قصص الانبياء في القرآن الكريم
الطبعة : الطبعة السابعة  
المؤلف : سميح عاطف الزين
عدد الصفحات :   692
تاريخ النشر :   2005




الأنبياء بشر يتكاملون

قال الله تعالى في كتابه الكريم: {إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا *} [الإسرَاء: 9].
أي أنه يهدي إلى الطريق الذي هو أكثر استقامة، وإلى الكلمة التي هي أشدّ صواباً وأثراً..
ولولا القرآنُ الكريمُ لما عَرَفنا قصص الأنبياء على حقيقتها، بعيدة عن التفسيرات والتأويلات التي تعرَّضت لها. فوقع كثيرٌ من المفسرين، عن قصد أو غير قصد، بخطأ أدّى بهم إلى التحريف والتزييف بما يجافي سير الأنبياء، وأخلاقهم، وسلوكهم، وفق ما أبانها القرآن الكريم، الذي نزَّه رسُلَ الله وأظهرهم على حقيقتهم أئمة للهدى، يُحلِّقون في معارجَ من الكمال الخلقيّ، لا يمكن معه بحالٍ أن يقعوا في الخطأ، لأنَّ الله سبحانه وتعالى بعد أن اختارهم واجتباهم واصطفاهم عصمهم من الخطأ ليكونوا للناس، وخاصةً للمؤمنين، قدوةً يقتدى بهم، ويهتدى بهديهم.
وإذا كان الله تعالى يُعاتب أنبياءه أحياناً فقد كان ذلك من باب أنهم تركوا الأَوْلى وفعلوا ما دونه، وإن كان الذي فعلوه لا يُعَدّ ذنباً ولا جرماً.
ولمّا كان الأنبياء هم أكثرَ الناسٍ معرفة بالله جلَّ جلاله، فإن واجبهم يقتضيهم دائماً أن يشعروا بالتقصير في حقِّه سبحانه وتعالى، لأن الإنسانَ المؤمنَ العاديَّ يشعر أنه عاجز عن أداء شكر الله على نعمةٍ واحدة من نعمه حتى ولو استدام على الطاعة والعبادة آلاف السنين، فكيف بالأنبياء الذين تكون معرفتهم على قدرهم حتى أنهم ليجدون أنفسهم مقصِّرين بالشكر عما يستحقه الله الوهاب الكريم الذي بعثهم بالنبوَّة..
إن خاتم النبيين وسيد المرسلين، سيدنا محمداً (صلى الله عليه وآله وسلم) حين نزلت عليه هذه الآية من سورة النصر: {فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا *} [النّصر: 3] سُئل: أتستغفر يا رسول الله وقد غفر الله لك ما تقدَّم من ذنبك وما تأخَّر؟. فقال (صلى الله عليه وآله وسلم) : «أوليس أكون عبداً شكوراً؟» ..
فاستغفار الأنبياء شكر، وشعور منهم بأنهم مقصِّرون بحقّ المنعم الغفور العليم.. فهذا هو معنى ذنوب الأنبياء صلوات الله عليهم أجمعين.
وإذا أردنا أن نعرض لشيء من التحريف، أو نتعرَّف إلى الإدخال المصطنع الذي أتَتْ به الإسرائيليات، فإننا لا نقع إلا على أمثلة من تأويلات المؤوّلين، وتفسيرات المفسّرين، وهي كما سيتبيّن تُعبّر عن الهوى أكثر مما تدلُّ على العقلانية، وتوافق المقاصدَ الخبيثةَ بدلاً من التدليل على الحقيقة القرآنية. ومن تلك الأمثلة ما يلي:
أولاً: حادث المَلكين مع النبيّ داود (عليه السلام)
زعموا أن داود (عليه السلام) اشتهى امرأةً كانت لأحد قادته، أوريا بن حيّان. ولكي يصل إلى تلك المرأة، بعث بزوجها ليشنَّ حملةً كان يعرفُ من قبلُ أنها خاسرة لا محالة، وأن أوريا سوف يقتل فيها، فيكون له ما أراد. واعتمد المفسّرون، للتدليل على هذه الحادثة، تأويلاً، مليئاً بالشطط، للآيات القرآنية الكريمة التالية:
{وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ *إِذْ دَخَلُوا عَلَى دَاوُودَ فَفَزِعَ مِنْهُمْ قَالُوا لاَ تَخَفْ خَصْمَانِ بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ فَاحْكُمْ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَلاَ تُشْطِطْ وَاهْدِنَا إِلَى سَوَاءِ الصِّرَاطِ *إِنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِي نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ *قَالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَى نِعَاجِهِ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْخُلَطَاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَا هُمْ وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ *فَغَفَرْنَا لَهُ ذَلِكَ وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ *} [ص: 21-25].
فقالوا: إن داود (عليه السلام) كان متزوجاً من تسع وتسعين امرأة (تسع وتسعون نعجة) إذ النعجةُ في اللغة العربية هي الأنثى من الضأن والظباء والبقر الوحشيّ. وكانت العرب تكنّي بالنعجة أو الشاة عن المرأة. وعليه تكون كنية النعجة هي لزوجة أوريا، الذي تعمّد نبيّ الله - والعياذ بالله - قذفه في أتون المعركة، حتى يظفر بزوجته. وهذا يعني أن داود ارتكب جريمة قتل عن سابق تصوّر وتصميم، اندفاعاً وراء شهواته، غيرَ مُكترث لقيم، أو هيّاب لمبادىء، أو مُراعٍ لحرمات. وبالأخص حرمة أحد المقرَّبين منه.
فانظر أيها القارىء الكريم أيّ مستوى أنزلوا إليه الأنبياء. وقد تمادوا فقالوا: إن استغفار داود لربّه كان عن ذلك الذنب العظيم - قتل أوريا - وأن الله سبحانه وتعالى قد غَفَر له..
فكيف نوازن بين غفران الله لداود وبين قوله في محكم كتابه الكريم: {أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا} [المَائدة: 32].
ونحن هنا أمام واحدة من حقيقتين:
- إمّا أن الله سبحانه وتعالى يجعل للحادثة الواحدة حكمين: فيقبلُ من داود (عليه السلام) أن يقتل نفساً ثم يغفر له، ويعود في موضع آخر فيقول بأن من قتل نفساً فكأنّما قتل الناس جميعاً، وحاشَ لله تعالى، وإننا نستغفره إن زلَّ بنا اللسان أو هفا بنا الجنان..
- وإما أن يكون داود (عليه السلام) قد قام بعملٍ أو قولٍ غير القتل، وهذا العمل أو القول قابل للغفران، فغفر الله له. وهذا أقرب إلى المنطق، وإلى الإيمان بقدسية كلمة الله، وبأنه سبحانه هو الحق..
هنا لا بد من العودة قليلاً إلى قصَّة داود (عليه السلام) : فقد رأينا أن وجود الملكين في مجلسه، وفي ظرف لم يكن يستقبل فيه أحداً، قد جعل قلبه يهلع خوفاً، ويؤدّي به هذا الخوف لإصدار حكم على غير الموازين الشرعية بنظرنا القاصر، لأنه استمع لأحد الخصمين، ونطق بالحكم قبل أن يسمعَ بيان الخصم الآخر. إلاّ أن هذا الحكم، لم يؤتِ مفاعيله بعد، فإنَّهُ لم يَضُرّ بأحد الخصمين. ذلك أن داود (عليه السلام) قد رجع فوراً عن حكمه، بعدما أعلن الخصم الآخر أنَّه لم يُبْد ادّعاءه، فانتبه داود (عليه السلام) لنفسه، وعادَ فاستمعَ إليه، ثم أعلن الحكم العادل بينهما، وخرَّ راكعاً لله، منيباً تائباً، عمّا سوَّلت له نفسه من خوفٍ أوقعه في سرعة الحكم.
مثل هذا التقصير بفعل الأَوْلى - إذا صحَّ أن نسمّيه ذنباً، مع أنه في حقيقته بلاء من الله تعالى ليبنيَ على أساسه إحدى قواعد العدل بين الناس - حين اقترفهُ داود (عليه السلام) كان قابلاً للغفران، خاصةً كما قلنا، بأن الحقيقة قد ظهرتْ وأنصف داود (عليه السلام) المتخاصمين بأن أعطى كلَّ ذي حقٍّ حقَّه. ولمَّا كان في ظنِّه أنه فُتِنَ، فقد نَدِمَ على ما فعلهُ. ولشدَّة ندامته وضراعتِه، ولكثرة استغفاره، غفر الله له، وأنعم عليه بالزلفى وحسن المآب... ولم يقف استغفار داود (عليه السلام) عند حدّ الركوع والإنابة، ولا عند حدّ التذلُّل والضراعة، بل عَكَفَ، طوال عمره، على الصيام، يقوم به يوماً، وينقطع عنه يوماً، كما هو ثابتٌ في حديثٍ عن الرسول الأعظم محمد بن عبد الله (صلى الله عليه وآله وسلم) إذا قال: «أفضلُ الصيام صيامُ داود، كان يصوم يوماً ويفطر يوماً» (+). ومن فرط ندمِه على ما جنحت إليه نفسه، كانت قراءته للزبور مناجاةً، يبكي فيها نفسه، فيُبكي معه الكائنات من جبل وشجر وطير وإنسان، وهي تردّد صوته، فيتلاقى صداه مع صدى أصواتها في الأودية والجبال والسهول والغدران...
إن داود (عليه السلام) هذا الإنسان الذي تذوب نفسهُ حسرةً من خوفٍ داخلَهُ وجعله ينطق بذلك الحكم، وترقّ حالُه بعدلٍ ظنَّ أنه لم يؤمّنّه، فيروح يركعُ، ويسجدُ، مستغيثاً من هوى النفس، مستجيراً بالله الرحيم، وينوح وفي نفسه ألمٌ، ويبكي وفي ضميره إشفاقٌ، ويناجي ربَّه طالباً الغفران والرحمة.. هذا الإنسان الذي يذوب من خشية الله تعالى، هل يمكن أن يجعل جمال امرأة، مهما كانت عليه من الفتنة، أو مهما بلغت من السحر، يطغى عليه، ويترك جمال طاعة الله والسعادة في اللجوء إلى أمانه؟!
وهل يعقل أن يكون عبداً لغرائزه، وهو صاحبُ النيَّة النقيّة، والنفس الشفافة، التي ترتفعُ عن دنيا الأرض، وتصعدُ في معارج السماء لحناً، وشدواً، وبكاءً، لا ترى إلا جمال طاعة الله، ولا تروم إلاَّ حبّه ونجواه؟!..
إن صفات داود (عليه السلام)، وخصائصه، وهي أنعمٌ من الله تعالى موهوبةٌ له، لا يُمكنُ أن تعرِّضه للوقوع في الخطيئة، التي تجعله يقدم على ارتكاب القتل من أجل إشباع شهوة. وإن في قول أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب كرَّم الله وجهه وهو إمام العارفين، لأكبرَ دليل على تسفيه الإسرائيليات التي حاولتْ أن تُلصِق بداود (عليه السلام)، وهو نبيٌّ مكرَّمٌ، تهمةً رعناءَ، عاريةً عن الصحة والحقيقة. فقد رويَ أنه قال: «لا أُوتى برجل يزعمُ أن داود (عليه السلام) تزوَّج امرأة أوريا إلاّ جلدته حدّين: حدّاً للنبوّة وحدّاً للإسلام».
وأخيراً نتساءلُ، وبكل بساطة: لماذا يمتنعُ أن يكون الداخلان على داود خصمين من الناس. وإذا أردنا أن نجزم بأنهما ملكان من عند الله تعالى، وبأنهما جاءا داود في امتحان من الله سبحانه وتعالى، والله يختبرُ أنبياءه بالابتلاء حتى يُظهِرَ للناس مكانتهم، فلماذا لا نجزم بأن موضوع الخصومة كان نعاجاً، وأن ذكرها يجب أن يحمل على الحقيقة دون الكناية؟.
ثم هل يعقل لرجل واحد عادل، ومهما كانت قدراته أو صفاته أن يتزوَّج تسعاً وتسعين امرأة، يعيشُ معهنَّ، ثم لا يكتفي فيطلب المرأة المائة؟!..
سؤال إجابته بالبداهة نفيٌ قاطع.
ثانياً: حادثة الخيل في حياة سليمان والردّ على بعض الإسرائيليات
وَرَدَ في «سورة ص» من القرآن الكريم: {وَوَهَبْنَا لِدَاوُودَ سُلَيْمَانَ نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ *إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ الصَّافِنَاتُ الْجِيَادُ *فَقَالَ إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ *رُدُّوهَا عَلَيَّ فَطَفِقَ مَسْحًا بِالسُّوقِ وَالأَعْنَاقِ *وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا ثُمَّ أَنَابَ *قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لاَ يَنْبَغِي لأَِحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ *فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً حَيْثُ أَصَابَ *وَالشَّيْاطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ *وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الأَصْفَادِ *هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ *وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ *} [ص: 30-40].
زعموا في تفسير هذه الحادثة أن سليمان (عليه السلام) كان يُحبّ الخيل كثيراً، وزادَ في حبّه لها، أنه كان يستخدمها في الجهاد والقتال. وذات يوم رأى أن يستعرض الصافنات الجياد، أي الخيل الكريمة السريعة العدو، الواسعة الخطى، فانشغل بها حتى نسيَ صلاة العصر، وكانت الشمس قد توارت في الحجاب (المغيب). ولمّا تذكَّر أنَّه لم يُصلِّ، غَضِب وحنق وقال: إني أحببتُ حب الخير (حبَّ الخيل لأنها السبيل إلى الخير أي إلى الجهاد) عن ذكر ربي، حتى ألهاني هذا الحب عن القيام بصلاتي. ردّوها عليّ. فلما جاؤوه بها أمسك السيف وراح يُقطِّع سيقانها وأعناقها حتى قتلها جميعاً...
هذه الرواية إن هي إلا تفسيراتٌ إسرائيلية، وتأويلاتٌ لا سندَ لها. ويكفي لدحضها أن نذكر قصة سليمان (عليه السلام) مع النمل حتى نرى كم كان هذا النَّبيّ الكريم بعيداً عن إنزال الأذى بأصغر مخلوقات الله.
فقد حشد سليمان (عليه السلام) جيشاً من الإنس والجن والطير، فهم يوزعون - للتدليل على الموكب العظيم والحشد الكبير لئلا يتفرَّق وتدبّ فيه الفوضى - حتى إذا أتى وادي النمل قالت نملةٌ: {...يَاأَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لاَ يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ *} [النَّمل: 18].
إن هذه الحادثة قد وردت في القرآن الكريم، فلا من رادٍّ لها، أو من قادر على نفيها... وهي تدلُّنا على أن سليمان (عليه السلام) قد امتلأ قلبُه سروراً وهو يسمعُ النملة تنادي أصحابها للدخول إلى مساكنهم حتى لا يُقتلوا بسنابك خيل سليمان وجنوده، وهم لا يعلمون بوجودهم. فهذا التعبير القرآنيّ: {...وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ *} [النَّمل: 18] يؤكد أن سليمان (عليه السلام) لو عرف، أو شعر بوجود النمل لأوقف جيشه عن السير حتى لا يؤذيه.
... ويبرز سليمان (عليه السلام) في حادثة النمل إنساناً أبعد ما يكون عن إتيان الظلم، وهو يبتهلُ إلى الله، شاكراً له تلك النعمة الكبيرة التي جعلته يعرف لغة الحشرات، حتى كانت تلك المعرفة سبيلاً لعدم ظلمه بقتلها عن غير قصد. فهذا الربطُ بين المعرفة التي أوتيها وبين الغاية منها، لا يقفُ عند حدّ البعد عن الظلم، ولو لكائنات صغيرة من خلق الله، بل يتواصلُ في دعائه ألاَّ يعملَ إلا صالحاً يرضاه الله. وأن يدخله الله برحمته وفي عداد عباده الصالحين.
فإذا كان سليمان (عليه السلام) لا يُقدم على قتل نملة في واد، فالأَوْلى به ألاَّ يُقدم على قتل الخيل، وهي خيرٌ له.. وعليه فإن تفسير الحادثة يكون بأن سليمان (عليه السلام) عندما شغلَه عن صلاته اهتمامه بالخيل، غضب من نفسه لتأخير الواجب الإلهيّ، ودفعهُ غضبهُ لأن يضربَ الخيل على سيقانها وأعناقها بيديه أو بسوط كان بيده، يطردها برفق من أمامه بعدما ألهته عن ذكر الله. ويمكن أن يكون الأمر مطوياً على حبّه لبعض الجياد، وهي التي كان يأنس بالنظر إليها ومداعبتها، فلما أن توارت الشمس وتذكّر أنه لم يؤدِّ صلاته، طلب إبعادها عنه، وإلا فما معنى قوله: «ردُّوها عليّ» وعندما عادت طفق يمسح على سوقها وأعناقها بكلتا يديه في تلمسه الأخير لها، قبل أن يتخلى عنها بصورةٍ نهائيةٍ لا رجعة فيها، حتى لا يقع في نسيان طاعة الله، فينسى الصلاة مرة أخرى. ولذلك عَقَد عزمه على ألاَّ تكون له مركباً بعد ذلك اليوم.
ومن هنا يأتي السياق القرآنيّ، فيكمل الحادثة ويرينا أن سليمان (عليه السلام) من شدَّة الأسى الذي لازمه لعدم قيامه بفريضة صلاةٍ واحدة في وقتها قد امتنع عن الطعام والشراب حتى نحَل جسدهُ، وهزَلَ بدنه، فصار جسداً ملقى على كرسيه، لا يقدر على الحركة إلا بشقِّ النفس!.
ويورد بعض المفسّرين - في هذا الأمر بالذات، أي عندما بات هزيلاً، نحيلاً، يلقي نفسه على كرسيّه - أن سليمان (عليه السلام) كان يطوف على الناس داعياً الفرسان للجهاد في سبيل الله. ولعلَّه قد سعى لغرضه هذا دون أن يبديَ توكُّلاً على الله أو اعتماداً عليه، فكان أن امتنع الرجال عنه، ولم يستجب لندائه إلا امرأةٌ أتته بشقِّ رجل - أي كسيح مشلول - وألقته على كرسيّه. فَعَرَف سليمان أنه فُتِنَ عن ذكر الله، لأنه لم يتوكَّل على الله ولم يقلْ: «إن شاء الله»، عندما خرج في تجواله ومناداته للفرسان. فكانت هذه الفتنةُ سبباً لآلام برَّحت جسده، وألقته في عذابٍ نفسيّ شديد.
وسواء كان الجسد الملقى على كرسيّ سليمان، هو سليمان نفسه لشدَّة عذابه وآلامه، أم كان شِقَّ رجل أتت به امرأة، فمما لا شك فيه أن سليمان (عليه السلام) قد وقع في أَزْمَةٍ نفسية، جعلتْه يندمُ كثيراً، ويتوب إلى الله مستغفراً مُنيباً. فيدعو الله أن يغفر له، وأن لا يؤاخذه على ما سلف منه - وهذا هو عتاب الأنبياء (عليهم السلام) عندما يتركون الأَوْلى. فالنبي سليمان (عليه السلام)، وفي كل ما فعله، كان جاداً في سبيل الله ومن أجل مرضاته. فلماذا يداخلُ بعضَ المفسّرين هذا الوهمُ وأمثالُه من الظنون التي تنال من مراتب الأنبياء؟ فرجوعه عن ذلك، وتحميله لهوى النفس جريرةَ ما حصل، ثم اندفاعُهُ كليةً إلى الله بالدعاء والإنابة والاستغفار، كل ذلك أتاح له استجابةً عند الله، فغفرَ له وأثابه ملكاً لا ينبغي لأحدٍ من بعده.
وكان الثواب هبةً لا يحلمُ بها بشريٌّ على وجه الأرض، إذ سخَّر الله له الريحَ تجري بأمره أينما أراد، معوّضاً له عن استعمال الخيل كأدوات للجهاد. وسخَّر له الجانَّ يُقيمون له ما يريده من صناعة أو بناء أو أعمال، أو يأتونه بالخيرات من قعر البحار، كي يبنيَ ملكاً لم يعرفه أحدٌ من قبل... فهل هذا الجزاء كلّه يُعطيه الله للعاصي المذنب المخالف لأمره؟. ما بال الناس يذهب الشيطانُ بأحلامهم؟. وهكذا يبدو جليّاً أن الله - سبحانه وتعالى - إنّما يبتلي الأنبياء بالذات في أنفسهم، حتى يكونوا قدوةً للناس. فالله تعالى قد ابتلى آدم (عليه السلام) بمعصية ابنه قابيل وقتلِهِ لأخيه هابيل. وابتلى أبا الأنبياء إبراهيم (عليه السلام) بأكثرَ من محنة، وكان البلاء العظيم عندما تلقَّى الأمر من ربه تعالى بأن يذبح ولده إسماعيل (عليه السلام). ونوح ابتليَ بخيانة زوجه وكفر ابنه. ولوط ابتليَ بخيانة زوجته. وأيوب ابتليَ بالمرض العضال لسنين عديدة وبفقدان الأولاد والمال. ويعقوب ابتلي بإبعاد ابنه يوسف عنه. ويوسف كان بلاؤه عظيماً من إخوته ومن نسوة مصر.. مما يدل أن كل نبيّ كان له ابتلاء معين، وذلك للتأكيد على أن الحياة هي ابتلاء للإنسان، وعليه الصبر والإنابة لربه تعالى.
وكان كل نبيّ ما إن يُبتلى بمحنة أو بفتنة حتى يرتدّ على نفسه معاتباً، ثم يلجأ إلى الله تائباً، منيباً مستغفراً. وهذه هي الغايةُ من تلك المحن أو الفتن... فالإنسان العاديّ معرَّضٌ في كل وقت للخطأ. فإن أدرك خطأهُ، وتابَ إلى بارِئه، فإن الله توّابٌ رحيمٌ، يغفر له ما ارتكب. وإن تمادى في الغيّ، وفي الضلال، فإن الله شديدُ العقاب.
هذا ما تبسطه لنا هذه الحوادثُ عن رُسُل الله ببداهة، ليدفعنا خطأنا حين نقع فيه للجوء إلى الله واستغفاره والتوبة إليه.
وإن سرّ الابتلاء القائم على الاستغفار والإنابة من جانب العبد والذي تقابله، ولا ريب، رحمة الله تعالى ورأفته بالعباد، قد غاب عن البعض الذين أمعنوا في الضلال فراحوا يؤوّلون آياتِ الله بحسب أهوائهم، ويستعملون التزوير في القصص القرآنيّ، والتحريف في مدلولاته. ففي قصة الجسد الذي أُلقي على كرسيّ سليمان (عليه السلام)، زعم هؤلاء المحرِّفون أن سليمان (عليه السلام) تزوَّج امرأةً مشركةً ولم يستطع أن يحملها على التوحيد بالله. فعبدت الصنم في داره لمدة أربعين يوماً. وبوجودها في بيته جاءه شيطان اسمه حقيقٌ راحَ يُزيّن له الهوى، فاستطاب سليمان (عليه السلام) لقاءه، واستعذب حديثه، فسأله مرَّةً: كيف تفتنُ الناسَ يا حقيق؟.
فضحك الشيطان وقال له: أعطني الخاتم الذي بيدك، أدُلَّك على الطريق الذي أسلكه في الغواية.
وناوله سليمان (عليه السلام) خاتمهُ، فإذا بالشيطان يقذفه بالبحر. وما إن اختفى الخاتم حتى ذهب الملكُ عن سليمان (عليه السلام) وجلس الشيطان حقيقٌ مكانه على الكرسيّ. فكان في تفسيرهم أنه هو الجسد الذي أُلقي على كرسيّه.
ويتابع الغاوون تضليلهم فيقولون: وكان الناس يَرون حقيقاً ويحسبونه سليمان (عليه السلام) .. إلاَّ أن الله مَنَعَهُ نساء سليمان (عليه السلام) فلم يقربهنّ. وكان سليمان (عليه السلام) قد نُبِذَ، حتى لم يَعُد يُطعَمُ إذا استطعم. وظلَّ على هذه الحال مدَّة من الزمن. فجاء يومٌ وأعطته امرأةٌ حوتاً (سمكة)، فشقَّ بطنه وإذا خاتمه في جوفه فَرُدَّ عليه ملكُهُ، وطَرَد الشيطان.
لله ما هذا الانحطاطُ الفكريّ، والتضليلُ العقليّ، والدَّسُّ الخبيث، والجرأةُ على أنبياء الله وصفوة خلقه!.وهل بلغت النبوَّة هذا الحدّ حتى تكون قائمةً على خاتم في يد، إن ضاعَ ضاعتْ، فلا نبوَّة ولا أنبياء، وإن وجد عادت النبوَّة إلى صاحبها وعاد المُلك الذي لم يكن لأحدٍ من قبل سليمان ولا من بعده، بما أُوتيَ فيه من هبات الله وعطاياه؟!..
هل يجوز لمؤمن، أو لأيِّ إنسان مهما كان مُعتقدُهُ، أن يتصوَّر بأن الله سبحانه وتعالى يتيحُ للشيطان مجالاً كي يتمثَّلَ بصورة نبيّ، فيجلس على كرسيّه، ويحكم ويفصل بين الناس بالعدل والحق؟ إذن أين الغاية من الرسالات السماوية التي تقوم على تهذيب النفس الإنسانية، وتقويم الأخلاق، واتِّباع طريق الحقّ والخير والهداية، وأين رحمة الله ورأفتُهُ بعباده؟!..
إنه تصوُّرٌ أخرق ولا شكَّ. ولا نظنُّ أن مكابراً مهما بَلَغَ في مكابرته أو عناده يقبلُ بمثل تلك التأويلات.. إنها زور وقح، وبهتان فاضح، وُضِعَ لغاياتٍ خبيثة لا يُراد منها إلا الدَّسُّ لانتهاك حرماتِ الله وقُدسِ أقداسه..
عصمة الأنبياء (عليهما السلام)
ونعود إلى أول الحديث فنقول بأن سير الأنبياء، وقصص حياتهم، قد تعرَّضت، قبل بعثة النبيّ محمد (صلى الله عليه وآله وسلم)، لعبث العابثين، وتضليل المضلّلين، لدرجةٍ لم تحفظ للأنبياء وقارهم، ولم تُقدّر عصمتهم. فأين عصمة الأنبياء من ذلك التضليل، وهي كفيلةٌ بأن تمنع عنهم ارتكاب الأخطاء؟.
... فعصمة الرسل تتعلَّق بالعقيدة. ودليل هذه العصمة عقليٌّ قبل أن يكون نقليّاً. فحتى نقول أو نوقن بأن هذا الإنسان هو نبيٌّ ورسولٌ لا بدَّ أن تكون لنا القناعة العقلية على صدق النبوَّة والرسالة، ومتى تحقَّق ذلك كانت له العصمة.
فالنبيّ الرسولُ مُكلَّف بالتبليغ عن الله سبحانه وتعالى. وهذا يعني أنه معصومٌ في هذا التبليغ، وممنوعٌ عليه النقل بأقلِّ تحريف، إذ لو تطرَّق الخللُ إلى إمكانية عدم العصمة في مسألة واحدة لتطرَّق الخلل إلى جميع المسائل التي يُبلِّغها، وحينئذٍ تنهار الرسالة، وتنهار النبوَّة كلها. فثبوت أن هذا الشخص نبيٌّ لله، وأنه رسولٌ من عند الله، يعني أنَّه معصوم في ما يُبلّغه عن الله. وعصمته حتمية، والكفرُ بها كفرٌ بالرسالة التي جاء بها. وعليه فإن من المميّزات أو الصفات التي يُحتّم العقلُ وجودها في كل نبيّ رسولٍ أن يكون بعيداً عن الخطأ في ما يُبلِّغ.
أمّا عصمة الأنبياء والرُّسل عن الأفعال المخالفة لأوامر الله ونواهيه، فالدليل العقليُّ قائم على أن النبي معصومٌ من الكبائر والصغائر حتماً، فلا يفعلُ الصغائر ولا الكبائر مطلقاً، لأن فعل أية صغيرة يعني ارتكابَ المعصية. والطاعة في الأصل لا تتجزأ، وهكذا المعصية أيضاً لا تتجزّأ.
فإذا تطرَّقت المعصية إلى العمل، تطرَّقت إلى التبليغ، وهذا ما يُناقض النبوَّة والرسالة. وما دام الأنبياء والرّسل معصومين في التبليغ عن الله، فإنهم ولا شك معصومون من الكبائر والصغائر.
أمّا العصمة من الصغائر، فقد اختلف العلماء بشأنها. فمنهم من قال إنهم غير معصومين منها لأنها ليست معصية، ومنهم من قال بأنهم معصومون منها لأنها معصية بحدّ ذاتها.
والحقّ أن كل ما كان مطلوباً فعله، أو مطلوباً تركه، فهم معصومون في فعله وفي تركه، أما ما كان لهم حرية الاختيار فيه من المباحات فيجب أن يكون على أعلى مستوى من التقدير الشخصيّ. وهذا ما يسمى: من باب الأَوْلى لهم تركه، أو: من باب الأَوْلى لهم عمله، لأنهم القدوة والأسوة الحسنة لبني البشر. وهذا ما يحتّمه العقل والمنطق، إذ إن القائد يظلّ دوماً الرائد في العمل.
والرسل (عليهم السلام) يجري عليهم ما يجري على سائر البشر من رضى وغضب وخوف، وما إلى ذلك من الانفعالات النفسية، أو من مظاهر العواطف الإنسانية. ولكنهم يختلفون عن سائر الناس بأن الانفعالات أو العواطف لا تثور فيهم من أجل أغراض ذاتيَّة أو أنانيَّة، بل من أجل المهام التي نُدبوا لها، وفي سبيل الله ومرضاته.
فمثلاً، الخوف هو مظهر من مظاهر غريزة حب البقاء، ولما كان كذلك فإنه يعتري جميع الناس، بمن فيهم الأنبياء. ولكن هذا الخوف تختلف مفاهيمه باختلاف بواعثه وغاياته، وباختلاف التركيب البيولوجيّ والنفسانيّ عند الإنسان. ويبرز الخوف في معناه النفسيِّ التربويِّ بوجوه ثلاثة: فالبعض يخاف نفسه ويخاف الناس، من خلال علاقاته الشخصية والاجتماعية. والبعض الآخر يخاف الله. ومنهم من يخاف الناس ويخاف الله في علاقاته الشخصية والاجتماعية والروحية. وهذا البعض الأخير، منه ما يغلّب خوف الناس على خوف الله، ومنه ما يغلّب خوف الله على كل خوف.
والرسل وهم بشرٌ، هم من الفئة الصالحة التي تُغلِّبُ خوف الله وحدهُ. لأنهم هم الذين يُبلِّغون رسالات الله ويخشونه، ولا يخشون أحداً إلا الله.
وما خوف داود (عليه السلام) وهو في مجلس القضاء إلا برهان على خشية الله، لأن الحاكم مأمورٌ بالعدل والإنصاف، وإلا كان مؤاخذاً من الناس، ومن الله.
وما قلناه عن الخوف، قد ينطبق في قليل أو كثير على الغضب عند الأنبياء. والمشاعرُ التي تُظهر الغضبَ منها ما هو محمودٌ، ومنها ما هو مذموم. فالغضب المذموم ما كان في غير الحق. أما محموده فهو ما كان في جانب الخير الخاص والعام، ومن أجل الدين.
وليست الخلائق وحدها هي التي تغضب، فالله سبحانه وتعالى، وهو الخالق لكل الكائنات، يغضبُ. ويظهر غضبُهُ في سَخَطه على من عصاهُ، وفي عذابه لمن أضرَّ بخلائقه.
فإذا كان الله سبحانه وتعالى يغضبُ، فهل غريبٌ أن يغضب الأنبياء؟ ومتى كان غضب الأنبياء إلا في سبيل الله، ومن أجل طاعته ومرضاته؟.
نعم، إن الأنبياء يغضبون، ولم تخلُ حياة نبيٍّ من غضب، لأنَّ المهامَّ التي نُدبوا لها من الله تعالى كانت تصطدم دوماً بالتكذيب والإنكار فوق ما يرافقها من الصعاب والشدائد..
وإذا أردنا أن نعطيَ أمثلة عن غضب الأنبياء، فإنها كثيرة، ولكننا نكتفي ببعضٍ منها دلالةً وتعبيراً: {وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ *} [الأنبيَاء: 87]. (النون هو الحوت) وذو النون، أي صاحبه، هو النبيّ يونس بن متّى (عليه السلام).
وروي أنَّ عيسى (عليه السلام) صعد إلى أورشليم، في وقت قَرُبَ فيه الفصحُ عند اليهود، فوجد في الهيكل باعة البقر والخراف والحمام والصيارفة على موائدهم، فصنع سوطاً من الحبال وأخرج الجميع من الهيكل مع حيواناتهم وطيورهم، ونثَر دراهم الصيارفة وقلَب الموائد. وقال لباعة الحمام: ارفعوا هذه من هنا ولا تجعلوا بيتَ الله بيتَ تجارة. لقد غضب عيسى (عليه السلام) من هؤلاء القوم الذين جعلوا بيت الصلاة بيتاً للتجارة، فكان غضبه في سبيل الله..
ويأتي في هذا السياق غضبُ النبيّ محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) في حادثة العسل. فقد كان من عادته (صلى الله عليه وآله وسلم) أن يشرب العسل المُذاب بالماء عندما يكون عند زوجه زينب بنت جحش. وساء ذلك اثنتين من نسائه، فاجتمعتا واتَّفقتا على أن تُكرِّها إليه المكوث عند تلك الزوجة. ورأتا أن يكون شرابُ العسل الذي يتناوله هو السبيلَ لتلك الكراهية، فتواصتا أن تقول كلٌّ منهما للنبيّ عندما يدخل عليها: «إني اشمّ منك رائحة المغافير يا رسول الله» (والمغافير هو صمغٌ كريه الرائحة). وهكذا نفَّذت الزوجتان ما تواصتا عليه، فقالت كل واحدة منهما عندما دخل بيتها: ما هذه الرائحة يا رسول الله أأكلت المغافير؟.
وبدون أن تكون لديه أية أبعاد عن طرح هذا السؤال، كان عليه الصلاة والسلام يردُّ على كل واحدة: لا، بل شربتُ عسلاً.
ولكنَّ إحداهما زادت إصراراً فقالت: يبدو أنك يا رسول الله تشربُ العسل الذي امتصّته النحلة من العرفط (المغافير)؟ وهنا تذكر (صلى الله عليه وآله وسلم) رائحة المغافير وقال: لا أطعمُهُ بعد اليوم أبداً. وحرَّمه على نفسه..
فتحريم العسل لرائحته، لم يكن في سبيل نفسه، بل في سبيل الله. فهو يأنف إلاَّ أن يكون طيّب الرائحة وهو يؤدّي الصلاة، وعندما يلاقي جبرائيل (عليه السلام). وإنه بطبعه لا يحبّ أن ينفِّر الناس من رائحة تنبعث منه..
والحقيقة البعيدة عن التأويل، أن النبيَّ (صلى الله عليه وآله وسلم) فعل ذلك ليضرب مثلاً رائعاً في السلوك الاجتماعيّ والعلاقة الزوجية، إلى جانب أنه يعرف أكثر مما نعرف أن وراء القصة أشياءَ غير المغافير لأنه لم يشمَّ هو رائحة المغافير من قبل، ولم يتذوَّق طعمها. وهو على كل حال يحرّم ذلك على نفسه بانتظار ما سوف يتنزَّل عليه من حكم من لدن ربه تعالى، مما تجده في بقية القصة من «سورة التحريم». فما هذا السلوكُ النبويُّ العظيم؟.
فالإسلام هو طلبٌ من الله سبحانه وتعالى، والطلبُ يتضمَّن معنى الأمر والنهي. والأمر يكون وجوبياً أو استحبابياً. فحتى يكون الأمر وجوبيّاً، يجب أن تكون هناك قرينة تدل عليه كقوله تعالى: {وَأَقِيمُوا الصَّلاَةَ} [النُّور: 56]. ومن قرائنه الدالَّة على الوجوب قولُه تعالى: {...إِنَّ الصَّلاَةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا *} [النِّسَاء: 103]. وقوله تعالى: {فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ *الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاَتِهِمْ سَاهُونَ *} [المَاعون: 4-5]. وأمّا الأمر الاستحبابيّ فهو كمثل قوله تعالى: {وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا *} [الإسرَاء: 79].
إذن فيكون الأمر الوجوبيّ فرضاً واجباً، وهو ما يُثابُ الإنسان على فعله ويُعاقبُ على تركه.
وأمّا الأمر الاستحبابيّ فهو الأمر بشيء مندوبٍ أو مستحبٍ أو نافلة، مثل الصدقة من غير الزكاة، أو الصيام في غير أيام رمضان، أو في غير الواجب منه، أو في الصلاة لغير الفريضة الواجبة، أو الحج مرة ثانية.. فالمندوب أو المستحب هو الأمر الذي يُثاب الإنسان على القيام به ولا يُعاقب على تركه.
وأمّا النهيُ الوجوبيُّ فهو الذي يُعاقب الإنسان على فعله ويثابُ على تركه مثل قوله تعالى: {وَلاَ تَقْرَبُوا الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وسَاءَ سَبِيلاً *} [الإسرَاء: 32].
وقرينةُ تحريمه والعقابِ عليه هي في قوله تعالى: {الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ وَلاَ تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأَفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ *} [النُّور: 2].
وأمّا النهيُ الاستحبابيُّ الذي ينشد الكمالَ الدينيَّ والخلقيَّ فهو النهيُ عن اللغو. فالله سبحانه وتعالى مدحَ تاركي اللغو فقال عنهم: {وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ *} [المؤمنون: 3]. والله سبحانه وتعالى لا يعاقب مرتكب اللغو بدليل قوله: {لاَ يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ} [البَقَرَة: 225] لأنَّ اللغوَ مكروهٌ. والمكروه هو الذي لا يعاقَب الإنسان على فعله ولكنَّه يثاب على تركه.
وبين الأمر والنهي يأتي المباح.
وبذلك لا تخرج الأحكام الشرعية عن خمسة:
الواجب، الحرام، المندوب، المكروه، والمباح.
ومن خلال هذه الأحكام الخمسة لا يكون عند المسلمين حرية العمل، بل حرية الاختيار في المباح. ومن هنا لا توجد حرية مطلقة للمسلم. بل إن المسلم، والإنسان عامة، مقيَّدٌ بقوله تعالى: {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا} [الحَشر: 7].
إذن باستطاعتنا القول إن في الإسلام إباحةَ عمل لا حرية عمل.
فالنبيُّ محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) عندما كان يتناول شراب العسل، إنما كان يأتي عملاً مباحاً. وحين حرَّمه على نفسه لم يُبدّل حكماً ولم يُحدث سنَّة، وإنما دار في فلك المباح. ومع ذلك كان التحريم سبيلاً لمعاتبةِ الله تعالى له: {يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاةَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ *} [التّحْريم: 1]. وهو عتابٌ موحٍ بشيء هامّ. فلا يجوز أن يحرّم المؤمن على نفسه ما أحلَّه الله له من متاع. والرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) لم يحرّم العسل بمعنى التحريم الشرعيّ، ولكنه قرَّر حِرمان نفسه منه. فجاء هذا العتابُ يوحي بأن ما جعله الله حلالاً لا يجوز حرمان النفس منه عملاً، ولا قصداً إرضاءً لأحد... والتعقيب: {...وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ *} [البَقَرَة: 218]، يوحي بأن هذا الحرمان ليس من شأنه أن يستوجب المؤاخذة وأن تتداركه مغفرة الله ورحمته، لأن المغفرة لا تكون إلاّ على الرجوع في العهد، وهو إيحاء من الله اللطيف الخبير.
ففي هذا الحادث نرى أن النبيَّ (صلى الله عليه وآله وسلم) قد غضب - من الواقع الذي حدث - حتى حرَّم أكل العسل على نفسه. ولكنه، وهو النبيُّ القائم على الأمر الجلل ليس له أن يمتنع عن مباح ويحرّمه على نفسه، لأن في سلوكه، وفعله وقوله، قدوةً وسيرةً لسائر بني البشر، فإن كان هذا السلوك قويماً فحريٌّ بالنّاس اتِّباعه، كي تستقيم الحياة نمواً ورفعةً وتطهراً. وبذلك يحافظ الدين الذي يدعو إليه الرسول الأعظم على توازن حركة الاندفاع إلى الأمام مع حركة الارتفاع إلى الأفق الكريم، الذي يهيىء الأنفس في الدنيا لمستوى نعيم الآخرة، ويعدُّ المخلوق الفاني في الأرض للحياة الباقية في دار الخلود.
وهكذا نرى أن الأنبياء يخافون، ولكن من أجل الحقيقة، ويغضبون، ولكن في سبيل الإيمان، وفي سبيل الله وقدسيته. ومن أجل ذلك نرى الله سبحانه وتعالى يخاطبهم بالعتاب، ويزيّنهم بالتقوى، ويزيدهم في الرفعة والثواب.
ولقد قلنا: إن خوف الأنبياء أو غضبهم، إنما ينجم عن الانفعالات والعواطف التي تشكِّل عبئاً ثقيلاً على جوارحهم، خصوصاً وهم يحملون عبئاً أكبر وهو التكليف الذي يختارهم الله تعالى له. وكل ذلك ليكون الطريقُ لتنوير الأذهان، وتربية النفوس وهداية القلوب، طريقاً مستقيماً لا عوج فيه.
لقد ضرب الله سبحانه وتعالى مثلاً لهذا العبء حين عرض الأمانة على الجبال، فأبت أن تحملها على الرغم مما هي عليه من الصلابة والقوَّة. فلما عرضها على الإنسان قَبِلَهَا، وتحمَّل مسؤوليتها. وإن من يتحمَّلُ مسؤولية التكليف الكبرى، التي هي النبوة أو الرسالة، لخليقٌ به أن يكون بعيداً عن الشطط، والوقوعِ في الخطأ والمعصية. ومن كان على هذا النحو من الخصائص والقدرات، حريٌّ به أن يرتفع عن نقد بني البشر، مهما تصوَّر الناقد نفسه فذاً من أفذاذ العلم، أو جهبذاً من جهابذة الفكر..
إننا نجزم بصورة قاطعة، أن من يتعرَّض للأنبياء بالنقد، أو بالإدخال والوضع والتزوير في سير حياتهم هو مختلِقٌ كاذبٌ وذو أغراض دنيئة. لأنه لا يجوز له أن يتقوَّل على الأنبياء بما ليسوا فيه، ولم يكونوا فيه أبداً!..
فالإنسان عندما يُبعثُ نبيّاً يكون الله تعالى قد اختاره وهو على درجة فائقة من الكمال، ومستوى من الرفعة في شخصيَّته، لا يضاهيها شخصية إنسان، ولا يفوقها إلا كمال الخالق ورفعته، الذي عزَّزه بتلك الشخصية.
وإذا كان عتاب الله لأنبيائه، هو في ظنّ البعض سبيلٌ يمكن أن يدلف منه لحبك الأضاليل، فإن هذا البعض قد أخطأ ولم يُصِب، سواء فهم ذلك العتاب والقصد منه، أم لم يفهم.
فالله سبحانه وتعالى عندما يعاتب أنبياءه ورسله، إنما يفعل ذلك من أجل الوصول بهم إلى مستويات أعلى مقاماً وأجلّ شأناً، كما قلنا، ومن أجل أن يضرب للناس المثل في كل ناحية هامة من نواحي الحياة الخلقية أو الاجتماعية.
فنحن نشعر برهبة - وهذا فخارٌ لنا - أمام إنسان عالم يأتي بعلم جديد، أو يطلعُ على العالم بمعرفة لم تكن مكشوفة من قبله. وقد قدَّرنا كثيراً تلك العقول النيّرة التي دفعت الإنسان ليحطّ قدميه على سطح القمر.
ولم يكن ذلك التقدير في الحقيقة إلا للعلم الذي به تحقق هذا الحدث. والإنسان بما آتاه الله من ملكات وقدرات ذاتية، قادمٌ على تحقيق إنجازات لا يمكن تصوّرها الآن. فقد يغزو الكواكب الأخرى غير القمر، مهما بلغت المسافات عنها بُعداً... وقد يتوصَّل إلى اختراعات على سطح الأرض، أو اكتشافاتٍ في بطون البحار، مما قد يقلب المفاهيم السائدة، ويغير النواميس المتعارف عليها.. ونظرتنا هذه، التي يؤكدها التقدم المستمر في الوسائل والأساليب، مصدرها أيضاً الإيمانُ بقدرة الإنسان للوصول إلى عهودٍ من العلوم والمعارف كبيرة ورائعة..
فإذا كانت للإنسان - وهو المخلوق - هذه القدرات، فكيف يجب أن يكون الخالق؟ ألا إن الله هو العليُّ العظيم، القادر المقتدر، وهو على كل شيء قدير.
وهل يمكن القياسُ بين معرفةٍ لجزئيات من الكون، وبين علمٍ للكون بكليَّته، وبكل ما فيه من مخلوقات وكائنات؟
والحقّ أنه لا يمكن المقارنة بين معرفة الإنسان الجزئية، وبين علم الله الواسع. وهو سبحانه وتعالى من أجل أن يُشعِرنا بعلمه الذي لا يحدُّه عقل الإنسان يقول: {قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا *} [الكهف: 109]. ويقول: {وَلَوْ أَنَّمَا فِي الأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلاَمٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ} [لقمَان: 27]. ثم بقوله تعالى - ليقين القاطع: {...وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً *} [الإسرَاء: 85] أي بالنسبة لعلم الله سبحانه.
ومن فضائل الأنبياء - ولو لم يكن لهم إلا هذا الفضلُ لكفاهُم - أنهم يعرفون الله. وميزةُ تلك المعرفة أنها خصيصة النبوَّة.. فالنبيُّ له صلةٌ خاصة بالله عن طريق معرفته به.. وهي صلةٌ لا تتسنَّى لبني البشر العاديين إلا بمقدار، ولفئة معيَّنة من الراسخين في العلم. وبحسب القرآن الكريم فإن العلم يكون:
- لله تعالى العليم الخبير.
- لملائكة الله الذين علَّمهم الله عز وعلا ما يليق بمكانتهم في العبادة والطاعة والاعتراف بوحدانيَّته.
- ولأولي العلم من أهل الأرض وهم الراسخون في العلم الذي أتاهم من لدن عزيز حكيم، وهم العلماء الذين يوحدون الله سبحانه بالفطرة وبالدليل. وقد قال تعالى: {شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ وَالْمَلاَئِكَةُ وَأُولُوا الْعِلْمِ} [آل عِمرَان: 18].
ومن هنا كان {وَأُولُوا الْعِلْمِ} [آل عِمرَان: 18]، وبما وهبهم الخالق من العلم هم أحق الناس بمعرفة الله وقدسيته سبحانه وتعالى، وهم أكثر الناس خشيةً من الله: {إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ} [فَاطِر: 28].
والأنبياءُ، وهم العلماء الحقيقيون العارفون بالله، هم أكثر ما يكونون في حياتهم عبادةً، وتقديساً، واستغفاراً لله.. فهم الفئةُ الصالحة، والثُّلة المختارة، التي لو تعرَّفنا على شذرات من أطراف حياتها، لأُنْبئْنا بأنها الأكثرُ تعلُّقاً بحب الله والأكثرُ التزاماً بطاعته، والأكثرُ استغفاراً له.
فهذا الرسول الأعظم محمد بن عبد الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يأمره الله أن يكون مستغفراً له، وذلك حبّاً به وزيادة في تكريمه، وقد صَدَر هذا الأمرُ إليه في سورة النصر: {فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا *} [النّصر: 3]. ولم يُعرَف النبيّ محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) بعد نزول تلك الآية إلا مستغفراً..
واستغفار الأنبياء والرسُل هو شكرٌ. والشكرُ يكون على النعمة والهبة والعطية. وقد كانت أولى أنعم الله، على أنبيائه ورسله، ومن أعظم هباته، وأكبر عطاياه لهم، ما منحهم من معرفة، وما جعلهم عليه من صلة وثيقة به.
نعم هذا هو استغفارهم، وتلك هي «ذنوبهم» التي يستغفرون منها عندما يختارون من المباح ما قد يكون فيه عظة لغيرهم، حتى ولو بدا في الظاهر أنه قريبٌ من الخطأ، أو الذنب وهو في الحقيقة ليس ذنباً كما يتبادر إلى الذهن الساذج. وليس استغفارهم إلاّ من باب عمق معرفتهم بالله، وحبهم له، وشكرهم إيّاه.. ومن أجل ذلك كان العتابُ من الله لهم، في بعض الأحيان، حتى تقوى الصلة وتكبر، ويزداد الاستغفار ويكثُر..
وإذا كان الأنبياء والرسل، قد جُعلوا على درجات، فذلك لحكمةٍ أرادها الله تعالى واقتضاها. إلا أن العباد جميعاً، وخاصةً المؤمنين منهم، مأمورون بالوقوف عند حدّ التقدير والطاعة لجميع الأنبياء والمرسلين، دونما أي تمييز أو تفريق بين أحدٍ منهم.
وأما تقدير الله وتعالى، وحكمه في ما يقدر ويحكم،فمن أجل مراعاة مصالح بني البشر، رأفةً بهم ورحمةً، بحيث لا يُخاطبون إلا بمقدار ما هم عليه من قدرات عقلية ونفسية، وبمقدار ما فيهم من طبائع تتحمَّل أمر الله عزَّ وعلا..
ففي عهودها الأولى كانت البشرية تمرّ بطور الطفولة من حيث الوعي والإدراك. وكان من الطبيعيّ أن تتأثر، أكثر ما تتأثَّر بالأشياء المحسوسة، الملموسة، قبل تأثُّرها بالأمور الفكرية والنظرية. فساق الله تعالى المعجزاتِ على أيدي الأنبياء والرُّسل، لتسترعيَ انتباه الناس، وتوقظ مداركهم. فكانت تلك المعجزاتُ تلبيةً لنداءاتهم الفكرية، ولحاجاتهم النفسية...
وهكذا كان كلُّ رسولٍ أو نبيٍّ، يأتي بما يتناسب وحالَ قومه، أو بما يتوافق وعلومَ عصره. وكثيراً ما كانوا يضعون القواعد العامَّة التي ترمي إلى تقرير السلوك الإنسانيّ المتكامل... وهذا ما تؤكّده قصص الرّسل - الأنبياء، والأنبياء الذين يعملون بشريعة الرسل، كما دلَّ عليه القرآن الكريم باعتباره كتابَ الله الجامع لما تقدَّم وتأخَّر. والبراهين كثيرة لا تُعَدُّ ولا تُحصى، ومنها على سبيل المثال لا الحصر:
- معجزة النبيّ موسى (عليه السلام) في ما سمّوه سحراً: فقد كان قوم فرعون أهلَ علوم رياضية وطبيعية وفلكية. وعلى الرغم من انتشار هذه العلوم في أيامهم، فقد كانوا يتأثرون بالسحر. فلمّا جاءهم نبيٌّ من الله، يدعوهم إلى طريق الحقّ والصواب، كان أن حاجّوه بالسحر. وآتى الله موسى معجزة تتفوَّق على ما يُحاجّونه به، فألقى عصاهُ فإذا هي حيّة تسعى وتلقف كل ما صوَّروه بسحرهم. فالذي كان أكثرَ شيوعاً في ذلك العهد، والذي كان الناس أشدَّ تأثراً به، وهو السحر، تفوَّق موسى على كل السحرة بآيةٍ من آيات الله بحيث صارت له القدرةُ على التأثير في العقول والنفوس..
وما أتى به النبيّ موسى في تلك الحادثة بدا للناس لأول وهلة، وفي ظاهره، أنه سحرٌ. ولكنه في الحقيقة معجزة من رب العالمين آمن بها السحرة أنفسهم. وهو سرٌّ أعطيَهُ النبيّ حتى يمكّنه الله من التغلُّب على المعتقدات السائدة، والتأثير في الناس بما يشدّهم إلى الحقيقة التي يدعو إليها..
- ومثلها قدرة النبيّ عيسى (عليه السلام) على إحياء الموتى، وشفاء الأبرص والأكمه. فمن المعروف أن الرومان كانوا سادةَ عصرهم في الطب آنذاك. وكما كان مفروضاً على موسى أن يجابه قومه بما يدَّعونه من السحر، فقد كان على النبيّ عيسى ابن مريم أن يجابه الناس بالشيء الأكثر أهمية في حياتهم. ومن أجل ذلك حلَّت معجزة الله الكبرى حين وهب لنبيِّه عيسى المسيح القدرةَ على إحياء الموتى، وشفاء الأبرص والأكمه. وذلك من صلب الطب وصميمه. إلا أن الطبَّ مهما بلغ من قدرة، فإنَّه كان وما زال عاجزاً عن إحياء ميّتٍ، أو شفاء أبرص أو أكمه. فالطبُّ بمختلف فروعه واختصاصاته يطأطىء مذعناً أمام الحقيقة الباهرة المدهشة التي قام بها فعلاً عيسى ابن مريم (عليه السلام)، وهي إعادة الحياة إلى ميتٍ، أو شفاء مريض بالبرص، أو إعادة السمع إلى أصمَّ أو النطق إلى أكمه..
- وقسْ على هذين الحدَثَين الكبيرين، العظيمين، أحداثاً أخرى في أعمال الرسل والأنبياء:
فداود (عليه السلام) تشدو لغنائه ومزماره الجبالُ والطيرُ والشجر..
وسليمان (عليه السلام) تُسخَّر له الرياح مطايا تحمله وتنقله حيث شاء، تماماً كما نركب اليوم الطائرة أو الصاروخ..
وإبراهيم (عليه السلام) لا تحرقه النار، وهي كالبركان تستعرُ حرّاً، وتتأجّج لهباً. وابنُه إسماعيل (عليه السلام) يتفجَّر الماء بقدميه وهو طفلٌ، في أرضٍ نضُب ماؤها، وجفَّ رملُها. وهو نفسه إسماعيل الذي لا تقطع السكينُ الحادةُ رقبته عندما شرع أبوه بذبحه إنفاذاً لأمر ربهما تعالى.
ولوط (عليه السلام) تندثرُ مدائنُ قومه في لحظات، وتصبح في بحيرة مُميَّزةٍ عن سائر بحار الأرض ومحيطاتها وبحيراتها بمائها المالح الثقيل.
ويوسف (عليه السلام) يُباعُ ويُشترى سلعة بخسةً، ويُسجنُ من بعدها، ثم يصيرُ سيّد القوم، ووزيراً يوزّع الطعام في أرض مصر ويعطي المِيرةَ لأهل الأمصار من حولها خلال السنوات العجاف، حتى أنَّ إخوته الذين كادوا له وأودعوه بطن الجبّ قد افتقروا إلى خيره وَبِرِّهِ فجاؤوا من فلسطين يطلبون المؤن.
وهكذا جاء الأنبياء والرُّسُل، بأفعالٍ تتناسبُ وظروف الزمان والمكانِ التي عاشوها، وإن كانت الغاية التي بُعِثوا من أجلها واحدة، وهي تخليص الناس من عبادة الأوثان والأصنام، ودعوتهم إلى حقيقة الإيمان بالله الواحد الأحد، وتربيتهم على القيم الرفيعة والمُثُل السامية التي تنير عقل الإنسان، وتهذِّب نفسه، وتساعدُ على نقاوة ضميره، بما يحقق تكامله على الأرض، وخلودَهُ في الآخرة.
من هذا السياق الوجيز، يتبيَّن أن البشرية قد تقدمت، على مرّ العصور والأزمان، حتى بلغت النُّضجَ الفكريَّ الكامل. فلم تعد بحاجة إلاَّ إلى الكلمة، ومن هنا صارت الكلمةُ هي مفتاحَ الحياة، وصار العلمُ هو سيّدَ الكون، وصار الكتابُ هو قدسَ الأقداس، لأنه ينطوي على الكلمة والعلم..
والأنبياء والرُّسلُ أدُّوا رسالات ربهم، ودخلت البشريةُ في ذروة نضوجها الفكريّ، فلم يبقَ إذن إلا الختام. ويتحقَّق ما يريده الله، ويكون محمد بن عبد الله (صلى الله عليه وآله وسلم) هو خاتمَ الأنبياء، ويكون القرآنُ الكريم هو كلامَ الله في رسالته الأخيرة إلى الأرض.
وهذا القرآن، هو بذاته معجزة، بل معجزات: آيته معجزة، وسورته معجزة، ومبناه معجزة، ومعناه معجزة. ومعجزته الكبرى أنه كائنٌ حيّ لا يموت... فقد يفنى الإنسان، ويذهبُ من هذا العالم، ولكنَّ هذا الكتاب يبقى لأنه تبارك وتعالى قال عنه: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ *} [الحِجر: 9] ولأنه قول الله، والله أزليّ، سرمديٌّ، فقوله باقٍ ومحفوظٌ بأمره جل وعلا.
من هنا، ومن مضامين هذا الكتاب المنزَّل بالوحي من الله، نستطيع أن نستشفّ قصص الأنبياء والرُّسل على حقيقتها بعيدةً عن كل تحريفٍ أو إدخالٍ أو نَحْلٍ أو وضعٍ مكذوب.
ولله الأمرُ والنهي، من قبلُ ومن بعد، ويومئذٍ يفرح المؤمنون المخلصون الصادقون بوعد الله سبحانه وتعالى الذي لا يخلفُ الميعاد.



Copyright © Samih Atef El-Zein 2010     VINTOB