قصص الانبياء في القرآن الكريم
الطبعة : الطبعة السابعة  
المؤلف : سميح عاطف الزين
عدد الصفحات :   692
تاريخ النشر :   2005




12 - بناء الكعبة الشريفة

وحلَّ بقوم لوطٍ (عليه السلام) ما حلَّ...
وأَفَلَتِ السنون، وحان الوقت ليدرك الإنسان أن الله ربَّه هو العزيز الحكيم، وهو الخبير العليم، وأنَّ ما أنزل على نبيِّه وعبده إبراهيم (عليه السلام) من الأوامر التي كانت ما تزال غامضة.. وأن ما ابتلاه به، في أحيانٍ كثيرة، من البلاءات العظيمة والمبينة.. لا بدَّ أن تتوضح الآن أسرارها، وتبين حكمتها..
لقد شاءَ الله - سبحانه وتعالى - أن يحمل نبيُّه إبراهيم (عليه السلام) ابنَه إسماعيل (عليه السلام) وأمَّه هاجر إلى وادٍ غير ذي زرعٍ.. ولكنَّ هذا الوادي الذي كان، قبل سنين عديدة، مكاناً مقفراً في جوف الصحراء، صارَ يضجُّ بالحياة، وتتدفق في أنحائه كل مظاهر العيش التي كانت سائدة في ذلك الزمن، من رعيٍ وقبليَّة، ومن تكاثر وحيوية أو غير ذلك مما يساعدُ إنسان تلك البيئة في الحفاظ على بقائه والاستمرار في وجوده على الأرض.
وإذا كانت هجرةُ إبراهيم (عليه السلام) بأهله إلى هذا الوادي هي السببَ الذي أدى إلى إشاعة الحياة فيه - وفق ما شاء الله سبحانه وقدَّر - فإنَّ الغاية من ذلك تظهر عندما يعود إبراهيم (عليه السلام) إنفاذاً لأمر ربِّه، لكي يعيد بناء البيت العتيق الذي تهدَّم وعفَّى عليه الزمن، وفي نفس المكان الذي بناه فيه آدم (عليه السلام) ليكون أوّلَ بيت وضع للناس بمكة، يصلِّي فيه الإنسان، ويحجُّ إليه، عبادةً وزلفى لرب العالمين.. فقد هبط آدم (عليه السلام) الأرض، وأقام البيت لأول مرة، وقيل بأنه لما رآه مستوياً أمامه، راح يطوف حوله، عبادةً لله، مثلما تطوف الملائكة حول البيت المعمور تسبيحاً وتكبيراً، فحفَّت الرحمة بمكان وجوده، لأنه أول بيت يُعبَدُ فيه الله ربُّ العالمين على وجه الأرض... ثم لمَّا طالَ العهدُ بهذا البيت ضاع منه الأثر، وخفيت معالمه، فشاء الله تعالى أن يُعيدَ أبو الأنبياء إبراهيم وابنُه إسماعيل (عليهما السلام) بناء هذا البيت العتيق، وعلى نفس الأسس والقواعد التي بناه عليها أبو البشرية آدم من قبل. أما الصلة في ذلك فهي أن الأنبياء هم المكلَّفون بحمل رسالات الله تعالى ونشرها في الأرض، بل وفي كل مكان يبعثون فيه في هذا الكون الفسيح، الذي ما زال إنسان الأرض يجهل وجودَ مخلوقات مماثلة له أو غير مماثلة في أرجاء ذلك الكون... وأن تلك الرسالاتِ والدعواتِ التي يحملها الأنبياء لَتنبثقُ من مشكاةٍ واحدة، وتعمل في اتِّجاه واحد، هو الاتجاه الصاعد إلى مرضاة الله تعالى. وما كان عمل نبيٍّ من الأنبياء ليصطدم بعمل نبيٍّ آخر أو يعارضه، فالجهود النبويَّة تتناسق وتتكامل ليتمِّم بعضُها بعضاً.. ولذلك يكون عمل إبراهيم (عليه السلام) مكمِّلاً لعمل آدم (عليه السلام) في إعادة بناء البيت الحرام، ليظل المحجة الدائمة للمسلمين على مدى الأزمان والدهور، لأن الدين عند الله الإسلام، {وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ} [آل عِمرَان: 85].
ويأتي إبراهيم (عليه السلام) لزيارة ولده إسماعيل في مكة، ويطلعه على ما عهد به ربّهما إليهما من بناء بيته بقوله تعالى: {...وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِي لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ *} [البَقَرَة: 125].
وتطيب نفس إسماعيل (عليه السلام) لهذا التكليف من لدن العزيز الحكيم حتى يستوي بيت الطهارة والعبادة من جديدٍ كعبةً مشرَّفةً، ومثابةً للناس وأمناً، كما يشاء - سبحانه - لعباده المخلصين.. ويندفع إسماعيل (عليه السلام) مع أبيه في العمل، يرفعان القواعد من البيت، ويدعوان الله تعالى أن يتقبَّل عملهما، بهذا الدعاء القرآنيِّ الكريم: {...رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ *} [البَقَرَة: 127].
ويشاء صاحبُ الأمر والنهي، ربُّنا تبارك وتعالى، في تكليفه للنبيَّين أن تتضافر جهود «إبراهيم الشيخ» مع جهود «إسماعيل الشاب»، لكي تكون الشيخوخة الحكيمة، والشباب الدافق متعاونين على تنفيذ أوامره تعالى، وتأدية العمل الإنسانيِّ على حد سواء، فلا تركن الحكمة إلى السكون، ولا تتبدَّدُ الطاقة بالهدر، بل تعملان كالبنيان المرصوص تشدَّان أزر بعضهما بعضاً، في سبيل إعلاء كلمة الله، ومن أجل مصلحة عباده.. فهلاَّ رأينا كم يعلمنا القصص القرآنيُّ من عظاتٍ بالغات تشع أنوارها أبداً لتُرصِّع هام الإنسانية بكل ما هو حقٌّ وعدلٌ وخير؟.
وهكذا بنى إبراهيم وإسماعيل (عليهما السلام) الكعبة، فارتفعت حجارتها، واستوى مقامها الذي تتجلى فيه طمأنينةُ قلبِ آدم، وحلمُ إبراهيمَ، وصبرُ إسماعيل (عليهم السلام) .. فلا يكادُ أحدٌ يدنو من المسجد الحرام، إلاّ وتتدفق المشاعر في داخله بالأمن والأمان، وتفيض في كلِّ كيانِهِ خوالج السلام والاطمئنان. يستشفّ ذاته، وترتدُّ إليه نفسه، مهما طال به الضياعُ في سابق أيّامه... يدور حول الكعبة مثل الذرات وهي تلتف حول النواة، في سلام عظيم واستسلام لربّ كريم يمتلىء بهما المكان والزمان، ويجعلان الإنسان جزءاً من هذا المكان والزمان، لائقاً بأن يكون في الزمرة التي اصطفاها وارتضاها الرحيم الرحمن...
وإذ يرفع إبراهيم وإسماعيل (عليهما السلام) القواعد من البيت، فلا ينفكّان عن التطواف بناظريهما في ملكوت السماوات وهما يدعوان الله تبارك وتعالى أن يتقبَّل عملهما ويجعله خالصاً لوجهه الكريم.
ويطوي التاريخ الإنسان والزمان، ويتهدم البيت الحرام مراتٍ عديدة، فيُعادُ بناؤهُ على نفس الأساس الذي وضعه إبراهيم وإسماعيل (عليهما السلام). وهذا إن دلّ على شيء، فإنما يدلُّ على أمرين هامَّين: قدرة الباني ونبوغه في التصميم، وبقاء البيت هو هو، لا يعتريه تبديل ولا تغيير لأنه ليس كباقي البيوت..
صحيح أن جهد إبراهيم وإسماعيل (عليهما السلام) كان يقتضي أعداداً من الرجال، فقد كان عليهما الحفر في عمق الأرض، وقطع الحجارة ونقلها، ثم تسويتها ورصفها، ولكنهما بشران غيرُ عاديَّين، «وعلى قدر أهل العزم تأتي العزائم»... ولا نخالُ أحداً يعرف الوقت الذي استغرقه بناءُ الكعبة، تماماً كما يجهل كل باحث الوقت الذي استغرقه بناء السفينة على يد نوح (عليه السلام). وذكر سفينة نوح (عليه السلام) في هذا السياق جميل ومفيد، لأنها كانت أداة نجاةٍ للمؤمنين السابقين المطيعين، تماماً كما كانت الكعبة وما تزال، ملاذاً للناس ومثابة للعالمين، وأماناً.. فالكعبة - إذن - هي سفينة الإسلام الثابتة أبداً على الأرض. وهي تنتظر الراغبين في النجاة من هول الطوفان الذي يأكل النفوس، ويقتل الضمائر..{رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ} [البَقَرَة: 128].
وليس دعاؤنا هذا إلاَّ اطمئناناً لقلوبنا. وهو اطمئنان جدير بأن يوجد راحة النفس والضمير، وبأن يبعث الأمن الذاتيَّ، لأن إبراهيم وولده إسماعيل - (عليهما السلام)، وكلاهما نبيُّ الله - قد عاشا كلَّ تلك الأحداث التي مرَّت في حياتهما، وهما لا ينفكَّان بالتوجّه والدعاء إلى اللَّهَ سبحانه وتعالىَ أن يجعلهما مسلمين له. فهما الأكثر إنسانية، والأقوى إسلاماً، يعبدان الله ويقيمان بيته الحرام، ثم يسألانه أن يتقبَّل منهما، وأن يُخرج من ذريتهما أمّة مسلمة.. وغاية هذا الدعاء - فضلاً عن أنه يكشف عن اهتمامات قلب المؤمن - إنما هي إقامةٌ لصرح العقيدة، واعتبارٌ لكون الكعبة بيتاً مقدّساً لكل الناس، ولكل الأجيال، علَّ الله - عزَّ وجلَّ - يتقبَّل منهم التوبة، ويتوب عليهم، ربنا: {...وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ *} [البَقَرَة: 128].
إذن تتجاوز اهتمامات إبراهيم وإسماعيل (عليهما السلام) الزمن الذي عاشا فيه، وهما يرجوان مستقبلاً هامّاً، ألا وهو مستقبل الأمة الإسلامية، فلا يريان إلا الله وحده قادراً على بناء هذا المستقبل، ولكن عن طريق الرسل والأنبياء، لتصفوَ قلوب الناس للدعوة، وليعيشوا حقاً في رحاب الإيمان.. {رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيْهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ *} [البَقَرَة: 129].
ويتحقَّق الدعاء، وتترى الأنبياء والرسل، حتى يكون خاتمَها محمد بن عبد الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يتلو على الملأ الكتاب المبين، ويعلّم الناس الحكمة، ويزكي العالم بالإسلام.. ولكي تظل الدعوة إلى الإيمان قائمة، كان لا بدّ من رمز هو برهانها. فلئن كان البيت الحرام منذ آدم (عليه السلام)، يدل على تلك الدعوة، فإن تعرّضه للهدم قد يوهن النفوس الضعيفة بانقطاع تلك الدعوة، فكانت الآية للاستمرارية والديمومة، بل العلامة المميّزة، حجراً حمله جبرائيل وسلَّمه لإبراهيم (عليهما السلام) ليكون في مكانه المعيَّن من البيت العتيق.
ومن ملامسة هذا الحجر، انطلق إبراهيم في طوافه حول الكعبة هو وابنه إسماعيل (عليهما السلام). وبعد الطواف، وقفا أمام الحجر وقبَّلاه، فكانت قبلاتهما نموذجاً لقبلات البشر أجمعين، فالشفاه تحنو على ذلك الحجر المقدَّس تلثمه متبرِّكة، متطهِّرة..
ولكن ما الذي رمى إليه إبراهيم (عليه السلام) من طوافه حول الكعبة وتقبيله للحجر الأسود في جدارها؟
هل كانت نيَّته أن يجعل الناس، على مرّ الأزمنة والدهور، تتذكَّر فعله وبأنَّه بنى هذا البيت؟ حاشا لإبراهيم (عليه السلام) أن يكون له مثل هذه النيَّة. إنَّه يرنو إلى البعيد، إلى تلك الأمم التي ولدت، والتي ستولد فيما بعد، وكأنه يخاطبها بهذه الدعوة الإنسانية قائلاً:
«هاهنا، وأمام هذا البيت، جميع الناس يتساوون مساواة تامة، لا ميزة لأحد على الآخر، فلا سيد ولا مسود، ولا غنيّ ولا فقير، ولا حاكم ولا محكوم.. لا فضل لعربيّ على أعجميّ، كلكم خلق الله، وكلكم أمام المساواة التي أرادها الله، فلا فضل إلاَّ لمن كان قلبه بالإيمان مفعماً، وقام على العقيدة الصحيحة، وسلك الطريق القويم».
إذن، فالغاية جليلة، وليس هَوِيُّ الأفئدة إلى ذلك المقام عبثاً، بل هو إشعار للإنسانية، وحثٌّ لها على نشر العدل والمحبة في أرجاء الأرض كلها.. إنَّه شعورُ كلِّ من يزور المسجد الحرام، فيعود إلى بلده وأهله، وفي نفسه مشاعرُ لم يعرفها من قبل.. إنها مشاعر الإنسانية في سموّها، وفي تطلّعها نحو المثل الأعلى، حتى إذا أحسَّ أن تلك المشاعر لم تفعل فعلها أعاد الزيارة مرةً ثانية، يغتسل بالماء الطاهر فيتطهَّر جسمه، ويشرب منه فتذهب أدرانُ نفسه، وتكون الحياة الكريمة على الأرض لائقةً به حقّاً، وكذلك في الآخرة.
إنه بيت الطهارة والصفاء لكلِّ من أخلص النيّة لربه وخالقه، فطاف أو اعتكف، وتعبّد وسجد لله رب العالمين: {...وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِي لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ *} [البَقَرَة: 125].
ويسرد علينا القرآن الكريم شيئاً عن حجّ بيت الله الحرام، وعن الفوائد التي يجنيها الناس من الحج بقوله تعالى:
{إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدىً لِلْعَالَمِينَ * فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِناً وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً} [آل عِمرَان: 96-97](+).
{وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْناً وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلّىً} [البَقَرَة: 125].
{وَإِذْ بَوَّأْنَا لإِِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لاَ تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ *} [الحَجّ: 26].
{وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالاً وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ *لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ *ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ *ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَأُحِلَّتْ لَكُمُ الأَنْعَامُ إِلاَ مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ *} [الحَجّ: 27-30].
{جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِلنَّاسِ وَالشَّهْرَ الْحَرَامَ وَالْهَدْيَ وَالْقَلاَئِدَ ذَلِكَ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَأَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ *} [المَائدة: 97].
فهو بيت مبارك مَن دخله كان آمناً. وهو مثابة للناس. وفيه مقام إبراهيم (عليه السلام) الذي يأمرنا الله - سبحانه - أن نتخذه مصلَّى لكي نتوجه إليه عابدين، مصلين، شاكرين، حامدين. ثم إنه - سبحانه - يأمرنا بالتوجه إلى هذا البيت في جميع صلواتنا، في النهار والليل، وأنَّى كنا، وفي أية بقعةٍ من الأرض وُجِدْنا.. وبهذا التوجه إلى البيت يجب أن نذكر دائماً الجهود التي بذلها إبراهيم وإسماعيل (عليهما السلام) في إعادة بنائه، ورفع قواعده. وقد يكون في عبادتنا لله تعالى، وعند خشوعنا في الصلاة، ما يزيد من منزلة إبراهيم (عليه السلام) ومن ثوابه عند ربِّه، ولا سيما ما قد يناله المسلم من الأجر في كل صلاةٍ يصلّيها في مقام إبراهيم (عليه السلام) لأنه جاء في الحديث عن الرسول الكريم أنَّ «من سنَّ سنةً حسنةً فله أجرها وأجرُ من عمل بها إلى يوم القيامة».
وها هو البيت أيضاً ومنذ أن أعادَ بناءَه إبراهيم وإسماعيل (عليهما السلام) يشهد جموعاً بشرية متلاحقة لا تنقطع عنه أبداً، إذ لا تكاد الكعبة الشريفة تخلو لحظةً من قاصدين للحجّ أو للزيارة أو للعمرة. إنهم يتدفَّقون إلى البيت الحرام من كل فجٍّ من فجاج الأرض، قريبها وبعيدها، ملبِّين دعوة التوحيد بنفوس خاشعة راضية، وعبودية صادقة، وهم يرددون: «لبَّيك اللَّهم لبَّيك. لبَّيك لا شريك لك لبَّيك. إنَّ الحمد والنِّعمة لك والمُلك. لا شريك لك».
وينطلق هذا النداء بمقاصده النبيلة، ليحتضن في أعماقه الإيمان الصادق بأنه لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وبأنه رب العالمين ورب السماوات والأرض له وحده الملك والحمد والنعمة. ولا يجوز أن تقف هذه التلبية بالنداء عند حدِّ أداءِ المناسك، بل يجب أن تتغلغل دائماً في أعماق الإنسان، لتنعكس على فعاله وتصرفاته في سائر أيامه، فيكون مؤمناً صادقاً، وناشراً للعدل والمحبة، وداعياً إلى الله العليّ العظيم في كل حين.. وإذ ذاك يكون هؤلاء المؤمنون قد ساهموا - كمسلمين حقيقيِّين - مساهمة فعالة في عمارة الأرض، ليَعُمَّ في أرجائها الأمن والسلام، كما يريد الله حقّاً منهم، وكما تدعوهم إليه خُلُقيةُ الإسلام، وتعاليمُه ومفاهيمه الحقَّة..
وإذا رغبنا أن نصف الكعبةَ وصفاً يتفق مع مقامها، ومع واقعها، في عقيدة المسلمين ونفوسهم، فلندع هذا الوصف لسيد البلغاء، الإمام عليّ كرّم الله وجهه في كتابه «نهج البلاغة» إذ يقول وهو يذكر الحج:
1 - وفرض عليكم حجَّ بيته الحرام الذي جعلَهُ قبلةً للأنام(+)، يردونَهُ ورود الأنعام، ويألهون(+) إليه ولوه الحمام. وجعله سبحانه علامة لتواضعهم لعظمته وإذعانهم(+) لعزته.
2 - واختار من خلقه سُمَّاعاً(+) أجابوا إليه دعوته، وصدَّقوا كلمته. ووقفوا مواقف أنبيائه. وتشبَّهوا بملائكته المطيفين بعرشه. يحرزون الأرباح في متجر عبادته. ويتبادرون عنده موعد مغفرته.
3 - جعله سبحانه وتعالى للإسلام علماً، وللعائذين حرماً. فرض حقَّهُ وأوجب حجَّهُ، وكتب عليكم وفادَته(+). فقال سبحانه: {...وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ *} [آل عِمرَان: 97].
4 - ألا ترون أنَّ الله - سبحانه - اختبر الأولين من لدن آدم (عليه السلام) إلى الآخرين من هذا العالم بأحجارٍ لا تضرُّ ولا تنفع، ولا تبصر ولا تسمع، فجعلها بيته الحرام «الذي جعله للناس قياماً» لأنه جسَّد فيها رمز الطاعة والامتثال.
5 - ثم وضعه بأوعَرِ بقاع الأرض حجراً، وأقل نتائق(+) الدنيا مدَراً(+) وأضيق بطون الأودية قُطْراً: بين جبال خشنة، ورمالٍ دَمِنةٍ(+) وعيون وشِلَة(+)، وقرى منقطعة، لا يزكو بها خف(+) ولا حافِرٌ ولا ظلف(+).
6 - ثم أمر آدم (عليه السلام) وولده أن يثنوا أعطافهم(+) نحوه، فصار مثابة لمنتجع أسفارهم(+)، وغاية لملقى رحالهم(+)، تهوي إليه ثمارُ الأفئدة من مفاوز قفار سحيقة، ومهاوي فجاج عميقة، وجزائر بحار مُنْقَطِعة، حتى يهزوا مناكبهم ذللاً، يهلِّلون لله حوله، ويَرْمَلُونَ(+) على أقدامهم شُعْثَاً غُبْراً(+) له، قد نبذوا السرابيل(+) وراء ظهورهم، وشوهوا بإعفاء الشعور(+) محاسن خلقهم ابتلاء عظيماً، وامتحاناً شديداً، واختباراً مبيناً، وتمحيصاً بليغاً جعله الله سبباً لرحمته ووصلة إلى جنته.
7 - ولو أراد سبحانه أن يضع بيته الحرام، ومشاعره العظام(+)، بين جنات وأنهار، وسهل وقرار(+) جمّ الأشجار(+)، داني الثمار، ملتف البُنى(+)، متصل القرى، بين بُرَّة سمراء(+) وروضة خضراء، وأرياف(+) محدقة، وعراض(+) مُغْدِقة(+)، ورياض ناضرة، وطرق عامرة، لكان قد صَغَرَ قَدْر الجزاء على حسب ضعف البلاء.
8 - ولو كان الأساس المحمول عليها، والأحجار المرفوع بها، بين زمرُّدة خضراء وياقوتة حمراء ونور وضياء، لخفَّف ذلك مصارعة الشك في الصدور، ولوضع مجاهدة إبليس عن القلوب، ولنفى معتلج الرِّيب(+) من الناس.
9 - ولكنَّ الله يختبر عباده بأنواع الشدائد، ويتعبَّدهم بأنواع المجاهد، ويبتليهم بضروب المكاره، إخراجاً للتكبُّر من قلوبهم، وإسكاناً للتذلل في نفوسهم، وليجعل ذلك أبواباً فُتُحاً(+) إلى فضله، وأسباباً ذُلُلاً لعفوه».
هذا هو الحجُّ، الذي جعلَهُ الله تعالى فريضةً على المسلمين في أيام معلوماتٍ من شهر ذي الحجة الحرام. فمن اتَّبع ملَّة إبراهيم (عليه السلام) هداه الله تعالى لأن يكون من المؤمنين الصالحين. فحق علينا أن نتَّبع ملَّة هذا النبيِّ العظيم إبراهيم (عليه السلام) {وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلاَّ مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ *إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ *وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَابَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ *} [البَقَرَة: 130-132].
ألَّلهم أحْينا مسلمين لك، وأمِتْنا مسلمين لك، إنك أنت العليم الحكيم، وصلِّ وسلِّم على إبراهيم وآل إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد.
ciloxan notice ciloxan tropfen ciloxan alkohol



Copyright © Samih Atef El-Zein 2010     VINTOB