قصص الانبياء في القرآن الكريم
الطبعة : الطبعة السابعة  
المؤلف : سميح عاطف الزين
عدد الصفحات :   692
تاريخ النشر :   2005




زكريا (عليه السلام)

الحيّزُ المكانيُّ بيت المقدس في فلسطين، والعهدُ الزمانيُّ أحد عهود بني إسرائيل الذي عاش فيه النبيُّ زكريا (عليه السلام).
وقد كان ذلك العهدُ مليئاً بالتناقضات والمفارقات إلى أقصى الحدود وأبعدها.. فالشعب اليهوديّ، يعيش مثلَ عادتِهِ منذ وجوده، الإقبالَ على أمور الدنيا وزخرفها، والاندفاعَ على أسباب العيش الماديِّ وسُبُلِهِ.. لا يأبه للوسيلة طالما أن الغاية تبرّرها. فأية وسيلة، ومهما كانت خبيثة أو دنيئة، هي مبرَّرة، إذا كانت تؤدّي لتحقيق المآرب والمنافع، وتؤمِّنُ المصلحة الخاصة.. إنها حياةُ شعب، يعشش في نفوس أبنائه الفسقُ والفجور، تماماً كما يتفشَّى الربا في تجارته، والغشُّ في أسواقه، والرياءُ في علاقاته، والخداعُ في معاملاته!..
فئةٌ قليلةٌ ظلّت محافظةً على تعاليم موسى (عليه السلام). تلك هي ذرّية هارون التي صارت إليها سدانة الهيكل في بيت المقدس. ووجود تلك الفئة الصادقة في إيمانها، هو الذي جعل تلك الحقبةَ في تاريخ بني إسرائيل تحفل بالتناقض، لأن أفعالها وأقوالها كانت على عكس ما يفعل الباقون ويقولون. وبفضل قيامها على خدمة الهيكل ورعاية شؤون الدين، أصبح كلُّ شيء يتصارعُ مع ضدّه: الحقُّ في مقابل الباطل ليدمغه، والنورُ في محاربة الظلام ليطرده، والصدق في مكافحة الكذبِ ليدحضه. فالفريقان في بني إسرائيل على طرفيْ نقيض: التجار وذوو النفوذ والشأن في جهة، وذرّيَّة هارون، وعلى رأسها سيد الهيكل آنذاك زكريا، في الجهة الثانية..
كان زكريا قد ترعرع منذ حداثته في وسط هذا الخضمِّ المتلاطم من الاتجاهات المختلفة، وعاش منذ فتوَّته على الوفاء بالعهد، قائماً على الدعوة، حافظاً للعقيدة. همُّه الوحيدُ طاعةُ الله وعبادتُهُ، وأملُهُ هداية الناس وردُّهُم إلى جادة الصواب.. وكان دأبُهُ التنقُّلَ بين محرابه وحانوته، سعياً وراء الرزق الحلال، فإن أصابَ مالاً سدَّ رمق العيال، ومسحَ دمعة البائس، وقضى حاجة المضطر. ثم رجع إلى محرابِه فارغَ اليدين إلاَّ من فضل الله، صامتاً إلاَّ عن ذكر الله..
هكذا عاش زكريا (عليه السلام) حياةً رائعةً، حافلةً بالمآثر الفاضلة والمزايا الحسنة. فقد كان قنوعاً، رضيّ النفس، نقيّ الضمير، لا تُحرِّك دواخلَهُ نزعاتُ النفس البشرية، ولعل أهمَّها الرغبةُ في الذريَّة والامتداد، تلك الرغبة التي لا تموتُ حتى في نفوس العباد الزهّاد، الذين وهبوا أنفسهم للعبادة ونذروها للهيكل.. لقد اكتفى من حياته بالقيام على خدمة الهيكل، ورعاية شؤون الدين، فلم يؤرقْهُ كِبَرُ سنه، وهو بلا ولد، بل كان يجدُ غنىً كبيراً وهو عاكفٌ على العبادة، والتضحية في شؤون الدنيا من أجل الآخرة، التي هي بغية كل مؤمن صادق..
وكان زكريا (عليه السلام) قد صار في سنّ الشيخوخة، وبلغَ من العمر التسعين عاماً، ووهن العظمُ منه واشتعلَ رأسُهُ شيباً عندما راودتهُ فكرةٌ احتلَّتْ حيِّز تفكيره، وملكت عليه مشاعره.. فقد صار قابَ قوسين أو أدنى من الموت، وبين يوم وآخر قد يَحلُّ أجلُهُ، وتنطوي صفحتُه من الحياة الدنيا. وهذا سرٌّ في علم الغيب ولا ريب، ولكنها الحقيقة التي تَمثُلُ أمام عينيه وتؤرقهُ، وهو لا يجد من يرثُ حكمتَهُ، ويضطلعُ بأمانةِ الدعوة إلى الله من بعده... إنه يخافُ على الدين، وهو يرى مواليَه وأبناءَ عمومته، وأكثرهم من الأشرار، لا وازع عندهم، ولا رادع لديهم.. فقد يتركون الشريعة، وقد يعملون على محو آثارها، ولا يتورعون عن نشر الفساد، وتغيير معالم الكتاب إن تُركوا وشأنهم، ولم يُقمْ بينهم إمامٌ عادلٌ يسير على دربه، ويتمشَّى على نهجه، ويقيسُ الأمور بمقاييسه.
لقد كانت تلك الأفكار تجول في خاطره، وتضطرب. ولكنه ظلَّ صابراً متجملاً إلاَّ من زفراتٍ يلفظها إذا جنَّ الليل، أو دعواتٍ يرفعها إلى الله كلما احتوته الوحدةُ والعزلةُ.
كان حتى ذلك العمرِ بلا ولد، فامرأته عاقر لم تنجب له من يستطيع أن يلقِّنه العلم والحكمة ليحفظ بهما الشريعة. ذلك كان قضاء الله في زكريا (عليه السلام)، لم يرزقْهُ ذريةً لحكمةٍ يجهلها عبدهُ الصالحُ، ولا يستطيعُ إدراك كنهها.
ويذهب زكريا (عليه السلام) يوماً إلى المحراب كعادته. ويدخلُ على كفيلته مريم بنت عمران في محرابها الخاصّ في الهيكل فيجد عندها رزقاً.
ويسأل تلك العابدة، النائية عن خلق الله كلهم، عن مصدر رزقها، ويسمعُها بعفوية خالصة تقول له: {...هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ *} [آل عِمرَان: 37].
هنالك دعا زكريا ربَّه
إنه إنسانٌ مؤمنٌ، صادق وقانِعٌ، ولكنه يريدُ أن يعهَد بالأمانة إلى من يؤدّيها. وما دام الرزقُ هو من عند الله، والإنجاب والنسل، هو رزقٌ من الله، فلِمَ لا يدعو زكريا (عليه السلام) ربَّهُ أن يرزقَهُ ولداً يوكِلُ إليه حمل الرسالة من بعده..؟!.
إنه يثقُ بربِّه، ويَثِقُ برحمتِهِ ورأفتِهِ اللتين لا حدودَ لهما، وهو قادرٌ سبحانه على كل شيء..
واشتعلت في نفس زكريا الرغبةُ في المولود. فاعتكَفَ في محرابه بعيداً عن الناس، وعن كل الوجود الأرضيّ، ورفع يديه إلى السماء، وسرح في إشراقةِ النفس وهو يناجي ربَّه في الخفاء، ويقول: {...رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًا *} [مَريَم: 4].
فما أجمل مناجاة زكريا (عليه السلام)، بعيداً عن عيون الناس، بعيداً عن مسامعهم، وفي غرفة منفردة، يخلص فيها لربّه، ويكشف له عمَّا يثقل صدره من همّ، لأنه يضيق بوجود أولئك الموالي من بعده! وهو يخافهم، لأنه يخاف على العقيدة منهم. وها هوذا ينادي ربه تبارك وتعالى عن قربٍ، وبلا واسطة، حتى أنه لم يستعمل حرف النداء. فهو على يقين بأنه لم يكن يوماً ليشقى بدعاء ربّه، بل كان يستجيب له - سبحانه - كلما دعاه. وها هو الآن يناجي ربَّه، وربهُ يسمع ويرى سواء بدعاء أو من غير دعاء، وإن كان المكروبُ يستريحُ عادة إلى البثِّ، ويحتاجُ إلى الشكوى.. والله الرحيمُ بعباده، يعرف ذلك من فطرة البشر، فيُحبِّبّ لهم أن يدعوه وأن يبثّوه ما تضيق به صدورهم، فيوصيهم: {ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ} [غَافر: 60] ففي الدعاء إراحةٌ لأعصابهم من العبء المرهق، واطمئنانٌ لقلوبهم إلى أنهم قد عهدوا بأعبائهم إلى من هو أقوى وأقدر... وإنهم ليستشعرون صلتهم آنذاك بالله العزيز الحكيم الذي لا يضام من يلجأ إليه، ولا يخيب من يتوكل عليه..
تلك كانت حالةُ زكريا (عليه السلام)، وهو يشكو إلى ربّه ما أصابه من وهن العظم واشتعال الرأس بالشيب. وهو على يقين بأن ربه قد عوَّده على أن يستجيبَ له إذا دعاه، فلم يشْقَ مع دعائه لربّه وهو في فتوَّته وقوته، أي لم يعصِ ربَّهُ في شبابه، فكان الله سبحانه وتعالى ولم يزل، يجيب دعوة الصالحين الطائعين من عباده، أما العاصون المفسدون فهم الأشقياء الذين لم يستجبِ الله لهم دعاء. وزكريّا الآن هو في هرمه، وهو في أشدِّ الحاجة إلى أن يستجيبَ الله له، ويتمَّ نعمته عليه.
وترتسم في حياة ذلك النبيّ الكريم لحظةُ الاستجابة في رعايةٍ وعطفٍ ورضى، لأن ربَّهُ في الملأ الأعلى، يستجيب له، فتنادي الملائكةُ زكريا (عليه السلام) وهو قائمٌ يصلِّي في المحراب: {يَازَكَريَا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلاَمٍ اسْمُهُ يَحْيَى لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا *} [مَريَم: 7].
إنه فيض العليِّ القدير، الرحيم الكريم، يُغدِقُه على عبده الذي دعاهُ في ضراعةٍ، وناجاهُ في خيفة، وكشف له عمّا يخشى، وتوجَّه إليه في ما يرجو. وكان في ذلك كله صادقَ النية، فأنعم عليه ربُّهُ تبارك وتعالى وأرضاه. وبشَّرته الملائكة بغلام، اسمه «يحيى». وهو اسم غير مسبوق إليه.
والله سبحانه لم يقف كرمُهُ عند حدّ الاستجابة، بل تخطَّاه إلى تبشير عبده الصالح بأنه سيرزقه الولد، وبأنه اختار اسم هذا الولد وفقاً لرغبة أبيه.
وهل كانت رغبة زكريا إلا أن تبقى العقيدة قائمة حيَّة، وهل اسم «يحيى» إلا ما يُشير إلى حياة تلك العقيدة وحاملها من بعد حافظها - سبحانه وتعالى ـ.
لقد اختارَ الله اسمَ الغلام ليدل على استجابته لعبده في نجواه، وليريَهُ من آياته الاختيارَ الفريدَ الذي لم يسبقه اختيارٌ في الأرض كلها، ومنذ وجود البشرية حتى ذلك التاريخ..
وتغمر زكريا حرارةُ الرحمة والفضل، ولكنه وهو يثق بوعد الله، يريد أن يعرفَ كيف يكون تحقيقه، وهو رجل شيخ، بلغ من الكِبَرِ عتياً، وامرأته عاقر في مثل سنِّه، ولم تلدْ له في فتوّته وصباه. فقال ليطمئنَّ قلبه: {...رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلاَمٌ وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا *} [مَريَم: 8].
ويأتيه الوحي بالاطمئنان: {قَالَ كَذَلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ} [مَريَم: 9].
نعم إنه أمر هيّن على الله وسهلٌ. وقد ذكَّر عبدهُ بمثلٍ قريبٍ في نفسه وهو إيجاده وخلقُه. وهو مثلٌ يُضربُ لكل كائنٍ حيٍّ، ولكل شيء في هذا الوجود، فقال عزّ وجلّ: {...وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئًا *} [مَريَم: 9]. إنه المثل الحيّ الناطق في كلِّ منَّا، فنحن جميعاً لم نكُ شيئاً قبل أن يريد الله سبحانه لنا الوجود لأنه ليس عنده - عزّ وجلّ - هيّن وصعبٌ في الخلق. إنها كلمة واحدة تقول للشيء: كن... فيكون...
ويشاء الشيخ أن يزيد اطمئناناً، فيطلب آيةً وعلامةً على تحقق البشرى فعلاً... ويعطيه الله سبحانه الآية التي تناسبُ الجوَّ النفسيّ الذي كان فيه الدعاءُ، وكانت فيه الاستجابةُ، ليؤدّيَ بها حقّ الشكر لله الذي وهبَهُ على الكبر غلاماً زكياً..
وتلك العلامةُ هي أن ينقطع زكريا (عليه السلام) عن الناس، ويحيا مع الله، ثلاث ليالٍ، لا ينطلق لسانُهُ إلاَّ بالتسبيح لربه، عازفاًً عن التكلّم إلى الناس أياً تكن شؤونهم وشجونهم، لأن الأمر يتعلق بمستقبلهم ومستقبل أبنائهم من خلال الحفاظ على شريعتهم. فكان قول الله له، عزَّ من قائل: {...آيَتُكَ أَلاَّ تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاَثَ لَيَالٍ سَوِيًّا *} [مَريَم: 10].
وكان ذلك!..
{فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرَابِ فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا *} [مَريَم: 11].
خرج زكريا (عليه السلام) يشير إلى الناس بأن يسبّحوا الله، ويشكروه على ما أنعمَ عليه وعليهم، ويحثهم على أن يعيشوا في مثل الجو الذي يعيش فيه، حتى يحسّوا معه رونقَ الإشراق، ويذوقوا حلاوةَ طعم العبادة والإيمان..
ويكون ما شاء العليُّ العظيم، ويولد يحيى، ليحمل الأمانة فيحيا فيها وتحيا هي فيه، حتى يكونَ من بعد زكريا من يواصلُ الدعوة إلى الحق، كي تظلَّ قائمةً على مرّ الدهور والأزمان.
فسلام الله على زكريا إنه كان عبداً نقياً تقيّاً.
amitriptylin 75 mg amitriptylin angst amitriptylin hund
ciloxan notice ciloxan bivirkninger ciloxan alkohol



Copyright © Samih Atef El-Zein 2010     VINTOB