قصص الانبياء في القرآن الكريم
الطبعة : الطبعة السابعة  
المؤلف : سميح عاطف الزين
عدد الصفحات :   692
تاريخ النشر :   2005




11 - إبراهيم (عليه السلام) والبُشـرى

لقد ظل لوط يرافق عمه إبراهيم إلى أن استقرَّ في مقامه بأرض فلسطين، فارتحل عنه لوطٌ إلى مواقع يقال لها «سدوم وعامورة» في ما يعرف اليوم ب«شرق الأردن» عند البحر الميت، وهو الموقع الذي يسميه القرآن الكريم «المؤتفكة». وهناك بدأ لوط بالدعوة إلى الله عزّ وجلّ بعد أن بعثَهُ - سبحانه وتعالى - نبياً..
ولم تكن معاناة هذا النبيّ بخافية على الداعية الكبير إبراهيم الخليل، إذ كان يتسقَّط أخباره باستمرار، ويعرف ما يكابد من أولئك القوم الذين يعيش بين ظَهْرانيْهِم في «سدوم وعامورة» والذين يسميهم القرآن الكريم «قوم لوط» بعد أن أغلقوا قلوبهم وعقولهم على الجهالة، وسدُّوا جميع منافذها في وجه رسالة التوحيد. وكان إبراهيم (عليه السلام) يدعو الله - سبحانه - ليجْعَلَ مخرجاً لابن أخيه النبيّ الكريم من تلك المعاناة التي تُشقيه في سبيل أداء واجبه القدسيّ...
وذات يوم، وفيما كانت الشمس في كبد السماء، انتحى إبراهيم الخليل جانب خيمته يحتمي في ظلها من شدّة القيظ، وراح يسترجع شريط حياته منذ رحيله عن أرض العراق، بحيث يقف به التفكير عند كل حادثٍ جلل وافاه به الله تعالى، وكيف كان سبحانه يؤتيه آياته البيِّنات في معالجة الحوادث وسنِّ التشريع لكل منها. وكل ذلك لأجل مصلحة الإنسان في هذه الأرض.
وبينما هو كذلك إذا به يلمح على البعد ثلاثة رجال قادمين نحوه، فقام يستقبلهم، فلما وصلوا إليه، هاله ما يبدو على وجوههم من سماتٍ جميلةٍ لم يرَ مثلها في بني البشر. وتفرَّس بهم مليّاً، فإذا هم غرباء، لم يعرفهم من قبل... ولكنهم بادأوه بالتحية قائلين:
- سلاماً.
- قال: سلام، قوم منكرون! (أي لا نعرفكم).
فلم يردُّوا عليه، ولم يعرِّفوا بأنفسهم، فدعاهم إلى داخل خيمته مرحِّباً بالضيوف الذين جاؤوه قاصدين الاستضافة لديه. وطلب على الفور من زوجه سارة - وكانت قد شارفت على الشيخوخة التامة كما يبرز من تجاعيد وجهها، وابيضاض شعرها - أن تحضِّر الطعام لزوَّاره، فأصول الضيافة تقضي بأن يُدنيَهم ويُكرمَهم..
وردت امرأته عليه: عندنا بعضٌ من شاة مذبوحة.
قال لها: لحم قليل لا يكفي. نذبح عجلاً سميناً، فلا ريب أنَّ النفر قادمون من بعيد، وربما يكون الجوع قد أخذ منهم كل مأخذ.. وفي وقت قصير مدَّ إبراهيم (عليه السلام) الشواءَ أمام ضيوفه، ودعاهم للطعام قائلاً: «بسم الله وعلى بركة الله».
وكمثل عادة العرب في تلك الأزمان، تناول هُوَ من الزاد قبل ضيوفه، تطميناً لهؤلاء الغرباء على صحة هذا الزاد وسلامته، ولكنهم لم يمدُّوا يداً إلى الطعام.. كان يأكل ويحثُّ هؤلاء الرجال أن يشاركوه، إلاَّ أنَّ أحداً منهم لم يفعل، مما جعله يوجس في نفسه خيفة ويتساءل: ماذا يروم هؤلاء القوم؟.
وراح إبراهيم يفكِّر وهو يراقب هؤلاء الغرباء. فما بالهم لم يمدوا يداً إلى مائدته، وهو كما يعرفه الناس شيخ هرم، لا يفعل المنكر، ولا يؤذي أحداً. وهو من العاملين على نشر الخير بين الناس، تجسيداً للرسالة التي يحمل؟ إذن فَلِمَ ينوي هؤلاء القوم الشرَّ له؟!.
هكذا راح يوسوس له الشيطان وهو يراهم عن الطعام والكلام ممتنعين. وتفسير مثل هذا التصرّف المستهجن، لاسيما أن عدم تناول الضيف طعام مضيفِهِ هو إشارة للعداوة والبغضاء، كما كان في عادات البادية وتقاليدها، لا يدل على خير.
نعم قد يكون الأمر كذلك بين أهل الخصام. ولكن ما من عداوة سابقة بينه وبين هؤلاء الرجال، الذين لم يرهم في سابق حياته قطُّ، فلماذا لا يحاول أن يستكشف ما في نفوسهم؟ ولذا قال:
- إنه شواء سمين، وقد أعددناه زيادة في التقدير لوفادتكم!..
ونظروا إليه باطمئنانٍ يظهر على وجوههم، وقالوا: لا توْجَلْ، ولا تَخفْ يا إبراهيم، فنحن رسل الله إلى قوم لوط (عليه السلام)، والملائكة لا تأكل، وقد أمرنا الله تعالى بأن نزفَّ إليك بُشرى سعيدةً...
وتفتَّحت أسارير إبراهيم (عليه السلام)، وافترَّ ثغره عن ابتسامةٍ نبويَّة، فقال:
- أهلاً بملائكة الله تبارك وتعالى تنزل من السماء لتطهِّر الأرض.
فهاهم ملائكة منزلون، في بيت إبراهيم (عليه السلام)، ويحملون إليه البشرى، إذن فهي بلا ريب بشرى كبيرة وعظيمة، لأنها من الله الوهاب الكريم، ولهذا سألهم عنها، فقالوا:
- {...إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلاَمٍ عَلِيمٍ *} [الحِجر: 53].
وذهل إبراهيم (عليه السلام). {قَالَ أَبَشَّرْتُمُونِي عَلَى أَنْ مَسَّنِيَ الْكِبَرُ فَبِمَ تُبْشِّرُونَ *} [الحِجر: 54].
- {قَالُوا بَشَّرْنَاكَ بِالْحَقِّ فَلاَ تَكُنْ مِنَ الْقَانِطِينَ *} [الحِجر: 55].
ـ {قَالَ وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلاَّ الضَّآلُّونَ *} [الحِجر: 56].
وكانت امرأته قائمةً على عملها، فأقبلت في صرَّة (أي في حركة من الضجة والصياح) فصكَّت وجهَها (أي ضربت بيدها على جبينها) من شدة التعجُّب وقالت: {...ياوَيْلَتَى أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهَذَا بَعْلِي شَيْخًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ *} [هُود: 72]!..
- {قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ رَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ *} [هُود: 73].
وحيال أمر ربِّها الحكيم العليم، اقتنعت سارة، وأسعدتها البشرى، فضحكت وقد غمر قلبها السرور.. وكان فرح زوجها إبراهيم (عليه السلام) لا يقل عن فرحها، فشكرا ربَّهما على هذه النعمة الكبيرة.
وأنِسَ إبراهيم (عليه السلام) للبشرى من ربِّه سبحانه، فعادَ يسأل الملائكة (عليهم السلام) عن مهمتهم: {قَالُوا إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ * لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ طِينٍ *مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُسْرِفِينَ *} [الحِجر: 58]، [الذّاريَات: 33-34]. ثم تابعوا: {...إِنَّا مُهْلِكُو أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ إِنَّ أَهْلَهَا كَانُوا ظَالِمِينَ *} [العَنكبوت: 31].
قال إبراهيم (عليه السلام) : {إِنَّ فِيهَا لُوطًا} [العَنكبوت: 32]، وهو ابن أخي، وقد آمن بي، ونزح معي من مسقط رأسه، فكيف تهلكون قرية فيها بيت للمؤمنين؟.
{...قَالُوا نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَنْ فِيهَا لَنُنَجِّيَنَّهُ وَأَهْلَهُ إِلاَّ امْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ *} [العَنكبوت: 32].
لقد حاول أبو الأنبياء أن يُظهرَ لملائكة الله شفقته على أولئك القوم الذين ظلموا أنفسهم. وعرض أن يستجير المولى تبارك وتعالى، ويتضرع إليه ليؤخر عنهم العذابَ إلى حين، علَّهم يرعوون، وعن الغيّ والضلال يعودون.. وما المحاولات تلك من إبراهيم الخليل إلاَّ دليلٌ على صدق مشاعره، ورقّة أحاسيسه وإشفاقه على الناس، والرأفة بهم. فحاجَّ الملائكة، وطلب الاستمهال ليدعو إلى الله تعالى بشأنهم. ولكن الملائكة مرسَلون بأمر ربهم، وقد صدر الأمر منه تعالى فلا رادَّ له... وعلى الرغم من معرفة إبراهيم (عليه السلام) بفساد قوم لوط، ويقينه بأحقِّية تنفيذ أمر ربِّه، فإن مشاعره فاضت، فتأوه، وأناب.. ولكنَّ الملائكة طلبوا إليه الإعراض عن هذا الذي هو فيه، مؤكدين أمر الله تعالى بإنزال العذاب بالقوم الظالمين، فقالوا: {يَاإِبْرَاهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا إِنَّهُ قَدْ جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَإِنَّهُمْ آتِيهِمْ عَذَابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ *} [هُود: 76].



Copyright © Samih Atef El-Zein 2010     VINTOB