قصص الانبياء في القرآن الكريم
الطبعة : الطبعة السابعة  
المؤلف : سميح عاطف الزين
عدد الصفحات :   692
تاريخ النشر :   2005




عيسى (عليه السلام)

عاشت مريم بنت عمران في ظلال الإيمان الرحبة. وكانت في إحدى الليالي قد أطالت في الصلاة والابتهال، وأكثرت من التسبيح والدعاء، حتى انفصلت عن كل ما حولها، واتصلت نفسها بأجواء الصفاء الكونيّ حيث أناشيد الإيمان الخالص تردّد الآيات التي تمجّد الخالقَ في عظمته، وتتلو الابتهالاتِ التي تزيد في نِعمِهِ.
وبينما هي غارقةٌ في ذلك الإشراق، سابحةٌ في تلك التأمُّلات، إذا بخلجاتٍ شديدةٍ تهزُّ جسدها، واضطراباتٍ قويَّةٍ تحرّك نفسها. وتنظر فيما حولها فتقع عيناها على مخلوق بشريّ قائم بالقرب منها، فتتملَّكها الرهبة، وتحدِّثها نفسُها بالهرب، إذ دخلَ في روعها أن الرجل قد يكون معتدياً أثيماً، غافَلَ سكان الهيكل وتمكن من التسلل إلى حَرَمها... إلا أنها على الرغم من هول الواقعة عليها، أمسكت بعنان مشاعرها، ونزعت وسوسةَ الشيطان من نفسها، وأبت أن تخاف، لأنها التقيّةُ النقيةُ الطاهرة، والعفيفةُ المصون..
وتتطلع إليه باستفسار، فيدرك ما يخالجها، يقول لها:
- «لا تخافي ولا تحزني» {...إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لأَِهَبَ لَكِ غُلاَمًا زَكِيًّا *} [مَريَم: 19].
وأجابته مستوضحة:
- ومن تكون؟
- إني جبرائيل الأمين.
سمعت مريمُ قول جبرائيل، فغشيتها سحابةٌ من الخشوع، وطافت بها موجةٌ من المخاوف.. إلا أنها لم تدع وقعَ الخبر يفقدها الرشد، ولم تجعل المفاجأة تعقدُ لسانها، وإن كانت تُحِسُّ بقواها منهكة.. فحدَّقت به ثم استجمعت قواها وقالت له:
{...أَنَّى يَكُونُ لِي غُلاَمٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا *} [مَريَم: 20]؟!.
فأجابها:
{...كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِنَّا وَكَانَ أَمْرًا مَقْضِيًّا *} [مَريَم: 21].
وتقدَّم جبرائيل (عليه السلام) يمسح بيديه على رأسها، ويتمتم بكلمات غير مسموعة، ثم نفخ في وجهها نفخةً قويَّةً، واختفى..
وراحت مريمُ تفكّر في جلستها تلك، وتسترجع ما جاءها به جبرائيلُ دون أن تدرك له كُنهاً. ولكنها تتساءل: كيف يكون لها غلام وهي عذراء؟ وكيف تحملُ وتَلِدُ من غير بعل؟!..
ويؤَرِّقُها آتي الأيام بما ستواجهُ به الناس، وما سوف يُخالط نفوسهم من الشكوك والظنون..
ودفنت السرّ الرهيبَ في قلبها، وعاشت الشهورَ التوالي، مكظومةً ملتاعةً خائفةً من غدها، لأن ألسنة الناس لا ترحم حتى الأبرار الأطهار.
ولكي تتخفّى عن عيون جميع الناس، اختارت مريم أن تنتقل من اعتكافها في بيت المقدس، إلى اعتكاف جديد اختارته في مسقط رأسها الناصرة. وصمّمت أن تضعَ حملها في ذلك البيت الريفيّ، الذي خلا من كل بهجة ورونق، إلاَّ من بهجة التقوى، فاتَّخذته جُنَّةً لها، تستتر فيه عن عيون الرقباء والمتطفلين.
لقد أرادت مريم أن تنأى عن قومها، فلا تخالط أحداً منهم، ولا يتصل بها أحدٌ ولو كان كفيلها زكريا بالذات. وكانت غايتها أن لا تثير اللغط حولها، وأن لا تلوك سمعتها الألسنُ الخبيثة، حتى لا تنهار الفضيلة في أنظار الناس، وهي مثالها ونموذجها الرائع..
وكان أملُها أن يستجيب الله لدعواتها، وأن يتقبَّل ابتهالاتها، فلا يظنَّ أحدٌ بها سوءاً، وما كانت أمّها بغيّاً، وهي على نفس الدرب سائرة، وقد اختارها الله لتكون العابدة المصطفاة، فهل يجوز أن تكون موضع تهمة وهي لم ترتكب إثماً، ولم تقترف ذنباً؟!..
إنها لا تستطيع أن تفعل شيئاً حيال ما شاء الله تعالى وقدّر.. فلا خلاص لها إذن من هذه الضائقة، إلاَّ أن تسلّم أمرها لبارئها، وهو العليّ القدير، الرؤوفُ بعباده، الرحيمُ بمن تمسَّك بحبله.
اقتربت ساعةُ الوضع، وشعرت بألم المخاض، فانسلَّت من القرية، متوجّهة إلى البريّة. وهناك أوت إلى جذع نخلةٍ كبيرة، تمسك بها من ألم الطلق، وهي وحيدة، فريدة، لا يدَ تشفق عليها فتساعدها، ولا قابلة تحنو عليها فتعالجها، ولا ترى سبيلاً لتخفيف معاناتها إلا أن تردد: {...يَالَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنْتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا *} [مَريَم: 23].
وحانت الساعة، ووضعت العذراء البتول طفلها..
نظرت إلى الطفل، فحزَّ في نفسها أن ترى هذه الثمرةَ الإنسانيةَ تتفتَّح على الوجود في عزلةٍ وانحباس. وتأمَّلَتْهُ مليّاً، فإذا هي تأنس لمرآه، ولكنَّ الكآبة كانت أقوى في نفسها، فتمنَّت له الحياة، ولها قبراً يضمّها، فتفارق هذه الحياة الدنيا، وينساها العالم..
ها هي ذي مرتبكةٌ بحالها، لا تدري ماذا تفعل بالطفل، ولا ما تفعل بنفسها، فلا طعامَ تتغذى به حتى ترضع الوليد، ولا ماءَ يسدّ رمقها، ولا أنيسَ يؤنسُ وحدتَها.. وفيما هي في تلك الغمرة من الارتباك والحسرة، إذا بصوت يناديها من تحت النخلة التي تمسكت بجذعها حين الطلق: ألاّ تحزني قد جعل ربُّك تحتكِ سريّاً (نهراً صغيراً يجري ماؤه عذباً سلسبيلاً)، {وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا * فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْناً} [مَريَم: 25-26].
وفي لحظات تتغيَّر كل المعالم حولها. فالبقعة الجرداء يسري فيها الماء، والنخلة تنزّل عليها رطباً حلوة الطعم، شهيَّة المأكل. وفوق ذلك، وأهمّه، أن الهتاف يدعوها للاطمئنان في الأعماق، وللارتياح في قرارة النفس. ويزيدُ في دعوتها للدَّعة، ذلك الصوتُ الخارقُ صوتُ جبرائيل (عليه السلام)، وهو يؤانسها في وحشتها، ويشير عليها بألاَّ تكلِّم أحداً في يومها هذا: {...فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَانِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا *} [مَريَم: 26].
فقد أوصاها: ألاَّ تردَّ على المارة بجانبها، وألاّ تأبهَ لدهشتهم عندما يَرَوْنَ الطفل في أحضانها، بل عليها أن تمتنعَ عن كل قولٍ حتى صبيحة اليوم التالي..
وأتت به قومها تحمله، وتقدمه لهم على أنه هبةُ الله الذي نفخَ فيها من روحه، ليجعله آيةً للناس، ورحمةً للعالمين، بأمره المحتوم، وقضائه المبرم.
قدمته بين يدي حجّتها أمام القوم، لتدافع عن شرفها وعفافها. ولكنهم أنكروا عليها ما كانت تحمل بين يديها، واتهموها بأسوأ اتهامٍ قائلين: {...يَامَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا *} [مَريَم: 27]. ولم يقف اتهامهم عند هذا الحد، بل أرادوا أن يظهروها على غير ما كان أهلوها عليه، فأكملوا قائلين: {يَاأُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا *} [مَريَم: 28].
فالقومُ جهلةٌ لا يدركون الحقيقة الثابتة الأزلية، وهي أن الله على كل شيء قدير. حاولت أن تدافع عن نفسها، فلم تجد لديهم الآذان الصاغية. ولكنها تملك سلاحاً لا يقوى عليه أحدٌ، وتتحصَّنُ بملاذٍ لا يقدرُ عليه باغٍ..
فوقفت أمام القوم، وقد أزفت الساعة لتبرئة ساحتها، وأشارت إلى الغلام، دون أن تنبسَ ببنت شفة..
وتطايرت النظراتُ من وجهٍ إلى وجهٍ، وتناثرت الأفكارُ بين إشارة الأم والوليد الجديد، واستغرَبَ القومُ، ووقفوا حيارى وكأنهم يحسون نوعاً من الاستهزاء بهم، فأخذهم الوجوم، ولكن أحدهم خرج عن سكوته، فقال لها بلهجةٍ ساخرة:
- وكيف نكلِّم من كان في المهد صبيّاً؟
وجاء الردُّ كالصاعقة تنزل بهم بلا نذير.. ولم يكن لسان الأم هو الذي أذهل القوم، بل هو الغلام، الوليد، يحرّك شفتيه، ليخاطبَ من كان حاضراً ذلك المشهد المروِّع، ببيانٍ يعجزُ عنه عباقرة البلاغة والفصاحة، وبإدراكٍ يتسامى فوق كل فكر، ليرسم حقيقةَ واقعِهِ، والغايةَ من مولدِهِ، وليرفعَ عن أمه تهمةَ السفهاء..
... ونطق الغلامُ، فإذا جوانبُ الكون كلها أصداء تردد على المسامع ما قاله غلامٌ وليدٌ، {قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا *وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلاَةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا *وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا *وَالسَّلاَمُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا *} [مَريَم: 30-33].
ولم نَسمع في غابر الزمان أن بشراً، مهما حباهُ الله من المزايا والصفات، قد أمكنه النطقُ وهو ما زال في المهد صبيّاً كعيسى (عليه السلام). ولم تشهد الإنسانية كلّها أن طفلاً يولد، فيحدد كيفية وجوده، ومضمون حياته، إلا عيسى ابن مريم (عليه السلام) لأنه فذٌّ في مولده، فذٌّ في رسالته كما أرادهُ الله أن يكون. والله وحده قادرٌ على أن يجعله على ذلك الكمال، تماماً كما أنه القادر على خلقه من غير أب..
لقد كان في نطق المولود حدثٌ بهرَ عقولَ الناس قبل أن يُدهشَ مسامعهم. فكُفّت الألسنُ عن لوم أمه، والتقت الآراءُ على أنه سيكون له شأنٌ خطيرٌ في مستقبل الأيام.. ولكنَّ فئةً قليلة، كانت جهالتها أقوى من البيّنات الناطقات، لأن الضلال الذي طغى على بصيرتها أفقدها القدرة على الإدراك، وعلى الإيمان بأن الله إذا أرادَ شيئاً فإنَّه يقول له: كن... فيكون... فالحقد قد أوغر صدورَ تلك الفئة، وحملها على مجافاة الحقيقة، فلم تَرعَوِ، ولم ترتدعْ عن اللغط والدسّ. ولكن هل يهمّ وجود فئة قليلة ما دامت الغالبية الساحقةُ من الناس ترى بأم العين تحوُّلَ المعجزة الخارقة إلى واقعةٍ محسوسة؟!..
أقامت مريم في قريتها، تُعنى بطفلها، وتربيه، وقد قرَّت به العينُ وانشرح الصدرُ، فأوكلته إلى عناية الله، يحفظه ويرعاه كما يجب له أن يكون.. وفي هذا الجو الصافي، نشأ عيسى (عليه السلام)، بخلاف ما ينشأ عليه سائر الأطفال.. فهو نسيجٌ فريدٌ من نوعه، لا يذهب إلى معلِّمٍ مثل بعض أترابه لكي يتلقى العلم والحكمة، بل وهبه الله إياهما بحيث لا تنبو عنه شاردةٌ ولا واردة.
وتنتقل به أمّه إلى بيت المقدس وهو لمّا يبلغِ الثانية عشرة من عمره بعد، وهنالك لم تبهره المدينة بزخرفها ولم تأخذْهُ برونقها ومظاهرها الخلاَّبة، ومشاهدها الجذابة لمن كان في سنِّه، فقد كان يغضي عن ذلك كله، ويلقي بنفسه في ميدان التفكُّر والتبصُّر.. يراقب أهل الحكمة، ويُنصِتُ إلى الكهنة وقد تكاثرت حولهم الجماعات، وضمتهم المنتديات. ولم ترقْ له تلك المظاهر.. فالكل يُنصت ولا يبدي نقاشاً أو استفساراً.. والكل يأخذ ولا يعطي، وكأنَّ ما يقوله الكهنة آياتٌ منزلاتٌ عند الناس يصدِّقونها بلا أدنى تمحيص.. فانبرى في كل محفل أو حلقةٍ يتحدث إلى الناس بأسلوب يختلف عما ألفوه، يبدي التساؤل والاستيضاح، وينطقُ بالحكمة والصواب، مفرّقاً بين الحق والباطل، ومميّزاً بين الخير والشر، حتى بات حديثَ الناس، ومدارَ مجالسهم..
ويريد الله سبحانه وتعالى أن يحضرَ عيسى (عليه السلام) مناظرةً في إحدى الساحات، فيتدخّل في النقاش. ويدورُ الجدلُ بينه وبين جماعة المتناظرين، حتى يعجزهم، وتضيق به صدورهم ذرعاً.. فتثور ثائرتهم عليه، وعلى تلك الجرأة التي يصول فيها على أهل العلم والمعرفة... ولكنه لا يأبه لأحد منهم، لأنّ همّه الأوحدَ كان نشرَ كلمة الحق، وإظهارَ الحقيقة ليس إلا، وأن يجعلَ من يدَّعون القيادة في الفكر ينهجون على طريقٍ قويم..
وكان وقتُ الظهيرة قد أفَلَ، ولم يرجع عيسى بعدُ إلى البيت. وانتظرته أمه طويلاً، وخافت أن يلحق به الأذى، فخرجت مسرعة تبحث عنه، فوجدته بين جمهرةٍ من أهل الفكر والرأي، يقف في وجه ضلالهم، ويتحدَّى أفهامهم، ويفحمُ عقولهم، ويدحضُ حُججهم..
فلمْ تدهش أمه، وهي تراه على تلك الحال، ولكن خافت عليه من ذوي النفوذ والسلطان، فآثرت أن تعودَ به إلى الناصرة..
ciloxan notice ciloxan bivirkninger ciloxan alkohol



Copyright © Samih Atef El-Zein 2010     VINTOB