قصص الانبياء في القرآن الكريم
الطبعة : الطبعة السابعة  
المؤلف : سميح عاطف الزين
عدد الصفحات :   692
تاريخ النشر :   2005




مريم بنت عمران عليها السلام

كان في بيت المقدس منزلٌ فقيرٌ، عاشَ أهلُهُ على الحزن والتعاسة، بلا ولد وبلا أنيس.. فقد كانت الزوجة عاقراً، وطالَ بها وبزوجها العمرُ، وهما على نفس تلك الحال من الشقاء والألم بسبب عدم الإنجاب. ذلك هو بيت عمران الذي كان من سلالة هارون.
أجل كانت امرأة عمران تعيش حرقة الحرمان بلا ولدٍ، وتقاسي لوعة العقم بلا إنجاب، فإن التقت أمّاً تحمل طفلها، أو رأت عصفورةً تحنو على فراخها، هاجَ بها الوجدُ، واشتدّ بها الحنين، ووقعتْ مريضة لعدة أيام.. كذلك وهي تعاني من شدَّة المرض كان يتراءى لها خيالُ الولد فلا يفارقها... وكم تصوَّرت تلك المرأة، وهي تقضي اللياليَ مؤرقةً، لو أنها تكون ساهرة بجانب السرير، تكحِّل عينيها بمرأى طفلها وهو يرنو إليها بنظراته، ويقبل عليها بابتساماته. بل ولكم توهمت أنها تتلقَّف طفلها بين ذراعيها، أو أنها تعتصر مولودها إلى صدرها لتُفرغ عليه من الحنان، والعطف، ما ينمّي جسده، ويسمو بنفسه، حتى يشبّ فيصير ملء سمع الدنيا وبصرها..
وتنقضي الشهور، وتنطوي السنون والمرأة ترقب رجاءً تريده أن يتحقق. ولم تكن لتقنط أو تيأس، على الرغم من تقدم العمر بها، وعلى الرغم من المخاوف والهواجس التي تكاد تقتلها، دأبت على مناجاة ربها والتضرّع إليه. كانت تخلو إلى نفسها ساعاتٍ طويلة وهي قائمة في الصلاة والعبادة، وقلبها يلهج بالدعاء إلى الله سبحانه كي يمنَّ عليها بمولود يملأ عليها كيانها..
وفي ساعة من ساعات تلك المناجاة والابتهال، نذرت إلى الله سبحانه، إن هو حقق رجاءها، أن تهب طفلها إلى العبادة، وأن تجعله خادماً في بيت المقدس، سادناً فيه، حتى يكون لها ذخراً عند الله تعالى.. وأخذتِ العهد على نفسها ألاَّ تستخدم مولودها في شيء، أو تَشْغَلَهُ في أمرٍ، بل سوف تجعله محرراً لخدمة بيت الله، مخلصاً لسدانته.
وكما يستجيب المولى الكريم لعباده الصالحين، فقد استجاب سبحانه لدعاء امرأة عمران وآتاها سُؤلها، فلم تمضِ بضعة شهور حتى أحسَّت بالجنين يتحرَّك في أحشائها. وكان هذا الإحساسُ نقطة تحوّل في حياة تلك المرأة، إذ استبدلت بالعبوس الإشراق، وبالكآبة الفرح. فأقبلت على الحياة بصدرٍ منشرح، وبنفسٍ راضية، وقلبٍ هانىء. تجالس زوجها فتؤنس وحدَته، وتقومُ على خدمَتِه فتشيع في أجوائه السعادة والفرح. والزوج في ذلك كله قانع، راضٍ، يحمد الله على ما أنعم على بيته بردّ زوجته إليه بعدما كان قد يئس من حالها، وجعل الأيام تقبل عليهما وهي تحمل البشرى السعيدة. وصارت نشوة الاطمئنان تغمر الزوجين استبشاراً بما سيتمّه الله عليهما من أنعمه، وبما سيهبهما من مولود بعد طول صبر وانتظار.
وطافت بأرجاء البيت علائم السرور، فأنْستِ الزوجين ما قاسيا من الآلام، ومسحت ما علق في نفسيهما من الأشجان والأحزان.. ولكنَّ تلك الهناءة لم تدم، إذ سرعان ما تبدلت الأحوال وكأنها اشتاقت لمألوفها في هذا البيت. فبينما كانت الزوجة تعدّ العدَّة لوليدها، وتنتظرُ بفارغ الصبر ساعة قدومه، يموتُ زوجها فجأة وتعود إلى سابق عهدها من الحزن. ولكنَّها في هذه المرَّة لا تدعُ الحزن يَتَغَلَّبُ عليها، لأن هذا ما شاءه الله تعالى، فأمره محتوم، ولا رادَّ لقضائه..
وهكذا بقيت زوجة عمران، يعمر قلبَها الإيمان، ويراودها الأملُ الجميل، حتى حان الموعدُ، ووضعت حملَها، فإذا هي أنثى..
خاب رجاء هذه المرأة، في ما نذرت لله تعالى.. لقد رغبت في أن يكون لها وليدٌ ذكرٌ، فجاءتها أنثى، وليس الذكرُ كالأنثى في القيام على شؤون العبادة وخدمة الهيكل.
وأحسَّت بالخجل حيال ربّها، فنادته بضراعة وابتهال: ربِّ إني وضعتها أنثى..
والله أعلم بما وضعت... ولذلك جاءها الإلهام، من خلال هتافٍ داخليٍّ يقول لها: أوفي النذرَ، فلا حرج عليها وإن كانت أنثى.
ولم تجدْ زوجةُ عمرانَ بدّاً من الامتثال، فأسمتْ وليدتها «مريم» أي العابدة، ثم لفَّتها في الرداء، وحملتها إلى بيت المقدس، تُقدِّمها للأحبار وهي ترجوهم أن يرأفوا بها، وأن يقوموا على رعايتها بما يتلاءم مع رغبتها في أن تكون مكرَّسةً لخدمة البيت المقدس..
وتركتِ الأرملة وليدَتها، ثم قفلت راجعة إلى بيتها، مستسلمة لقضاء الله وقدره، تريد بذلك وفاءَ نذرها، وأداءَ الشكر لله على استجابة دعائها. إنها فقدت في الأمس القريب زوجها، وها هي اليوم تسلّمُ فلذة كبدها إلى سدنة البيت وخدمِهِ، ولكن كل ما يهمّها هو أنها برَّت بالوعد وحفظت العهد.. فتقبّل الله ابنتها بقبول حسن.. ولو أن تلك الأمَّ علمت آنذاك، بأن الله سبحانه قد آثرَ ابنتها بالمكرمة دون غيرها من نساء العالمين، وأنها ستكون أمّاً لأحد أنبيائه المصطفين، لما كان للهمِّ أن يدخلَ قلبَها، ولما كان للحُزْن أن يسيطر عليها..
زكريا يكفلُ مريم
وهكذا حلَّتْ تلك الطفلةُ الصغيرةُ ضيفةً على سدَنةِ البيت المقدس، فخفّوا إليها مسارعين، وتنازعوا في كفالتها متبارين.. كلٌّ يريد أن يكون مدبِّراً لشؤونها، قائماً على تربيتها. وكان زكريا رئيسَ الكهنة، وسيّد الهيكل آنذاك، فرغب في أن يوكَلَ إليه أمرُ كفالة الطفلة، لأنه أولى بها من الباقين. فهو زوج خالتها، وأوثقهم صلةً بها، وأقربهم رحماً إليها، فكيف لا يكون إذن أشدَ الكهنة حدباً على تلك الطفلة، وأكثرَهم رغبة في كفالتها؟..
وأبدى زكريا (عليه السلام) حُجَجهُ أمام سدنة الهيكل، ولكن هؤلاء رفضوا كل حجَّةٍ أدلى بها، حتى طالَ الحوار بينهم، وكثر الجدل والنقاش، دون أن يتمكنوا من الاتفاق على رأي قاطع.. وأخيراً، رأوا أن يقترعوا فيما بينهم، فحفر كل واحد اسمه على قلمه، واتّفقوا أن يلقوا أقلامهم في النهر، فمن طفا قلمُهُ فوق الماء وسار عكس التيار كان هو أحقَّ برعاية الوديعة والقيام على خدمتها.. وجرف التيارُ الأقلام التي أُلقيت في ماء النهر، ولم يطفُ منها إلا قلمُ زكريا (عليه السلام) الذي سار عكس التيار. وكان ذلك إيذانا بقطع الجدل فيما بينهم، وبالانصياع إلى أمر الله تعالى الذي غلب عنادَ الرجال وإصرارَهم.
ورأى زكريا (عليه السلام) في حضانة تلك الطفلة زلفى إلى ربّه، وزيادةً في تقرّبه من خالقه، فشاء أن يجعل لها مقاماً رفيعاً في غرفةٍ عاليةٍ من الهيكل، كي تكون المكفولةُ بعيدةً عن عيون الناس، وعن ضوضاء الحياة وضجيجها، ولكي يستطيع هو أن يقوم على خدمتها بما يناسب تنشئتها وتربيتها، فلا يزعجه أحدٌ كلما تفرَّغ لرعايتها.
ومرَّت سنواتٌ، وزكريا (عليه السلام) لا يتعبُ من صعود السلم، يحمل إلى مريم الماء والطعام، ويزودها بعد أن كبرت بالحكمة والعلم، ويرشدها إلى أمور العبادة والطهارة.
الرزق يأتي مريم من عند الله
وذات مرةٍ، دخل عليها المحرابَ فوجَدَ عندها رزقاً.. وتأمل في ما يرى فإذا هي فاكهة الصيف، بينما كان الفصل شتاءً. فانتظر قليلاً يتفكّر، فلم يجد إلا الاستغرابَ يحوّم في عقله، فيتساءل في نفسه: من أين أتى مثلُ هذا الرزقِ للفتاة، وعهدُه بها أنه لا يدخل أحدٌ عليها، أو يطرق باب حجرتها طارقٌ غيرُهُ؟ وكي يدفَعَ ما أشكل عليه، تقدَّم من الفتاة، وسألها برفق: أنَّى لكِ هذا؟! وأجابت بلا تردُّدٍ، وببراءة الطهر وعفوية الصدِّيقين: هو من عند الله، إنَّ الله يرزق من يشاء بغير حساب.
وكان زكريا (عليه السلام) يعرف قوَّة إيمان هذه الفتاة، ويدرك مقدار طهارتها، وصدق لهجتها، فآمن على التوّ بما قالت، وأكبرَ عظمة الخالق، الذي خصَّها بتلك المنزلة الرفيعة، وبوَّأها مكاناً اصطفاها به على نساءِ العالمين.
وترعرعت مريمُ عليها السلام في ظلال بيت المقدس، حتى اشتدَّ ساعدُها، وقوي عودُها. وكان مقامُها في ذلك المكان الشريف سبيلاً لحمْلِ نفسها على الصلاح ولتطهير فؤادها بالتقوى، فعاشت أيامَها عابدةً، قانتةً، تأكلُ من رزق الله الذي يرسلُهُ إليها مع ملائكةٍ كرامٍ يوماً بيوم. وكان زكريا (عليه السلام) يرى بأمِّ عينه تلك العطيَّة العظيمة لها، إذ كلما دخل عليها المحرابَ وجد عندها رزقاً من طعام الجنة وثمارها فيخرجُ ويخبرُ الناس بأمرها، حتى شاعتْ سيرتُها على الملأ، وصارت مضرباً للأمثال في الطهارة والصفاء، ونبراساً في التقوى والعبادة.
amitriptylin 75 mg anmeldelsemedicin.site amitriptylin hund



Copyright © Samih Atef El-Zein 2010     VINTOB