قصص الانبياء في القرآن الكريم
الطبعة : الطبعة السابعة  
المؤلف : سميح عاطف الزين
عدد الصفحات :   692
تاريخ النشر :   2005




يونس (عليه السلام)

كان أهل نينوى في أرض الموصل من العراق، لا يختلفون عن غيرهم من الأمم الغابرة في المعتقد والتفكير، إلا بما انطوت عليه البيئة، أو فرضتهُ سُبُل العيش.. فقد عبدوا الأصنام، ووقعوا في حمأة الجهل والشِّرك، حتى قصّرتْ حياتهم الفكرية عن إدراك الحقائق السامية، والارتقاء إلى المُثُل العليا..
ولئن كانت حياة بني البشر في تلك الأزمان، قد قامت على الوثنية، إلاَّ أن الله سبحانه وتعالى، وهو خالق السماواتِ والأرض، وما فيهنَّ، لا يترك عباده يهيمون في مهاوي الضلالة والبغي، وفي دياجير الظلمة والضياع. فقد تجلَّت رحمته، وعظمت نعمته ببعث النبيّين والمرسَلين، هُداةً لأهل الأرض حتى يخلّصوهم من أوزارهم، فينعموا برضى الرؤوف الرحيم.
وحتى لا يكون لأهل نينوى حجّةٌ على خالقهم، كمثل أهل الأرض كلهم، فقد بعثَ فيهم نبيّاً، يحمل إليهم رسالةَ التوحيد، ويدلهم على طريق الإيمان الصحيح..
جاء نبيّ الله يونس (عليه السلام)، يدلي لبني قومه بحجَّةٍ ملؤها الحكمة والبيان، ويدفع ببيّنةٍ قوامها الدليل والبرهان.. جاء يُحذِّرهم من هوى النفس حتى يطيعوه، ويهديهم إلى الصراط المستقيم الذي إن اتَّبعوه قادهم إلى الفوز والفلاح.
اعتمد في دعوته على دلائل العقل والواقع، وعلى مشاعر النفس والوجدان.. فأراد للقوم أن يتفكَّروا بما هم عليه من الخَلق، وأن ينظروا إلى ما حولهم، فيدركوا بأن وراء هذا الكون خالقاً ومُدبّراً، ويؤمنوا بأن هذا الخالق واحدٌ لا شريك له، يختصُّ وحده بالعبادة، وله الأسماء الحسنى، وهو الملك القدوس العزيز الحكيم.
إنها دعوةٌ للعقول والقلوب. فمن شاء اهتدى وظفرَ، ومن جهلَ ضلّ وخسر.. وأخذ يذكِّرهم بأن الله قد بعثه رحمةً لهم، ورأفة بهم، كي يدلَّهم على آثار رحمة ربّه التي هي كفيلةٌ بأن تهديَهم إلى نِعَمه وآلائه، وإلى حقيقة تقديره وتدبيره. فاستَمَعَ القومُ ليونس (عليه السلام)، وهو يقول كلاماً لم يألفوه من قبل..
ولكنهم دُهشوا وهو يدعوهم لعبادة إله لا يرونه، وذُهِلوا وهو يُسفِّه الآلهة التي كانوا يعكفون عليها مثل آبائهم وأجدادهم.. فلم يتقبَّلوا منه ذلك، وكبُر عليهم أن يكون هذا الداعية منهم وهو يخرج على المألوف من معتقداتهم، وينقم على الموروث من عاداتهم وتقاليدهم.. سيما وأن يونس كان من العامة فيهم، لا من ذوي الشأن والنفوذ..
استغرب أهل نينوى من هذا الرجل تنصيب نفسه رسولاً عليهم، مدَّعياً هدايتهم، فأظهروا له العداوة، وجاهروه بالسفاهة، وهم يقولون:
- هذيانٌ وبهتان ما تدَّعيه يا يونس.. أنتخلّى عما نشأنا عليه في الديار؟ إلى دينٍ ابتدعته وتريد أن تُجاهدنا فيه؟!..
رأى يونس (عليه السلام) أن يدفع التهمة التي يصمونه بها، وهم أولى بالاتهام بما يدّعون عليه زوراً وبهتاناً، فارتفع صوتُهُ مندّداً بجهالتهم وصرخ فيهم:
- يا قوم! ارفعوا غشاوة التقليد عن عيونكم، ومزِّقوا نسيج الأوهام عن عقولكم، وإنني كفيلٌ بأنَّكم ستجدونَ هذه الأصنام التي تتوجّهون إليها صباحَ مساءَ تافهة. إنكم تعتمدون عليها في قضاء الحاجات، وهي لا تدفع عنكم شرّاً، ولا تجلب لكم نفعاً.. إنها لا تشفي مريضاً، ولا تردُّ ضالاًّ. وهي لا تخلق مولوداً، ولا تُحيي ميّتاً.
يا قوم!.. ما لكم تُعرِضون عن دينٍ يأمر بتقويم أموركم، واستقامة أوضاعكم، ورفع أخلاقكم؟!.. وما بالكم ترفضون ما فيه صلاح الجماعة والفرد فيكم، وما يفضي بكم إلى شاطىء الأمان في حياتكم؟..
لقد شاء يونُس (عليه السلام) أن يجادلهم بالحقّ، وأن يُبيِّن لهم طريقَ الصواب، ولكنه لم يظفر منهم إلا بتعنّت الجاهلين. فقد أنكروا عليه دعوته، وراحوا يؤلِّبون القريب والبعيد، حتى يحقِّروه ويذمّوه. فها هُم يتعمدون النيل منه بالتهكُّم والسخرية، ويتقصَّدون أذيَّته بالاحتقار والإذلال. إنهم يريدون أن يُظهروه للملأ مناوئاً لمعتقداتهم بادّعاءٍ كاذب، وخارجاً على عاداتهم وتقاليدهم برأيٍ فاسد. وتمادَوا في محاولاتهم تلك حتى ينكفىء عنهم، إلا أنهم لم يفلحوا، لأنه ظلَّ يتحمَّل كلَّ ما يبدون وما يضمرون بصبر الحليم، وأناة الحكيم من أجل الدعوة إلى الله تعالى.. وكانوا كلما نزلوا في مهاوي الضلال زاده ذلك إيماناً وعزماً على إصلاحهم. ولجأ إلى التهديد والتحذير من سوء عاقبة ما يفعلون، وهو ينذرهم قائلاً:
- يا قوم! لقد دعوتكم ونصحت لكم، وما جادلتكم إلاَّ بالتي هي أحسن كما أوصاني ربي تعالى. فإن قبلتم دعوتي وأيقنتم بصدقها في قرارة نفوسكم فإنه الخير الذي أرجوه لكم والإيمان الذي ينجيكم، وإلاَّ فإني أنذركم عذاباً واقعاً، وبلاءً نازلاً، وهلاكاً قريباً سترون طلائعه، وستصل إليكم دلائله.
قالوا: يا يونس ما نحن بمستجيبين لدعوتك، ولا خائفين من وعيدك، فأْتِنا بما تعدنا إن كنت من الصادقين.
ولم يطق يونس صبراً عليهم، بعدما قطع منهم الرجاء وضاق بهم ذرعاً، فدعا الله تعالى أن ينزل عليهم العذاب علَّهم يرعوون، وإليه سبحانه يرجعون. ثم خرج من بين أظهرهم ليتنحّى عن مكان سخط الله وغضبه.. ولم يكد يبتعد قليلاً عن نينوى حتى وافت أهلها نُذُرُ العذاب، واقتربت منهم طلائع الهلاك. لقد اغبرَّ الجو حولهم، ونظروا إلى أنفسهم فوجدوا أن ألوانهم قد تغيَّرت ووجوههم قد تشوَّهت، فأخذهم الخوف، واستبد بهم القلق. وعندها فقط، ولمَّا رأوا ما حلَّ بهم، أيقنوا أن دعوةَ يونس (عليه السلام) هي حقّ، وإنذارَهُ صدق، وأنه سيصيبهم ما أصاب الأمم السالفة من الهلاك والدمار، فآمنوا بالله العليّ العظيم، واستغفروه، وتابوا إليه.. بل وخرجوا إلى شعاب الجبال وبطون الأودية يضرعون ويبكون، ويتوسلون إلى الله تبارك وتعالى أن يتقبَّل توبتهم، وأن يرفع عنهم العذاب. ووصلت بهم الحال إلى أن فرَّقوا الأمّهاتِ عن أطفالها، والإبلَ عن فصلانها، والأبقارَ عن عجولها، والأغنامَ عن حملانها.. وأعول الجميعُ لفراق الصغار والرضّع: فصاحت الأمهات، ورغت الإبل، وخارت البقر، وثغت الغنم، حتى تلاشت النفوس وصغرتْ، وذابت الغطرسة وامَّحتْ، ومرّت عليهم أوقاتٌ رهيبة.. ولكنها آلت إلى خيرٍ، فقد بسط الله تعالى عليهم جناحَ الرحمة ورفع عنهم سحائب النقمة، إذ كانوا في توبتهم صادقين، وفي إيمانهم خالصين لله رب العالمين. وبلغ من توبتهم أن بدأوا بردّ المظالم بينهم حتى أن الرجل كان يأتي الحجرَ وقد وضع عليه أساسَ بنيانه فيقتلعه ويردّه إلى صاحبه. وبذلك حبس الله عنهم العذاب، ورجعوا إلى دورهم آمنين مطمئنين، وودّوا أن يعود إليهم يونس (عليه السلام) ليعيش بينهم رسولاً ونبيّاً ومعلِّماً وإماماً.
يونس في بطن الحوت
ولكن يونس (عليه السلام) كان قد ذهب مُغاضباً عندما أصروا على كفرهم.. ورحل عندما بدأ الله بعذابهم.
وقد فارقهم وترك ديارهم طمعاً بأن يجدَ القومَ الذين يفهمون رسالته ويستجيبون لدعوته... وأخذ يضرب في الأرض، ويجدّ في السير حتى انتهى إلى البحر، وهناك وجد جماعة يعبرون، فسألهم أن يصحبوه معهم، ويحملوه في سفينتهم، فقبلوه على ارتياح للطفِ سؤاله، وإشراقةِ وجهه. وأنزلوه بينهم منزلاً كريماً ومقاماً عزيزاً. ولكنهم ما إن ابتعدوا عن الشاطىء وجاوزوا اليابسة، حتى هاجت الأمواج، وهبَّت الأعاصير، وتوقَّع الراكبون في السفينة سوء المصير، فزاغت منهم الأبصار، وبلغت القلوبُ الحناجر، وظنَّ كلٌّ منهم أنَّه هالك، وفي جوف البحر غارق. ففكروا بأمرهم فلم يجدوا سبيلاً إلى نجاتهم، إلاَّ أن يخفِّفوا من حمولتهم، فقالوا كيف؟.
واتفقوا على المساهمة فيما بينهم، فوقع السهم على يونس (عليه السلام) ... ولكنهم ضنُّوا به تكريماً لما رأوه منه. فعادوا للمساهمة وعاد السهم فوقع على يونس، فضنّوا به أيضاً نظراً لمكانته الرفيعة التي احتلها من نفوسهم. وكانت المرة الثالثة، ووقع السهم عليه دون غيره، فعلِمَ يونس أن هذا ما شاءه الله عزّ وجلّ، وأن من وراء ذلك سِرّاً، وأن لله في ذلك تدبيراً.. ثم أدرك أنه استعجل في تركه لقومه، قبل أن يأذن الله سبحانه له بالهجرة، لأن الأنبياء (عليهم السلام) كانوا عندما يداهمُ قومَهم العذاب، لا يخرجون من بين ظهرانَيْهم إلاَّ بأمر من الله العليم الخبير.
لقد كان على يونس (عليه السلام) أن ينتظر قضاء الله تعالى في بني قومه، بعد أن أوحى له ربُّهُ العزيز الحكيم أنه معذِّبهم بعد ثلاثة أيام. وعندما تذكّر ذلك، قام يدعو الله تعالى، ثم وقف على حافة السفينة، وألقى بنفسه في البحر، وهو يسلِّم أمره لرب العالمين. وفيما كانت الأمواج تقلّبه بين طياتها، وتحشره بدياجير ظلمائها إذا بحوتٍ ضخمٍ يدنو منه، ويبتلعه تحقيقاً لأمر الله تعالى الذي سخَّره لذلك، وأمره أن لا يأكل لحمه ولا يهشِّم عظمه لأنه نبيٌّ كريم تعجَّل في مفارقة قومه من غير أن يأذن الله تعالى له، فليكن في بطن الحوت فترة حتى يقضيَ الله أمراً كان مفعولاً.. ابتلعه الحوت وراح يشقُّ الأمواج ويهوي إلى الأعماق، فضاق صدرُ يونس (عليه السلام) وفزع إلى الله يستغيثه استغاثةَ الملهوف ولجأ إليه لجوء المكروب، فنادى في الظلمات: أن لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين. فاستجاب الله له دعاءه وأوحى إلى الحوت أن اصعدْ إلى سطح الماء، واقتربْ من الشاطىء، وألقِ بضيفك في العراء. فألقاه الحوتُ على الشاطىء سقيماً هزيلاً مريضاً عليلاً. فتلقاه الله برحمته الواسعة، وأنبت فوقَ رأسه شجرةً من يقطينٍ أكل من ثمرها واستظلَّ بورقها حتى بدأت تعودُ إليه العافية.
ولما استوى سليماً ورجع إلى سابق عهده، أوحى الله إليه أن ارجع إلى بلدك وموطن قومك وعشيرتك، فإنهم آمنوا فنفعهم الإيمان، ونبذوا الأصنام. وهم الآن يتحسَّسون مكانك ويرقبون مجيئك.
عاد يونس إلى قومه وحمد الله وشكره على نِعَمِه لأنه فارقهم وليس فيهم شاكرٌ للرحمن، وعاد إليهم وما فيهم إلا ألسنة تلهج بذكر ربِّ الأكوان.
سلام الله على يونس (عليه السلام) إنه كان من المرسلين المسبِّحين.
ولقد ذكر الله سبحانه وتعالى يونس في «سورة الأنبياء» فقال: {وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ *فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ *} [الأنبيَاء: 87-88](+).
وفي «سورة الصافات»
{وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ *إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ *فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ *فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ *فَلَوْلاَ أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ *لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ *فَنَبَذْنَاهُ بِالْعَرَاءِ وَهُوَ سَقِيمٌ *وَأَنْبَتْنَا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِنْ يَقْطِينٍ *وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِئَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ *فَآمَنُوا فَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ *} [الصَّافات: 139-148].
وفي «سورة يونس»
{فَلَوْلاَ كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلاَّ قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ *} [يُونس: 98].
cetirizin netdoktor cetirizin csepp cetirizin hund dosis
ciloxan notice kobhvorlangtid.site ciloxan alkohol



Copyright © Samih Atef El-Zein 2010     VINTOB