قصص الانبياء في القرآن الكريم
الطبعة : الطبعة السابعة  
المؤلف : سميح عاطف الزين
عدد الصفحات :   692
تاريخ النشر :   2005




أيوب (عليه السلام)

إن قصة أيوب من أروع قصص الابتلاء والصبر، وهي ذائعةٌ مشهورة، حتى أن المثل يُضرب بصبر أيوب.. كان مقرّه في أرض حوران من بلاد الشام من أعمال دمشق، وله مسجد على بعد ثلاثة أميال من بلدة نوى، حيث كان يأوي في حال بلائه هو وزوجته. عاش عمره الذي ناهَز السبعين عاماً مبشِّراً ومنذراً، قانتاً، عابداً، بَسَطَ الله له في رزقه وأهله، فكان رزقه مبذولاً للسائل والمحروم، حيث يُطعِمُ الجائع، ويروي العطشان، ويؤوي اليتيم، وينصر المظلوم، ويساعد الضعيف.
رآه الناس على فيض النِّعم من ربّه، قائماً على العبادة والشكر. كلما زادهُ الله بركةً ازداد ورعاً وتُقىً، وكلما فاضت عليه الخيرات ازداد في البذل والإنفاق في سبيل الله (تعالى)، واشتدَّ في التهجّد والتعبّد. لا يفتُنُه مالٌ، ولا يُغويه ولدٌ، بل حبُّ الله ورضاه هما همّه ونجواه..
وكعادةِ بني البشر، ممن انطبع في قلوبهم الزَّيغُ، وانطوى على سريرتهم الشرُّ، ساءَ أهلَ زمانه أن يَرَوا عبداً مقيماً على طاعة الله، يمرح في حقول النعمة، ويجول في ساحات الثراء، دون أن يُبطرَه غنىً أو يُغويَه ولدٌ، فهو أبداً لاهجٌ بذكر الله، يأمر بطاعته ويفكّ الأسير، ويبسط وجهه لصاحب الحاجة.
ساءَ ذلك كلُّه أهلَ بلده، فما وجدوا سبيلاً للنيل منه إلاَّ الدَّسّ ونشر الإشاعات المغرضة، فراحوا يروّجون في مجالسهم وأحاديثهم أن أيوب (عليه السلام) ما عبد الله حبّاً بعبادته، ولا طوعاً من نفسه، ولا نافلةً من عنده، وإنما عبادته طمَعٌ في ما منَحَه الله من مالٍ وبنين، وبما أسبَغَ عليه من ثروة طائلة، وملَّكه من أرض واسعة. وهذه النِّعَم جديرةٌ بأن تدفعه للشكر، وأن تحمله على العبادة، خشية أن تصير إلى الزوال ويصيبها الفناء. وزادوا في اللغو، بأن أيّوب (عليه السلام)، لو نُزِع عنه ذلك الملك، وجُرّد من هذا الثراء، فإنه سيعرض عن ذكر الله، ويبعُدُ عن طاعته.
وكانت الأخبار تطرق مسامع أيّوب (عليه السلام) فلا يعيرها اهتماماً، وتصله الشائعات فلا يوليها عناية، بل ظلَّ على سيرته مترفّعاً عن كل قول، متنزّهاً عن كل زلل.
ويُريد الله سبحانه وتعالى أن يجعله مثالاً للبشرية، فيبتليَهُ بأعظم ابتلاء، حتى يجعلَ منه ذلك القَبَسَ الوهّاج في الإيمان، وذاك المثالَ الرائعَ على المجالدة والصبر. ويكون الابتلاء بأعظم ضُرّ يخطر على بال الإنسان، إذ يُصيبه بماله فيذهب به كله، وبأهله - أي بأولاده فيتوفاهم جميعاً - وبأصدقائه فينصرفون عنه، وبصحته فتذوى وتذوب حتى أصبح لا يَقدر على القيام، ولا يقوى على الحركة والسير..
ويشهدُ الناسُ ما حلّ بأيّوب، وما فعلتْ به صروف الدهر ونوائبُهُ، فتتضاربُ الآراء، وتختلفُ الأقاويل، وفق الأهواء والنزعات..
فهذه جماعةٌ تُشكِّك في نبوّته وترى أنَّه ما قام بعبادته إلاّ زَيْفاً ومباهاةً، وما آتى الزكاة إلاَّ سمعةً ورياء.
وتلك جماعةٌ أخرى تُقيمُ على الكفر والإلحاد، فتتخطّى أيّوب (عليه السلام)، وتقول: لو كان ربُّ أيّوب يستطيع دفعَ بلاءٍ أو إتيانَ خيرٍ لكانَ نبيُّهُ أولى برفع الضرّ والبأساء عنه.
وأمّا المنافقون فكانوا يقولون: إن يفعل ربُّ أيّوب به هذا الفعل فلكي يَفجَعَ به صديقهَ، ويُشمتَ به عدوَّه، وهو في كلا الحالين، مستأهلٌ لما حلَّ به!..
أمّا الفئة القليلة التي آمنت به، فكانت تستغفر الله، وتطلب لصاحبها الشفاء والعافية، وهي تغبطه في صبره على بلوائِه، وتقول: هنيئاً لأيّوب (عليه السلام)، فما خُلِقَ الإنسانُ إلا ليبتلى، فالدنيا دار بلاء، وأهلها معرَّضون للمصائب. وقد قال خالقهم عزّ وجلّ: {وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً} [هُود: 7].
وظنَّ الشيطان، وهو الذي وسوَسَ لتلك الجماعات بأن تقابل أيوب بالحسد والتشفّي، وظنَّ معه أتباعه ومُريدوه - من المارقين الكاذبين - أن المصائبَ التي حلَّت بأيّوب، والكوارثَ التي نزلتْ به، سوف تذهب بإيمانه، وتُفسد عقيدته. ولكن خابَ الظنُّ منهم جميعاً لأن كل ما حلَّ بالعبد الصالح، ونزل به جعله أقوى إيماناً بربه تعالى، وأشدَّ إذعاناً لعظمته وسلطانه.
ومرّت الأيام وانقضت سبعُ سنين وأيّوب (عليه السلام) ما يزال على حاله من المرض وهزال الجسم، وشحوب اللون. بل وبعد تلك المدة الطويلة، وما آل إليه حاله بعُدَ عنه الصديقُ، واعتذر منه الرفيقُ، ورغب عنه القريب والبعيد، إلاّ زوجَهُ الرؤومَ العطوف، فقد أقامت على وفائها، تخدمه وترعاه، وتوليه عنايتها واهتمامها فوق كل مستطاع: لا تئنّ إلاَّ لأنّاته، ولا تشكو إلاّ لآلامه. وبقيتْ على العهد، حامدةً صابرةً، محتسبةً، لا تأخذها لومةُ لائمٍ، ولا تثنيها شماتَةُ شامت، ولا يوهن عزيمتها انتقادُ غريبٍ ولا قريب..
ولكن أهل السوء لا يرعوون، ولا يكلّون.. يريدون غرسَ الشرّ في أطيب الأرض، وبذر الشقاق في أنقى الأنفس، ولهم باعٌ طويلٌ في ما يعملون ويصنعون.. وها هم ينساقون وراء أهوائهم، ويأتون امرأة أيّوب يحرّضونها على تركِهِ، ويؤجّجون في صدرها روحَ السَّأمِ والضجر من حاله. وتكاد تُؤخذُ الزوجةُ الصالحةُ بكثرة ما يُرَدِّدونَ، وبشدَّة ما يمعنون، فتأتي مرة زوجها وتقول له:
- حقّاً لِمَ يعذبك ربّك؟ أين المال؟ وأين العيالُ، والأهلُ والأصدقاءُ؟ أين الشباب والفتوّة، وأين العزمُ والقوَّة؟.
ويردُّ أيّوب (عليه السلام) بجلَدٍ وأناة:
- لقد سوَّل لكِ الشيطان أمراً!.. أتُراكِ تبكين على عزِّ قد ولَّى، وولدٍ قد توفّاهُ الله؟!.
قالت الزوجة:
- كفانا بلاء ومصائب، فهلاَّ دعوتَ ربّك أن يكشفَ عنك الغمَّ ويزيح النكبة؟
فحملقَ أيّوب (عليه السلام) في وجهها مستغرباً، ثم قال:
- كم مكثتِ في الرخاء يا امرأة؟
قالت: أربعين عاماً..
قال: كم لبثتِ في البلاء؟
قالت: سبع سنين...
وهنا ردَّ عليها أيّوب (عليه السلام) بما أفحَمَ حجّتها، فقال:
ـ إذن أستحي أن أطلب من ربّي رفع بلائي، وما قضيتُ فيه مدة رخائي..
ويتوقف برهة، ثم يتابع قائلاً:
- لَشدّ ما تأخذني الدهشة وأنا أسمع ما تقولين، لقد خابَ ظنّي بكِ، ولا أراك إلا وقد ضعُفَ إيمانك، وضاق بقضاء الله صدرك.. اغربي عن وجهي أيتها المرأة، لئن برئت وأعاد لي الله القوّة، فإني سأضربك مائة جلدة... ولن أذوق بعد اليوم من يدك طعاماً، أو أتناول منك شراباً. لا، ولن أكلِّفك أمراً أو عناءً.. اذهبي عنّي حتى يقضيَ الله أمراً كان مفعولاً...
ونَجَح المتآمرون، وفرَّقوا بين الزوج المصاب، وبين المرأة القانعة، فأصبح أيّوب (عليه السلام) وحيداً إلاّ من آلامه، فريداً إلاّ من أسقامه...
وفي ذروة المصاب، وفي قمَّة الشدَّة، فاضَتْ نفسه بالشكاية إلى الله، فنادى ربَّه: {...أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ *} [الأنبيَاء: 83].
ما هذا الدُعاء الجميلُ؟
أيّوب (عليه السلام) لا يزيد في دعائه على وصف حاله {أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ} [الأنبيَاء: 83]. ويصف ربّه بما هو عليه - جلَّ وعلا: {...وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ *} [الأعرَاف: 151]. إنه لا يدعو بتغيير حاله، صبراً على بلائه، ولا يطلب شيئاً تأدّباً منه، وتوقيراً لربه جلَّت عظمته.. فهو نموذج للعبد الصابر الذي لا يضيق صدره بالبلاء ولا يتململ من الضرّ، والذي تضرب به الأمثال في جميع العصور. بل إنّه ليتحرَّج أن يطلب إلى ربّه رفع البلاء عنه، فيدع الأمر كله إليه، اطمئناناً إلى علمه بالحال، وغناه عن السؤال.
وفي اللحظة التي يتوجَّه فيها أيّوب (عليه السلام) إلى ربّه بهذه الثقة وبذلك الأدب تكون الاستجابة، وتحلُّ الرحمة، وتأتي نهاية الابتلاء كما يقول الباري - عزَّ وجلّ: {فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِنْ ضُرٍّ وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ} [الأنبيَاء: 84].
وتكون الرحمة الكبرى من أرحم الراحمين، فيأمره أن يضرب الأرض برجله فتتفجَّر عينُ ماءٍ لتكون مغتسلاً له ومشرباً، وسبيلاً لعودةِ صحته وعافيته.
نعم، ما إن يشرب أيّوب (عليه السلام) من الماء الذي تدفَّق بضربة رجلِهِ، ويغتسل به، حتى تعود صحَّته فيصبح أقوى مما كان، وترتدّ إليه عافيته فيصير أحسن من ذي قبل..
ويخرُّ العبد الصالح، الصابرُ، ساجداً شاكراً على تلك النعمة التي أعادَها الله إليه. ويزيدُه الله اطمئناناً، فيوحي إليه أنَّه رادٌّ عليه أهلهُ وما فقده من ولدٍ، ومعيدٌ له رزقهُ وما خسرهُ من مال، فيزداد أيّوب (عليه السلام) خشوعاً وعبادة...
أيّوب (عليه السلام) في هدوئه وصفائِه هنا، وامرأتُهُ في دهشةٍ من أمرها هناك.. فقد عادتْ إلى ذاتها، وحاسَبت نفسها على ما سوَّلَتْ لها وما قصّرت به عن إدراك الحقيقة والصواب.. نعم، لقد استمعَتْ إلى قوم كاذبين، فأوغروا صدرها بالضيق، وملأوا قلبها بالأسى.. وأنْصَتَت إلى أصوات المغرضين، فدفعوها إلى معاتبة زوجها، ونيلِهِ بالأذية..
إذن أين صبرُها، ومجالدتها، وأين أصالتها وطيبُ محتدها؟ هل تُغضب الله من أجل أناس منافقين؟
لا!... إنها زوجةُ نبيّ الله، ويكفيها أن ترى زوجها على هذا الصبر، وعلى هذا الإيمان، حتى تُكبره وتبقى على خدمته إلى أن يقضيَ الله أمرَهُ...
ولا تطيقُ المرأةُ الرحيمة فراق ذلك المبتلى، فتهبّ من رقادها، وهي تحسُّ كأنَّ ناراً تأكل أحشاءها، وتندفعُ إلى خلوة زوجها، وهي ملهوفةٌ متحسِّرةٌ.. أجل! لم تُطاوعها نفسُها على تركه طويلاً فعادتْ إليه راغبةً في ملازمته والقيامِ بخدمته. ولكنها لم تجدهُ في مكانه، بل رأتْ أمامها رجلاً مكتمل الصحة، غضّ الإهاب، وافر القوّة، فوقفتْ تتأمَّله مترددة، حائرة في أمرها!.. هل هذا أيوبُ زوجها؟ ولكن كيف، وقد تركته منذ فترةٍ على تلك الحال من المرض والوهن، والمصاب؟! وبلا وعيٍ تقدمت تسأل الرجلَ قائلةَ:
- لقد كان في هذه البقعة رجلٌ مسنٌّ، مريض، لا يقدرُ على الحراك، وقد فارقته منذ أمدٍ غير بعيد، فهل رأيته أو علمت ما حلَّ به؟
ويتأملها أيّوب (عليه السلام) برفقٍ ثم يردّ عليها قائلاً:
- وهل وَهَنَ بكِ البصر إلى هذا الحد حتى صرتِ لا تميزين من يقف أمامك؟
وفاجأتها رنّة صوتِه. إنّه أيّوب زوجها، وقد عادت إليه عافيته... وترتمي راكعةً بين يديه، باكيةً، حامدةً الله على تلك النعمة التي أفاضها عليهما، وطالبةً منه الغفران. ويوحي إليه الله تعالى أن يأخذ حزمةً من مئة عود من الحطب ويضرب بها زوجه ضربة واحدة توازي مئة جلدة، حتى لا يحنث بيمينه. وبذلك يردُّ إليه تلك المرأة المخلصة، التي صبرت على البلاء حين وفاة الأولاد، والتي كابدت الشقاء معه أيام الغم والعَوَز، وسهرت اللياليَ في أوقات الشدَّة والمرض، فكان حريّاً بهذا النبي الكريم أن يسامحها ويعيدها إلى بيتها عزيزة مكرّمة. وكان جزاؤه العظيم من ربه الرؤوف الرحيم على صبره، وعلى عدم تبرّمه ببلواه بأن يُنعم الله عليه بأكثر مما كان له. فيردّ عليه أولادَهُ، ويرزقه بمثلهم من جديد. ويفيضُ عليه من الأرزاق والممتلكات بضعف ما كان عنده. وتكون هبة الله لأيوب (عليه السلام) جليلةً كبيرةً، ويصير للأنبياء، وللبشرية جمعاء، مثالاً لرحمة الله الواسعة، وذكرى لأولي الألباب. ويصدق فيه قول الله تعالى: {وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ *ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ *وَوَهَبْنَا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنَّا وَذِكْرَى لأُِولِي الأَلْبَابِ *وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلاَ تَحْنَثْ إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ *} [ص: 41-44](+).
وجاء في «سورة الأنبياء» عن أيوب (عليه السلام) قوله تعالى: {وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ *فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِنْ ضُرٍّ وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ *} [الأنبيَاء: 83-84].
amitriptylin 75 mg anmeldelsemedicin.site amitriptylin hund



Copyright © Samih Atef El-Zein 2010     VINTOB