قصص الانبياء في القرآن الكريم
الطبعة : الطبعة السابعة  
المؤلف : سميح عاطف الزين
عدد الصفحات :   692
تاريخ النشر :   2005




إسحـق (عليه السلام)

إنّ فرحة المرأة تكونُ عظيمةً، وسعادتها كبيرةً حقاً، إذا ما قطعت خريف العمر وخمد في نفسها أمل الإنجاب، ثم يرزقها الله تعالى بالمولود، بعد طول الحرمان، ومكابدة حرقة الأيام بالتلهف إلى الذرّية.
وبأكثر من تلك الفرحة، بل وبسعادة لا حدود لها، استقبلتْ ساره - زوجُ إبراهيم الخليل - مولودها إسحق.
ولم يكن مولد إسحاق حدثاً عادياً، بل كانت له سمة الحدث الخارق. وكيف لا يكون خارقاً حقاً، وقد بشَّرَتْ به الملائكة وأتَتْ في الوقت نفسه، على ذكر ابنه يعقوب. وكيف لا يكونُ منه عجبٌ وقد حملت به أمه بعدما بَلَغتْ من الكِبَر عِتيّاً، وكان الشيبُ قد كسا شعر رأسها، ووصلت بها الأيامُ إلى عتبة الشيخوخة الفانية؟.
وبين الحلم واليقظة، وبين الألم واليأس، تتحقّقُ البشرى، وتكون الأعجوبةُ، ويولدُ إسحاقُ، بعد مرور سنين طويلةٍ على ولادةِ أخيه إسماعيل (عليه السلام)، من هَاجَرَ أمَةِ سارة، التي كان إبراهيم قد تزوجها نزولاً عند رغبة امرأته سارة، وتلبيةً لإرادتها..
ويشِبُّ إسحاق وتتفتّح براعمه في حدائق النبوَّة، يتتلمذ على أبيه، ويتربّى بخُلُقه، وكفى بها تربيةً من أبي المسلمين جميعاً، {مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ} [الحَجّ: 78].
وعلى هذا النحو عاش إسحاق حتى بلغ طور الرجولة، فزوَّجه أبوه من امرأةٍ أنجبت له عدة أولادٍ. ثم توفّاها الله، فتزوَّج من بعدها بقريبة له، وأنجبتْ له يعقوب.
وكان إبراهيم (عليه السلام) وزوجته سارة يشهدان حياة ابنهما، في مختلف مراحل طفولته وشبابه وحتى زواجه، فلم يفرِّق الله - تعالى - شملهم. وتأتي تزكيتهم من الله تزكية سلامٍ وأمان {رَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ} [هُود: 73].
ومرت السنون، وحمل إسحاق (عليه السلام) أعباء الرسالة، بعدما فارق أبوه إبراهيم الحياة. وقد أوكَلَ إليه ربه تعالى متابعة الرسالة التي حملها أبو الأنبياء، فكان أحد أنبياء الله المختارين، يدعو إلى حقيقة الإيمان بالله تعالى، ويصرِّف الشؤون بالعدل والقسطاس، ولا يتخاذل عن هداية الناس، أو يتوانى في الدعوة إلى الله منهكاً نفسه بالصلوات والعبادة، حتى تقدَّم به العمر، وصارَ شيخاً هرماً..
وهكذا، ولما أحسَّ بقواه تخذُله، وبرجليه غير قادرتين على حمل جسمه، ولمّا لم يعد قادراً على حمل الهمّ الذي أثقلَ نفسه طويلاً، ونَخَر جسمه مخافةً، دعا إليه ابنه يعقوب وقال له:
- إن الله قد غمرني بنعمائه عندما رزقني إياك يا بنيّ.. وجعلَ فيك خَلَفاً صالحاً، وآتاك من الشمائل والخصال ما يدلُّ على بركته وفضله، لأن في جمال الخَلْق والخُلُق، آياتٍ يودعها الباري عزّ وجلّ في الإنسان.. وقد زادني سبحانه من فضله، أن جعلك ذا نباهةٍ وذكاء، وذا محبة ومودة..
وسكت إسحاق قليلاً ثم تابع يقول لولده:
- إن هذه المزايا والسجايا، وهذه الفضائل ذاتها، هي التي كانت سبباً في شقائي مذ ترعرعتَ يا ولدي وشببت.. لا، لا تعجب يا بنيّ، إنني على خلاف الآباء الذين تغمرهم السعادة وهم يرون في أبنائهم ما يقرُّ العين أو ما يُريحُ القلب... بل وأكثر من ذلك، إنَّ ما جَبَلَكَ الله عليه، كان هو مصدرَ خوفي وتعاستي.
ولم يَعُدْ بوسْع يعقوب أن يحتمل ما يسمعه، فانكبَّ على يدي أبيه يوسعهما بالقبلات، وعلى صدره يملأه بالعبرات، وهو يشهق، ويقول:
- فداك نفسي أيّها الأب الحنون، أي خطيئةٍ ارتكبتها، وأي ذنبٍ اقترفته، بلا إدراكٍ مني أو وعي، حتى نغَّصتُ عليك العيش، وأقلقتُ فيك الخاطر.. اغفر لي با أبت، ودلّني على سوء فعلي، حتى أتجنَّبه، وأريحك مما تعاني من وصبٍ وشجن!!..
وانسالت نفس إسحاق لمرأى ولده وهو يتعذَّب متوهماً أنه سبب تعاسته، فشدّه إلى قلبه، وهو يكفكف عبراتِهِ بشفتيه، ويطمئنه بالقول الجميل: بل أنت من كان يُفرّج كربتي إن نظرتُ إليه، ومن يزيل غمّي إن هو منّي دنا. أنت الحنانُ الذي يغمرني، وأنت الأمل الذي يلازمني. ما بلّ عينيّ دمعٌ لفعل أتيته أنت يا بنيّ، أو حزَّ في قلبي ألمٌ سبّبْتهُ لي. ولكنه أخوك الأكبر، إنه يضمر لك الشر، وبالعداوة والجفاء قد يُجاهرُك... وإنّه لفي حرزٍ من قوته، وفي منعةٍ من ذوي قرباهُ. أما أنت فمن يناصرك إن حَسَرَ لك اللثامَ عن كيدٍ وأراد بك شراً؟!.
- هذا ما يؤرّقني يا بنيّ. وهو الذي يبرّح جفوني، ويهدّم كياني...
- ولكنني لم آتِ ما يحمله على كرهي يا أبي؟
- نعم يا ولدي، ولكنّهُ الحسدُ أطْمعَهُ، والغيرةُ تكاد تقتله..
- وهبْ أن أخي قد بادرني بالسوء، أو اعتدى عليَّ بالأذى فإنني لن أبسط إليه إلا يد الأخوّة، يداً طافحةً بالرفق والحنان، مليئة بالمحبة والوئام..
- نعْمَ الأخُ أنت يا ولدي، إنك من أخيك في خطر، وهذا ما أردتُ إبعادك عنه. ولذا دعوتك إليَّ، لأتلوَ عليك وصيّتي الأخيرة في هذه الحياة...
- إنني طَوْع أمرك يا أبي، ولن تجدني إلا الولد البارّ...
- إذن اسمع جيّداً ما أقوله لك...
وأنصَتَ يعقوب، وهو يرنو إلى أبيه بطرف حزين، فقال له الأبُ:
- ها قد أصبحتُ، كما تراني يا بنيّ، في نهاية العمر، ووقف بي الدهر على طريق الوداع. وقد أثنى الله عليك نبياً من الصالحين، ولا أجد لك بعدي، إلا أن ترحلَ إلى آرام من أرض العراق. وهنالك ستجد خالاً لك هو لابان بن بتويل، فتزوَّجْ إحدى بناته، وأقم عنده مدة من الزمن، ثم عدْ إلى هذه الأرض، وتابع دعوة آبائك وأجدادك هادياً إلى الوفاق والوئام، ناصراً المظلوم، مقتصّاً من الظالم، ناشراً ألوية الحقّ والعدالة بين الناس.. وإني لأدعو الله العليّ القدير، أن يكلأك بعنايته، ويحفظك برعايته... ولسوف يكون لك، بإذن الله عيشٌ طيب ونسل طاهر، أطيب وأطهر من عيش أخيك ونسله.
تلك كانت وصيّةُ إسحاق لولده يعقوب وقد أودعه إيّاها حتى ينام قرير العين، ويفارق الحياة وهو رضيّ النفس... أما يعقوب، فقد آلمه أن يضمر أخوه ما يُضمره له من شرّ، وأحزنه أن يفارق هذا الأب الرؤوف بارتحاله عنه، وهو على مشارف أيامه الأخيرة... لذلك راح يعقوب يتردّد بين البقاء والاستعداد للرحيل.. وأحسَّ الأبُ بما يجيشُ في خاطر ابنه، وشعر بالحيرة التي تلازمه، فعاد يلحُّ عليه في المغادرة وهو يقول له:
- إيه بنيّ، إنها وصية الأب الشيخ، ومن كان مثلك يحترم الوصيّة، ويحفظ الأمانة، فعلامَ هذا التخاذل في التدبير، وإلى متى هذا التقاعس في الرحيل؟!. شُدَّ العزمَ واغْدُ بإذن الله مع طلوع الفجر، ولك زادٌ من الله رحمتُهُ الواسعة وأنيسٌ من الملائكة رفقتهم المباركة.
- ولكنّي يا أبي...
- أعلم ما تُريد قوله يا بنيّ... ولا تجعلْني أَموتْ متحسّراً على أملٍ كان لي فيه عونٌ على الحياة...
وطلعتْ شمسُ اليوم التالي، وافتقد القوم يعقوب فلم يجدوه بينهم.. راحوا إلى دارة أبيه، فإذا هو مُشرقُ الوجه، هانىء البال وكأنما نفسه التصقت بسرّ غيبيّ، طواها عن هذا العالم، فراحت تسبح في مستقرٍّ مجهول...
هكذا حياة الأنبياء، تحفل بالعناء والمكابدة في مسيرتها على الأرض، حتى إذا قاربت رحيلها إلى خالقها، انسلخت عن عالم المادة، وسبحت في نورانية الإيمان والتسليم.
ciloxan notice ciloxan tropfen ciloxan alkohol
amantadin cena amantadin ratiopharm amantadin nedir



Copyright © Samih Atef El-Zein 2010     VINTOB