قصص الانبياء في القرآن الكريم
الطبعة : الطبعة السابعة  
المؤلف : سميح عاطف الزين
عدد الصفحات :   692
تاريخ النشر :   2005




يحيى (عليه السلام)

.. ويترعرع يحيى في أحضان النبوَّة، ويشبّ على النحو الذي أراده له أبوه زكريا، وعلى السبيل الذي وهبَهُ له خالقُهُ.
وأولُ ما حصل ليحيى، بعدما صار مؤهلاً قادراً، انتدابُهُ ليحمل الأمانة، حينما أتاه الوحيُ من ربِّه: {يَايَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ وآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا *} [مَريَم: 12].
وكتابُ بني إسرائيل «التوراة» يقوم عليه أنبياؤهم من بعد موسى (عليه السلام) وبه يعملون ويحكمون. ويحيى (عليه السلام) الذي اصطفاه الله واختارهُ ليحمل الرسالة، قد أمدَّه بالمؤهلات التي يفقه بها الكتاب، وبالمزايا التي تُظهرُ فيه العلمَ والحكمة، فآتاهُ الحكمَ صبيّاً...
هذه هي المؤهلات التي زوَّدَ الله بها يحيى، وأعدَّهُ وأعانهُ على احتمال ما كلَّفه به عندما ناداه لحمل الكتاب.. آتاه الحكمة صبيّاً، فكان فذّاً في زاده كما كان فذّاً في اسمه وفي ميلاده. فالحكمة تأتي متأخرة، ولكن يحيى قد زُوِّدَ بها وهو ما زال صبياً. وآتاهُ الحنانَ، هبةً لَدُنِيَّةً، لا يتكلَّفُهُ ولا يتعلَّمُهُ، إنما هو مطبوعٌ عليه ومطبوع به. والحنانُ صفة ضرورية للنبيّ المكلَّف برعاية القلوب والنفوس، وتآلفها واجتذابها إلى الخير في رفق. وآتاه الطهارة والعفَّة، ونظافة القلب والطبع، يواجهُ بها أدران القلوب، ودنس النفوس، فيطهِّرها ويزكِّيها.
وجعله تقيّاً، موصولاً بالله، سيداً حصوراً يخشى ربه، ويستشعر رقابته عليه في سرّه ونجواه.
ذلك هو الزادُ الذي آتاه الله - سبحانه - ليحيى في صباه، وهو ما درج عليه طوال حياته، فقد انكبَّ على العلم والعبادة، حتى صارَ منهك الجسم، ضامرَ الوجه يبدو الإرهاق والتعب على ملامحه.. وقد استطاع أن يقومَ على كتاب التوراة، وأن يجلوَ ما غمض على الناس فيه، وأن يحيط بأصول الشريعة وفروعها، حتى صار فيصلَ أحكامها. واشتهر بين بني إسرائيل بأنه العالم الوحيد الذي يحقّ له أن يطلق الأحكام المعقولة منها والمنقولة.
وهكذا شهد بنو إسرائيل يحيى نبياً يجهر بالحق وبالدعوة إليه، ويشتدّ على الباطل، دون أن يخشى في الله - تعالى - لومة لائم، أو يخاف عتوَّ ظالم. فقد كان صلباً متشدّداً في قضايا العقيدة، ولكنه في حياته مع الناس، ومعاملته لهم، أكثرُهم عطفاً ورحمة. يشفق على الفقراء بلا حدود، وتمتدّ شفقته لتطال الحيوانات الصغيرة، فكان يسعى إليها ويطعمها ما تيسَّر له إطعامها، وإنْ لم يجدْ ما يطعمها فهو يفضِّل أن تأكل زادهُ، فتشبع وترتوي، وإن بات هو على الطوى، وإذا اشتدَّ به الجوعُ فإنَّه كان يلوذُ بورق الشجر فيأكله.
وكان لشدّة إيمانه بالله، ولكثرة ما شهدت نفسه من أسرار الخلق والكون، يقف داعية بين الناس، حتى يبكي ويبكيهم معه. فيا لعظمة تلك التقوى، ويا لبهاء ذلك الصفاء!.
هيروديا تطلب قتلَ يحيى
ومن مآثره في حياته موقفُهُ من هيرودوس حاكم فلسطين في عهده.. فقد تناهى إلى مسامع يحيى أن ذلك الحاكم قد عشق ابنة أخيه هيروديا، وأنها قد شغفته حبّاً، وفتن بمحاسن جمالها حتى عزم على الزواج منها، تساعده في ذلك أم الفتاة وذوو قرباها.
عَرَف النبيُّ هذا الأمر فأبدى استنكاره له، وأعلنَ أنَّه سيكون زواجاً باطلاً لا تقرّه الشريعةُ، ولا يعترف به الكتاب، لأنهما يحرِّمان زواج العم من ابنة أخيه.
وشاعَ رأيُهُ في هذا الزواج بين خاصَّة الناس وعامِّتها، فعرفه خدام الهيكل ورجال الدين، كما عرفه الباعة في الأسواق، وتناولته الألسن في النوادي والمجالس، وفي القصور والساحات.. وتناهت معارضةُ يحيى إلى مسامع هيروديا، فحزنت واغتمَّت، وهي تعرفُ مقدار ما لرأي يحيى من أهمية وتأثير على حياة الناس. ولكنها لم تدع الحزن يسيطر عليها، بل بدَّلت بالغمَّ الغضب، وبالكرب الحقد، وأضمرت أن تنال من يحيى ما وسعها من كيدٍ وشرّ..
لقد خافت هيروديا أن تذهب فتوى يحيى بمعسول رجائها، وأن تحول بينها وبين الزواج من عمها الحاكم، فأسرعت وهي تتسلَّح بمفاتنها، وتتمنطق بإغوائها إلى قصره، وقد بدت على أحسن ما تكون عليه من جمال، وأناقة، وفتنة.
ودخلت على هيرودوس، وهي على ما هي عليه من سحرٍ، فهبَّ من مكانه يستقبلها، وقد أخذت منه العقل وسلبته الإرادة، وارتمى أمامها وهو يقول لها:
- أهلاً بسيدة الجمال، لقد جئتِ عاشقاً ينحني على يديك، وأتيت والهاً يركع على قدميك. إني طوع بنانك، مُريني بما تحبّين وتشتهين، وستجدينني عبداً طائعاً، لا يخيّب لك رجاءً، ولا يخالف لك رغبة!..
وألقت الفاتنة بدلالها عليه، وعهرت ببكائها أمامه، حتى أفقدته صوابه. ولما أحسَّت أنه مستعدٌّ لتلبية رغباتها، قالت بحزم: لئن كان الملك يصبر على ظلمٍ يأتيه، أو على خزيٍ يناله، فإني أربأ أن أكون زوجةً له...
وعجب هيرودوس مما تقوله له، وهو يعلم أنَّ لا أحدَ بين الناس من يستطيع أن يرفع بناظريه نحوه، فكيف يسمع أن هناك من يتطاول عليه... وهل يعقل ذلك؟!..
فتبدَّلت سحنتُهُ فجأة، وقال لها غاضباً:
- أفصحي عما في نفسك يا هيروديا قبل أن أجعل الخيلَ تدوس بسنابكها جميع الناس في هذه المدينة.
وانتظرت قليلاً، وهي تروم زيادة حماسته وغضبه، ثم أعقبت:
- لئن ارتضى سيدي الملك بأن يتطاول عليه يحيى بن زكريا، فإني أقبلُ بحكمه، وأرضخُ لمشيئته.
لقد أوغرت صدرَه بالحقد على يحيى، وملأتْ رأسه بالحنق عليه، حتى أعمته الشهوة عن كل نداء للعقل، وعن كل صوتٍ للضمير، فأوعز إلى حرسه بأن يأتوه برأس يحيى على سنان الحراب.
ولم يمضِ إلاّ قليلٌ من الوقت حتى كان الرأسُ الشريفُ بين يديْ هيروديا، تطفىء بمرآه الغيظَ الذي أكل نفسها، وتروي بمنظره الحقدَ الذي أعمى قلبها..
لقد توهمت هيروديا بأنها استأصلت مصدر همها، ونزعت قيد سعادتها، ولكنها لم تدر أنَّ ما فعلته كان أبعدَ من جريمةٍ اقترفتها يدُ آثمٍ، وحاكتها نفسٌ خبيثةٌ، وأنَّ ما قامت به كان أكثرَ من خزيٍ وعارٍ على جبين بني إسرائيل، فقد حلَّت لعنة الله عليهم خزياً في الدنيا والآخرة. بينما كان يحيى (عليه السلام) مكرَّماً عند ربّه، مبوأً مكاناً رفيعاً...
فسلام عليه يوم وُلِدَ ويوم مات ويوم يبعث حياً.



Copyright © Samih Atef El-Zein 2010     VINTOB