط الثالث : عدم مخالفة القبول للإيجاب، بصورة جزئية أو كلية، لأنه بحصول هذه المخالفة لا ينعقد الزواج.
الشرط الرابع : أن يكون الشرعُ قد أباح زواج العاقدين أحدهما من الآخر، كأن يكون الرجل والمرأة مسلمين ومن غير المحارم، أو أن يكون الرجل مسلمًا والمرأة كتابيّة.
ولا يُشترط في عقد الزواج أن يكون مكتوبًا، أو أن يُسَجَّلَ في وثيقة، لأن مجرد حصول الإيجاب والقبول من المرأة والرجل - مشافهةً أو بوساطة الوكيل - مع استيفاء الشروط الأخرى يجعل الزواج صحيحًا.
أما كون الزواج لا يتم إلاَّ بإيجاب وقبول فلأنه عقدٌ بين اثنين، وأي عقد لا يتم، ولا يصير عقدًا إلا بالإيجاب والقبول.
وأما اشتراط لفظ الزواج أو النكاح في الإيجاب فلأنَّه مبنيٌّ على النص بقوله تعالى: {زَوَّجْنَاكَهَا}(+) . وقوله تعالى: {وَلاَ تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ}(+) ؛ وهو ما أجمع الصحابة عليه.
وفيما يتعلق بالشروط الأخرى:
ـ من وجوب اتحاد مجلس الإيجاب والقبول فلأن حكم المجلس حكم حالة العقد، فإن تفرَّق الرجل والمرأة قبل القبول، بطل الإيجاب لأنه لا يكفي وحده، وإن تشاغلا عن القبول بما يقطعه فهذا يعني الإعراض عن العقد وعدم اكتماله. (حكم المجلس الواحد لا يشترطه الإمامية، ولا يُبطل العقد إلا عدم اكتماله).
ـ من وجوب سماع أحد العاقدين كلام الآخر، وفهمه له. وعلمه بأنه يريد به عقد الزواج، فلأن الإيجاب هو خطابُ أحد العاقدين، وما لم يُعلم هذا الخطاب من العاقد الآخر فلا يحصل قبولٌ منه عليه، أي لا يقترن الإيجابُ بالقبول ولا يحصل العقد. (الإمامية لا يشترطون أن يسمع كل طرف ما قاله الطرف الآخر، والمعول على ما يقوم به العاقد من إتمام العقد بالإيجاب والقبول).
ـ من عدم مخالفة القبول للإيجاب، فلأنه لا يكون قبولاً إلًّا إذا كان دالًّا على التسليم بجميع معاني الإيجاب. فإن خالف هذا الإيجاب بشيء فلا يعتبر قبولاً.
ـ من ناحية كون المرأة محلًّا لعقد الزواج فلأن الشرع قد حرم زواج بعض النساء، كما حرَّم الجمع بين بعض النساء، فإذا ورد العقد على من حُرِّم الزواجُ بها فقد بطل العقد وبطل الزواج.
ـ من ناحية وجود شاهدين مسلمين، فلأن القرآن الكريم قد شرط هذين الشاهدين في إرجاع المطلَّقة طلاقًا رجعيًّا إلى زوجها. قال الله تعالى: {فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ}(+) . قال الحسن: أي مسلمين.
فإن كانت الرجعةُ إلى الزوجيّة يُشترط لها شاهدان مسلمان عدلان، فالأولى أن يُشترطَ لإنشاء هذه الزوجيّة بعقد النكاح وجودُ هذين الشاهدين. (والإمامية لا يشترطون الشاهدين إلا للطلاق).
تلك هي الأحكام المتعلقة بالزواج الشرعيّ. وأيّ مخالفة لهذه الأحكام تجعل عقد الزواج باطلاً.
الزواجُ المدنيّ:
الزواجُ المدنيُّ هو عبارة عن اتفاقيةٍ تُعقد بين الرجل والمرأة على المعاشرة وعلى الطلاق. ويُذكر ما يترتب على الفريقين المتعاقدين من حقوقٍ وواجباتٍ، وما يترتب على هذه الاتفاقية من آثار، وفقًا للشروط التي يجري الاتفاق عليها والالتزام بها. فيكون الزواجُ المدنيّ، والحالة هذه، اتفاقيةً شاملةً للزواج، وما يترتب عليه: من معاشرةٍ، ونفقةٍ، وتصرفٍُّ، وطاعةٍ متبادلة، وما يترتب على ثمرته من بنوّة (ولمن يكون الأبناء والبنات، للأب أو للأم) وما إلى ذلك من الأمور التي يجري الاتفاق عليها، بما في ذلك الترك أو الطلاق.
والزواجُ المدنيُّ يُطلِقُ لكل رجل أن يتزوجَ أيّ امرأة، ولأيّ امرأة أن تتزوجَ أيَّ رجل، بحسب الاتفاق الذي يتراضيان عليه. ومن هنا كان الزواجُ المدنيُّ غير جائز شرعًا، ولا ينظر إليه - من الناحية الشرعية - على أنه زواج مطلقًا، كما أنه لا يُعدّ عقدَ نكاح لأنه لا قيمة له شرعًا.
ولكن إذا حصل زواجٌ مدنيٌّ بين مسلم ومسلمة، أو بين مسلم وكتابية (فرنسية أو أميركية، أو إنجليزية إلخ...) فإنه يُنظر إلى كيفية إجراء العقد بينهما، فإن كان يحوي شروط الإيجاب والقبول بألفاظ التزويج والنكاح مع استيفائهما لجميع شروطها شرعًا، وحضور الشاهدين على الزواج، كان هذا الزواج شرعيًّا بتلك الألفاظ وعلى ذلك الوجه، لأنه عقدٌ مستكملٌ لصفات عقد الزواج الشرعيّ وشروطه. أي أنه يُعتبرُ عندئذٍ زواجًا شرعيًّا.
وأما إن لم يوجد بين الألفاظ، ما يوجبه عقدن الزواج الشرعي، وإن لم تكتمل شروطه الأخرى، فلا يُعدّ زواجًا. ولهذا يُستحسن للمسلم الذي يعقد زواجًا مدنيًّا أمام إحدى الدوائر الرسمية أن يستكملهُ بالألفاظ والشروط الشرعيّة مع زوجته، في حفلٍ خاصٍّ يقيمه مع وجود شاهدين.. أما إذا اكتفى بالشروط التي تتضمنها اتفاقية الزواج المدنيّ فلا قيمة لتلك الشروط مطلقًا حتى ولو وافقت الشرع، لأن وجوبَ العمل بالأحكام التي جاء بها الشرعُ لا يأتي من الاتفاق عليها بين الرجل والمرأة، بل يأتي من عقد الزواج ومن حكم الشرع الذي بيّنه.. هذا إن حصل عقد الزواج المدنيّ بين مسلم ومسلمة، أو بين مسلم وكتابية.
أما عقد الزواج المدنيّ الذي يحصل بين مسلم ومشركة - أو مَن تُعامَل معاملة المشركين ـ، أو الذي يحصل بين مسلمة وغير مسلم، فإنه لا يستوفي شروط العقد الشرعيّ، وبالتالي فإن العقد لا يُعدّ منعقدًا، ويكون الزواجُ باطلاً.
مما تقدم يتبين أنه يجب أن يتمَّ الزواجُ بعقد نكاحٍ صحيحٍ شرعيٍّ، ومستوفٍ جميعَ شروطه الشرعية، فإن لم يتمّ بذلك فلا يكون زواجًا على الإطلاق.
الحياةُ الزوجيّة:
لا تقوم الحياةُ الزوجيّةُ على الشراكة فحسب، بل على الصحبة والعشرة، فالزوجةُ ليست شريكةَ الحياة للزوج فحسب، والعشرةُ بينهما لا تتوقَّف على عشرة شركاء، بل هي في الحقيقة عشرةُ صحبة، يصحب فيها كلٌّ منهما الآخرَ صحبةً تامةً، قوامُها الاطمئنانُ، والسكينةُ، والألفةُ، والمودةُ، والثقة.. قال الله تعالى: {هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا}(+) .
وقال تعالى: {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ*}(+) .
فالألفاظ القرآنيّةُ واضحةُ الدلالة والمعنى: فالسكنُ هو هذا الاطمئنان المتبادل، حيث يطمئن الزوج إلى زوجته، والزوجة إلى زوجها، وكذلك المودةُ التي تؤلّف على الحب والحنان، وعلى القرب والأنس، ومثلها الرحمة التي تجمع على الرأفة والعطف، وعلى الحدب والعون.. وكلها مقوِّمات لا تستوي الحياةُ الزوجيةُ من دونها.
ومن فضائل الإسلام على البشرية أنه لم يكتفِ بإظهار تلك الرابطة الزوجيّة، وانبثاقها عن أصل واحد فحسب، ولم يبيّن الأسسَ المعنويةَ المتينةَ التي تقوم عليها فقط، بل عيّن للناس السبلَ القويمةَ لإنجاح الحياة الزوجية، بما شَرَع للزوجة من حقوق على الزوج، وما للزوج من حقوق على الزوجة. وجاءت الآياتُ والأحاديثُ صريحةً في هذه النواحي المهمة في حياة الناس. قال الله تعالى: {وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ}(+) . ومعناه أن للنساء من الحقوق الزوجية على الرجال مثل ما للرجال عليهن من حقوق زوجية. وقد عبّر عن هذا ابن عباس حين قال: «إني لأتزيَّنُ لامرأتي كما تتزين لي، وأحبّ أن تعطيني كلَّ حقي الذي لي عليها فتستوجب أن أعطيها كلَّ حقها الذي لها عليَّ لأن الله تعالى قال: {وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ} أي زينة من غير إثم. وعن ابن عباس أيضًا قوله: «لهنَّ من حسن الصحبة والعشرة مثلُ الذي عليهن من الطاعة فيما أوجبه عليهنَّ لأزواجهنّ».
وقد أوصى المولى تبارك وتعالى بحسن العشرة بين الزوجين، فقال عزَّ وجلَّ: {وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ}(+) . وقال جلَّ وعلا: {فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ}(+) ... والعشرةُ هي المخالطة والممازجة، فيكون أمر الله تعالى أن يُحسنَ الرجالُ صحبةَ النساءِ إذا عقدوا عليهنَّ، لتكون الخِلطةُ ما بينهم، والصحبةُ بعضهم مع بعض على الكمال، فإنه أهدأ للنفس، وأهنأ للعيش. ومن مزايا العشرة ألاّ يكتفيَ الزوجُ بوجوب أداء زوجه حقَّها في المهر والنفقة، بل أن يقيم حياتَه معها على المعروف وأقلّه الحسْنَى في المعاملة، والبشاشة في المواجهة، واللين في القول، وإظهار الميل لها من دون غيرها.
وقد وصَّى رسولُ الله (ص) الرجالَ بالنساء.. فروى مسلم في صحيحه عن جابر أن الرسول (ص) عندما ألقى خطبته في حجة الوداع قال: «فاتقوا الله في النساء فإنكم أخذتموهن بأمانة الله واستحللتم فروجهنَّ بكلمة الله، ولكم عليهن أن لا يوطِئْنَ فُرُشكم أحدًا تكرهونه، فإن فعلن ذلك فاضربوهنَّ ضربًا غير مُبرِّح، ولهن رزقهنَّ وكسوتهنَّ بالمعروف».
وروي عن رسول الله (ص) أيضًا أنه قال: «خيرُكم خيرُكم لأهله، وأنا خيرُكم لأهلي»(+) . وروي عنه (ص) أيضًا أنه كان جميلَ العشرة، يداعب أهله ويتلطّف بهم، ويضاحك نساءه ويسابقهنَّ أحيانًا. ومن المشهور عن رسول الله (ص) أنه كان إذا صلَّى العشاء يدخل منزله، ويسمر مع أهله قبل أن ينام، لكي يؤانسهم.
ولئن كان الأصلُ في الحياة الزوجية الاطمئنانَ، وحسنَ العشرة، والمخالطة على الكمال، إلاَّ أن الطبائعَ البشريّةَ تحمل كثيرًا من الانفعالات. وقد لا تتوافر الظروف الحياتية المواتية، فيحصل بين الزوجين ما قد يعكر صفو الحياة الزوجيّة. ولكي لا يختل التوازن داخل الأسرة، فقد جعل الله تعالى قيادةَ البيت للزوج، وجعل الرجالَ من أجل ذلك قوَّامين على النساء بقوله تعالى: {الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ}(+) ، وبقوله العزيز: {وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ}(+) .
ووصَّى الرسول (ص) المرأةَ بطاعة زوجها فقال (ص): «إذا باتت المرأةُ هاجرةً فراش زوجها لعنتها الملائكة حتى ترجع»(+) . وقال (ص) ذات يوم لامرأة: «أذاتُ زوج أنتِ؟» قالت: نعم. قال (ص): «كيف أنت له؟» قالت: ما آلوه إلا ما عجزت عنه. قال (ص): «فانظري أين أنت منه فإنما هو جنّتُك ونارُك»(+) . وروى البخاري أن النبيَّ (ص) قال: «لا يحلُّ لامرأة أن تصوم وزوجها شاهد إلا بإذنه، وما أنفقت من نفقة من غير إذنه فإنه يردُّ إليه شطره». وروى ابن بطة (في أحكام النساء) عن أنس: أن رجلاً سافر ومنع زوجته من الخروج. فمرض أبوها، فاستأذنت رسول الله (ص) في عيادة أبيها، فقال لها الرسول الأعظم (ص): «اتقي الله ولا تخالفي زوجك». فمات أبوها، فاستأذنت رسول الله (ص) في حضور جنازته، فقال لها: «اتقي الله، ولا تخالفي زوجك» ، فأوحى الله تعالى إلى النبي (ص): «إني قد غفرت لها بطاعة زوجها».
وهذا يبيّن ما للزوج من حق على المرأة في منعها من الخروج من منزله لقضاء حاجة، أو للنزهة أو للزيارة، إلاَّ أنه ليس له أن يمنعها من الخروج إلى المساجد، لما روي عن الرسول (ص) أنه قال: «لا تمنعوا إماءَ الله مساجدَ الله»(+) .
وإذا تمرَّدت المرأةُ على زوجها فقد أولاه الله تعالى حقَّ تأديبها. قال تعالى: {وَاللاَّتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلاَ تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً}(+) . والضربُ يجب أن يكونَ خفيفًا، غير مبرّح، كما فسَّره رسولُ الله (ص) في خطبة حجة الوداع.
وهذه الصلاحيةُ للزوج في تأديب زوجته إنما أعطيت له لأنه هو القوّامُ على إدارة البيت ورعاية شؤونه. وما لم تخالف المرأة ما أمرها الشرعُ بالقيام به، من أداء حقوق زوجها، فلا يجوز للزوج أن يزعجها بشيء مطلقًا. قال الله تعالى: {فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلاَ تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً}(+) .بل على عكس ذلك يجب أن يكونَ رفيقًا بها، لطيفًا في طلب أي شيء منها، حتى لو أرادها فينبغي عليه أن يحسنَ اختيار الوضع والحالةِ المناسبة لها لقول رسول الله (ص): «لا تطرقوا النساء ليلاً حتى تتمشط المشعّثة»(+) ، أي حتى تتزيَّن وتتهيَّأ. وليس معنى قوامة الرجال على النساء، أن يكون أحدكم متسلطًا على عياله وفي إمرة بيته وقيادته، بل معناها حسنُ إدارته ورعاية شؤونه رعايةَ الزوج الصالح، ورعايةَ الأب الحادب، فيكون للمرأة إذن أن تردَّ على زوجها كلامه، وأن تناقشَهُ فيه، وأن تبدي رأيها في شؤون البيت، إذ ليس الزوجان آمِرًا ومأمورًا، ولا حاكمًا ومحكومًا، بل هما صاحبان، جُعلتِ القيادةُ لأحدهما من أجل خير الأُسرة كلها. والرسولُ (ص) كان في بيته صاحبًا لزوجاته، وليس أميرًا متسلّطًا عليهن على الرغم من كونه رئيسَ الدولة، وعلى الرغم من كونه نبيَّ الله ورسولَه.
وأما من ناحية تدبير أمور البيت والقيام بأعماله فإن ذلك على الزوجة حكمًا، إذ عليها خدمةُ زوجها والسهرُ على تربية أولادها، وحسنِ هذه التربية، أي أن عليها القيام بأعباء الأُسرة داخل البيت بما يتوافق وطمأنينتها. على أن يكون على الزوج في المقابل، أن يحضرَ لزوجته كلَّ حاجات البيتِ ولا سيما الحاجات الأساسية - والكمالية بحسب إمكاناته المادية - وألاَّ يجعلَ الزوجةَ محتاجةً إلى شيء، حتى إلى ما تتزيّن به أمثالها من أدوات الزينة والتجميل.
والخلاصةُ أن واجباتِ المرأة القيامُ بكل عمل يلزم القيام به داخل البيت، وواجباتِ الرجل القيامُ بكل عملٍ يلزم القيام به خارج البيت. فقد روي عن النبي (ص) أنه «قضى على ابنته فاطمة الزهراء (عليها) بخدمة البيت وعلى زوجها علي (عليه) بما كان خارجًا عن البيت من الخدمة»(+) . كما أنه (ص) كان يأمر نساءه بخدمته. فقد روي عنه (ص) أنه كان يخاطب زوجه السيدة عائشة بقوله: «يا عائشة أطعمينا.. يا عائشة اسقينا(+) ...
وقد روي «أن فاطمةَ الزهراءَ (عليها) أتت أباها، رسولَ الله (ص) تشكو إليه ما تلقى من الرحى، وسألته خادمًا يكفيها ذلك».. فعلّمها تسبيحًا تكرره، ولم يُعطِها خادمًا.
وهذا كله يدل على أن القيام بخدمة الزوج في البيت، وبخدمة البيت، إنما يقع على عاتق المرأة، إلاَّ أنَّ قيامها به جهادٌ لها عليه أجرٌ عظيمٌ. لكنه يجب أن يكونَ بقدر طاقتها، فإذا كانت الأعمالُ كثيرة، وليس لها طاقةٌ على احتمالها، بحيث تجلب لها المشقّة، كان على الرجل أن يساعدها، أو أن يأتيَ لها بخادم يكفيها القيام بالأعمال، وكان لها أن تطالبه بذلك.
وفي أيّ كل حالٍ يجب على المرأة أن تتدبر شؤون بيتها الداخلية بنفسها، بدليل ما قضى به رسول الله (ص) على ابنته فاطمة (عليها) من خدمة البيت. وهذا ما يجرنا إلىّ البحث في العدل.



Copyright © Samih Atef El-Zein 2010     VINTOB