قصص الانبياء في القرآن الكريم
الطبعة : الطبعة السابعة  
المؤلف : سميح عاطف الزين
عدد الصفحات :   692
تاريخ النشر :   2005




يوسف (عليه السلام)

مهما بَلَغَ الإنسان من الفصاحة والبيان فإنَّه يظلُّ مقصِّراً عن أداء ما يؤدّيه القرآن الكريم. وبالغاً ما بَلَغَ النَّسْجُ القصصيّ من صنع البشر، فهو لن يكون أبداً في مستوى يُماثل أو يُقاربُ الأسلوبَ القرآنيَّ مبنىً ومعنىً. وذلك لسبب بسيط جداً، ولا يحتاج إلى جُهد في التفكير، إذ إن القرآن هو كتابٌ منزلٌ من الله سبحانه وتعالى، وفيه قولُ الله، وكفى بذلك تدليلاً على اختلافه عمّا يُنتِجهُ الفكر البشريّ..
من هنا، فإن قصة يوسف (عليه السلام) وحتى يكونَ لها رونقُها، ويبقى لها جرسُها، وتظلَّ لها روعتها لا بُدَّ أن تُقرأ في مصدرها.
ولكن حتى يمكن التسهيل على القارىء العزيز، فإننا سوف نعمد إلى محاولةٍ يسيرة في سرد وقائع تلك القصَّة، وفق أسلوب آدميّ، على أن نقوم بتفسير بعض الآيات، من أجل المساعدة في فهم القصّة على حقيقتها.
فالقصة كما وردتْ، من حيث الفحوى، يمكن أن تقع في كل زمان ومكان، ويمكن أن يعيش أحداثها كثيرون من الناس، ولكن المرمى منها، يختلفُ عن قصص الناس وحياتهم. فهي تُظهر بطلها، ذلك الإنسان الذي يظلُّ على عقيدته مهما تكاثرت عليه المحن والابتلاء، ويحافظ على توكيد المنهج الذي أراده الله تعالى، وحمله الأنبياء والرُّسُل من أجل وحدة العقيدة التي شاءها المولى لعباده. وهي العقيدة التي تقوم على التوحيد الكامل لله، وعلى التقرير بأنه وحده - سبحانه - ربُّ السماوات والأرض، وله وحده يدين البشر كلهم، مع ما يتبع ذلك من الإيمان بالبعث والحساب، والدار الآخرة، والجنة والنار...
وعلى هذا الأساس، عاش يوسف (عليه السلام) قصة المحن والابتلاء، ما إن يخلص من واحدة، حتى يقع في أشدّ منها، ولكنّه ينتصر أخيراً، ويؤمن بوحدة العقيدة التي كان عليها آباؤه من قبل: يعقوب، وإسحاق، وإسماعيل وإبراهيم (عليهما السلام).
وتتصدَّرُ القصةَ مخاطبةُ الله سبحانه وتعالى نبيّه المصطفى، محمداً بن عبد الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بالقول: {نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ *} [يُوسُف: 3] وتبدأ برؤيا يوسف إذ يقول لأبيه: {...ياأَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ *} [يُوسُف: 4].
ويُحذِّر الأبُ ولدهُ من أن يقُصّ رؤياه على إخوته، والسببُ في ذلك خوفه من أن يكيدوا له ويوقعوا به شرّاً. فقد كان يعقوب يُحبُّ يوسف حبّاً عظيماً، ويوليه من رعايته واهتمامه ما جعلَ إخوته يحنقون عليه، ويتآمرون لقتله أو إبعاده. فيأتونه طالبين منه أن يأخذوا أخاهم إلى الصيد حتى يلعب ويرتع معهم. ولا يخفي الوالدُ حزنَهُ وقلقه لذهابه. ويريد أن يصرف أبناءَهُ عن مطلبهم، فيقول لهم بأنّه يخافُ على أخيهم من ذئب يأكله. ولكنَّ الأبناء يتعهَّدون برعاية هذا الأخ، وحمايته من الأذى، فيأخذونه معهم، ويتشاورون في أمره، أيقتلونه أم يتركونه للوحوش الضارية؟.
ويمتنع أحدهم عن مجاراة إخوته في فكرة القتل، فيقترح عليهم أن يرموه في بئرٍ حيث كانوا يرتعون في البريّة.. وهكذا كان. فقد رموا يوسف في الجبّ، ثم عادوا إلى أبيهم، وقد لطَّخوا قميصه بدمٍ كَذِب، ليدَّعوا أمامه أن الذئب أكَلَ أخاهُم وهم عنه لاهون..
من الجبّ إلى مصر
وتمرّ سيّارة (قافلة) وهي في طريقها إلى مصر. فتعثر على يوسف حين تُريدُ السقاية. فتأخذه معها وتبيعه عبداً بثمنٍ بخسٍ، دراهمَ معدودة..
ويشتريه عزيزُ مصرَ (رئيس الوزراء أو الحاكم الأول) بعد أن توسَّمَ فيه خيراً، كونُهُ صبيحَ الوجه، بهيّ الطلعة، تبدو عليه السجايا الملاح، وتلوح على وجهه أمارات الحسن والجمال. وجاء به إلى بيته، وأوصى امرأته به خيراً، فقد ينفعهما أو يتَّخذانه ولداً (ولعلَّهما كانا لا يلدان كما يستدلّ من هذا الطلب).
ويعيش يوسف في هذا البيت عدّة سنوات، حتى صار فتىً، قد أوتيَ من العلم والحكمة ما جعله فريداً في شمائله وخصاله في تلك الأيام.
امرأة العزيز تراود يوسف
ولكن تلك المزايا التي اختصّ الله تعالى بها يوسف كانت بلاء له. فهو يعيش في أجواء «الطبقة الراقية» وما يغشاها من استهتار وفجور. فتقعُ زوجة العزيز في هواه، وتعملُ على إغوائه. ولكنَّه لا يستجيب لندائها، ويأبى مراودتها له عن نفسه، وهو يتذكَّر نعمة الله عليه، إذ أنجاه من الجبّ، وجعَله في هذا البيت آمناً، فهل يُقابلُ الإحسان بالإساءة؟ أم يتعدّى على حرمات الله، وحُرُمات العِرض عند الناس؟.
يأبى يوسُف أن يُدنِّس حرمة المنزل الذي آواه، ولكن المرأة - وقد فُتنت به - لا تطيقُ عُزُوفَهُ، فتهمُّ به. ويهرب منها، فتلحقُ به وهي تمسك بقميصه، لتمنعه من الهرب. وكانا قد وصلا الباب، فإذا بسيّدها - زوجها - أمامهما. وكما تفعلُ كل امرأة في مثل هذه الحالة، فقد عمَدتْ فوراً زوجةُ العزيز إلى إلصاق التهمة بيوسف، وأخذتْ تدَّعي أنه حاول أن ينال من عفافها وكرامتها. ولا تقفُ عند هذا الحدّ، بل تطلُبُ من زوجها أن يعاقبه على ما فعل..
ولكنَّ شخصاً نقيَّ الضمير كان يرافق زوجها، أو أن هذا الزوج - خوفاً من الفضيحة - استدعى أحد أقارب زوجته ليتدبر معه الأمر، فشهد هذا الشخص بالعدل بعد الاستماع إلى المرأة، وإلى يوسف، وقال للعزيز: إن كان قيمصُ هذا الفتى قُدَّ من قُبُلٍ (أي من الأمام) فيكون معتدياً، ويكذب في ادّعاء براءته. وأما إن كان قميصه قُدَّ من دُبُرٍ (أي من الوراء) فهو صادق وهي الكاذبة.
ويتفحَّصان القميص، ويظهر كذب المرأة، فيعفو العزيز عن يوسف، ويطلب من امرأته أن تستغفر لذنبها، وتكفِّر عن خطيئتها..
وتعرف النسوة من الطبقة الراقية، ويشيع الخبر فيما بينهنَّ أن امرأة العزيز قد راودت فتاها عن نفسه، بعدما شغف قلبها حباً، وفَتَن نفسها هياماً... فيكثُر اللغطُ حولها، وتنتشر الأقاويل حتى تتناهى إلى مسامعها، فتصمّم على تدبير مكيدة تصرف الألسن عن اللغو بها.
وتقيم امرأة العزيز مأدبةً في قصرها، تدعو إليها معظم نساء المدينة، وتعدُّ لكل واحدة منهنَّ سكيناً تستعملها في تقشير الفاكهة بعد تناول الطعام.. وفيما كانت النسوةُ منهمكاتٍ في تقشير الفاكهة، تدخُلُ امرأة العزيز على يوسف، وتأمره بالخروج عليهنَّ، فيخرج كالبدر الطالع ليلة تمامه يبهر العيون. وما إن يطلّ، حتى تأخذهنَّ الدهشةُ، فيقطعن أيديهنَّ بالسكاكين، وهنَّ غافلات لهول المفاجأة التي باغتتهنَّ. نعم، ما إن نظرنَ إلى يوسف، ورأينَ ما هو عليه من جمال، حتى أُخِذْنَ، وجرَّحنَ أيدِيهنّ بلا شعور منهنَّ. ورأت صاحبة الدعوة ما أوقعه بهنّ مطلَعُ يوسف عليهنَّ، فقالت لهنَّ:
- هذا {الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ} [يُوسُف: 32]. نعم لقد بهرني، فراودُتُه عن نفسه، ولكنه أبى واستعصم. ولا تخجلُ تلك المرأة من إعلان حبّها للفتى، ولا تقف عند حدّ الحُبّ، بل تجهرُ بنزواتها، فتُتابعُ قائلةً: {...وَلَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ مَا آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُوناً مِنَ الصَّاغِرِينَ *} [يُوسُف: 32].
وسكتت ألسنة النسوة عن امرأة العزيز، بل ولعلَّ كثيرات رغبن في وصلِهِ، سواء بالتصريح أو بالتلميح، إلاّ أنَّه لم يَهب التهديدَ ولم يأبَه لِشَغَف النسوة به، فدعا ربَّه قائلاً: {...رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَإِلاَّ تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ *} [يُوسُف: 33].
اعتصمَ يوسف بحبل الفضيلة، ودعا ربَّه أن يصرف عنه الغواية، لأنَّه بشرٌ، مثل كل الناس، وله من المشاعر والأحاسيس التي تفيضُ بها النفس الإنسانية، ما لغيره من بني البشر. فاستجاب له ربه، وصرف عنه الهوى، لأنه مُحَصَّنٌ بقوة الإيمان، والخلق الرفيع، والمناعة الذاتية.
يوسف في السجن
..لقد راودت امرأة العزيز يوسف عن نفسه فشاع خبرها، وأقامت وليمتها، وحدث فيها للنسوة ما حدث، فانتشر أمرهن، حتى ملأت تلك الأخبار المدينة كلها. ولم يَعُد العزيز قادراً على الاحتمال، فقرَّر زجَّ يوسف في السجن، حفاظاً على شرفه وسمعته، وحرصاً عليه من الأذى..
والتقى يوسفُ في السجن بفتييَنْ، هما من خدم الملك الخاص حبسهما لسبب من الأسباب.. ويأنسان منه معشراً ليّناً، ونفساً صافيةً، فيألفانه، ويقُصُّ كلٌّ منهما عليه رؤيا رآها في منامه، فيقول أحدهما: {إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا} [يُوسُف: 36]. ويقول الآخر: {إِنِّي أَرَانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزًا تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ} [يُوسُف: 36]. ويكون تفسيره أن أحدهما ينجو من العقاب ويعود لخدمة الملك ليقدم له الخمر، بينما يُصلَب الثاني ويُتْرَكُ في الفلاة فترة من الزمن فتأكل الطير من رأسه. وأوصى يوسف الذي ظن أنه ناجٍ بأن يذكّر الملك بالظلامة التي حلت به. ولكنه لم يذكره كما طلب إليه، بل ونسي أمره بتاتاً، وما عاد يتذكره حتى وقع الملك في مأزقٍ حرجٍ، فدعا إليه رجالَ الحاشية والكهّان، وكلَّ من يدَّعي العرافة وتفسير الأحلام بالغيب، وطلب منهم أن يفسِّروا له رؤيا رآها في المنام، وهو يعرضها عليهم قائلاً: {...إِنِّي أَرَى سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعَ سُنْبُلاَتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ يَاأَيُّهَا الْمَلأَُ أَفْتُونِي فِي رُؤْيَايَ إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّؤيَا تَعْبُرُونَ *} [يُوسُف: 43].
وعجز الجميع عن تفسير الرؤيا وتأويلها، وافتضحت أكاذيب وجهل تلك الفئة المدَّعية، التي تعيش على التملق والخداع، وترتقي المناصبَ بالمراوغة والمداهنة... قلقَ الملك لرؤياه، وأزعَجه عدم معرفة معنى الرؤيا. وانعكست تصرفاته على ساكني القصر، فأوقعهم في الهمّ والكدر. في هذه الفترة، وكأن الضيق قد أنعش ذاكرة السجين الناجي، وأحيا فيها خيال يوسف، فطَلَب الإذن بالدخول إلى الملك، وأخبرهُ بأن فتىً في السجن يستطيع تأويل رؤياه.
تفسير رؤيا الملك والخروج من السجن
ويُفسِّر يوسف لرسول الملك رؤياه، فيقول: تزرعون سبْعَ سنين متوالية وهي السنوات السبع المخصبة، المرموز إليها بالبقرات السمان، فاتركوا ما تحصدون في سنابله فذلك أحفظ له من السوس والتلف، إلاَّ ما تحتاجون له، واحفظوا البقية للسنوات الأخرى المجدبة، وهي ما ترمز إليه البقرات العجاف. وتأتي بعدها سبع سنين أخرى، تكون قاحلةً تماماً، حتى لكأنها هي التي تأكل بذاتها كل ما يُقدَّم لها لشدَّة نهمها وجوعها إلا القليل مما تحفظونه وتصونونه من التهامها. ثم تنقضي هذه السنوات الشدادُ، ويعقُبها عامٌ يكثر فيه الماءُ والزرعُ، وتنمو فيه الكروم، ويكثرُ فيه عصر العنب والفواكه على أنواعها، ويعمُّ الرخاء وتزدهرُ الأحوال، كما يقول الله العليمُ الكريمُ على لسان عبده الصالح يوسف (عليه السلام) {ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يُعْصِرُونَ *} [يُوسُف: 49]. مع أنَّ العام الثامن لم تأتِ على ذكره الرؤية التي رآها الملك، لأن رؤيته اقتصرت على السنوات السبع الشداد، ولكن أراد الله - سبحانه وتعالى - أن يُعلم الملك وحاشيته أنه - تعالى - علّم يوسف {ذَلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي} [يُوسُف: 37] ليدلَّ على صحة نُبوَّته (عليه السلام). وأنَّ علمَ يوسف لم يكن مقتصراً على تفسير الرؤى، بل تعداه إلى بعضٍ من علم الغيب، الذي علّمه الله تعالى إياه.
على كل حال فقد اطمأنَّ الملك لتفسير رؤياه،، وطلب أن يأتوه بيوسف، ولكنَّ يوسفَ الشهمَ الأبيَّ، والنبيَّ النقيَّ يأبى مغادرة سجنه قبل أن يتحقّق الملك بنفسه من براءته، ومن فِعْل النسوة معه، واتهامه بالخيانة. ويستقصي الملك الأمر فعلاً، ويتحرّى عن الحقيقة فتأتي إليه امرأة العزيز وكأنَّها أرادت أن يحفظ يوسف، وهو مَنْ أحبَّتْهُ، ذكرى طيّبة عنها (وهذه خاصّةُ المُحبّين المخلصين) فقالت للملك: {...الآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَا رَاوَدْتُّهُ عَنْ نَفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ *} [يُوسُف: 51].
ظهرت براءةُ يوسف. وتبيَّن للملك معها علمُهُ وحكمتُهُ في طلب تمحيص أمر النسوة. كما ظَهَرَ له حرصُهُ على كرامته وهو لا يتهافت على الخروج من السجن ولقاء الملك، ولكنّه يقف وقفة الرجل الكريم، المتَّهمِ في شخصه، المسجونِ ظلماً، يطلب رفع الاتهام عن سمعته قبل أن يطلب رفع السجن عن بدنه، ويطلب الكرامة لشخصه ولدينِهِ الذي يمثّله قبل أن يطلب الحظوة عند الملك.
كل هذا جعل الملك يطلبه إليه، فيجعله الوزير المستشار، والنجيّ الصديق، والأمين المختار.
يوسف أمين خزائن الملك
جاء يوسف، ولم يتملَّق الملك، ولكنه طلب أن يجعله أميناً على خزائنه، لا طمعاً في وظيفةٍ أو مركز، وإنما لاعتقاده أنه قادرٌ على أن ينهض بأعباء الأزمة القادمة. ذلك أن سنيّ الرخاء التي تسبق تلك الأزمة بحاجة إلى من يحفظ غلالها، ويقدر على إدارة أمورها بضبط المحاصيل وصيانتها. نعم لم يكن طلب يوسف هذا غُنماً لنفسه، وإنما ليكون مسؤولاً عن إطعام شعبٍ كاملٍ وشعوبٍ تجاوره، طيلة سبع سنين، لا زرع فيها ولا ضرع.
ويمكّن الله تبارك وتعالى ليوسف في الأرض، فيكون له ما يشاء، ويتبوَّأ منها حيث يشاء.
يوسف وإخوته
وتأتي سنوات الجدب، وتضيق الأرزاق، وتعمّ الأزمة الخانقة ليس أرض مصر وحسب، بل وأرض كنعان، بعد أن اجتاح الجدبُ كل تلك البقاع وما حولها، فاتَّجه أبناء يعقوب (عليه السلام)، مع من اتّجه من الناس، إلى مصر، بعدما سمع الناس عمَّا فيها من فائض الغلال والأرزاق.
ويدخل إخوة يوسف عليه فيعرفهم. أمّا هم فلم يعرفوه، لأنه كان صغيراً عندما ألقَوه في الجبِّ منذ عشرين عاماً أو يزيد! وكانت معاملته لهم ولجميع الناس بالإحسان، فأكبروه سيداً ونبيلاً، لما له من المهابة، والأمر والنهي، يعطي الغلال ويمنعها حيث يشاء، ولمن يشاء، ولكن بتدبُّرٍ أمينٍ حكيم.. وكم كانت دهشة أبناء يعقوب (عليه السلام) كبيرة، بعدما أوفى لهم الكيل إذ قال لهم: إئتوني بأخٍ لكم من أبيكم...
لقد أعطاهم يوسف قمحاً، وأمر فتيانه بأن يضعوا لهم بضاعتهم في رحالهم. ثم عاد يؤكد لهم: لا كَيْلَ لكم عندي في المرة الثانية إلا إذا جئتم بأخيكم الأصغر. فلما عادوا إلى بلدهم طلبوا من أبيهم أن يرافقهم أخوهم الأصغر حتى يكتالوا وإلا مُنعوا من قبل الحاكم في مصر... ويبدو أن الأب استسلم على كرهٍ، ولكنَّه رفضَ أن يرسله معهم حتى يُقسموا بالله أن يردّوه عليه، إلاَّ إذا غُلبوا على أمرهم، ولم يعدُ في يدهم حيلة. وهذا الذي حصل، فقد عادوا أدراجهم شطر مصر وأخوهم الأصغر معهم...
ويختلي يوسف بأخيه، ويؤويه إليه. ثم يدبّر أمراً كي يحتفظ به، فيوعزُ إلى الخدم كي يدسّوا صُواع الملك الذي يستعمل للكيل في أوعية رحل أخيه الصغير. وما هي إلا لحظات حتى ارتفع الصوت منادياً بأن صُوَاع الملك قد فُقِد...
ولما كان المُتَّبَع في دين الملك أن يؤخذ السارق رهينةً أو أسيراً أو رقيقاً في مقابل ما يسرق، فقد كانت نية يوسف، أن يجعل الصواع في متاع أخيه كي يَسْتَبْقيَهُ عنده.
أمرَ يوسف بالتفتيش، وكانت الدهشة للإخوة، عندما وُجِدَ صواع الملك في رحل أخيهم. وأرادوا التنصّل من الحرَج الذي وقعوا فيه، فقالوا: {إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ} [يُوسُف: 77] وهم يقصدون يوسف. ولكنَّ يوسف (عليه السلام) أسرّها في نفسه وقال لهم: {أَنْتُمْ شَرٌّ مَكَاناً} [يُوسُف: 77] ولما كانوا قد وثَّقوا الأَيمان لأبيهم بالحفاظ على أخيهم، وبإعادته سالماً، فقد طلبوا من يوسف (عليه السلام)، أن يأخذ أحدهم مكانه. ويُجيبُ يوسف، وهو يضمرُ في نفسه المفاجأة التي يعدّها لهم ولوالده وللجميع، بالقول: {مَعَاذَ اللَّهِ أَنْ نَأْخُذَ إِلاَّ مَنْ وَجَدْنَا مَتَاعَنَا عِنْدَهُ} [يُوسُف: 79]، وهنا تظهر حكمةُ يوسف (عليه السلام)، إذ لم يَقُلْ معاذ الله أن نأخذ بريئاً بجريرة سارق، لأنه كان يعلم أن أخاه ليس سارقاً، بل قال معاذ الله أن {...نَأْخُذَ إِلاَّ مَنْ وَجَدْنَا مَتَاعَنَا عِنْدَهُ إِنَّا إِذًا لَظَالِمُونَ *} [يُوسُف: 79]. وكانت تلك كلمته الأخيرة لهم، فانسحب الإخوة يفكِّرون في موقفهم المحرَج أمام أبيهم حين يرجعون.
ويأبى كبيرهم أن يذهب إلى أبيه، فيطلب إلى إخوته بأن يرجعوا إلى ديارهم ويخبروا أباهم بأن ابنه الصغير قد سرقَ، فإن أذِنَ له أبوهُ عادَ، وإلاَّ فإنه ينتظِرُ حتى يقضي الله أمراً كان مفعولاً.
ويأتي أبناء يعقوب إلى أبيهم، ويفضون إليه بالنبأ المؤلم. ولكن هذا الإنسان المؤمن، الصادق في إيمانه، لا يخلو قلبه من الأمل، فيوجّهُ أولاده إلى الذهاب والبحث عن يوسف وأخيه. والأمل عنده يظهر في ذكر يوسف، رغم هذا المدى الطويل الذي يقطعُ الرجاء من حياة يوسف، فضلاً عن عودته إلى أبيه... ولكنَّه كان على بيّنةٍ مما وجَّههم إليه بقرينةِ ضمّه لذكر يوسف مع أخيه المأخوذ في مصر..
ويعودُ إخوةُ يوسف إلى مصر مرة ثالثة، وقد أضرَّت بهم المجاعة وجاؤوا ببضاعة رديئة هي الباقية لديهم، فيدخلون عليه وفي حديثهم انكسار وشكوى مما فعلت بهم الأيام، فيقولون له: {...يَاأَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُزْجَاةٍ فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا إِنَّ اللَّهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ *} [يُوسُف: 88].
وعندما بلغ بهم الأمر مثل هذا الحد من الاسترحام والضيق، لم تبقَ عند يوسف قدرة على إخفاء حقيقة شخصيته، فيعود بهم إلى الماضي البعيد، ويذكّرهم بما يعرفونه: {قَالَ هَلْ عَلِمْتُمْ مَا فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنْتُمْ جَاهِلُونَ *} [يُوسُف: 89]؟
وكانوا على يقين بأن لا أحد يعرف سرَّهم إلا الله، فأدركوا على الفور أن هذا الذي يخاطبهم هو يوسف بذاته، فقالوا له: {أَإِنَّكَ لأََنْتَ يُوسُفُ} [يُوسُف: 90]؟ فقال لهم: {...أَنَا يُوسُفُ وَهَذَا أَخِي قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ *} [يُوسُف: 90].
فاجأتهم الحقيقة التي أعلنها يوسف، فأقرّوا بالذنب، واعترفوا بالخطيئة، وأيقنوا أن الله قد آثرهُ عليهم بالمكانة والحلم والتقوى والإحسان. ثم أعطاهم قميصه حتى يذهبوا به إلى أبيه، وطلب إليهم أن يأتوه بوالديه.
ولما قفلوا راجعين إلى أبيهم، قال يعقوب لمن حوله: إني أخاف إن ذكرتُ ما في نفسي أن تظنوا بعقلي الظنون، إني لأجد ريح يوسف. وكانت مفاجأة القميص أيضاً، إذ عندما ألقوه على وجه يعقوب ارتدَّ إليه بصره. فقال لأبنائه: {...أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ *} [يُوسُف: 96]. وفي هذا تصريحٌ بأن يعقوب (عليه السلام) كان على بيّنةٍ من تلك الأحداث من ألِفِها لِيَائِها.
قالوا: {...ياأَبَانَا اسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا إِنَّا كُنَّا خَاطِئِينَ *} [يُوسُف: 97].
الرؤيا تتحقق
وهكذا وبعد انقضاء الأيام وكرِّ الأعوام، وبعد الألم والضيق، وبعد الامتحان والابتلاء.. أجل، بعد كل ما حلَّ بيوسف على مدى سنين عديدة يكون اللقاء، ويدخل أهله عليه، ويرفع أبويه على العرش ويخرّ إخوته له ساجدين. فتتحقق الرؤيا ويقول يوسف لأبيه: {...ياأَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجَاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ *} [يُوسُف: 100].
ويظهر يوسف (عليه السلام) في نهاية القصة بأنه ذلك الإنسانُ الساميَ، ذلك العبد المؤمن، الذي يتوارى من ذهنه الجاه والسلطان، وتغيبُ عن باله فرحة اللقاء، واجتماعُ الأهل، ولمحة الإخوان. فيسجد لله شاكراً، ويبتهل إليه أن يحفظ عليه إسلامه حتى يتوفّاهُ إليه، وأن يُلحقه بالصالحين من آبائه الكرام. ويكون دعاؤه: ربّ {...تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ *} [يُوسُف: 101].
هذه باختصار شديد ملامح قصة يوسف (عليه السلام)، وخطوطها العريضة. فإلى هذه القصة الرائعة من منابعها ومصادرها في كتاب الله المبين..
«سورة يوسف»:
{إِذْ قَالَ يُوسُفُ لأَِبِيه ياأَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ *قَالَ هِيَ رَاوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا إِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الْكَاذِبِينَ *وَإِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنَ الصَّادِقِينَ *فَلَمَّا رَأَى قَمِيصَهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ قَالَ إِنَّهُ مِنْ كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ *يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا وَاسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ إِنَّكِ كُنْتِ مِنَ الْخَاطِئِينَ *وَقَالَ نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ تُرَاوِدُ فَتَاهَا عَنْ نَفْسِهِ قَدْ شَغَفَهَا حُبًّا إِنَّا لَنَرَاهَا فِي ضَلاَلٍ مُبِينٍ *فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً وَآتَتْ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ سِكِّيناً وَقَالَتْ اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ وَقُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا هَذَا بَشَرًا إِنْ هَذَا إِلاَّ مَلَكٌ كَرِيمٌ *قَالَتْ فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ وَلَقَدْ رَاوَدْتَّهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ وَلَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ مَا آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُوناً مِنَ الصَّاغِرِينَ *قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَإِلاَّ تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ *فَاسْتَجَابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ *ثُمَّ بَدَا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا رَأَوُا الآيَاتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ *وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيَانِ قَالَ أَحَدُهُمَا إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا وَقَالَ الآخَرُ إِنِّي أَرَانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزًا تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ *قَالَ لاَ يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلاَّ نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَكُمَا ذَلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَهُمْ بِالآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ *وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَائِي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ مَا كَانَ لَنَا أَنْ نُشْرِكَ بِاللَّهِ مِنْ شَيْءٍ ذَلِكَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنَا وَعَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَشْكُرُونَ *يَاصَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ *مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلاَّ أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلَّهِ أَمَرَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ *يَاصَاحِبَيِ السِّجْنِ أَمَّا أَحَدُكُمَا فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْرًا وَأَمَّا الآخَرُ فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْ رَأْسِهِ قُضِيَ الأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ *وَقَالَ لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ نَاجٍ مِنْهُمَا اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ فَأَنْسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ *وَقَالَ الْمَلِكُ إِنِّي أَرَى سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعَ سُنْبُلاَتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ يَاأَيُّهَا الْمَلأَُ أَفْتُونِي فِي رُؤْيَايَ إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّؤيَا تَعْبُرُونَ * قَالُوا أَضْغَاثُ} [يُوسُف: 4،26-44] {قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلاَمٍ وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الأَحْلاَمِ بِعَالِمِينَ *وَقَالَ الَّذِي نَجَا مِنْهُمَا وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ أَنَا أُنَبِّئُكُمْ بِتَأْوِيلِهِ فَأَرْسِلُونِ *يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ أَفْتِنَا فِي سَبْعِ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعِ سُنْبُلاَتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ لَعَلِّي أَرْجِعُ إِلَى النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ *قَالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا فَمَا حَصَدْتُّمْ فَذَرُوهُ فِي سُنْبُلِهِ إِلاَّ قَلِيلاً مِمَّا تَأْكُلُونَ *ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ سَبْعٌ شِدَادٌ يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إِلاَّ قَلِيلاً مِمَّا تُحْصِنُونَ *ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يُعْصِرُونَ *وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ فَلَمَّا جَاءَهُ الرَّسُولُ قَالَ ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللاَّتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ *قَالَ مَا خَطْبُكُنَّ إِذْ رَاوَدْتُّنَّ يُوسُفَ عَنْ نَفْسِهِ قُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِنْ سُوءٍ قَالَتِ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ الآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَا رَاوَدْتُّهُ عَنْ نَفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ *ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ وأَنَّ اللَّهَ لاَ يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ *وَمَا أُبَرِّيءُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلاَّ مَا رَحِمَ رَبِّي إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ *وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي فَلَمَّا كَلَّمَهُ قَالَ إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِينٌ *قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ *وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاءُ نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَنْ نَشَاءُ وَلاَ نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ *وَلأََجْرُ الآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ *وَجَاءَ إِخْوَةُ يُوسُفَ فَدَخَلُوا عَلَيْهِ فَعَرَفَهُمْ وَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ *وَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ قَالَ ائْتُونِي بِأَخٍ لَكُمْ مِنْ أَبِيكُمْ أَلاَ تَرَوْنَ أَنِّي أُوفِي الْكَيْلَ وَأَنَا خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ *فَإِنْ لَمْ تَأْتُونِي بِهِ فَلاَ كَيْلَ لَكُمْ عِنْدِي وَلاَ تَقْرَبُونِ *قَالُوا سَنُرَاوِدُ عَنْهُ أَبَاهُ وَإِنَّا لَفَاعِلُونَ *وَقَالَ لِفِتْيَانِهِ اجْعَلُوا بِضَاعَتَهُمْ فِي رِحَالِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَعْرِفُونَهَا إِذَا انْقَلَبُوا إِلَى أَهْلِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ *فَلَمَّا رَجَعُوا إِلَى أَبِيهِمْ قَالُوا ياأَبَانَا مُنِعَ مِنَّا الْكَيْلُ فَأَرْسِلْ مَعَنَا أَخَانَا نَكْتَلْ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ *قَالَ هَلْ آمَنُكُمْ عَلَيْهِ إِلاَّ كَمَا أَمِنْتُكُمْ عَلَى أَخِيهِ مِنْ قَبْلُ فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظًا وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ *وَلَمَّا فَتَحُوا مَتَاعَهُمْ وَجَدُوا بِضَاعَتَهُمْ رُدَّتْ إِلَيْهِمْ قَالُوا ياأَبَانَا مَا نَبْغِي هَذِهِ بِضَاعَتُنَا رُدَّتْ إِلَيْنَا وَنَمِيرُ أَهْلَنَا وَنَحْفَظُ أَخَانَا وَنَزْدَادُ كَيْلَ بَعِيرٍ ذَلِكَ كَيْلٌ يَسِيرٌ *قَالَ لَنْ أُرْسِلَهُ مَعَكُمْ حَتَّى تُؤْتُونِ مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِ لَتَأْتُنَّنِي بِهِ إِلاَّ أَنْ يُحَاطَ بِكُمْ فَلَمَّا آتَوْهُ مَوْثِقَهُمْ قَالَ اللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ *وَقَال يابَنِيَّ لاَ تَدْخُلُوا مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوَابٍ مُتَفَرِّقَةٍ وَمَا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ *وَلَمَّا دَخَلُوا مِنْ حَيْثُ أَمَرَهُمْ أَبُوهُمْ مَا كَانَ يُغْنِي عَنْهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ إِلاَّ حَاجَةً فِي نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضَاهَا وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِمَا عَلَّمْنَاهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ *وَلَمَّا دَخَلُوا عَلَى يُوسُفَ آوَى إِلَيْهِ أَخَاهُ قَالَ إِنِّي أَنَا أَخُوكَ فَلاَ تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ *فَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ جَعَلَ السِّقَايَةَ فِي رَحْلِ أَخِيهِ ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ *قَالُوا وَأَقْبَلُوا عَلَيْهِمْ مَاذَا تَفْقِدُونَ *قَالُوا نَفْقِدُ صُوَاعَ الْمَلِكِ وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ *قَالُوا تاللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتُمْ مَا جِئْنَا لِنُفْسِدَ فِي الأَرْضِ وَمَا كُنَّا سَارِقِينَ *قَالُوا فَمَا جَزَاؤُهُ إِنْ كُنْتُمْ كَاذِبِينَ *قَالُوا جَزَاؤُهُ مَنْ وُجِدَ فِي رَحْلِهِ فَهُوَ جَزَاؤُهُ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ *فَبَدَأَ بِأَوْعِيَتِهِمْ قَبْلَ وِعَاءِ أَخِيهِ ثُمَّ اسْتَخْرَجَهَا مِنْ وِعَاءِ أَخِيهِ كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ إِلاَّ أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ *قَالُوا إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ وَلَمْ يُبْدِهَا لَهُمْ قَالَ أَنْتُمْ شَرٌّ مَكَاناً وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَصِفُونَ *قَالُوا يَاأَيُّهَا الْعَزِيزُ إِنَّ لَهُ أَبًا شَيْخًا كَبِيرًا فَخُذْ أَحَدَنَا مَكَانَهُ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ *قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ أَنْ نَأْخُذَ إِلاَّ مَنْ وَجَدْنَا مَتَاعَنَا عِنْدَهُ إِنَّا إِذًا لَظَالِمُونَ *فَلَمَّا اسْتَيْأَسُوا مِنْهُ خَلَصُوا نَجِيًّا قَالَ كَبِيرُهُمْ أَلَمْ تَعْلَمُوا أَنَّ أَبَاكُمْ قَدْ أَخَذَ عَلَيْكُمْ مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِ وَمِنْ قَبْلُ مَا فَرَّطْتُمْ فِي يُوسُفَ فَلَنْ أَبْرَحَ الأَرْضَ حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ *ارْجِعُوا إِلَى أَبِيكُمْ فَقُولُوا ياأَبَانَا إِنَّ ابْنَكَ سَرَقَ وَمَا شَهِدْنَا إِلاَّ بِمَا عَلِمْنَا وَمَا كُنَّا لِلْغَيْبِ حَافِظِينَ *وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنَا فِيهَا وَإِنَّا لَصَادِقُونَ *قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ *وَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَال ياأَسَفَى عَلَى يُوسُفَ وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ *قَالُوا تاللَّهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتَّى تَكُونَ حَرَضًا أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهَالِكِينَ *قَالَ إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ *يَابَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلاَ تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لاَ يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ *فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَيْهِ قَالُوا يَاأَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُزْجَاةٍ فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا إِنَّ اللَّهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ *قَالَ هَلْ عَلِمْتُمْ مَا فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنْتُمْ جَاهِلُونَ *قَالُوا أَإِنَّكَ لأََنْتَ يُوسُفُ قَالَ أَنَا يُوسُفُ وَهَذَا أَخِي قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ *قَالُوا تاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا وَإِنْ كُنَّا لَخَاطِئِينَ *قَالَ لاَ تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ *اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هَذَا فَأَلْقُوهُ عَلَى وَجْهِ أَبِي يَأْتِ بَصِيرًا وَأْتُونِي بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ *وَلَمَّا فَصَلَتِ الْعِيرُ قَالَ أَبُوهُمْ إِنِّي لأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْلاَ أَنْ تُفَنِّدُونِ *قَالُوا تاللَّهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلاَلِكَ الْقَدِيمِ *فَلَمَّا أَنْ جَاءَ الْبَشِيرُ أَلْقَاهُ عَلَى وَجْهِهِ فَارْتَدَّ بَصِيرًا قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ *قَالُوا ياأَبَانَا اسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا إِنَّا كُنَّا خَاطِئِينَ *قَالَ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ *فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَى يُوسُفَ آوَى إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ وَقَالَ ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ *وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا وَقَال ياأَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجَاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ *رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ *} [يُوسُف: 44-101](+).
وقد ورد ذكر يوسف (عليه السلام) في «سورة غافر»، على لسان مؤمن فرعون، بقول تعالى: {وَلَقَدْ جَاءَكُمْ يُوسُفُ مِنْ قَبْلُ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا زِلْتُمْ فِي شَكٍّ مِمَّا جَاءَكُمْ بِهِ حَتَّى إِذَا هَلَكَ قُلْتُمْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ مِنْ بَعْدِهِ رَسُولاً كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مُرْتَابٌ *} [غَافر: 34].



Copyright © Samih Atef El-Zein 2010     VINTOB