قصص الانبياء في القرآن الكريم
الطبعة : الطبعة السابعة  
المؤلف : سميح عاطف الزين
عدد الصفحات :   692
تاريخ النشر :   2005




يعقـوب (عليه السلام)

خرج يعقوب مسافراً بعد أن ودَّعَ أبَويه، وفي نفسه غُصَّةٌ وفي قلبه حرقة.. إنه يترك أباً على شفير العمر، وقد لا يراهُ ثانيةً في هذه الدنيا. ولكنّ ما يخفِّف آلامَه، أنَّ سَفَرَه كان نزولاً عند إرادة ذلك الأب الوقور، وتحقيقاً لأمَلٍ يراوده... فكان عليه الطاعة والإذعان...
ارتحل مع الفجر، وما زال يغذُّ السير حتى صارت الشمسُ في كبد السماء، فلم يعُد يحتملُ شدَّة الهجير، ولا يطيقُ لهبَ الرمال، فأوى إلى جذع نخلةٍ يستريح من عناء الطريق.. إنَّ نفسَهُ كانت تلتهبُ فراقاً، فجاءت حرارة الشمس تزيدُ في اشتعال عاطفته، حتى غُلِبَ على أمره، فقعد في الظِلِّ مستريحاً...
وظلَّ يعقوب قابعاً في خلوته، حتى حلَّ الغروب، فقام يسري مع الليل. ودأبَ على هذه الحال، طوالَ سفرته تلك، يستريح في النهار، ويسيرُ في الليل حتى لُقِّب بـ«إسرائيل»(+). وكان كلما ابتعد عن دياره، تحول تفكيره نحو البلاد الجديدة التي يقصدها. وكلما مرَّت الأيام شعرَ بشوق أشد وبحماسةٍ أكثر، للوصول إليها. عَمُقَ في نفسه ذلك الشوق، فاندَفَعَ يخترقُ الصحراء، بين نجودٍ ترفعه ووهادٍ تخفضه. يقطع الفيافي، وهو لا يبالي بالرمال تدفَعُه، ولا بالكثبان تقذفه.. إنه مُسافر في الفلاة بلا رفيق، إلاّ من طنين لا يفارق أذنيه. ولم يَكنْ ذلك الطنين إلا ترجيعاً لكلمات أبيه، وهو يحثُّه على الرحيل...
ويشتدُّ الطنينُ، فيُسرعُ يعقوب، غيرَ مُبالٍ بتعبٍ، ولا مكترثٍ بوصب. لا يفكر في أخطار قد تعترضه، ولا في صعاب قد تواكبه، همُّهُ أن يُحقّقَ رغبةَ والدٍ جليل وينفِّذَ مشيئة أبٍ محبٍّ كريم...
وها هي أيامه تنقضي سريعةً، وديارهُ تبعد كالنجوم آفلةً.
وها هي الصحراءُ، تودِّعه، وهي تبدي حسرةً على فراقه.
وها هي بُقعةٌ جديدةٌ من الأرض تستقبله، وهو يحسُّ أنها تزدهي لقدومه..
إنها ناحيةٌ تعجُّ بالحياة. فالماءُ يسري فيها عذباً سلسبيلاً، والأشجار تنتشرُ في رحابها ظلالاً وجمالاً. تمتلىء بالعشب يتمايل، وتنتشي بالطير يتصادحُ. وتنعكسُ في نفسه هذه الظلالُ، فَيَكِزُ حصانه بمهمازه، فينطلق به عادياً كالسهم.
لم يأبَهْ لريٍّ يبرِّد به جوفَهُ، أو ليانعٍ يروي به جوعه. بل شدَّهُ الأمل للقاء الناس، فراحَ يطوي المسافات علَّه يَصِلُ إلى مبتغاه. وها هو الأملُ الذي تطلَّع إليه لا يخونه، واللقاء الذي تمنّاهُ لا يصدِمُهُ، ففي الأفق خيالات تلوح، وفي البعد أشباهُ أُناسٍ تتحرَّك. ويتقدّمُ إلى مرمى العين، فإذا به أمام هؤلاء الخلائق من لحمٍ ودم. إنهم بَشرٌ يروحون ويجيئون في هذه الأرض، منهم من يقومُ على الحراثة، ومنهم من يسوق القطعان والمواشي، ومنهم من يقطف الخضار ويملأ السلال...
تالله ما أجملَه من منظر تقعُ عليه عيناهُ، بعدما ملَّتا الرمالَ والجفاف! وما أروعهُ من أُنْسٍ بعدما أوحشه فراقُ الناس!
إنه يرى الناس حقاً من جديد، وهم ينكبّون على أعمالهم، ويتوزعون على سبل عيشهم.. وينزل يعقوب عن راحلته، وما إن يطأ تلك الأرض برجليه حتى يحسّ دعةً واطمئناناً، وتعتمل نفسه بالخوالج، فيتقدّم من الماء يرتوي، ويعود إلى الفيء يحتمي من الحرّ.
ويصرفُ بعضاً من الوقت يستعيد فيه نشاطَه، ثم يُيَمّمُ ناحيةَ بعض الرعيان، ويتقدم ملقياً السلام، سائلاً بلهجة الغريب:
- هل هذه الأرضُ من آرام؟
- نعم أيها السيّد.
- أرجلٌ يقيمُ في دياركم يُدعى لابان بن بتويل؟
- أجل أيّها السيد، إنَّ من تسأل عنه قد صاهر إسحق الرسول، وهو عميد عائلته، وشهابُ قومه. نعمى له حامي ديارنا، وطوبى له أباً للرعية، نعيش من خيره وماله. وإنه صاحب هذه القطعان التي ترى، وكل المواشي التي تسيل بها هذه البطحاء.
أحس يعقوب راحةً والقوم يتحدّثون عن خاله، ولكنَّه أحبّ أن يستزيدَ فسأل مستوضحاً:
- هل دياركم آمنة أيها الإخوة؟
إنها دوافع النفس البشرية، فمتى كان الأنبياء والرسل يتحسَّبون لأحداث القدر. ولكن سؤال يعقوب كان تعبيراً عن مكنون نفسه، وما اختزنه عقله من قصة أخيه، وعزمه على الغدر به، فانطلقت سريرتُه بما يعتلج فيها حتى تطمئنَّ إلى الغدِ، وترتاح إلى المقام.
أجابَ الرعيانُ بما أزاح عنه كل قلقٍ يُداخله، ولكنه أكثر ما أسعدهُ قولُ أحدهم وهو يزيدُ على رفاقه:
- إننا في أرض إبراهيم النبيّ أيها السيّد.. فها هنا نبتَتْ رسالتُهُ، ومن هنا طلعت على العالم شريعته، فكيف لا نعيش بأمان واطمئنان؟!.
وأثنى يعقوب على حُسن قوله، ودعا للجميع:
- بركات الله تعالى تحلُّ عليكم أيها الإخوة، وعسى أن يجزيكم سبحانه على ما تستحقون.
وأَنِسَ بلقائه الرعيانُ، فزادوا ترحيبهم به قائلين:
- نِعْمَ الزائرُ أنت أيها السيد. حلَلْتَ ديارنا أهلاً، ووطأتَ أرضنا سَهْلاً.
وأراد ألاّ يطيل المكوثَ، فطلَبَ أن يدلّوه على بيت الشيخ لابان بقولٍ جميل:
- نِعْمَ الحفاوةُ تكرمون بها الغريب. فهل من يتكرَّم ويُحسنُ، فيسيرُ بي إلى الشيخ لابان؟
وانطلقت أفواه الرجال بصوت واحد:
- كلنا لك رفيق ودليل.
وهمَّ جميعُهم بالسير أمامه، غير عابئين بالقطعان يُخلّونها، ولا آبهين بالزروع تسرح فيها.. فلتُترك وحدها في هذه البراري، وليقوموا كلهم على خدمة الضيف، وقد أتى قاصداً شيخَ القومِ وسيّدَهم..
ولكنَّ يعقوب أوقفهم بلطف وهو يقول:
- واحد منكم إلى حاجتي يكفيني، وقد أراني لا أضلُّ الطريقَ، وأنا بين أُناسٍ في هذه البلاد مثلكم في المروءة والشهامة!
ووقف الجمعُ، ثم التفتَ إليه أحدُهُم وقال:
- اختر أيها السيد رفيقاً، ونحن باختيارك راضون..
وأجاب على الفور، وهو حقّاً لا يقدر على المفاضلة بينهم:
- إخوةٌ أنتم وفي النبل سواء. إمّا أن تخلّوا هذا الهمّ عن أنفسكم، وإلاَّ فلن أبرحَ هذا المكان، فهل ترضَونَ أن أتأخر عن ملاقاة الشيخ لابان؟..
ابنة خاله تقوده إلى بيتهم
وتمرّ فترة قبل أن ينفلِتَ أحدهم من حَبْلِ السكوت، ثم يشير بيده قائلاً:
- انظروا يا رجال، إنها راحيلُ ابنة الشيخ لابان. وها هي قد أرسلها الله في هذه اللحظات حتى تمنعنا من الحيرة، وترفعَ عنا لَومَ أنفسنا، فلنذهَبَنَّ إليها.
وهرَعَ الرعيانُ إلى راحيل، ولحقَ بهم يعقوب، فقدَّموه إليها بالقول:
- إنّه غريبٌ عن هذه الديار، وقد جاء يطلب الشيخ لابان. أردنا أن نكونَ كلنا دليله فأبى. خيَّرناه بأحدنا، فلم يقبل، حتى قادَكِ الله إلينا.
وشكَرَتْ راحيل الرجال، ودعتهم للانصراف إلى رعيهم، ثم التفتت إلى الغريب ترحِّبُ به وهي تقول:
- شرفٌ كبير لهذه الديار أن تحلَّ بها أيها السيد. وسرورٌ أكبرُ لشيخ القوم أن تقصده، إنه أبي وهو خير الآباء، ومصاهر الأنبياء.
ورأى يعقوب في هذه الفتاة ما يشبه ملامح أمه في جمالها وإشراقها. وقد زادها رونقاً أثر الشمس بسمرةٍ تخالط بياضها حتى لتبدو وكأنها أشعة الضوء تنعكس على محياها. فما كان منه وهو يستعيد صورة أمه في مخيلتهِ، إلاَّ أنّه أشاح بوجهه عنها والدموع في مآقيه، وهو يقول:
- أستغفر الله على ضعف نفسي، وعلى ما اعتراني من حزنٍ لذكرى أبي وأمي.. ثم التفت إلى الفتاة وهو يقول:
- إنني آسفٌ حقاً على ما بَدَرَ منّي، وإنّي جئتكم من بعيدٍ أنشُدُ الاطمئنان في جواركم...
وحتى لا يتركها في حيرة وتساؤل، ما لبث أن عقَّب قائلاً:
- إن بيني وبينك قرابةً وشيجةً، وأواصر وثيقة. فأبي من هذه الديار، وأمي من الشجرة التي تفرَّعتِ عنها. إني يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم الخليل، وقد جئت من أرض كنعان، حتى ألقى خالي الشيخ لابان.
وفرحت راحيل بما تسمع من هذا الشاب عن قرابتهما، ولكنها رأت أن تبادره بما يخفف عنه ما يجيشُ في صدره، فقالت مواسية:
- تبّاً لفراق الأهل ما أشدّه قسوةً على النفوس. ولكنَّك ستحلُّ بين أهلك أيضاً يا ابن العمّة. وسوف يكون سرور خالك للقياك عظيماً. فهل ترتوي حليباً قبل أن نذهب إليه؟.
ما بي حاجةٌ لارتواء، وهمّي أن ألقى خالي بلا تردّد أو تأخير.
وأوكلت راحيلُ قطيعها إلى الرعيان، ثم انطلَقَت بقريبها نحو المنزل، والفرحُ يملأ قلبها، والبشْرُ يطفح على وجهها. وأسرعت تَزُفُّ البشرى إلى أبيها، وهي تقول له:
- هذا ابن عمّتي يا أبي، يعقوب بن إسحاق.
وصرخ لابان:
- ابن أختي في ديارنا؟!
وتلقَّفه في أحضانه، وضمَّه إلى صدره بلهفةٍ وشوق. عانقه طويلاً، وقبّله كثيراً، ثم أقعده بجانبه، وهو يسأل عن الأهل والخلاّن، ويستفسره عن المجيء والترحال.
وطال انهماك لابان بابن أخته، ونسي كل من حوله، فلم ترَ راحيلُ إلا الانسحاب لتخلّي ما بينهما، وهما في الشوق يتناجيان، وفي المحبة يتعاطفان.
عرف لابان حقيقة أمر يعقوب، وسبب مجيئه إليه، فأحلَّهُ من نفسه محلاًّ عزيزاً، وأنزله من قومه منزلاً كريماً.
يعقوب يتزوج ابنة خاله
وعاش يعقوب في كنف خاله فترة من الزمن كان الشيخ خلالها يفكِّرُ ويعدُّ لما يُبقي عنده ابن أخته أطول زمن ممكن، فلعل الأيام تنسي أخاه الحقد والضغينة عليه، فتعاود عائلة إسحاق العيش بأمان واطمئنان. ولذلك دعاه يوماً إليه، وقال له:
- يا بنيّ، أنت مني بمنزلة الولد من أبيه، وسوف أزوّجك ابنتي الكبرى «ليّا» لأن العُرف عندنا يقضي بتزويج الكبرى قبل الصغرى. والشرع يقضي بأن تقدّم لها الصداق، فأقم عندنا سبع حجج، ترعى الغنم، وتُساعدني في تدبير الشؤون، فيكون عملك مَهْراً لزوجك..
وأطرق يعقوب ملياً، وقلَّب الأمر على مختلف جوانبه، فوجَدَ أن ما يقوله خاله هو الحق، فأجابه من فوره:
- على بركة الله..
وردَّ خاله:
- تنقضي ثلاث حجج، تكون مهر (ليّا) المعجّل، فنعقُد القران. وتستقرُّ في منزلك مع أهل بيتك، وتكمّل المدة الباقية، فيتمُّ الصداق..
- أنا على ما ترى أيها الخالُ الوقور...
وعلى هدىً من الله وخير، أقام يعقوب في آرام، يرعى الغنم، ويساعدُ خاله في تدبير شؤون القوم.. أحبَّهُ الجميعُ لنبل أخلاقه، وكرم محتده، وحُسن معشره، فكان لهم عوناً وسنداً، يفرح لأفراحهم، ويحزن لأحزانهم. وكان أكثر الناس تعلُّقاً به زوجه ليا، فقد وهبته نفسَها، وقامت على توفير السعادة له بكل جوارحها، تطمئنّ لقربه منها، وتشقى لبعادِهِ عنها. ومن فرط حبّها له، وَهَبَتْهُ جاريتها «زلفة» فدخَلَ بها إرضاء لخاطر زوجه، وجَعَلَها مكرَّمَةً، عزيزةً، في العيش والولد.
كان يعقوب، قد أنجب مع الأيام عدة أولاد من ابنة خاله «ليا» وهم: روبيل وشمعون ولاوي ويهوذا ويساخر وزابيليون، ومن زوجته «زلفة» ولدين وهما: جاد وأشير.
وقرَّت عين يعقوب بأولاده، فقام على تربيتهم تربيةً حسنةً قوامُها الإيمان بالله، ومعاملة الناس بالمعروف. ورعى زوجَيْهِ رعايةً حميدةً دعامتها الاحترام والتعاطف.. صَفَتْ له الأيام، وطابت الأحوال، فعاشَ ناعمَ البال، مطمئنَّ الوجدان، لا يُعكِّرُ عليه ذلك الصَّفْوَ إلا حنينه لأبويه، وقد نأت بهما الديار، وانقطعت منهما الأخبار، فلا يصل إليه من آثارهما شيء، ولا يسمعُ عن أحوالهما خبراً.
ولكن هل يطمئنُّ الإنسان لعاتيات القدر، أو يأمن صروف الدهر، حتى ولو كان نبيًّا؟!.
وصية ليّا ليعقوب قبل موتها
هذا يعقوب عائدٌ من عمله مع غروب الشمس، فلا يرى زوجته «ليّا» واقفةً بانتظاره كعادتها على عتبة البيت.. أحسَّ بالقلق يُساوره، فأسرعَ الخطى، ولشدّ ما آلمه أن يجد تلك الزوجة غارقةً في الأوجاع، تئنُّ وتتلوّى في فراشها، والأبُ فوق رأسها يدعو ويتضرع.
وظلَّ يعقوب ساهراً إلى جانبها يواسيها ويؤانسها وهي تستمع لمناجاته، ويقدّم لها الماء ويعطيها الدواء، وهي لا تقدر على محادثته. وتمرُّ الساعات وحالُها يزدادُ سوءاً على سوء، حتى كان الفجرُ، فإذا بها تفيق وهي بكامل وعيها، وتمام إدراكها، فانحنى عليها زوجها يغمرُها بعطفه، ويشملها بحنانه، وفي ظنِّه أنَّ المرض قد بدأ يفارقُها، والعافية تتقرَّب إليها. ران عليه الأمل، وإن كان التعبُ والهمُّ باديين على محياه فقعد بقربها، يريد أن يغفو، ولكنَّ ليَّا تطلَّعت إليه بنظراتٍ زائغة، وقالت:
- لشدّ ما يؤسفني أنني لم أكن بانتظارك عند العودة، ولشدّ ما يؤلمني أن أسبّب لك التعب والشقاء، وكأنَّه لا يكفيك من نهارك ما تعاني... فهل تُسامحني على خطأ لم يكن بيدي حيلة عليه؟...
وأجابها بلوعة:
- اطرحي عنك كل مصدر همٍّ أيتها الغالية فلا شيء يوازي سلامتك، ولا أثمن عندي من وجودك. فأنتِ نعم الزوجة الوفيَّة، ونعم الشريكة المتفانية..
- لا تزدني ألماً أيّها الزوج الحبيب...
- بل مُناي أن ينأى عنك الألم، ويزول الكرب.
- والتفتت حولها محدّقة في جوانب الغرفة، ثم قالت:
- وأين الأولاد؟..
- إنهم في رقادهم يحلمون..
- أريد رؤيتهم..
- ولكنَّ الصبح قريب، وعمّا قليل يحيطون بك فرحين، ضاحكين..
- ستراهم باكين يا سيّدي!..
- وما حاجتنا إلى هذا القول يا امرأة؟
- لشدّ ما يصعب عليَّ مفارقتكم، إنه قدر الله تعالى ولا مفرَّ من حكمه.. ولكن لي وصيَّة أرجو أن تسمعها..
- إنها وطأةُ المرض، ولا إخالُكِ إلا عدتِ بعد بضعة أيام إلى سابق عهدك من الحيوية والنضارة..
وتأوَّه يعقوب، وحاولَ أن ينتشلها مما يساورها من قلق، فقال لها:
- لو تأخذين قليلاً من العسل أو اللبن، فقد يبعث فيك القوَّة، وتستطيعين القيام سريعاً.
- رجوت أن أودِعَك وصيَّتي، وعلى مسمع من أبي، فلا تؤخِّر بي الوقت.
والتفت إلى خاله، ونظراته تدلّ على حيرته، فأومأ إليه خاله بالسكوت.. ورأته (ليّا) قد صمت فقالت:
- إنّي أوصيك خيراً بأبي وأولادي. فتزوّج أختي راحيل، فهي خير من تقوم على رعايتهم من بعدي.
وفجأةً سكتَتْ، وأغمضت عينيها. فظنَّ يعقوب أن الإغفاء غالبها، فاستراحت، ولكنها كانت الراحة الأبدية، فقد كانت (ليّا) في صَحوة الموت، وها هي تبدو وكأنها في النعاس تذهب، وفي النوم تغطُّ، فلا نَزْعَ ولا حشرجة، بل تمضي إلى العالم الآخر وادعةً، مطمئنة النفس..
ويرقب والدها فراقها للحياة، فلا يتمالك نفسه، فيجهش بالبكاء وهو يقول:
- وا لهف قلبي عليك يا ابنتي، وا حسرتي من بعدك...
مضتْ (ليّا) إلى خالقها، وتركت يعقوب مهموم الفؤاد، محزون الخاطر، لا يترك يوماً يمرّ إلاَّ ويذهب إلى ضريحها، يطلب لها الرحمة، ويرجو لها النَّعيم في الدار الآخرة..
وتمر سنة على موتها، وتكتملُ بانقضائها الحجج السبعُ التي أخذها يعقوب عهداً عليه للقيام في تلك الديار.. فذهب إلى خالِهِ يسأله ماذا يفعل: أيترك آرامَ ويعود إلى بلاده، أم يبقى ها هنا مدة أخرى من الزمن؟!.
وغاصَ لابانُ في تفكيره، لا يقع على قرار يشفي غليله... إنَّ فؤاده ما زال كسيراً، وفراق يعقوب سوف يزيده ألماً، ثم إنَّ «ليَّا» لها وصيّةٌ ويجب أن تُنَفَّذ، فما بالُ يعقوب لا يسأل عن تلك الوصية؟!..
ولئن حاول أن يُبقيه عنده، أفلا يكون تجنياً عليه. فربّما كان البعادُ عن هذه الديار يُنسيه الأحزان التي ما زالتْ مختزنة في قلبه!..
إنه حائرٌ حقّاً، ولا يدري كيف يتصرّف... ولكنَّ ابن أخته وصهره قد جاءه طالباً الرأي في أمره، فهل يتركه نهباً للقلق، إذا كان هو غير قادر على التقرير؟.
ويخرج لابان أخيراً عن صمته، ويقول ليعقوب:
ـ إيه يا بني هل ترغب في الرحيل عنَّا؟
- إنني لم أستقرّ على رأي أيها الخال، وقد شئتُ أن توافيني بنُصحكَ حتى يكونَ لي شأن أعزمُ عليه..
- أنتَ عزيزٌ عليّ يا ابن أختي، وفراقُكَ سوف يُضنيني. ولكني لا أقفُ حائلاً دونَ رحيلك إن أردت. إنما هناك شيء هامٌّ، أرغبُ فيه، وهو أن أحقّق وصيّة «ليَّا» وهي على فراش الموت...
وتنهَّدَ يعقوب وقال بصوت خافت:
- رحمها الله، ما أصعب فراقها..
وسكتَ يعقوب قليلاً ثم تابع يقول:
- إنها تلك الوصيّة التي ما زالتْ تملأ رأسي وقلبي. وإنّي لست مخالفاً رغبةً لزوجتي الراحلة. ولكن ما شأن «راحيل» حتى نُعذِّبها بتحميلها مسؤولية رعاية أسرة كبيرة، في حين أن تزويجها من شابٍّ يناسبها، قد يحمل لها سعادةً أوفَرَ، وراحةً أكبر!.
- حاشا أن يكون في زواجك من راحيل ما يسوؤها، فهي لا تقلُّ عن أختها فكراً وخلقاً، ولا هي أدنى منها معشراً ورضاءً، فخُذها زوجةً كريمةً، وهي أولى بأبناء أختها من دون النساء الأخريات.
- إذن سوف أقيم هنا مدّةً أخرى، إن رأيت أن يكون بدل عملي هو صداق راحيل.
- بل إن لك مالاً وفيراً، وأنعاماً كثيرة يا بنيّ، فإن شئت الرحيلَ فلن أقف دونك وهذا الأمر، وإن رغبتَ في البقاء فذلك أشفى لقلبي، وأهنأ لبالي.
- لقد أكرمت وفادتي أيّها الخالُ الجليل، ولم تدّخر وسعاً في رعايتي وإيثاري. فغمرتني بالمحبّة، وأغنيتني بالإحسان، فهل أُنكِرُ هذا الصنيع الجميل، وأتركك إلى آلامك وشيخوختك وحيداً؟ لا، لن أرحل عن سيّد هذه الديار حتى يأمر الله تعالى بذلك.
وفاضت عينا لابان بالدموع، وهو يطمئن إلى بقاء يعقوب بجانبه، وإلى «راحيل» وأولاد «ليّا» بقربه. فانكبّ عليه يحتضنه بين ذراعيه، وهو يوسعه لثماً، ويملأه حبّاً..
يعقوب يتزوج من راحيل
وهكذا جدَّد يعقوب الإقامة في تلك البلاد، فتزوَّج من «راحيل» وأقام معها عهداً على الوفاء والإخلاص. وكانت «راحيل» كما قال عنها أبوها، روعةً في الأخلاق، وقدوةً في الشمائل والصفات.. قامت على خدمة زوجها خير قيام، وعلى رعاية أبنائه أفضل رعاية. لم توفِّر جهداً إلا بذلته لإزالة الغم عنه، ولم تدّخر وسعاً إلا أنفقته لتربية الأولاد. فكانت مثال المرأة الصادقة، والأم المتفانية. وزيادةً في التعبير عن مشاعرها لزوجها، فقد وهَبَتْه، كما فعلَتْ أختها من قبل، جاريتها «بلهة» وأصرَّت أن تكون له زوجة.
وتمرّ الأيام سراعاً، وتلدُ «راحيل» بكرَها يوسف فتزيدها ولادتُهُ حبّاً لزوجها، وعطفاً وحناناً على أبناء أختها... ويزيد في سعادتها ولادة «بلهة» لطفلين، هما «دان ونفتالي» فتصير ربَّة عائلة كبيرة، وترعى الجميع بلا أدنى تمييز أو محاباة...
ويرى «لابان» السعادة ترفرف من جديد على يعقوب وأهل بيته، فيطيبُ خاطره، ويذهب عنه الحزن. ولكنّ العمر لا يخلّدُ، فيموتُ لابان، ويجدُ يعقوب أن الوقت قد أزف للرحيل، فيودّع القوم ويعود إلى بلاده فلسطين، محمَّلاً بالأرزاق، ووفير الخيرات.
عاد يعقوبُ وأقام بين بني قومه نبيّاً مكرَّماً معزّزاً. وأكرمَ الله عودَته إلى تلك الديار، فرزقَهُ ابنه الأخير بنيامين، وهو الولد الوحيد ليعقوب (عليه السلام) الذي وُلِدَ في فلسطين. وكان له شأنٌ رواهُ القرآن الكريم.
لقد عاش يعقوب (عليه السلام) في اغترابه، وفي رجوعه - لاسيما أن أولاده من حوله - حياةً حافلةً بالهناء والطمأنينة. ولكن خاتمة تلك الحياة هي أبرز ما تدلُّ على حياة هذا النبيّ (عليه السلام) ... إنها خاتمة قد جمعتْ من الحكمة والتمسّك بالعقيدة، والحفاظ عليها، ما يجعلها حدثاً قائماً بذاته، ومتجدّداً مع الأيام، كلما بزغت شمس أو طلع قمر، وكلما كان هنالك إنسان يدعو إلى الإيمان بحقيقة وجود الله تعالى، ويعمل على إيصال هذه الحقيقة إلى عقول الناس وقلوبهم..
إنّ قصة يعقوب، يمكن أن توزّع بحسب إيرادها في القرآن الكريم إلى ثلاثة فصول:
- بشارة الملائكة بولادته..
- الأحداث التي عاشها في قصة ابنه يوسف...
- وصيَّته عند وفاته..
والفصلُ الأهمُّ هو تلك الوصية، فقد قال الله تعالى في «سورة البقرة»: {أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ *} [البَقَرَة: 133].
إذن هنا المقصدُ، وهنا الغاية... نتصوَّر ذلك المشهد بين يعقوب وأبنائه وهو على فراش الموت، وفي لحظات الانتظار. وبمقدار ما نتصوَّره في خشوعه ومهابته بمقدار ما نجده حدثاً عظيماً له أعظم الدلائل وأكبرُ العظات.
وكيف لا يكون كذلك، وهو يُعالج قضيَّةً، كانت - وما تزال - أُمُّ القضايا مُنذ وجود الإنسان على هذه الأرض.
وهذه القضية لا تتعدّى حدود سؤال يعقوب لأبنائه وإجابتهم له.
سألهم: {مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي} [البَقَرَة: 133]؟
إذن هذا ما كان يُشْغِلُ باله، ويُضني فؤاده، ويَصْعبُ عليه أن يفارق الحياة قبل أن يطمئن إلى صحة عقيدةِ أبنائه.
وأجابه أولاده: {...نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ *} [البَقَرَة: 133]. وتظهر القضية فإذا هي الإيمان بالله الواحد الأحد، لا شريك له. إنَّهُ إله الأنبياء والرُسُل، إبراهيم وإسماعيل وإسحاق (عليهما السلام)، وقد أسلموا لله تعالى، فحريٌّ بأبنائهم وأحفادهم أن يكونوا على دين آبائهم. وقد كان هؤلاء مسلمين له، فعهدٌ على ذرّيَّتهم أن تكون هي أيضاً مسلمة لله... وكان الأبناء صادقين فقالوا لأبيهم: نعبُدُ الله الواحد، ونحنُ له مسلمون..
إن هذه الآية الكريمة تقطع أن أبناء يعقوب (أي إسرائيل) قد بُعثوا على الإسلام، ويظلون مسلمين طالما أنهم مؤمنون بالله، وحافظون لرسالات آبائهم وأجدادهم. أما إذا خرجوا على الإسلام، فإنهم يكونون قد تركوا الدين كله، وخرجوا من النور إلى الظلمات.. وأما إذا استداموا على هذا الدين وتمسَّكوا به، فإنهم يكونون بنور الله أبداً، وتُدركهم منه رحمةٌ وبركات.
مات يعقوب (عليه السلام) وهو يسأل أبناءه عن الإسلام ليطمئنَّ على عقيدتهم، فسلامٌ على يعقوب إنه كان من الصالحين.
cetirizin netdoktor cetirizin csepp cetirizin hund dosis



Copyright © Samih Atef El-Zein 2010     VINTOB