قصص الانبياء في القرآن الكريم
الطبعة : الطبعة السابعة  
المؤلف : سميح عاطف الزين
عدد الصفحات :   692
تاريخ النشر :   2005




10 - البلاء المبين

ولم يكن إبراهيم (عليه السلام) لينسى ابنه أبداً، فظل يأتي إلى زيارته بين وقت وآخر. وكان لقاؤه به في كل مرة بمثابة دفقات النور التي تنير نفسه، وتغرس فيها بذرة التوحيد الخالص، والدين القويم، تعينه على ذلك هداية ربه الجليلة، وتوجيه الله الحكيم، لأن إسماعيل سيكون - في علم الله - أوَّلَ النسل الذي سيحمل مشعل التوحيد من بعد أبيه المجاهد الكبير..
وجاء إبراهيم (عليه السلام) يوماً، لرؤية ابنه، وقد بلغ إسماعيل عهد الفتوة. فقاما بالسعي سويةً، ثم نام الأب، تلك الليلة بجوار ابنه هانئاً، فرأى في المنام أنه يذبحه - ورؤيا الأنبياء وأحلامهم صدق -.
أفاق إبراهيم (عليه السلام) من نومه، ذاهلاً!... تالله ما هذه الرؤيا؟!.. ويا لها من محنة! بل كم من محنة تتلوها محنة. فإبراهيم (عليه السلام) شيخ كبير الآن، وقد جالد الأيامَ كثيراً حتى بلغ من الكبر عتياً. لقد رزقه الله تعالى غلاماً، وكان ما يزال طفلاً رضيعاً عندما أُمِرَ أن يُسكنه بوادٍ غير زرع، وأن يتركه وأمه في مكان قفرٍ بلا جليسٍ ولا أنيس... وها هو الآن بعدما كبر الطفل وصار فتى، يؤمر بأن يذبحه؟! إنه ابتلاء عظيم حقّاً. إذ كيف يمكنه أن يمسك السكين ويذبح وليده بيده؟!.. وتأوَّه إبراهيم (عليه السلام) ونادى المولى تبارك وتعالى: ربّاه!..
إنه يتخيَّلُ المشهد فيراه مروّعاً، تقشعر الأبدان لمنظره، وتتمزقُ العواطف وتتثلَّم القلوب لجسامته... كثير من الناس، يشيح بالعين عن الجزار، وقد أمسك بسكينه ليذبح حيواناً أحلَّه الله للإنسان.. فلا يطيق رؤية هذا الحيوان يتخبط بدمه.. فكيف بهذا الأب الشيخ، الذي انتظر العمر كله حتى يرزق ولداً. وعندما رزقه الله تعالى هذا الولد، ودرج وترعرع بين أحضان أمه بعيداً عن رعايته، دُعي من جانب الله تعالى لأن يذبحه بالسكين، وبكلتا يديه؟!..
إنه البلاء المبين الذي تنوء به الجبال الراسيات، ولو أتيح للجبال أن تنطق، لأفصحت بضجيجٍ صارخٍ أنها لا تخالف أمر ربها، ولكنَّها لو تركت وشأنها لأبت القيام بهذا العمل. ولكن لنتذكر بأن العظائم كفؤها العظام، وإبراهيم نبيٌّ، وعلى قدر قيمته، وعلوِّ منزلته، وبحسب قوة إيمانه لا بد أن يكون ابتلاؤه واختباره..
أذعن إبراهيم (عليه السلام) للأمر، ووطَّد النفس على التنفيذ، فدعا ابنه في الصباح وذهبا يسعيان: {فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَابُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى} [الصَّافات: 102].
وكان إبراهيم (عليه السلام) يعرفُ أنه يُقدم على أمر جلل. وكان يشعر بأنَّ الذي يهوّن عليه الأمر، أن يعرف ابنُهُ مصيرَهُ، وأن يقدم عليه مختاراً طائعاً، بدل أن يأخذه هو عنوة، ويذبحه قسراً.
وكان العهدُ على الطاعة: عهد إبراهيم مع ربه، وطاعة إسماعيل لأبيه، ولا غرو، فإنّ هذا الفتى قطعةٌ من أبيه إبراهيم فكراً وروحاً وعبودية لله تعالى. ولذا فإنه لم يلبث بعد أن سمع أباه، إلاَّ أن أطرق قليلاً، ثم رفع وجهه إليه، ونفسه تسيل طاعة وإذعاناً، وقال: {...يَاأَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ *} [الصَّافات: 102].
ثم تابع يشجع أباه:
- يا أبتِ! اشدد رباطي حتى لا أضطرب، واكفف عني ثوبك حتى لا يلحقه من دمي شيءٌ فتراه أمي. واشحذ شفرتك، وأسرع مرَّ السكين، ليكون الذبحُ أهون عليَّ...
ولم يجد إبراهيم (عليه السلام) قدرة على كلامٍ، سوى أن قال لابنه:
- نعم العون أنت يا بنيَّ على أمر الله..
إنه برٌّ عظيم، وتوفيق من الله أعظم.. إنه الإيمان الراسخ الذي تخشع له الجبال، وإنها النفوس الراضية المطمئنة التي تقدم على أمر الله بلا تردد ولا خوف...
وأوثق إبراهيم (عليه السلام) ابنه، ثم أمسك بالسكين يحدِّق في شفرتها، وبصره لا ينفك يتأمل هذا الابن البار، فيجد أنه لا يقدر أن يحبس أسى نفسه، ولا أن يمنع تدافع عبراته، ولكن جَمْجَمَها خشوعُهُ لأمر الله عزّ وجلّ... لقد ذاب قلبه شفقةً، وسالت روحه رحمة لهذا الفتى، فتأوَّه {إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُنِيبٌ *} [هُود: 75].
ورفع إسماعيل نظره نحو أبيه، فما وجد إلا شحوباً يغطي كل قسمات وجهه، وآلاماً تعتصر قلبه، حتى لتكاد تسحقه، فأشفق عليه، وقال له:
- يا أبت! أكببني على وجهي، وقف من وراء ظهري، حتى لا يخونك العزم وأنت تنظر إلى وجهي، فإني أخشى أن تنهار قواك، فيحول ذلك بينك وبين أمر الله.
أدار إبراهيم (عليه السلام) ابنَهُ إسماعيل، ووقف وراءه، من فوق ظهره، ثمَّ وضع السكين وأمرَّها على قفا رقبته فلم تجرحْهُ، ولم تترك به خدشاً..
لقد نفَّذ إبراهيم (عليه السلام) أمر ربه، ولكنَّ السكين لم تقطع!.. فما هذا الابتلاء!؟... ورفع إبراهيم (عليه السلام) رأسه نحو السماء، وبخشوعٍ وضراعةٍ نبويَّين، دعا الله ربَّهُ أن يجد له مخرجاً مما هو فيه، ويعجل في خلاصه من هذا الموقف الرهيب.. {فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ *وَنَادَيْنَاهُ أَنْ ياإِبْرَاهِيمُ *قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ *إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلاَءُ الْمُبِينُ *وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ *} [الصَّافات: 103-107].
نعم في تلك اللحظة الحرجة، يرحمُ الله إبراهيم (عليه السلام)، ويتلطف بضعفه وبلواه. فيسلب السكين خاصيّة القطع والذبح، تماماً كما فعل - سبحانه - بنار النمروذ، ملك بابل، من قبل، فسلبها خاصية الإحراق..
وهكذا لم تحرقِ النارُ إبراهيم (عليه السلام)، ولم تذبح السكينُ إسماعيل (عليه السلام)، فأي إيمان كان في نفسيْ هذين العبدين الطائعين؟!... إنه الإيمان ذاته، لا تنوُّع فيه ولا تعدُّد.
الإيمان بالحقيقة المطلقة وهي أنه لا إله إلا الله، ربُّ الكون وخالقه، وربُّ الحياة وخالقها، وربُّ الإنسان وخالقه... وبهذا الإيمان بالله العليِّ العظيم لا تفقد النار خاصيّة الإحراق ولا تفقد السكين خاصيَّة القطع وحسب، بل هو السبيل لإمكانية تحويل كل أمر إلى أعجوبةٍ تكون بحد ذاتها آيةً خارقة للعالمين.
لم يُذبح إسماعيل، بل افتداه الله ربه بذبحٍ عظيم (ووصفه بأنه عظيم لأنه من عند الله وبمناسبة عظيمة)، إذ رأى إبراهيم (عليه السلام) أخاه جبريل يتنزَّل بكبشٍ ويسلِّمُهُ إليه، قائلاً له: هذا فداء إسماعيل..
وأهوى أبو الأنبياء على عنق الكبش بالسكين ذاتها، التي ما يزال يمسكها بيده، فقطعت أوداجه، وتخضَّبتِ الأرض بدمائه. وكان الفداءُ الذي يخلُدُ أبَدَ الدهر...
إنه الجزاءُ الأوفى من لدن الله تبارك وتعالى، استبشر به خليل الله إبراهيم، وفاز به المرضيُّ عند ربه إسماعيل... وكان هذا الجزاء فرضاً على المسلمين، يقومون به يوم النحر، ليقدموا الفداء في يوم جعلَهُ الله تعالى للمسلمين عيداً، ولمحمدٍ (صلى الله عليه وآله وسلم) ذخراً وشرفاً، وكرامةً ومزيداً. تخلد ذكراه، ما دامت الأرض أرضاً، والإنسان إنساناً. ويقوم الحجيج إلى بيت الله الحرام، في كل عام، بهذا الفرض تخليداً لذكرى تلك التضحية الغالية التي قام بها إبراهيم وولده إسماعيل (عليهما السلام)، وتأكيداً من هؤلاء العباد، على أنَّ كلَّ حاج منهم متأهب لأن يضحّيَ بنفسه وببنيه وبأغلى ما يملك، إذا شاءَ له ربُّهُ ذلك.. فيكون هذا التأهُّبُ هو الامتثالَ الأسمى من العبد المؤمن، والإحساسَ الأصدقَ بعبوديته الخالصة لله تعالى...
لقد كانت التضحية من إبراهيم وإسماعيل (عليهما السلام) معجزةً قائمة بذاتها، فكانَ حرّياً أن تنادي ملائكة السماء، وهي تشهد هذا الحدث الأرضيّ: سبحانك اللَّهم وبحمدك، لقد اخترت الإنسان لحمل الأمانة، فكان كفؤاً لها، ووهبته من لدنك خصائص ورحمة، فتميَّز بها. إنك أنت العليم الحكيم..
ذاعَ صيتُ إسماعيل (عليه السلام)، وطار ذكرُهُ في آفاق الحجاز ومفاوزها فتوافدت إلى مكة قبائل العرب من كل البقاع، لتشاهدَ الفتى الذي جعله الله تعالى رمزاً يربط الأرض بالسماء برابطة التضحية والفداء..
وإسماعيل الذي استقبل قبائل العرب بأسرها في بيته، وهو يسقيها من ماء زمزم، لم تغرَّه الشهرة، ولم يأخذه شيء من الكبر والخيلاء. فهو مسلم على دين أبيه الحنيف، والمسلمُ الحقُّ أشدُّ ما يريحُ قلبَهُ ويطمئن نفسَهُ، إيمانُهُ بحقيقة وجود الله، والامتثال لأوامره ونواهيه، والسعي لنيل رضاه - سبحانه -. فكان حريّاً بإسماعيل أن ينصرف - كما فعل - إلى الحياة العادية، مثل سائر الناس، لا يمتاز عنهم إلاَّ بما له من خُلُقٍ كريم، وعقل سليم، وبما يظهر عليه من الشمائل التي لم يألفْها البشر إلاَّ في رُسُل الله وأوليائه الصالحين.
وعاش إسماعيل بأمانٍ واطمئنان، فتزوَّج فتاةً من قبيلة جرهم - التي ألف حياتها وتكلَّم لهجتها - وراح يسعى إلى كسب رزقه الحلال ليُعيل زوجَهُ وأمه التي عانت من المصائب ما لا تقدر على حمله امرأة، وآخرها كانت رؤيا إبراهيم (عليه السلام) بذبح وليدها، ولكنَّ الله - سبحانه - فداه، فقرّت عينُها بنجاته، وهنِئت نفسها بالحدث السعيد يوم اقترانه، فعاشت من بعد ذلك سالمةً من غوائل الدهر، مطمئنةً إلى المصير..
أما إسماعيل فكانت هناءتُهُ أشدَّ ما تكون عندما يجلس إلى أمه، يسامرها ويؤانسها، ويجهد في برِّها كي يعوّضها عن الآلام التي عانت، والشدائد التي لاقت. ولكن ها هي المنيَّةُ توافيها، ويختطف الموت القلبَ الرؤوم، والنفس الحنون التي تعهدته في المهد، ورعته في الطفولة، وأظلَّته في الشباب، وأغنته بالمحبة والحنان في شتى مراحل حياته الماضية.
بكى إسماعيل أمَّه حقاً، وافتقدها فعلاً، ولكنَّ تردُّدَ أبيه عليه، وزياراته له، كانا يخففان عنه الآلام، ويضمِّدان له الجراح.
وجاءهُ الأب يوماً فلم يجده في بيته، فسأل امرأته عن أحواله، فشكت من شظف العيش، وضيق اليد، وكانت لا تعرفه، لأنها لم تره من قبل ولم يعرّفها هو بنفسه، فتركها بعد أن قال لها:
- أقرئي زوجك عني السلام، وأبلغيه بأن يغيِّر عتبةَ داره..
وعاد إسماعيل، وسأل زوجهُ عن حالها، وما فعلت في غيابه. فأخبرته بأن شيخاً طاعناً في السنّ، جاء لزيارته، ولكنَّه لم يكدْ يرتاحُ من وعثاء السفر، حتى انصرف، موصياً إياك بأن تغيّر عتبة دارك.
عرف إسماعيل أن الزائر كان أباه، فقال للمرأة على الفور:
- عودي إلى أهلك يا امرأة، فأنت طالق مني...
ومرة جديدة عاد إبراهيم (عليه السلام) بعد طول غياب لزيارة ابنه إسماعيل. وما إن أطلّ على بيته، حتى وجد امرأة تقف مهلّلة عندما رأته قادماً نحوها، فأمسكت على الفور بعنان راحلته، وتقدمت تساعده في النزول، وهي تبدأه بالتحيّة، وتدعوه للدخول...
وسألها إبراهيم (عليه السلام) عن زوجها، فقالت:
- حللت أهلاً أيّها الشيخ الجليل، لقد ذهب زوجي في عمل ولن يلبث إلاّ قليلاً ويعود. ثم أحضرت الماء ليغسل رأسه وقدميه، فيرتاح من وعثاء السفر، وهي واقفة بين يديه، فلما فرغ استأذنته في الانصراف قليلاً عنه وهي تقول:
- هل يأذن لي سيدي بينما هو يستريح لبعض الوقت؟
فتهلّل بشراً، وقعد مرتاحاً.. لقد اطمأن إلى صلاح هذه الزوجة وهي تبدي من الشمائل الفاضلة، والأعمال الطيبة شيئاً كثيراً. وعادت إليه وهي تحمل اللبن والطعام وتقول:
- لعل الشيخ الجليل يرغبُ في تناول قليل من الرزق الحلال...
أكل إبراهيم (عليه السلام) هنيئاً في بيت ابنه، وشرب مريئاً، ثم ارتاح بعض الوقت، وقام يودّع تلك المرأة وهو يقول لها:
- قولي لبعلك بأن يحفظ عتبة داره..
وكعادته فور رجوعه، أول ما سأل إسماعيل زوجهُ عن حالها، وكيف قضت نهارها، فلم يسمع إلاَّ كلاماً مؤنساً وهي تقول له بنفس راضية:
- إنني كلّي شوق إلى زوجي. وهمّي أن يعود لبيته ويجد الراحة والاطمئنان.
- بارك الله بالنساء الفاضلات..
- إن شيخاً قدِم لزيارتنا، وقد رحّبتُ به وقمت على خدمته وتأمين راحته ولكنه لم يقبل البقاء عندنا، فقام مودّعاً على عجل...
- وماذا قال لك؟.
- إنه يقرئك السلام ويوصيك خيراً بعتبة دارك.
- وأين كان مقعده؟
فأشارت إلى حيث ارتاح الشيخ قليلاً، فإذا بإسماعيل ينكبُّ على المكان، وهو يقبّله ويقول:
- لقد اشتقت لك يا أبي، وكم أتمنّى أن ألقاك.
وجاءت زوجته، تهدىء خاطره، وتقول باستفسار:
- ماذا تقول يا سيّد البيت؟
- إنه والدي يا زوجتي المخلصة، وفي نفسي لوعةٌ لأراه، فقد بعُدَ غيابه عني في المدة الأخيرة.
- إذن كان الشيخ والد زوجتي، وأنا لم أعرفه؟
- نعم، وقد أوصاني بك خيراً..



Copyright © Samih Atef El-Zein 2010     VINTOB