قصص الانبياء في القرآن الكريم
الطبعة : الطبعة السابعة  
المؤلف : سميح عاطف الزين
عدد الصفحات :   692
تاريخ النشر :   2005




سليمان (عليه السلام)

عاش سليمان في كنف أبيه داود (عليهما السلام) وقد بدَتْ عليه، منذ الصغر، منّةُ الله من الفهم والفطنة، كما ظهَرت في أقواله وأفعاله بواكِيرُ السيادة والقيادة.. فإنه عندما كان في الحادية عشرة من عمره، كان من عادته أن يقعد إلى جانب أبيه في مجلسه لكي يستمعَ إلى قضائه في الناس، ويتعلّم منه ما يحقق العدل في الرعية.
وصادف أن جاء مرةً رجلان يحتكمان، وقد برزت على قسمات وجهيهما ملامحُ الغضب والنفور.
جلس الرجلان أمام داود (عليه السلام)، وبدأ أحدهما يدّعي على الآخر وهو يقول:
- أيها النبيُّ إن لي زرعاً قد آتى ثمرهُ، ودَنَتْ قطوفُه. فلما صار بهجةً للناظرين، انتشرت فيه غنم هذا الرجل (وهو يشيرُ إلى خصمه) دون أن يردَّها رادٌّ، أو يحبسها راعٍ، فعاثت في الزرع نهاراً، وسرحتْ فيه ليلاً، حتى أهلكته وأتت على آخره، فصار أثراً بعد عين.
أنهى المدَّعي كلامه، فأشارَ داود (عليه السلام) إلى المدّعى عليه كي يُبديَ دِفاعه، إن كان لديه من دفاع.. فأجاب الرجل، مُقرّا بحقِّ خصمه وهو يقول: إنني صاحبُ الغنم، وما أبداهُ صاحبي فهو حقٌّ وصدقٌ، وليسَ لديّ ما أدفعُ به التهمة، فاحكم بيننا عدلاً، واقض حقّاً كما علَّمك الله.
تروّى داود (عليه السلام) قليلاً ثم قال يفصل في الخصام: يأخذ صاحبُ الزرع الغنمَ عوضاً عمّا حاقَ به من خسارة. فيكون ذلك تعويضاً له، وجزاءً لإهمال صاحبها الذي تركها ترعى في أرض الغير، تتلِفُ رزقَهُ، وتأتي على ثماره.
وكان سُليمانُ يستمعُ إلى حكمِ أبيه، بِأُذُنٍ صاغيةٍ، وانتباهٍ متيقِّظ. ورأى أن حكمه هذا لم يراعِ مصلحة الفريقين، بل إنَّه وإن عوَّض الخسارة على صاحبها، وأنالَ الجانيَ جزاءَهُ، إلاَّ أنَّه لا يحقق العدل الكامل.. فنظَرَ إلى الرجلين، وقد همَّا بالخروج، مُشيراً إليهما بالبقاء في الجلسة، ثم التفت إلى أبيه، وقال له:
ـ يجب أن يكون الحكم أقرب لمصلحةِ الخصمين...
ودُهِشَ الجمعُ لجرأة هذا الفتى، فران على المجلس صمتٌ عجيبٌ، ولكنَّ داود (عليه السلام) قطع الصمت بصوته وهو يقول لابنه:
- هاتِ ما تراهُ يا سليمان..
وظهرت حجّةُ ابنه التي فهَّمه إيّاها الله تعالى، فقال:
- تُدفعُ الغنَمُ إلى صاحب الزرع، ينتفعُ هو وأهله بألبانها وأصوافها وخلفها عدة سنين، ويقومُ خلالها صاحب الغنم على رعاية شؤون الأرض وإعادة غرسها من جديد، والانتفاع بنتاجها من المزروعات حتى يستويَ الغرسُ ويعود كما كان. عندها تُرَدُّ الغنمُ إلى صاحبها الأول، وتعاد الأرضُ وغرسها إلى مالكها. وهكذا لا يكون بينهما غرمٌ ولا غنمٌ..
كان هذا الحادث إيذاناً بخلافة سليمان على بني إسرائيل بعد موت أبيه داود. وكان ذلك فعلاً بإرادة الله وحكمته، إذ لم تأخذ المنيّة داود حتى اعتلى ابنه سليمانُ العرش، فوهَبهُ الله النبوَّة إلى جانب الملك، وجعلهُ أحد مبعوثيه إلى بني البشر، يُكمِّل ما جاء به أسلافُهُ، ويؤسِّس لمن يأتي بعده، في العقيدة الواحدة، وفي النهج القويم..
قام سليمان (عليه السلام) على رعاية القوم، يدبِّر شؤونهم، ويسوسُ أوضاعهم بالحكمة التي عُهدت فيه، وبالعدل الذي عُرِفَ عنه. وفي الوقت نفسه كان يعمل على تقوية دعائم السلطة التي أرسى قواعدها أبوه من قبل..
وكانت الحروب متواصلةً بين الناس في ذلك الزمان وقوامُها الرجال، وعدَّتها الخيول، والسيوف، والرماح والدروع.. فاهتمَّ سليمان (عليه السلام) بجيشه حتى صار من أقوى الجيوش في عصره، ولشدَّة اهتمامه بهذا الجيش، صارَ عندهُ هوىً بالخيل. فكان يُخصص كل يوم وقتاً للإشراف عليها، وهو يجدُ في هذا الإشراف، ما يُمتِّعُ ناظريه، ويؤنسُ نفسهُ. فإن صهلت تذكَّر عدْوَها في السهول والبطاح، وإن حمحمتْ تخيَّل صولاتها في المعارك والكفاح. لقد ملكتْ عليه بعض فؤاده حتى كانت له فتنةً...
وفي عصر أحد الأيام، وفيما كان يقوم على استعراض الخيول كعادته، نَسيَ واجبهُ، فأدركهُ الغروب، وتوارت الشمسُ في الحجاب وهو لم يُصلِّ فريضة العصر. لقد شغَلَتْهُ الخيول عن ذكر ربه، فاشتعلت نفسه بالغضب، ونالتْ منه شدة الانفعال، فنادى بمن حوله:
- أبعدوها عني، لقد ملكت عليَّ نفسي، حتى فتنتني، وأنستني ذكر ربي.. أبعدوا هذه الخيول، ولا أريدُ أن أراها بعد اليوم أبداً..
وهذا مصداقُ قوله تعالى: {إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ الصَّافِنَاتُ الْجِيَادُ *فَقَالَ إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ *رُدُّوهَا عَلَيَّ فَطَفِقَ مَسْحًا بِالسُّوقِ وَالأَعْنَاقِ *} [ص: 31-33].
وكانت الخيلُ هي الوسيلةَ الفعّالةَ في الحروب. وسليمان الذي آتاهُ الله النبوَّة، لا يمكن أن يقعُدَ عن نشر الدعوة، ومحاربة الكافرين من أجل إدخالهم في عقيدة التوحيد. ونتيجةً لإبعاد تلك الوسيلة صارَ عاجزاً عن إتيان ما أوكل إليه. فكيفَ يقوم بغزوٍ، أو يُعلِنُ حرباً، وليست عنده الفوارس الأشاوسُ تركبُ خيولها، وتندفِعُ تحت قيادته وإمرته، حتى تنشر دين الله في الأمصار؟.
إن الواقعَ يوحي بأن جنود سليمان، الذين كان يعتمد عليهم في الجهاد، قد تفرَّقوا عنه، بعدما تخلّى عن الخيل. ففقد الوسيلةَ التي كان يستخدمها، وأضاعَ القوَّة التي كان يعملُ بها.
ولشدّة حزنه على ما أصابَهُ، ولفرطِ هَلَعِه من أن يقعُدَ عاجزاً عن أداء رسالة ربّه، أصابهُ ضعفٌ شديد، حتى هزل جسده، وخارتْ قواهُ، وصار جسداً مُلقىً على كرسيّه، لا حول له ولا طول..
وفي هذه الهدأة، انقطعَ سليمان إلى ربِّه، يدعوهُ أن يزيلَ عنه تلك الفتنة التي حلَّتْ به، وذلك الهزال الذي أصاب جسدهُ.
ويستغفرُهُ تائباً مُنيباً، راجياً أن يغفر له وأن يُعيد له الصحَّة، حتى يمكنه القيامُ بالواجب الملقى على عاتقه..
وكان هذا الأمرُ ابتلاءً من الله وفتنةً لسليمان (عليه السلام)، وهو - ككل ابتلاء من الله لأنبيائه - غايتُهُ أن يوجههم ويرشدهم، ويبعدهم عن الزلَل. وقد أناب سليمان (عليه السلام) إلى ربه، فطلب المغفرة لئلا تكون لبارئه عليه مؤاخذة، واتَّجه إلى ربه - تبارك وتعالى - بالدعاء والرجاء:
{قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لاَ يَنْبَغِي لأَِحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ *} [ص: 35].
وقد استجاب له ربّه، فأعطاه فوق الملك المعهود، ملكاً خاصّاً لا يُعطى لغيره مدى الزمان: {فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً حَيْثُ أَصَابَ *وَالشَّيْاطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ *وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الأَصْفَادِ *} [ص: 36-38].
نعم أعطى الله لنبيه سليمان (عليه السلام) مُلكاً لم يُعطه لأحد من قبله ولا من بعده. فقد سخَّر له الريح ذَلولاً، يستقلّها على بساطٍ خاصٍّ فتحمله حيث أراد، معوّضاً له عن الخيل، التي كان يمتطيها فيما مضى، ويستعملها وسيلة في الحروب والجهاد. وأفاض عليه من نعمائه، فجعل له الشياطين (الجان) خدماً وعبيداً، يأتمرون بمشيئته، ويعملون وفق إرادته في البناء، وفي جمع اللآلىء والثروات من أعماق البحار، وآخرين منهم يقومون على صناعة المحاريب، والتماثيل، والقدور من النحاس تسيلُ به عين القطر، وهي تقذفه من باطن الأرض... كلهم يقومون على خدمته وطاعته، ومَنْ عصاهُ كان عقابه شديداً وقاسياً: يُكبّل بالأصفاد، ويظلّ سجيناً، رهيناً بما يُريدُه به سيدُهُ أو يشاء له. وفوق ذلك وهبهُ نعمة فَهْمِ لغةِ الطيور والحشرات، وهي لغة تختلف باختلاف أنواعها، يخاطبها بلغاتها، وينتفعُ بمواهبها، فتنقلُ له الأخبار، وتُعطيه الأمارات والدلالات...
إنه سلطانٌ لا يُحَدّ، ونِعَمٌ لا تُقدَّرُ... الرياح وسائلُ نقل، والطيور أتباع مجد، والجان خُدَّامُ سيّد.. يأمرها كلها، ويسيّرها بأمر الله العليّ القدير، فتطيع صاغرة، حامدة.. فسبحان من وهب لسليمان (عليه السلام) هذا السلطان، وأمدَّهُ بتلك المعجزات والعجائب!..
سليمان (عليه السلام) يبني الهيكل
واعترافاً بفضل الله سبحانه عليه فقد شاء سليمان (عليه السلام) أن يجعل على الأرض آيةً تدلُّ على ذلك الفضل العظيم.. وليس أحسنَ لذلك من بيتٍ يُعبَدُ فيه الله تعالى، ويذكر اسمُهُ - عز وجل - على الملأ..
نعم أراد النبيّ سليمان (عليه السلام) أن يُقيم هيكلاً للعبادة والتوحيد، ومحجَّةً للمؤمنين والمتَّقين، ورمزاً للقيَم والمثل.. فكان هيكلُ بيت المقدس تلك الآية الرائعة، التي بذل على بنائها وزخرفها من الجهد والمال، ما وسعه من فضل الله... فقد قيل بأنه شارك في هذا الصرح الضخم ما يزيدُ على مائة وثمانين ألفاً من الرجال من بنائين، وصناعيين، وفنانين. وجيءَ له بالذهب من ترشيش، وبالأحجار الكريمة من اليمن، وبالخشب من أرز لبنان. وتفانى أهل الصناعة والفن، في ترصيع حجراته وجدرانه بالنقوش، وبتزيين ردهاته بالتماثيل من الطير والحيوان، حتى استوى آيةً عظمى من آيات الله في ذلك الزمان..
أقام سليمان (عليه السلام) الهيكل في بيت المقدس، وجعلَهُ محجَّةً للناس، يتعبَّدون فيه، ويوفون النذور، وكان هو أولَ حاجّ إلى ذلك البيت، حيث أقام فيه الصلوات والابتهالات، فترةً طويلةً، قربى إلى الله رب العالمين.
وهكذا، وبعد أن اطمأن إلى عمله العمرانيّ في سبيل مرضاة الله، عادَ إلى سابق عهده في الجهاد والبذل، وكانت غايته أن يُقيم دين الله في كل قطرٍ يصلُهُ، ويكون أهله على عبادة الأصنام..
سليمان والنملة
وها هوذا (عليه السلام) يركبُ في حشدٍ ضخمٍ من الإنس والجان والطير، ويذهبُ في سبيل الغاية التي يرومها. فيمرُّ في زحفه، على وادٍ فيه نملٌ كثير.. وتنظرُ نملةٌ إلى الحشود القادمة، فتخافُ على بني جلدتها، وعلى الفور تدعو جحافِلَ النمل لتلافي الخطر، وهي تُعلن لهم: ادخلوا مساكنكم، لا يحطمنَّكُم سليمان وجنوده وهم لا يشعرون..
وسمع سليمان (عليه السلام) نداء النملة لبني قومها، وأدرك ما قالته، فهشَّ له وبَشَّ، وانشرحَ صدرهُ بإدراك ما قالت، كما يَهَشُّ وَيَبشُّ الكبير للصغير الذي يُحاول النجاة من أذىً يتوهم أنه يُضمره له. وهذه هي نعمةٌ من الله عليه، تصله بهذه العوالم المحجوبة المعزولة عن الناس لاستحالةِ التفاهم معها. وإنها لعجيبةٌ من العجائب أن يكون للنملة هذا الإدراك، وأن يُفْهَمَ عنها النمل فيطيع!.
أدرك سليمان (عليه السلام) هذا {فَتَبَسَّمَ ضَاحِكًا مِنْ قَوْلِهَا} [النَّمل: 19]. وسرعان ما هزّته هذه المشاهدة، وشكر الله تعالى الذي أنعم عليه بنعمة المعرفة الخارقة، وفتح بينه وبين تلك العوالم المحجوبة المعزولة من خلقه. اتَّجه إلى ربّه في إنابةٍ يتوسَّلُ إليه: {...رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ *} [النَّمل: 19].
وحريٌّ بسليمان (عليه السلام) أن يشكر ربّه على ما آتاهُ من النِّعم، حتى جعلَ النملة، وهي من أصغر مخلوقات الله تُدرك أن الأنبياء لا يتعمَّدون الأذى ولا يقصدونه..
وهذا الشكر الذي صدر عن قلبه في تلك اللحظة، يصوّر نوعَ تأثُّرِهِ، وقوَّة توجهِه، وارتعاشة وجدانِه، وهو يستشعر فضل الله الجزيل عليه وعلى والديه، ويحسّ النعمة والرحمة في خشوعٍ وابتهال.
ولا يكتفي سليمان (عليه السلام) بشكره لربّه، بل يدعوه أن يجعله قادراً على العمل الصالح، الذي هو كذلك فضلٌ من الله يوفَّق إليه من يشكر نعمته، وأن يدخله في عباده الصالحين.. وهكذا نرى سليمان (عليه السلام) يدعو ربَّه ويضرعُ إليه، وهو النبيّ الذي سخَّر له الجنَّ والإنس والطير، خائفاً أن يُقَصِّر به عمله، وأن يُقَصِّرَ به شكرهُ. وكذلك تكون الحساسية المرهفة بتقوى الله وخشيته، والتشوّق إلى رضاه ورحمتِهِ في اللحظة التي تتجلَّى فيها نعمتُهُ، كما تجلَّت بحادثة النملة التي تنذر جحافل النمل بالخطر، وسليمان (عليه السلام) يُدرك عنها ما تقول بتعليم الله له وفضله عليه..
سليمان والهدهد وبلقيس
ويترك سليمان (عليه السلام) واديَ النمل ويتابعُ مسيرته، ولكنه وهو القائدُ الحكيم، يريدُ أن يتفقَّد جيشهُ حتى يطمئن على تماسكه، وتقيُّده بالنظام والانضباط. وأثناء هذا التفقد، استرعى انتباهَهُ وسط حشد الطير، غيابُ الهدهد فقال: {...مَالِي لاَ أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ الْغَائِبِينَ *} [النَّمل: 20].
وما هي إلا فترة حتى جاء الهدهد فمكث غير بعيد فقال: {...أَحَطْتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ *} [النَّمل: 22].
إنَّ الهدهد قد جاء بما يجيِّش سليمان (عليه السلام) من أجله الحشدَ العظيم، ليلاقي به أهل الكفر والوثنية، الذين لا يعبدون الله الواحد الأحد، حتى يردهم عن الضلالة ويهديهم سواء السبيل.
فقد أخبرهُ بأن في جنوب الجزيرة في اليمن مملكةً تقوم عليها امرأة أوتيت من كل شيء، ملكاً وثراءً ومدنيةً وقوَّةً، وأن تلك الملكة وقومها يسجدون للشمس من دون الله. وقد زيَّن لهم الشيطان عملهم هذا وأضلَّهم، فهم لا يهتدون إلى عبادة الله العليّ العظيم.
أبدى الهدهد حجَّةً بيِّنة لغيابه، ولكنَّ سليمان (عليه السلام) لم يبتّ بأمره، شأنه في ذلك شأن النبيّ العادل، والملك الحازم فقال له: {...سَنَنْظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ *} [النَّمل: 27].
ويذهب الهدهد، ويلقي إلى بلقيس، ملكة سبأ، بكتاب النبيِّ سليمان (عليه السلام) ..
وترى الملكةُ كتاباً بين يديها، وتدهشُ لهذا الكتاب، وهي لم ترَ من ألقاهُ إليها، فتفتحهُ على عجل وتقرأ ما فيه:
{إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَانِ الرَّحِيمِ *أَلاَّ تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ *} [النَّمل: 30-31].
... وتجمع الملكةُ ملأها من الوزراء والأمراء، والقادة، وكلِّ ذي شأن أو نفوذ في المملكة، تستشيرهم في أمر هذا الكتاب - وهي تصفُهُ «الكتاب الكريم»، نظراً لما كان لسليمان (عليه السلام) من صيتٍ ذائعٍ في الأمصار - وتعرض لهم وجوب عدم الاستعلاء على صاحبه، والذَّهابِ إليه مسلمين لله الذي أرسل الكتاب باسمه، وهو الله الرحمانُ الرحيم..
ويبدو أن بعض الوزراء والقوّاد قد أبدوا التشدُّد، مُذكِّرين بما عندهم من قوَّةٍ عظيمة، وبأسٍ شديد. ولكنهم في خاتمة النقاش تركوا للملكة أن تقرِّر ما تراه في مصلحة القوم..
فقالت الملكة، وهي تبيّن طبائع الملوك في الغزو والحرب:
- إنَّ الملوك إذا دخلوا بلدةً، هدّموا البنيان، وعمَّموا الخراب، وجعلوا أهلها أذِلَّة دونما فرقٍ بين الحاكم والمحكوم. وإننا نحن بغنىً عن هذا المركب الخشن. فلسوف أرسل لسليمان هديةً، ثم أرى بما يرجعُ به إلينا المرسلون.
ووافق القوم على رأي الملكة، وانطلق الرُّسُل من اليمن وهم يحملون المال الوفير، والهدايا الثمينة، ولكنهم ما إن وصلوا إلى مجلس الملك سليمان ورأى ما جاؤوا به من الهدايا حتى صرخ فيهم قائلاً:
{...أَتُمِدُّونَنِ بِمَالٍ فَمَا آتَانِيَ اللَّهُ خَيْرٌ مِمَّا آتَاكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ *} [النَّمل: 36].
أكرم الملك سليمان وفادة أولئك الرسل، ولكنه حمّلهم التهديد والوعيد، بغزو بلادهم، فعادوا إلى مليكتهم يصفون لها ما رأوا من ملك سليمان، وما ينزع إليه من إتيانهم بجنود لا قبل لهم بها، فتأكدت ملكة سبأ من صدق الكتاب، وما انطوى عليه من الرضوخ لأمر سليمان والقبول بدعوة الإسلام التي حملها كتابه إليهم. فكان لا بد من دعوة مجلسها للانعقاد من جديد، والتشاور في ما يجب عليهم القيام به.. فاستقر الرأي أخيراً على الرضوخ لدعوة النبيّ سليمان والذهاب إليه مستسلمين لله ربِّ العالمين.
وما إن وصلت أخبارهم إليه، وما عزموا عليه، حتى جمع بدوره قادة الرأي والحكمة، وأهل العلم والمعرفة في بيت المقدس، وطلب إليهم أمراً ما كان أحد يتوقعه، عندما قال:
- يا أيها الملأ «أيكم يأتيني بعرشها قبل أن يأتوني مسلمين»؟
... أما قصد سليمان من استحضار عرش الملكة قبل مجيئها مع قومها، فكان التأثير في قلب الملكة ومن يتبعها، حتى يقودهم هذا التأثير إلى الإيمان بالله، والإذعان لدعوته. ويكون هذا الاستحضارُ معجزةً من رب العالمين تعرِّفهم عظمةَ النبوَّة، وحقيقة الإيمان بدين الله العلي العظيم..
وسكت الملأ إلاَّ عفريتٌ من الجن، فقد انبرى مستجيباً وهو يقول له: أنا آتيك به قبل أن تقوم من مقامك!
وقبل أن يجيب سليمان، قال الذي عنده علمٌ من الكتاب: أنا آتيك به قبل أن يرتدّ إليك طرفك؟!.
وقد قيل: إن هذا الرجل كان آصف بن برخيا، وقد علَّمه الله تعالى أَحدَ أسمائه الحسنى. وإن الإقرار بأحقية أسماء الله الحسنى، ومعرفة بعض أسرارها، يقتضي أن يكون الإنسانُ قادراً أن يأتيَ بالخوارق التي تعجز الإنس والجن..
وتمَّت المعجزة، واستُحضرَ عرش الملكة إلى بيت المقدس، بسرعة ارتداد الطرف، ووضع في المكان الذي أشار إليه سليمان؛ {...فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ قَالَ هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ *} [النَّمل: 40].
سرّت النبيَّ سليمانَ (عليه السلام) هذه المفاجأةُ الضخمة، وأعجبه أن يحقّق الله تعالى مطلبه على هذا النحو المعجز.. ولذلك قدَّر أن مثل هذه النعمة ومثل هذا الفضل لا يمكن أن يستشعر المؤمن حيالهما إلاَّ الابتلاءَ العظيم، الذي يحتاج فيه المبتلى إلى يقظةٍ ليجتازه، وإلى عونٍ من الله تعالى ليقدر على احتماله. ويحتاج أيضاً إلى معرفة النعمة، والشعور بفضل المُنعم ليعلم الله تعالى صدق عبده فيتولاّهُ..
وكان قد سبق هذا الحدثَ المعجزَ رجوعُ النبيّ سليمان إلى بيت المقدس منذ أن علم بقدوم قوم سبأ إليه مسلمين، لكي يستقبلهم في قصره، ويأخذهم إلى الهيكل يؤدّون فرائض العبادة والدخول في دين الله.
وأراد سليمان أن يطمئن إلى ملكة سبأ، وحكمها على الأمور، وليعلم ما تتمتع به من معرفةٍ، فأمر جنوده أن يغيروا معالم عرشها، ليرى أتهتدي إليه أم تكون من الذين لا يهتدون..
فلما جاءت الملكة استقبلها في مكانٍ خُصِّص لذلك. ثم قال لها وهو يشير إلى عرشٍ قائمٍ بجانبه: أهكذا عرشُك؟
قالت: كأنه هو... ولم تعرفْهُ، ولكنها لم تنفِ أن لا يكون هو. إنها لا تنفي ولا تثبت دلالةً على ما لديها من فراسة وبديهة في مواجهة المفاجأة العجيبة. فقد تمعَّنت في العرش، فإذا فيه شبهٌ كبيرٌ لعرشها. ولكنها في قرارة نفسها قالت: «هل يُمكن أن يؤتى بعرشي من اليمن إلى بيت المقدس في مثل هذا الوقت القصير؟ وكيف يأتون به وعليه من الحرس والجند حشدٌ كبير؟».
والمهم أن الملكة قد أبدت ذكاءً خارقاً، فكان جوابها: «كأنّه هو»..
ويكشف لها سليمان (عليه السلام) عن المفاجأة، ويقولُ لها: بل هذا هو عرشك.. فتذهل وتدهش..
ثم يأمر بأن يدخلوها إلى الصرح الخاص في قصره، حيث كان قد أقامَ فيه ردهاتٍ مغشَّاةً بالبلَّور الذي تجري من تحته المياه، فلما دخلتْ ملكةُ سبأ الجناحَ البلّوريَّ من القصر، حسبتْ أنها ستخوضُ في اللجة، فكشفت عن ساقيها، خوفاً من الابتلال.. وبذلك تمت المفاجأة الأخرى التي أعدّها لها سليمان (عليه السلام)، فتقدم منها قائلاً: إنه ليس ماءً، بل هو صرح ممرد من قوارير.
فأدركت الملكة أنها أمام عجائب تُعجز البشر، ولكنها تدلُّ على أن سليمان (عليه السلام) قد أُوتي قدراتٍ عظيمةً من لدن قادرٍ عظيم. وأدركت أن القادر هو الله وحده، فرجعت إلى الله، وناجته معترفة بظلمها لنفسها في ما سلف من عبادة الشمس، معلنةً إسلامها لله رب العالمين على يدي سليمان (عليه السلام).
موت سليمان (عليه السلام)
وكان من عادة سليمان (عليه السلام) أن يعتكف في بيت المقدس تعبّداً لله في أوقات معينة من السنة. وقد تطول فترة تلك العبادة أو تقصر بحسب ما يقدِّره عليه ربُّهُ من القيام بالطاعات.
دخل سليمان (عليه السلام) الهيكل وقام على عبادة الله، وكان قد بلغ آنذاك الثالثة والخمسين من العمر. وجاء أمر الله فأدركه الموت وهو متَّكىءٌ على عصاهُ. وكانت الجنُّ تروح وتجيء مسخَّرة في ما كلَّفها به من عمل شاقّ، ولم تدرك أنه مات. وظلَّ على هذه الحالة زمناً لا يعرف مداه إلا الله، حتى نخرت السوسة العصا التي كان يتكىء عليها فخرَّ على الأرض، وعندها فقط علمت الجنُّ موته وظهرت حقيقة جهلهم للغيب. قال الله تعالى الذي هو وحده عالم الغيب والشهادة: {فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ مَا دَلَّهُمْ عَلَى مَوْتِهِ إِلاَّ دَآبَّةُ الأَرْضِ تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَنْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ *} [سَبَإ: 14].
وهكذا يجعل الله أنبياءَهُ، في حياتهم ومماتهم، مثالاً وعبرةً لكل من يدَّعي علماً أو حكمة. فقد كان الجنُّ يدّعون عِلْمَ الغيب وهذه فتنةٌ منهم للناس، أشاعوها بعدما عرفوا قليلاً من علم الله الواسع، فكانوا يدَّعون الإتيان بالخوارق. وكان هذا الادعاء سبباً في اعتقاد الناس الخاطىء عن قدرات الجنِّ حتى الآن.
فالجنُّ لا يعلمون الغيب، ولا هم قادرون على إتيان المعجزات والخوارق. وقد أراد الله سبحانه وتعالى أن يظهر للناس كافة، بطلانَ ما يدَّعيه الجنُّ، فجعَل نبيّه سليمان يموت وهو مستند إلى عصاه، والجنُّ تنظر إليه وتظنّهُ ما زال حيّاً، فتستمر في القيام بما عهد إليها من أعباء ومسؤوليات. حتى إذا نخرت الأَرَضةُ عصاه وخرَّ على الأرض جثَّةً هامدة أدركت الجنّ عندئذٍ خطَلَ ادّعائها، وتبيَّن للناس أن الجنّ لو كانوا يعلمون الغيبَ لكانوا علموا الوقت الذي مات فيه سليمان (عليه السلام)، وَلَمَا لبثوا في العمل الشاقّ والعذاب المهين.
وهكذا كان موت سليمان (عليه السلام) دلالةً على نسف فكرة علم الغيب من الكائنات التي خلقها الله، بشراً كانوا أم جانّاً، إلاَّ من آتاه الله علماً محدوداً من الرسل أو أطلعه على أحداثٍ معيّنةٍ سوف تقعُ في علم الله تعالى في المستقبل. أما في الأصل وفي الحقيقة فلا يعلم الغيب إلا الله عزّ وعلا..
سلام الله على سليمان الذي فضّله ربُّه على كثير من عباده المؤمنين.
داود وسليمان (عليهما السلام) في القرآن الكريم
في «سورة الأنبياء»:
{وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ *فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلاًّ آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ وَكُنَّا فَاعِلِينَ *وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ لِتُحْصِنَكُمْ مِنْ بَأْسِكُمْ فَهَلْ أَنْتُمْ شَاكِرُونَ *وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ عَاصِفَةً تَجْرِي بِأَمْرِهِ إِلَى الأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَكُنَّا بِكُلِّ شَيْءٍ عَالِمِينَ *وَمِنَ الشَّيَاطِينِ مَنْ يَغُوصُونَ لَهُ وَيَعْمَلُونَ عَمَلاً دُونَ ذَلِكَ وَكُنَّا لَهُمْ حَافِظِينَ *} [الأنبيَاء: 78-82](+).
وقد أتى الله سبحانه وتعالى على ذكر داود وسليمان (عليهما السلام) في «سورة النمل» بقوله:
{وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ عِلْمًا وَقَالاَ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنَا عَلَى كَثِيرٍ مِنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ *وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ وَقَالَ يَاأَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنْطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ *وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالإِنْسِ وَالطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ *حَتَّى إِذَا أَتَوْا عَلَى وَادِ النَّمْلِ قَالَتْ نَمْلَةٌ يَاأَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لاَ يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ *فَتَبَسَّمَ ضَاحِكًا مِنْ قَوْلِهَا وَقَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ *وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقَالَ مَالِي لاَ أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ الْغَائِبِينَ *لأَُعِذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا أَوْ لأََذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ *فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ فَقَالَ أَحَطْتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ *إِنِّي وَجَدْتُّ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ *وَجَدْتُّهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لاَ يَهْتَدُونَ *أَلاَّ يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ *اللَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ *قَالَ سَنَنْظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ *اذْهَبْ بِكِتَابِي هَذَا فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ فَانْظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَ *قَالَتْ يَاأَيُّهَا الْمَلأَُ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ *إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَانِ الرَّحِيمِ *أَلاَّ تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ *قَالَتْ يَاأَيُّهَا الْمَلأَُ أَفْتُونِي فِي أَمْرِي مَا كُنْتُ قَاطِعَةً أَمْرًا حَتَّى تَشْهَدُونِ *قَالُوا نَحْنُ أُولُو قُوَّةٍ وَأُولُو بَأْسٍ شَدِيدٍ وَالأَمْرُ إِلَيْكِ فَانْظُرِي مَاذَا تَأْمُرِينَ *قَالَتْ إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ *وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ *فَلَمَّا جَاءَ سُلَيْمَانَ قَالَ أَتُمِدُّونَنِ بِمَالٍ فَمَا آتَانِيَ اللَّهُ خَيْرٌ مِمَّا آتَاكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ *ارْجِعْ إِلَيْهِمْ فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ لاَ قِبَلَ لَهُمْ بِهَا وَلَنُخْرِجَنَّهُمْ مِنْهَا أَذِلَّةً وَهُمْ صَاغِرُونَ *قَالَ يَاأَيُّهَا الْمَلأَُ أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ *قَالَ عِفْرِيتٌ مِنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ *قَالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ قَالَ هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ *قَالَ نَكِّرُوا لَهَا عَرْشَهَا نَنْظُرْ أَتَهْتَدِي أَمْ تَكُونُ مِنَ الَّذِينَ لاَ يَهْتَدُونَ *فَلَمَّا جَاءَتْ قِيلَ أَهَكَذَا عَرْشُكِ قَالَتْ كَأَنَّهُ هُوَ وَأُوتِينَا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهَا وَكُنَّا مُسْلِمِينَ *وَصَدَّهَا مَا كَانَتْ تَعْبُدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنَّهَا كَانَتْ مِنْ قَوْمٍ كَافِرِينَ *قِيلَ لَهَا ادْخُلِي الصَّرْحَ فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً وَكَشَفَتْ عَنْ سَاقَيْهَا قَالَ إِنَّهُ صَرْحٌ مُمَرَّدٌ مِنْ قَوَارِيرَ قَالَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ *} [النَّمل: 15-44](+).
وفي «سورة سبأ»:
{وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ وَأَسَلْنَا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ وَمِنَ الْجِنِّ مَنْ يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَمَنْ يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنَا نُذِقْهُ مِنْ عَذَابِ السَّعِيرِ *يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ *فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ مَا دَلَّهُمْ عَلَى مَوْتِهِ إِلاَّ دَآبَّةُ الأَرْضِ تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَنْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ *} [سَبَإ: 12-14].
وفي «سورة ص»:
{وَوَهَبْنَا لِدَاوُودَ سُلَيْمَانَ نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ *إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ الصَّافِنَاتُ الْجِيَادُ *فَقَالَ إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ *رُدُّوهَا عَلَيَّ فَطَفِقَ مَسْحًا بِالسُّوقِ وَالأَعْنَاقِ *وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا ثُمَّ أَنَابَ *قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لاَ يَنْبَغِي لأَِحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ *فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً حَيْثُ أَصَابَ *وَالشَّيْاطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ *وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الأَصْفَادِ *هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ *وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ *} [ص: 30-40](+).
ciloxan notice ciloxan tropfen ciloxan alkohol



Copyright © Samih Atef El-Zein 2010     VINTOB