قصص الانبياء في القرآن الكريم
الطبعة : الطبعة السابعة  
المؤلف : سميح عاطف الزين
عدد الصفحات :   692
تاريخ النشر :   2005




داود (عليه السلام)

من أخبار بني إسرائيل في الماضي البعيد أنهم كانوا يضعون في مرتبة المقدسات تابوتاً له شأنٌ كبيرٌ في حياتهم. وقصةُ هذا التابوت أنه كان يحـوي بقيةً من آثـار موسى وهـارون (عليهما السلام) كعصا موسى وسواها. قال الله تعالى: {أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ تَحْمِلُهُ الْمَلاَئِكَةُ} [البَقَرَة: 248]. وكان يُحمَلُ في القتال أمام الصفوف رايةً للجند، وعَلَماً للجيش. ومن توفيق الله أن هذا التابوت ما رُفِعَ في معركة إلاَّ وحالَفَ أصحابه النصر، ولحقت الهزيمة في نفوس أعدائهم، قبل أن تلحقَ بجيوشهم..
وعندما تخلّى بنو إسرائيل عن شريعتهم، وشَكُّوا في أمر هذا التابوت جاءهم الخسران ولحق بهم الذُّلّ والهوان.. فقد غزاهُم الكنعانيون في عُقْرِ دارهم، فغلبوهم على أمرهم، وأخرجوهم من بلادهم، وحالوا بينهم وبين أبنائهم، وكانت خسارتُهم الكبرى التابوت.. فتشتَّتوا من بعده، وتصدَّعتْ وحْدتهم، إلى أمدٍ طويل.
وبُعِثَ في جماعةٍ منهم نبيّ اسمه صموئيل. كان همُّهُ أن يجمعَ شملهم من جديد، ويؤلِّف بين قلوبهم، حتى يعودوا إلى سابق عهدهم من المنعة والاتحاد..
ولم يَطُلِ العهدُ بصموئيل حتى تحقَّق له ما أراد. فأعادَ اللُّحمة إلى أولئك القوم، بعدما سعى إلى الوفاق حثيثاً، وعَمِلَ على نَبْذ الخلاف سريعاً..
أخلَصَ لهم الرأي فأحبّوه، وصَدَقَ معهُم القول فسمعوا له.. واختار مجموعةً من الرجال من ذوي الخبرة والتجربة، ليكونوا عوناً له في الشؤون التي يتدبرها، وفي القضايا والأمور التي يخطط ويرسم لها. وقد جاؤوه يوماً قائلين:
- أيها النبيّ، لقد كنت لنا عوناً في المأساة، ومرشداً في الملمات، وقد جئناك اليوم بطلب أمرٍ جليل، فأسْدِ لنا الرأيَ الحصيفَ وأخلص لنا النُّصْحَ كما ألِفناك..
قال لهم صموئيل:
- أبذل جهدي إن شاء اللهُ تعالى..
قال كبيرهم:
- إننا نرجو خير الأمة، وصلاحَ حالها. وقد قَدِرْتَ بثاقب فِكرك، ونور بصيرتك أن تُبْعِدَ عنّا الضياع والفُرقة. ولكنَّ ذلك لم يُرجع لنا سابق العهد من القوَّة والسلطان. فهل نبقى على هذه الحالة قائمين، وبمثل هذا الوضع قانعين؟.
وسألهم صموئيل:
- وماذا ترومون؟
قالوا:
- أن تختار ملكاً على بني إسرائيل، يكون ذا قوّةٍ وبأسٍ، قادراً على رصِّ الصفوف، ومؤلِّفاً للجيوش، علَّهُ يقودنا إلى النصر فنستعيد مجدنا وعزَّتنا.. وكان صموئيل يعرفُ هؤلاء القومَ حق المعرفة، فقد عَجَمَ عيدانهم، وسبرَ أغوارهُم، وأدركَ مواطن القوَّة والضعف في نفوسهم.. وكان يعلمُ علم اليقين أن فئةً قليلةً منهم تنزعُ إلى القتال، وترغبُ في الانتصار، ولكنَّ أكثرهم غير عابىء بأمور الأمة، لأنه يَرغبُ في النفع الخاص، ويؤثر السكينة والدّعة. وهذا ما كان صموئيل يخشاهُ من القوم. ولكن طالما أن هذه الجماعة من الرجال قد جاءتْ تطرحُ مصيرَ الأمة، فعليه الحذر من سوء المغبة، وعدم التمادي في التفاؤل. فقال لهم بصوتٍ هادىء رزين:
- يا قوم! إني أتوقّعُ تواكلكم إذا دُعيتُم للجهاد، وأخشى تخاذلكم إذا نوديتُم للقتال، فحذارِ من التسرُّع في هذه الأمور، والانقياد وراء نزعات الجهل والغرور!..
وأجابوه:
- وهل فينا من لا يُريد رفع الذِّلَّة، ودفع العار؟!..
- إن شئتم الصدق، نعم، وهم كثيرون.
- لا نخالُ القوم على ما تقول أيها النبيّ، فهم لم ينسوا البلاء الذي حاقَ بهم، ولم يتخلصوا من الشدَّة التي نزلت عليهم.
- إن ميلهم للكسب أكثر من حبّهم للجهاد..
- إذن نحن على حقّ بما جئناك به.
- لم أقُل إنَّكم غيرُ مُحِقِّين، ولكنّي أُحذِّر مما في نفوس القوم حتى لا نقع بسوء التسرّع والجهالة..
- ليس من حالة أسوأَ مما نحن فيه، ولا من ذُلٍّ أشدَّ مما لقيناه، فاعزم أمرك على اختيار ملك لنا..
وعندما رأى صموئيل إلحاحهم، عاد يقول لهم مصارحاً:
- دعوني أستخيرُ الله في أمركم، وأستوحيه في شأنكم. ولا تظنّوا أن الاختيار سيقع حتماً على واحدٍ منكم، فإن أوليتموني هذا العهد، فسوف أولّي عليكم الملك الذي يختاره الله، فهل أنتم راضون؟.
ونظر الجماعةُ بعضهم إلى بعض، وكأنما أُسقِط في أيديهم، فهزّوا رؤوسهم وصعَّروا خدودهم، ولوَوْا أعناقهم آسفين، مما جعل صموئيل يقوم من بينهم، وينفرد بعيداً عنهم.. ولكنه بعد تفرّقهم عنه، صعد إلى جبلٍ قريب، كان يؤُمُّه باستمرار، وهناك قام مُصلّياً، مُعتكفاً، متضرعاً عدة أيّام وليالٍ، منتظراً أمْرَ ربه، فإذا بالوحي ينزل عليه، ليبلّغه بأن الله تعالى قد استجاب سؤله واختار طالوتَ ملكاً على بني إسرائيل. وعليه أن يأخذه إليهم، ويولّيه عليهم، وسوف لا يكون من الخاسرين.
واقشعر صموئيل لاستجابة الدعاء، ولكنه تمالَكَ نفسه وقال:
- وكيف أهتدي إلى مختار الله طالوتَ، وأين ألقاهُ؟
فأتاه الوحي:
ليس هذا من شأنك يا صموئيل... وحتى تحين الساعةُ سوف تلقى طالوتَ وتعرفه.
وسكنَتْ نفسُ صموئيل وقد استجاب الله تعالى لضراعته، فعادَ إلى بيته هانئاً، قريرَ العين.
وجاءهُ القوم يسألونه ماذا فعل، ولكنه آثر الاحتفاظ بالسِّر لنفسه، حتى يبعث الله إليه طالوتَ، فردَّهم عنه، بتؤدة وأناة، وهو يطلب إليهم التريّث والانتظار..
ودأب صموئيل منذ أتاهُ الوحيُ على الصعود إلى الجبل، للاختلاء بنفسه، والتأمل في هذا الكون الفسيح، وما هو عليه من دقَّة وانتظام، وكان كلما أمعنَ تفكيراً وتبصراً، ازداد إيماناً. وظل يمضي أكثر أوقاته في هذا الجبل، لا يحفلُ إلا بالتأمُّلِ، ولا يُشغِلُ نفسه إلاَّ بالتعبُّد. ولكنْ، بعدما جاءه الوحي وبُشِّرَ بطالوتَ وافاهُ ترقُّبٌ جديدٌ، دخل خاطرهُ، وشَغَلَ حيّزاً كبيراً من فكره وقلبه، إذ كان يشعر بأَنَّ لقاءَ الملك سوف يكون في هذه البقعة من الأرض، ولذلك استمر في المجيء إلى الجبل..
ظهور الملك طالوت
وفي أحد الأيام، وبينما كان صموئيل في خلوته في البرية، رأى شخصين يتقدّمان نحو الجبل، وقد اقتربا حتى صارا على مرمى النظر منه. وأحسَّ بشعورٍ غريبٍ يَشُدُّهُ إليهما، فوقف ينتظر وصولهما بفارغ الصبر. وما إن صارا قبالته حتى اندفع نحوهما، يلقاهما بالتحية، ويستقبلهما بالترحاب.
وردَّ أحدهما السلام بأدبٍ جمٍّ وقد آنس من الشيخ لطفاً ووقاراً. وما كاد يفرغُ من ردِّ التحية حتى بادره صموئيل قائلاً:
- هل يمكن أن أعين على حاجةٍ تُريدان قضاءها؟
وأجابه الرجل:
- نعم أيها السيد الجليل، لقد أضعْتُ بغلَةً وما فتئتُ وفتاي، منذ الصباح، نبحثُ عنها في البراري، حتى قادتنا طريقنا إلى هذا الجبل..
وردَّ صموئيل بالقول:
- إن دابّتك لن تضيعَ بإذن الله، فلا تقلقنَّ بالاً عليها.
ثم دعاه وفتاه للقعود بجانبه، حتى يزولَ عنهما الجهد والتعب.. ووجدا في دعوته ما يمنحهما راحةً فافترشا الأرض، وهما يعجبان من أمر هذا السيد، وترحابه بهما على هذا النحو..
قدَّم لهما بعض الماء فشربا حتى الارتواء، وكان العطش قد أخذ منهما كل مأخذ. وبعد قليل، وبحبورٍ بادٍ على محياهُ، نظر صموئيل متفرِّساً في وجه الرجل، وهو يسأله:
- ألا تُخبراني من أنتما، ومن أين أتيتما؟
وأجابه الرجل:
- إني طالوت، وهذا فتايَ. أقيمُ مع أبي في قرية من قرى الوادي البعيد. أرعى الماشية، وأحرث الأرض، وأجتني الزرع، وقد أفلتت بغلةٌ لنا هذا الصباح من عقالها في المرعى، وما زلنا نبحث عنها حتى أنهكنا المسير وأضنانا التعب.
وما إن سمع صموئيل اسمه، حتى أمسَك براحتيه، يشدّهما إلى صدره، وهو يقول:
- لقد حلَّ وعد الله، وهداني إلى ملك بني إسرائيل المختار..
ذُهِلَ طالوت من قول السيد، وحارَ بما يُجيب... وتفكَّر مليّاً وهو يُسائلُ نفسهُ:
«ماذا يقول هذا السيد؟ لعلَّ مسّاً من جنون قد خالط عقلهُ حتى دعاه بالملك.. مسكين هذا الرجل، فأنَّى لطالوت أن يكون ملكاً وهو ابن بنيامين، أدنى الأسباط قدراً، وأقلّهُم مالاً.. لقد أخطأ هذا السيّد رَجُلَهُ، وظنَّني إيّاه، فتبّاً للإنسان إن اشتطَّ به الفكر أو داخَلَ ذهنه الخَبَلُ».
وبالرغم من الدهشة التي اعترته، والذهول الذي شَطَحَ به إلى البعيد، فقد أراد أن يواسيَ هذا السيد في ظنِّه، وأن يُذهِبَ عن فكرِهِ بعض الغموض، فقال له بكياسةٍ ولباقةٍ:
- لعلَّك لم تعرفني يا سيدي. أنا ابن فلاح مسكين، قابعٌ مع أبي في مهاوي النسيان، فلا جاه لنا ولا حديث يُذاعُ بين الناس عنا، ولا معرفة لنا بالقوم، ولا علم لنا بهم.. أنا طالوت أيها المحترم، فهل نسيتَ اسمي وقد ذكرتهُ لك منذ قليل؟!.
وردَّ عليه صموئيل بلهجة الواثق المطمئن:
- أنت طالوت، وأنت ملك بني إسرائيل. لقد اختارك الله لتجمع كلمتهم، وتحزم أمرهم، وتدفعَ عنهم أعداءهم. وإنك سوف تقودُهُم إلى النصر بإذن الله على أعدائهم..
وعادت الدهشةُ إلى طالوت أكثر من ذي قبل، وأجاب محدِّثه بجديَّة ورصانة:
- هل تعني ما تقول أيها السيد؟
- نعم أيّها الملك!...
- وتقولُ أيّها الملك!.. هذا لعمري نسج خيال إن لم يكن وهماً!..
- لست متوهماً، ولا أنا ممن يلقي الكلام على عواهنه... أنا نبيّ الله صموئيل، ولا أنطق عن الهوى..
- أنت النبيُّ صموئيل؟! عفوك يا سيّدي، وحاشا لمثلك أن يُدنَّس أو يُهان.. أرجو أن تُسامحني على زلَّة لساني..
- لستَ مُؤاخذك يا بنيّ، ولكني ما عَنيتُ إلا الحقيقة والصدق.
ورغم عجب طالوت لقول النبيّ صموئيل، إلاَّ أنه تماسك وقال له:
- أمثلي يكون ملكاً على بني إسرائيل، وأنا الإنسانُ البسيط الذي لا خبرة له في القيادة أو الرئاسة!.. بالله خلِّ عنك هذا القول أيها النبيّ الحكيم، وفتّش عن الرجل الذي يليق بالمُلك، ويكون أهلاً للسلطان..
وردَّ عليه النبيّ مهدّئاً:
- بل أنت رجل الله يا طالوت، وملك بني إسرائيل. فأقبلْ على مُلكٍ آتاكَ الله تعالى إيّاه، وعلى نعمةٍ أولاها الوهّاب الكريم لك.
- إذن أنتَ تقول الحقّ..
- والحق من عند الله..
- وكيف سبيلنا إلى القوم.
- إني سبيل معرفتك إليهم. فهيّا بنا، على بركة الله.
.. ورأى بنو إسرائيل النبيّ قادماً من الجبل، وبصحبته رجل وفتى، فأقبلوا عليه يسألونه، كعادتهم، عن الجديد في أمرهم، وهم يتوقَّعون أن يصرفهم بإشارةٍ من يده، كما يفعل دائماً، كدليل على عدم رغبته في البحث عما يريدون. إلا أنه لم يُفرِّقهم هذه المرة عنه، بل طلب إليهم التنادي والاجتماع في داره.. ولبّى القوم النداء، وجاء وجهاء بني إسرائيل وسادتُهم، يسعون إلى صموئيل، وفي نفوسهم شوقٌ إلى ما يقول، وتوقٌ إلى ما يرغبون..
غصَّت الدار بالناس، فوقف بينهم خطيباً وقال:
- يا أبناء إسرائيل، لقد دعوت لكم الله فكانت له إرادةٌ ووحيٌ.
ثم يُشير إلى طالوت الذي بجانبه، ويمسك بيده ويرفعها ثم يتابع فيقول:
- انظروا جيّداً إلى هذا الرجل، وتأمّلوا مليّاً هذا الطول الفارع، والبنية القوية. إن بين جنبيه جناناً ثابتاً وعقلاً ذكيّاً. إنهُ طالوتُ الملكُ، مبعوثُ الله إليكم، فبايعوه بالملك، وانصروه ينصركم الله، وأطيعوه لا يخذلكم.
حدَّق القوم في الرجل طويلاً، وتأمّلوه مليّاً، وتفرَّسوا في قسماته وملامحه، فلم تبدُ لهم إلاّ القوَّة والبأس، ولم يظهر إلاّ الحزم والعزم.. ولكنهم راحوا يتهامسون فيما بينهم، ويشيرون إلى صموئيل تارةً، وإلى طالوت تارةً أخرى. حتى مرَّ بعض الوقت، فقام أحدهم وقال بأعلى صوته:
- كيف يكون هذا الرجل ملكاً علينا، وهو في النسب غير عريق، وفي المال غير وجيه؟ وأين هو من أبناء لاوي فرع النبوَّة، وصرْح الرسالة، ومن أحفاد يهوذا معدن الملك، وأصحاب الرئاسة!..
وبعد توقف قليل تابع قائلاً:
- أيّها النبيّ! نحن بني إسرائيل لا نعرف نبوَّة، ولا مُلكاً إلاَّ لذينك الفرعين، لهما وحدهما الميزة على أبناء سائر الأسباط فينا.. وقد تشاور القوم في أمر رجُلك هذا، فما علمنا أن له عشيرة يحفظ بها الملك، ولا مالاً وجاهاً يُقوِّي بهما الجندَ، فهل نقبل به سيداً علينا، وفينا كل صاحب سطوة ونفوذ، وكل ذي ثروة ومال وفير؟!.. لقد عزمنا ألاَّ نقبل بمن لا يُدانينا كفاءةً في العزَّة والسؤدد..
ثم علا اللغط في المحفل، وارتفع الضجيج، وكأن القوم في هرجٍ ومرجٍ..
وصبر عليهم صموئيل قليلاً من الوقت، ثم وقف ونادى بأعلى صوته:
- يا أبناء إسرائيل، إن الله قد اختار طالوت ملكاً عليكم، لأنه أعلم بالمصالح وأعرف بالعواقب، فإن تَنْفروا منه أو تجافوا الرجل، فإنكم تخالفون ما أراده الله تعالى. وأنتم والله أُوذيتم في نفوسكم، وأبنائكم، ودياركم، بما فيه كفايةٌ من الذلّ والعار، وها قد حان الوقتُ لرفع هذا الكابوس الكبير، فهل تَبْقَون تحت وطأته، ولا نعلمُ فيما إذا كانت العاقبة أشدّ وأدهى؟.
وصمتَ القومُ لمقالتِه، وراحوا يتشاورون فيما بينهم بهدوء ورويَّة، وبعد لحظاتٍ وقف شيخٌ منهم وقال:
- أمّا أنا وعشيرتي، فإننا نرضَخُ لحكم الله، ونبايعُ طالوتَ ملكاً..
وأعقبه سيّدٌ آخر في قبيلته، وقال:
- إن أمر الله لا محيد عنه، ولا مناص من الركون إليه، ونحن نبايعُ طالوتَ ملكاً...
وتوالت المبايعات حتى لم يبقَ في الجمع إلاَّ فئةٌ قليلةٌ، فوقف واحدٌ منها وقال:
- يا صموئيلُ، إن كنت على حقٍّ بأن صاحبك هو رجل الله، فأْتِنا بآيةٍ تدلُّ على بعثه!..
وردَّ النبيُّ على الفور:
- لقد عرف الله لجاجَكم وعنادَكم، فأوحى إليَّ بالعلامة التي تنشدون. إنَّ موعدكمُ الفجرُ، وما الفجرُ ببعيد، فاذهبوا مع صياح الديكة إلى ظاهر المدينة، وستجدون التابوت الذي فقدتم موضوعاً على الأرض..
وهبَّ كل من كان في الجمع واقفاً، وهو يصرخ:
أيعود لنا التابوت؟!..
وأعلن صموئيل:
- إنه الدليلُ على أن النصرَ سيأتي على يدي ملككم طالوت..
ولم يَنَم القوم في تلك الليلة، وباتوا في الأرق والسهر، حتى حانَ الموعد الذي ضربه صموئيل، فإذا الناس كلهم يُهرعون، يتدافعون ويتراكضون، وفي نفس كلٍّ منهم لهفةٌ، وفي قلبه أملٌ ورجاء.. وكانت الآيةُ، ووقفَ الزحفُ بين مُشرَئبٍّ بعنقه بالدعاء إلى الله تعالى، وبين ساجدٍ على الأرض بالشكر له سبحانه، وهم يرون تابوتهم قد عادَ إليهم، فأيقنوا أن طالوت هو الملكُ الموعود، وعادوا إلى بيت صموئيل، يُبايعونه جميعاً من جديد، ويقُرّون له بالحكم والقيادة..
وأسّس طالوت حكمه على العدل السويّ، والحزم القويّ.. وبادَرَ بتأليف جيشٍ قادرٍ، فأعلن في القوم أنه لا ينتظم تحت رايته إلا من كان خلواً من الهواجس، خليّاً من الصوارف.. فمن شرعَ في بناءٍ وما أتمّه، أو خطب عروساً ولم يتزوجها، أو كانت له تجارة أو صناعة أو زراعة لم يُكملها، فدونه شاغِلُهُ، ومتى فرغ منه، وآنسَ صفاءً في الذهن، وراحةً في النفس، وخلواً في البال فليأتِ للدخول في الجيش، وأن يكون عن قناعةٍ ورضىً، لا عن ضيق وتبرّم..
إنها الحنكةُ بعينها، وهو التصوّر الصائب، والتدبير المحكم.. ذلك أن مراد طالوت كان تأليف جيش خال من الهموم التي تشغله، ومن الأعباء التي توهنه، فإن أنشأه على هذه المقومات، فقد يضمن به النصر المؤزّر لبني قومه.. وإلاَّ فإنَّ فقدان الجيش لأساسه المتين يُبقي بني إسرائيل في نفس الأحوال التي هم عليها ردحاً من الزمن حتى يُقيّض الله تعالى لهم قوة الأنفس، وعزيمة القلوب، والإيمان بتحقيق الأهداف.
ولا نخال السياسات الحكيمة اليوم، في داخل الدول الحديثة، إلاَّ وتعتمد نفس الأسلوب في معالجة قضاياها ولا سيما في الحروب التي تخوضها.. لا بل إن الدول المتقدمة باتت لا تعمل إلا وفق الدراسات والخطط والبرامج التي تعدها جماعات الاختصاصيين والأكفاء. ومن أجل أن تؤمن لهم النجاح في وظائفهم ومهامهم فإنها توفر لهم كل الإمكانيات، وتقدم لهم كل الاحتياجات، سواء ما يتعلق منها بأعمالهم، أو ما يعود إلى حياتهم الخاصة.. وهي الأفكار ذاتها التي يعتمدها كل قيادي في عمله وميدانه، وبذلك يمتاز عن غيره من القياديين غير الموهوبين، وغير المبالين.. أجل إن هذه السياسة في اختيار الأكفاء، وتوفير مناخات النجاح لهم إنما نستقيها من تاريخ الشعوب التي أقامت الحضارات، ومن واقع الأمم في حياتنا الحاضرة، والتي تثبت جميعها أن المعوَّل عليه دائماً هو هذا الإنسان في تفكيره، وفي إعداده، وفي نهجه وعطائه.. وإنَّ الإنسان، أي إنسان، يكون مهموماً، مشغول الفكر والبال بأمورٍ بعيدةٍ عن مجال عمله، لا بدَّ أن يكون عطاؤه أقلَّ، لأن طاقته على الاحتمال تكون أضعف، ومثابرته على العمل تكون أوهى..
وهذه السياسة، وهذا الأسلوب هو ما اعتمده طالوت منذ بضعة آلاف من السنين حتى يكون له الجيش الذي يريد.. فقد جمع الألوف من أبناء إسرائيل، ووزعهم وفق تنظيم دقيق، ثم أقام تدريبهم على شدة البأس، وقوة المراس، وصلابة العزم. وبث فيهم روح الواجب والتضحية، وغرس في نفوسهم معاني العزة والكرامة حتى استوى لديه جيش متلاحم النسيج، قوي الشكيمة، قادر على ولوج المعارك والثبات فيها.. وتأمين النصر عند ملاقاة العدو. لكن طالوت لم يعلن النفير قبل إجراء الاختبار الأخير الذي يضع على أساسه تنظيم جيشه بالصورة النهائية.. وهكذا وبعد أن استقر رأي طالوت على الخطة التي أرادها، دعا إليه قادة الجيش، وأعطاهم الأوامر بالزحف، دون أن يُفصح عما صمَّم عليه، وخطط له!... وخرج على رأس الجيش، وسار به طويلاً حتى بلغ نهر الماء الذي يقصده، فهنالك دعا إلى التوقف، ثم اعتلى ربوة، ونادى في جنده قائلاً:
- أيها المقاتلون! يا أبناء إسرائيل! ها أنتم قد اجتزتم المسافات بلا ماء ولا طعام، وها هو الماءُ العذبُ، المنعشُ أمامكم، إني أحذِّركم من الإفراط في الشرب. فلا يشربنَّ أحدكم من هذا النهر حتى الارتواء، بل عليه أن يأخذ ما يبلُّ ريقهُ، ويبرِّد كبده، ويكفيه من ذلك أن يغترف ملء راحتيه ولا يزيدنَّ أكثر، فمن خانته نفسُهُ، وفقد السيطرة عليها من جراء العطش، كان لشدة الحربِ أقلَّ احتمالاً، ولا أحسبه حينئذٍ من جند طالوت، لأنه غير قادر على خوض غمار القتال تحت إمرته.
ثم نزل وأمَرَ قادته أن يدفعوا بجنودهم كتائبَ كتائبَ لعبور النهر إلى الضفة الأخرى، وراح يراقب كلَّ كتيبةٍ بإمعانٍ بالغٍ بحيث لا يفوته ما تقوم به فرقة في هذه الكتيبة، أو جنديٌ واحدٌ في غيرها.. وكان في كل عبورٍ يأمر قائد وحدته أن يوزِّع الجنود إلى تصنيفات قد حدَّدها من قبل لكل القادة، حتى اكتمل الاختبار، وجرى الفرز وفقاً لمشاهدات القائد الأعلى وملاحظاته التي أظهرت عدة أصنافٍ في جنده، أمثال خائري العزيمة الذين هوَوا في الماء لا تحملهم أرجلُهم من التعب، والذين سلبهم الماءُ الإرادةَ فراحوا يعبّون منه عبَّ الأنعام. أما الأقوياء والأشاوس فهم الذين امتثلوا للأوامر فاكتفوا من هذا الماء بما يبلُّ الريق، وعبروا النهر بتوثُّبِ الأسود..
وبالفعل فقد نجحت الطريقة التي اختارها طالوت لتوزيع جنوده إلى فرقٍ بحسب قدرتها على حمل السلاح. فكان منهم فرقة الفرسان، وفرقة المشاة، وفرقة حملة السيوف، وفرقة النبال والرماح، وفرق متعددة لحمل الذخيرة، والمواد، والأطعمة والأشربة وكل ما يحتاج له الجيش لخوض المعركة.
وبعد هذا التنظيم عاد طالوت إلى تدريب الجيش من جديد. وقد ظل على هذه الحال عدة شهور حتى اطمأن في نهايتها إلى صلاحية هذا الجيش، وقدرته على مواجهة الأعداء.
داود يقتل جالوت
وهكذا وبعد أن أتم طالوت التدريبات، وأنهى الاستعدادات، وبعد أن رأى جيشه قد أصبح قادراً على ولوج المعركة، وخوض القتال، أعلنَ الحرب، وسارَ إلى المعركة الحاسمة.. والتقى جيش طالوت بجيش الأعداء، وكانت ساعةٌ حميَ فيها الوطيسُ، واشتدَّ القتالُ، حتى وهنت الجموعُ، وخارت القوى، فنودي بين الجمعين للتوقف عن القتال كي تُلَملمَ القتلى، وتُداوى الجرحى، ويستعيدَ الناجون أنفاسهم.
وكان في جيش طالوت أربعة إخوة، هم أبناءٌ لرجلٍ من بيت لحم يدعي إيشا. عاش هذا الأب مع أولاده آمناً وادعاً، سعيداً في حياته، لا يُنكِّد عليه الحياةَ إلاَّ الذُّلُّ الذي لقيه قومه على يد الكنعانيّين.
فلمّا استنفَر طالوت أبناء إسرائيل لإعداد جيشه، وكان إيشا قد تقدمت به السنّ، ولم يَعُد قادراً على حمل السلاح، لم يَر أحسن من أن يدفَعَ بثلاثةٍ من أبنائه لينضووا تحت لواء القائد الجديد، ذوداً عن الديار، واستعادةً للشرف والاعتبار. ثم اختار أصغر أولاده ليكون عوناً لإخوته، فيحمل لهم الطعام والشراب، ويقوم على خدمتهم.. وكانت وصيّة الأب لهذا الولد أن يُحاذر الاقتراب من المعركة عندما ينشبُ القتال، وأن لا يتدخّل في غماره ساعة يشتدّ الصدام، فهو ليس من رجاله، ولا من فرسانه، لأنه ما يزال صغيراً طريَّ العود، ولا يقدر على حمل سيفٍ، أو طعنٍ برمح.. وعمل هذا الفتى بنصيحة أبيه، فظلَّ بعيداً عن المعركة، يرقُبُ ما يجري وفي نفسه لهفة، وفي قلبه لوعة.. إنه في جانب الميدان، ولا يحيد بناظريه عن إخوته، وهم في حومة الوغى. كان يقدّم لهم ما يحتاجون له، وبودّه لو يحمل عنهم بعض ما يعانونَه. وفوق هذا الاهتمام بإخوته، كان في توقٍ لمعرفة النتيجة قبل أن تحين، وفي شوقٍ لرؤية النصر. وساءهُ ما سمعهُ من إخوته عن قوة العدوّ، وشدَّة مراسِه، وقدرته على الوغى. وشعر أن حلمَهُ بالنصر يكاد أن يفلت من يده، وهو لا يستطيع شيئاً، وليس أمامهُ إلاّ الصبر والترقُّب.
كان قد مضى شطر طويل من ذلك اليوم، قبل أن يَشُقَّ المسامع صوتٌ يدوِّي في وسط الميدان منادياً للمبارزة. وشدَّ الصوتُ الفتى، فإذا به يرى فارساً ضخم الجثَّة، عريض المنكبين، يتحصَّنُ بدروعٍ حديدية، ويمتشقُ سيفاً ورمحاً، ويتنقّل على صهوة جواده، بغطرسةٍ وكبرياء، وهو يعاود المناداة:
- أنا جالوت!... هل من مبارز، هل من مناجز؟!.
وسأل الفتى إخوته بجانبه:
- هل هذا الفارس منّا؟
قيل له: لا، إنه قائد الأعداء.
ارتجف الفتى للخبر، وخاف على إخوته منه، ولكنَّ خوفه كان أشدّ على النصر الذي يؤمِّل أن يراهُ لبني قومه. وراح يُحدّق في الفارس من جديد فإذا به عملاق، وهو يتحدّى الأشاوس في جيش طالوت، ويتهكَّم على شجعانه. وكان يدعو إليه الفوارس والأبطال، ولكن ما من مجيب، أو مُنازل.
وعاد الفتى يسأل إخوته:
- ما اسم هذا الفارس؟
وجاءه الرّدُّ بعصبيّة وحدَّة:
- أَلم تسمَعهُ يُعلن اسمهُ، إنه جالوت قائد عدوّنا!. ما من أحدٍ قابله إلا وأرداه قتيلاً، فكُفّ عن السؤال أيها الفتى.
وكأنَّ مرأى هذا الصنديد قد أنسى الفتى اسمهُ، فسكتَ على مضـضٍ، ولم يُجبْ..
وكيف له أن يهدأ والجزع قد هيمن على الجنود، فبات كلّ فردٍ منهم منكَّسَ الرأس، خائرَ العزيمة..
وقام يسعى ناحية طالوت، فوجده يتنقّل من جماعة إلى أخرى، يَحثُّ أصحاب الشجاعة على المنازلة، ويُثِيرُ في الأبطال روح الهمَّة، ولكن ليس من مُجيب، ولا من مِقدام.. وبدا على طالوت اليأسُ، فأعلن في قواده وجنوده، أنَّ مَنْ يُنازِل ذلك الفارس ويُخلِّص القوم من شرّه، فإنه سيفوز بابنته، ويتولى الملك بعده.
وعلى الرغم من هذا الجزاء العظيم الذي يثير الحماسة في نفوس الجند، فإن أحداً لم يَهبَّ لتلبية النداء، أو يبديَ رغبةً في النزول.
وحملَقَ الفتى في كل وجهٍ لَقيهُ، وتفرَّس في كلّ سحنةٍ مرّ بها، فلم يجد راجلاً، ولم يرَ فارساً متحمساً للنزال.. ثارتْ حفيظةُ نفسه، وهاجتْ حميّةُ قلبه، وشقَّ عليه أن يرى عملاقاً كافراً يتحدّى حزب الله، فاندَفَعَ إلى طالوت، يطلبُ منه الإذنَ في منازلةِ جالوت..
ونَظَرَ إليه طالوتُ، فإذا هو فتى أغرُّ، طريّ العود، نحيل الجسم، لم يكد يبلغ حدّ الرجولة بعد. فكَبُرَ عليه ما يَعرِضهُ هذا الفتى المقدام، فأخذهُ برفقٍ في يده، وهو يقولُ له:
- خلِّ عنك هذا الأمر يا بنيّ، ودَعْهُ لمن عساهُ أن يكون أكبرَ منك سناً، وأقوى ساعداً..
وسكتَ برهةً ثم عاد يسألُهُ:
- ولكن ألا تُخبرني من أنت يا بنيّ؟
- إنني داود بن إيشا، من بيت لحم..
- بوركتَ يا داودُ، ولسوفَ يكونُ لك شأنٌ في مستقبل حياتك!..
وردَّ عليه الفتى:
- إنني لا أرنو إلى المستقبل يا سيّدي إلاَّ بنصرٍ لبني إسرائيل، فخذني جندياً في هذا الجيش، وادفعني إلى ملاقاة جالوت.
- هوّن عليك يا داود، فإن لم يَقُم منّا فارسٌ أو شجاع، فأنا مُنازِلٌ ذلك الرجل بإذن الله.
- لا يا سيّدي فأنت القائد وأنت الملك، ولا يجوز أن تُترك البلاد والجيش بلا قائد أو ملك. إني أطلبُ منك الإذنَ، ولا يخدعنَّك مظهري، ولا يصرفنَّك عن مطلبي صغرُ سنّي.. ولا تخفْ أيها الملك، فأنا قادرٌ على القتال. بالأمس أهاجَ ذئبٌ غنمي، فَعَدوتُ وراءه حتى قتلته، ولقيتُ مرَّةً دبّاً شرساً، فحاذَرْتُ حتى تمكَّنتُ منه وأرديته..
تفرَّس طالوت في وجه الفتى، فإذا يقينٌ يداخلُهُ بصدقِ لهجته، وإذا عزمٌ يحثُّهُ على استجابة طلبِه، فتفكر مليّاً ثم قال له:
- هاكَ سيفي، وهذه خوذتي ودرعي، فانزل إلى عدوّ الله، والله كفيلٌ بأن يحفظك ويرعاك..
وتقدَّمَ منه، يُلبسُهُ عُدَّة القتال، ثم يأمُرُ أن يُؤتوه بحصانه ليُركبه عليه..
ولم يعرف داود كيف يرتدي لباس المعركة، فقامَ مَنْ حولهُ يُلبِسونه... وأراد أن يمتطيَ الجواد، فلم يستطع الحراك في ذلك الحديد. لقد شعرَ أنه أثقل منه، وأحسَّ أن جسمه ينوء بحمله. فطلَبَ من طالوت أن يخلعَ عنه ما يُكبِّلهُ ويُضيّق عليه الخناق. وكالبرق الخاطف بعد أن نزعوا كل ما عليه، راح داود يجمعُ الحجارة ويملأ بها جرابَه، ثم امتشق مقلاعهُ، وحَملَ عصاهُ، واندفع أمام عينيْ طالوت، وهو من مضاء عزمه في أمنع حرز، ومن صدق إيمانه في أقوى حصن.
... واندفع الفتى نحو ساحة الميدان، والأعناق تشرئبُّ إليه، والعيون تتعلَّقُ به، والقلوبُ تهفو إليه وهو يعدو ويعدو، حتى صارَ على مسافةٍ من جالوت، فوقف ينظر إليه متأمّلاً، متفحّصاً.
ورأى جالوت أمامَهُ فتىً أقربَ لأن يكون غلاماً. إنه لا يحملُ سيفاً، ولا يتنكَّبُ قوساً، وظنَّهُ رسولَ القوم إليه، يحمِلُ عهد الاستسلام، فقال له:
- هات ما عندك أيها الغلام...
وسكتَ داود ولم يُجب، فعادَ جالوت يسألُه:
ـ لِمَ قدمتَ أيها الولدُ إلينا، وماذا في جُعبتكَ تلك؟ هل أرسلكَ طالوتُ تحملُ خبرَ هزيمته، ونبأ انتصارنا عليه. فقدّم إليَّ ما أنتَ آتٍ لأجله، وإلاَّ أخذته منك عنوةً..
وردَّ داود عليه برباطة جأش، وثبات جنان:
- بل أرسلني طالوت لقتلك..
وعلت من جالوت قهقهاتٌ رعناءُ وهو يسمعُ قول الفتى، ثم أمسك عن الضحك وقال له:
- ألمْ يَعُدْ في جيش بني إسرائيل رجالٌ حتى يبعثوا بفتيانهم إلى الموت؟ إنها لمهزلةٌ وسخريةٌ في العالمين.. عُد إلى ذلك الرجل وقلْ له أن يأتيَ إليَّ صاغراً، وإلاَّ قطَّعتُ جسمك إرباً إرباً..
وأجابه داود ونبرات صوته لم تتغيّرْ:
- أتظنُّ جبروتك يحميك منّي، وسلاحَك يمنعك عنّي؟ لقد خاب ظنُّكَ يا جالوت. إني آتيك باسم الله رب العالمين، وسترى أن قولك هراء، وفؤادك هواء، وسيفك كليل وعلمك بالقتال ضئيل.. وستعلَمُ هذه البوادي، وتعرفُ هذه القفارُ أن أمر الله تعالى هو الغالب، وأني سأُخضِّبُ هذا التراب بدمك، وأُخلِّصُ المؤمنين من شرّك.
وصرَخَ فيه جالوتُ بصوتٍ كالرعد:
- إذن خذها ضربةً قاضيةً تودي بك إلى الفناء أيها الولدُ اللعينُ..
وهجَمَ جالوتُ على داود يريدُ أن يُطيحَ رأسه بضربةٍ واحدة. ولكن الفتى كان أسرع منه، فقفزَ جانباً وراح يدور حول الفارس الجبار، وهو يعدُّ مقلاعه ويضع فيه حجره، حتى صار في المدى الذي يستطيع أن يقذف منه فيصيب، فوقف بثبات وأعدّ مقلاعه، ثم صوَّب نحو جالوت برميةٍ هي أمضى من السهم، فإذا حجر مقلاع داود يخترق جبهته، ويكسر جمجمته، وينثر دماغه، فيتمايل الجبّار فوق جواده فاقدَ الوعي ثم يهوي على الأرض جثَّة هامدة، تروي التراب بدمها الفوّار!..
ووقف داود فوق رأس جالوت، وهو يلهثُ من التعب، بعدما أعياهُ الركض والدوران. كان قد رسم خطةً تدلّ على نباهة وخبرةٍ لا تتوفران إلا لفارسٍ متمرّسٍ على فنون القتال.. لقد جعلَ عدوّه في وسط دائرة، وأخذ يلفُّ من حوله بطريقة لولبية، وبخفّةٍ ورشاقة، لا يمكِّنانه من الدنوّ منه، ويتيحان لمقلاعه المدى، فيصلُ الحجر كأسرعَ من رصاص البنادق، وأمضى من شفرات السهام. وها هو الآن يقف فوق هذا الرأس الدامي، وصوتُهُ يشقُّ عنان الفضاء منادياً: الله أكبرُ، الله أكبرُ..
وتعالت صيحاتُ التكبير والتهليل في جيش طالوت، وامتلأت حناجر جند جالوت بالغُصص..
لقد ارتاعَ قوم جالوت لرؤية قائدهم يهوي على الثرى، وتسكن حركته، وتخمد أنفاسه.. وهلَّل قوم طالوت لرؤية فتاهُم وهو يقف على الملأ يكبِّرُ. فكان في موتِ قائدٍ وفي حياةِ فتىً، نصرٌ من الله لبني إسرائيل، وهزيمةٌ لعدوّهم...
وذاعَ صيتُ داود في أرجاء البلاد حتى صارَ حديثَ القوم، ومحطَّ الأنظار. وأسكنهُ طالوتُ قصرَه، وقرَّبه من نفسه، ورعاه بقلبه، حتى بلغ أشدَّهُ، فزوَّجَه ابنته مكيال. وحقَّت كلمة ربّك، فجاءه فتحٌ مبينٌ، وفوزٌ كبير من لدن العليّ القدير.. إنه فضلُ الله، وفضلُ الله واسعٌ يؤتيه من يشاء، وهو ذو الفضل العظيم.
أقامَ داود بين ظهرانَيْ صموئيل النبيّ، وطالوت الملك، حتى وافاهما الأجلُ، ورحلا عن هذه الدنيا. وكان داود خلال تلك الردح من الزمن، يتعلَّم من الرجُلَين الصالحين مناهج الأخلاق القويمة، وقواعد العدل السويّ، ويتعرَّف إلى حاجات الناس ورغباتهم، حتى اجتمع لديه علمٌ غزيرٌ وحكمة بالغة. ثم جاءته النبوَّة بعد صموئيل، وآل إليه الملكُ بعد طالوت، وأتمّ الله نِعَمهُ عليه كما أتمَّها على النبيّين والمرسلين الذين سبقوه في العهود الماضية.
الجبال والطير يُسبِّحْنَ مع داود (عليه السلام)
وزادَ في هذه النِّعَمِ ما آتاه الله من صوتٍ حنون، استخدمه في التسبيح للباري في عليائه، وتمجيده في قدسيته، حتى أن الجبال والطيرَ كانت تردد تسبيحه وتقديسه.. ودأب على الخلوة إلى نفسه، والاعتكافِ عن الناس كلما كانت تسنحُ له الفرصة بالراحة. فكان يصعدُ إلى الجبال أو يذهب إلى البراري، وهناك يجدُ نفسهُ بين أحضان الوجود البكر، فيُحيي اللياليَ بالإنابة إلى الله، عازفاً على مزماره، شادياً بألحانه. تسمَعهُ الجبالُ والطيرُ، فتطربُ للشدو، وتأنسُ للَّحن، وتردّد معه آيات التسبيح والتعظيم. فسبحان الله الذي حمل الطير على الشدو، وأنطقَ الجبال بالتقديس الذي أشارت إليه الآية في «سورة الأنبياء» في القرآن الكريم، إذ يقول الله عز من قائل:
{...وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ وَكُنَّا فَاعِلِينَ *} [الأنبيَاء: 79]. وسبحان الله يزيدُ في مكرماته، فيؤتي داودَ (عليه السلام) الزبورَ كتاباً مقدَّساً: {...وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا *} [النِّسَاء: 163].
فما أعظم هذه الآيات، وما أجلَّ تلك المكرمات! إنها تدلُّ على أن داود النبيَّ معدنٌ بشريٌّ من نسيج خاصّ، ونفسٌ إنسانيةٌ من حبكٍ مميّز.. بَلَغَ شفافيةً في النفس، وسموّاً في العبادة، حتى أزاحَ الفروقات بين الكائنات، فاستجابت النباتاتُ والأشجار وراحت تترنَّمُ بصوته، وتمازجت ذرّاتُ الجبال تتغنّى بشدوهِ، وسالتْ نفوس الطيور تصدحُ للحنه، حتى امتزج الضمير البشريُّ بقلب الطير والوحش، وفي صميم الحجر والمدر، فاستوتْ تتآلفُ، وتتناغمُ، وهي تُقدِّس الخالق وتُمجّده... إنها وحدةٌ عجيبةٌ حقاً، تعرَّتْ فيها الجبال من إطار جمادها، وخلعتِ الطيرُ نطاق لغاتِها، فباتتْ مع الإنسان خلائقَ سويّةً، في نغم تسبيح الخلود لله تعالى، الحيِّ القيومِ، الواحدِ، الصمد..
ورغم هذه الميزات العظام، كان داود (عليه السلام) يعيشُ حياة الناس العاديين، فيأكل من عمل يده، ومن نتاج صناعته، ويضيف إلى صفحات سجلِّه، صفحةً جديدة في ابتغاء الخير. وهو ما سوف يقوم به بعد عهود عديدة النبيُّ محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) فيؤكّد هذه النَّظْرة في كسب الرزق، كما جاء في الحديث الشريف:
«ما أكل ابن آدم طعاماً قطُّ خيراً من أن يأكل من عمل يده، وإن أخي داود كان يأكل من عمل يده»(+).
وعليّ بن أبي طالب (كرم الله وجهه) الذي تلقَّى العلمَ عن النبيّ محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) حتى صارَ بابَ مدينةِ علمِهِ، يؤكد نفس النظرة حول فضل داود (عليه السلام) في العمل فيقول: «وإن شئتُ قلتُ عن داود (عليه السلام) صاحب المزامير، وقارىء أهل الجنَّة، فقد كان يعمل سعائف الخوص(+) بيده، ويقول لجلسائه: أيكم يكفيني بيعها؟».
عاش داود (عليه السلام) في ذلك الأفق من التفكير، وفي تلك النظرة إلى الحياة، وكانت صناعتُهُ الحديد، يُقطِّعهُ ويُشكِّله، ويُوصِّله، ويعمل منه الدروع. وقد بلغ في تلك الصناعة مهارةً فاق بها صُنَّاع عصره، وجعَلتْ لدرعه ميزةً خاصةً، بحيث تتيحُ للمحارب حرية الحركة، وفي الوقت نفسه، تُبعِدُ عنه حدَّة السيوف، وقوَّة الخناجر والفؤوس فلا تقوى على كسرها، ولا تتمكّن من فلّها، وصاحبُها غير مكبَّل بثقلها، أو رازح تحت عبئها..
لقد اشتغل داود (عليه السلام) بصناعة الدروع. وتليين الحديد لا يكون إلا بعد انصهاره في النار وتذويبه. فسبحان الله الذي هداه إلى هذا الاكتشاف، ومن ثم إلى صناعة الدروع فقال عنه في القرآن الكريم: {...وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ * أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ} [سَبَإ: 10-11]، (والسابغات هي الدروع). وبذلك يكون (عليه السلام) أول مكتشف لذوبان الحديد.
فداود (عليه السلام) من أفذاذ البشرية حقاً. فهو ملكٌ يقوم على الفصل والقضاء بين الناس، وعلى إدارة شؤون الملك، وتدبير أمور الحكم. وهو نبيّ لا يترك يومه ينصرم إلا وفيه وعظ وإرشاد وبيان وهديٌ، وهو إنسانٌ يعرف ربَّه حقَّ المعرفة، فلا يمرّ وقت بلا عبادة، ومناجاة، وتسبيح. يوزِّعُ أوقاته بين رعاية الناس، وتزكية نفسه، وتقديس ربّه، بدقة وانتظام. إنه يُعَدُّ بحقّ مثالاً صادقاً للإنسان الحكيم.
داود (عليه السلام) يحكم بين الخصمين
وأراد الله تعالى أن يزيده حكمةً وعلماً بفصل الخطاب، فأرسل إليه ملكين من الملائكة تسوَّرا المحراب ودخلا عليه، فخاف منهما، وقد وجدهما قاعدين أمامه بلا استئذان أو طلبِ دخول عليه..
أجفلَ وخافَ، ولكنّه اطمأنَّ وهما يبديان خصومةً جاءا يحتكمان بها إليه.. وبادَرَهُ أحدهما قبل أن يعرض القضية بالقول:
- لا تُشططْ (أي لا تتجاوز حدّ العدل) واهدنا إلى سواء الصراط.
ووجَدَ داود نفسه أمام أمرٍ واقعٍ فرضَهُ هذان المتخاصمان بالمجيء إليه، دون أن يكون في مجلس القضاء أو على استعداد للفصل في الخصومات... ومع ذلك فقد طلب إليهما الكلام وإبداء ما عندهما:
فقال أحدهما: «إن هذا أخي، له تسع وتسعون نعجة، ولي نعجة واحدة. ولكنه زاد في طمعه، حتى غلبَهُ هواه، فطلب النعجة الوحيدة التي أملك. فجادلته في أمرها، وأبديتُ عذري في الامتناع عن تركها، وأبَنْتُ له الفارق بين غناه وفقري، ولكنه كان أوسعَ حيلةً منّي، فغلبني بنقاشه، وأقنعني بحجَّته، لأنه رجلٌ أفصحُ لساناً، وأقوى جدالاً، وأغنى بياناً».
وتراءى لداود (عليه السلام) أنَّ الحجّة التي يمتلكها الرجلُ الآخر قد أدّت إلى ظلم أخيه، فبادر بالحكم قائلاً:
{لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَى نِعَاجِهِ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْخُلَطَاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَا هُمْ} [ص: 24].
فالتفت إليه الخصم الثاني وقال له: هذا حكمٌ جائرٌ، فما عدلتَ. كيف تستبيح لنفسك الفصل في خصومةٍ لم تستمع فيها إلاّ إلى أحد الفريقين المتداعيين دون الفريق الآخر؟ {...وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ *} [ص: 24] إلى الله تعالى، ثم أطرق ممعناً في التفكير، فوجد أن خوفاً استقرَّ في قرارة نفسه، وجزعاً يُمسك بداخلِ كيانه. فقد أُخِذَ على حين غرّة، وعاش لحظات حرجة، وكل ذلك لمرأى هذين الرجلين، ولكن ما كان يَجْدُرُ به أن يتسرَّع في الحكم، وأيقن أن حكمه قد جاء بلا روية كما يبدو لأول وهلة. ولذلك عادَ يُسائل نفسه:
«من هما هذان الرجلان؟ وكيف اقتحما خلوتَه وليس الوقت وقتَ قضاء، وبدون أن يأذن لهما أحد بالدخول؟».
وأدرك من فوره أنهما من غير البشر. فإذن هما ملكان من الملائكة، وقد بعثهما الله لاختباره.. وجاءَهُ الوحيُ معاتباً: {يَادَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلاَ تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ} [ص: 26].
فداود نبيٌّ، ومهمتُهُ كمثل سائر الأنبياء، تهذيبُ النفس البشرية. ومتى سادَ هذا التعامل، استطاعت البشرية تحقيق إنسانيتها، بكل ما تحمله تلك الإنسانية من مفاهيمَ ساميةٍ، وقِيَمٍ عُليا..
وسلوك الأنبياء وعملهم، وقولُهم، هذه كلها المثال الذي يجب أن يقتديَ به البشر في تطلُّعِهم نحو إثبات إنسانيتهم. ولما كانت النفسُ البشريّةُ نزّاعةً نحو الهوى، وكان الأنبياء من بني البشر، فإن الله سبحانه وتعالى يبتلي أنبياءهُ بنوع من الاختبارات والتجارب، للتدليل على تلك النزعة، ووصف العلاج الشافي لها.
وحادثةُ الملكين مع النبيّ داود (عليه السلام)، إنما كانت ترمي إلى معالجة الهوى النفسيّ بنظرة شمولية لا تتوقَّف عند حدود زمان ومكان معيّنين، بل تستمر ما دام البشر قائمين على هذه الأرض.
وهكذا كان الأنبياء يُختصُّون بأحداث معيَّنة، تُعبّر عن الميول والنزعات البشرية، وذلك من أجل أن ترسم للإنسان الطريق الذي يتبعه في جهاده لكبح جماح عوامل الضعف عنده، وليدأب على معالجة نفسه، والانتصار على ما تأمر به من السوء، من أجل الوصول إلى أسمى المراتب التي يجب أن تكون عليها تلك النفس.
وليس داود (عليه السلام) وحده، من بين الأنبياء ابتُلي بمثل تلك الأحداث، بل جميعُهم وقعوا بمثلها، وكان يجب أن يقعوا بها طالما أنهم هم القُدوة لبني البشر، والنماذج المعبّرة عن كمالِ الحياة الإنسانية.. وهذا النبيّ محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) وهو خاتم الأنبياء والمرسَلين لا تخلو سيرته من تجربةٍ يقيمُها الله سبحانه وتعالى عليه. ففي غزوة الأحزاب جاءهُ نفرٌ من المسلمين يستأذنونه بالذهاب، فقال الله تعالى له: {فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ} [النُّور: 62]. لقد أعطاه الله حريّة التصرّف الكامل، ليأذَنَ للرجال إن شاء، أو يمنعَ الإذن إن شاء بدليل قوله تعالى: {فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ} [النُّور: 62]. وها هو في غزوة تبوك، يأذن لرجالٍ جاؤوه في طلب الذهاب. فيأتيه عتابٌ من الله على هذا الفعل، لأن المعركة كانت على أشدّها مع الروم، وظروفها لا تسمح بالتفريط بأيّ جزءٍ من القوَّة. وكان عتابُ الله على صورة العفو، فنزلَت الآية الكريمة: {عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ} [التّوبَة: 43]. ولو تبصَّرنا قليلاً لرأينا أن عتاب الله تعالى للنبيّ محمد (صلى الله عليه وآله وسلم)، لم يكن عتاباً له البتَّة، بل كان توبيخاً صارخاً للمتخلِّفين والمستأذنين بالبقاء في المدينة..
إذن فالتجربة حدثٌ يقوم به النّبي، أيُّ نبيٍّ.. وحكْمُ داود، وإذْن محمد (صلى الله عليه وآله وسلم)، كانا تنبيهين لهما في ظاهر القول على شكل عتاب من الله لأنبيائه، وأولى أن لا يفعلوه... وهو في الحقيقة وواقع الأمر تنبيه لبني البشر، للناس جميعاً لكي يُصلحوا أنفسهم، وليعرفوا حدود ما أنزل الله تبارك وتعالى.
واعترافُ الأنبياء بحجَّة الله عليهم حثٌّ للإنسان أن يعرف نفسه، ويُقِرَّ بكوامن الضعف فيها. واندفاعُهم في الاستغفار وهم غير مذنبين، وفي طلب الرحمة وهم أولى بها من سائر الناس، وأبعد المخلوقات عن الوقوع في الإثم.. كلّ ذلك يجعل منهم القدوةَ الحسنة للناس في التخلُّص من الشوائب التي قد تعتريهم..
فأيةُ تربية أجمل من تلك التربية للنفس الإنسانية؟!..
الأنبياء، وهم معصومون من الوقوع في الخطأ، يُبْتَلَوْنَ بتجاربَ في حياتهم، لا لشيء إلا لتكون تلك التجاربُ دليلاً للإنسان على السلوك الذي يجب عليه اتباعهُ كي يُحقِّق المثل العليا والمبادىء السامية..
وبعد تلك الفتنة، والتجربة التي وقع فيها النبيّ داود لم يغلب عليه هوىً قطُّ. وهذا بديهيّ، لأن الأساس للتربية المقصودة قد وضِع، والدرس قد أعطي... فعاش حياته يرعى شؤون قومه، ويتدبَّرُ أمورهم، بعقل الإنسان المؤمن الحكيم، فعمَّ الرخاءُ والازدهار في البلاد، واستوى العدلُ مشرعَ الأبواب في أنحاءِ الديار. وهل أملُ المجتمعات البشريّة، في كل زمان ومكان، إلا أن يسودها العدلُ الذي هو كفيلٌ بحلّ كل المشكلات التي قد تتخبَّط فيها؟!..
داود يختار ولده سليمان لخلافته
ولم ينسَ داود (عليه السلام) وقد تقدَّمتْ به السِّنُّ، مصيرَ الأمة من بعده. فدأب على اختبار رجالات بني إسرائيل، القاصي منهم والداني، علَّهُ يقع على القائد الذي يتسلَّمُ مقاليد الحكم من بعده، ويكون حافظاً للعهد، عاملاً على خير الأمة وصلاحها. ولكنه لم يجد من يُضاهي ابنَهُ سليمان علماً وحكمة.. ولم تكن قناعته تلك بدافع صلة القربى، ولا أواصر الرحم، بل هي نابعةٌ من هدفه في الاطمئنان على الأمة ومستقبلها..
فسليمان، بدت عليه ملامحُ النضوج منذ حداثته، وظهرت أمارات نبوغه في فتوّته.. فقد كان يحرص على رعاية مصالح الناس إلى جانب أبيه، ويجهد في مدّ يد العون لهم، ومساعدتهم في حوائجهم بروح ملؤها التضحية والإخلاص.. يُواكب أباه في تجواله وهو يتفقد الناس في أمورهم، وفي سفره وهو يختبر الرجال في مجالات حياتهم.. إن أعطى رأياً كان فيه وعيٌ وصواب، وإن قام بعمل كان فيه صدقٌ ووفاء. ينتقد، ولكن بقصد الإصلاح والبناء، ويُفْتي بين الناس ولكن بروح العدالة السمحاء...
وقد بانت عليه دلائلُ الحاكم الذي يُريده أبوه، فاطمأنّ داود (عليه السلام) إلى غده البعيد، وراح يؤهّله ليكون خليفتهُ على بني إسرائيل. ولكنَّ هذا التدبيرَ لم يُرضِ أخاهُ الأكبر أبشالوم، فبات يعمل في الخفاء على الخلاص من أخيه سليمان.
فتنة أبشالوم
عمد أبشالوم إلى الحنكة والدهاء، فاندسَّ بين الناس، يتعرَّف إلى ميولهم فيُلبّيها، ويطَّلع على رغباتهم فيؤمِّنها. وتمادى في مداهنته حتى بلغَ به الحدّ أن يقف على باب أبيه الملك، يستقبلُ كل آتٍ إليه، قاضياً حاجته تارةً، وصارفاً إيّاه تارةً أخرى، حتى بات الناس فئتين: إحداهما تميل لأبشالوم وتُقدّر أعماله معها، وأخرى تحقدُ على أبيه وتُندّد بإبعادها عنه..
وتأكَّد لأبشالوم أن الوقت قد حان لتنفيذ خطَّته، وكان قد أعدَّ العدّة لذلك، ودبَّر المكيدة بدقة، فأرسل بطانته إلى الناس تدعوهم إلى الثورة على الملك، والخلاص من حكمه. ثم جاء أباه محتالاً عليه بأنه يودّ الخروح إلى مكان يقال له جدون، لوفاء نذرٍ كان قد أقامه على نفسه.. وهناك اجتمع بأعوانه وأنصاره الذين بثَّهم في البلاد للدعوة إلى تأييده، وأعلن نفسه ملكاً على البلاد، ونادى إلى الالتفاف حوله، ومبايعته في الحكم..
وثارَ الشعبُ، واشتدت الفتنةُ، حتى جاءت الريحُ على بيت المقدس هوجاء، توشكُ أن تأكل الأخضر واليابس.
فاجتمع داود (عليه السلام) إلى قادة الجيش، وأصدَرَ الأوامر بعدم مقاتلة الثائرين لئلاّ يهرقَ الدمُ البريءُ، وتزهقَ الأرواحُ الطاهرةُ بلا ذنب اقترفته، أو خطيئة ارتكبتها. ولكنه عندما رأى أن الخطر أصبح حالاًّ لا محالة، طلبَ من أتباعِه الخروجَ من بيت المقدس، فكان الارتحالُ الكبيرُ عن الديار، وعبر الناس نهر الأردن، بانتظار ما سوف تؤول إليه الأمور!.
دخل أبشالوم بيتَ المقدس بعد خروج أبيه، واستولى على الحكم. ولكي يتمكَّن من السيطرة، وضبط زمام السلطة في يده، راحَ يمعنُ في الناس بطشاً وتقتيلاً، وفي الأرزاق نهباً واستيلاءً، وفي ظنِّه أنه يزرع الرعب في نفوس مناجزيه، وينشر الدمار والخراب في بيوتهم، حتى يهابوه ويبايعوه.. ولكنَّ حسبانه كان في غير مؤمّله، إذ لم يطق الناسُ صبراً على استبداده، فانقلبت الثورةُ ضدَّهُ، ودارت الدائرةُ عليه، وأجمع الكلّ على أنَّه الابنُ الجاحد، الذي يشقّ عصا الطاعة على أبيه، ويسلبه العرش على الرغم من عدله وصلاحه، فلا خير فيه للرعية. وكان مصيره القتل على يد الثوار، من غير أن يعرف أحدٌ من قتله تحديداً.
خمدت الفتنةُ بقتل أبشالوم، ورجع داود (عليه السلام) إلى بيت المقدس ومعه ابنه سليمان (عليه السلام). وعرف الناس جميعهم أن خليفة نبيّهم وملكهم ابنه سليمان، فأحبّوه وتقرَّبوا إليه، والتفّوا من حوله. ولم يمض على هذه الأحداث زمنٌ طويلٌ حتى توفّى الله داود (عليه السلام)، فحزن عليه بنو إسرائيل حزناً كبيراً وشيَّعوه بجمعٍ غفير وواروه جدث الرحمة. ولم يسبق لهم أن حزنوا على أحد أنبيائهم وملوكهم بعد موسى وهارون حُزنَهم على داود (عليهم السلام). (فسلام الله على داود في العالمين إنه كان نبيّاً من الصالحين).
وهذه آيات الله تعالى التي تَقُصُّ علينا أحسنَ القصصِ عن نبيِّ الله داود كما أوحى بها العزيزُ الحكيم في كتابه المبين:
ففي «سورة البقرة» قال تعالى:
{أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلإَِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ قَالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ أَلاَّ تُقَاتِلُوا قَالُوا وَمَا لَنَا أَلاَّ نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِنْ دِيَارِنَا وَأَبْنَائِنَا فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ تَوَلَّوْا إِلاَّ قَلِيلاً مِنْهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ *وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا قَالُوا أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمَالِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ *وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ تَحْمِلُهُ الْمَلاَئِكَةُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآَيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ *فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلاَّ مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلاَّ قَلِيلاً مِنْهُمْ فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ قَالُوا لاَ طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاَقُو اللَّهِ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ *وَلَمَّا بَرَزُوا لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالُوا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ *فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ وَلَوْلاَ دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ *} [البَقَرَة: 246-251].
وفي «سورة الإسراء»:
{وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِمَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَى بَعَضٍ وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا *} [الإسرَاء: 55].
وفي «سورة سبأ»:
{وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ مِنَّا فَضْلاً يَاجِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ *أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ *} [سَبَإ: 10-11](+).
وفي «سورة ص»:
{اصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ ذَا الأَيْدِ إِنَّهُ أَوَّابٌ *إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالإِشْرَاقِ *وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً كُلٌّ لَهُ أَوَّابٌ *وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطَابِ *وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ *إِذْ دَخَلُوا عَلَى دَاوُودَ فَفَزِعَ مِنْهُمْ قَالُوا لاَ تَخَفْ خَصْمَانِ بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ فَاحْكُمْ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَلاَ تُشْطِطْ وَاهْدِنَا إِلَى سَوَاءِ الصِّرَاطِ *إِنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِي نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ *قَالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَى نِعَاجِهِ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْخُلَطَاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَا هُمْ وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ *فَغَفَرْنَا لَهُ ذَلِكَ وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ *يَادَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلاَ تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ *} [ص: 17-26].



Copyright © Samih Atef El-Zein 2010     VINTOB