قصص الانبياء في القرآن الكريم
الطبعة : الطبعة السابعة  
المؤلف : سميح عاطف الزين
عدد الصفحات :   692
تاريخ النشر :   2005




9 - إبراهيم وولده إسماعيل (عليهما السلام)

حطَّ إبراهيم (عليه السلام) رحالَه من جديد في فلسطين، حيث أقام في مستقره مع زوجه سارة وخادمتها هاجر تحيط بهم نعمة من الله الكريم وأمان، فلا يصيبهم سوء، ولا يكدّرهم أذى... ولكن هيهات لنفس مؤمنة أن تحسَّ راحة كاملة، وفيها تعتمل بعض مشاعر القلق والتنغيص... سارة، كانت امرأة عقيماً، لا تنجب أولاداً، ويحزُّ في نفسها، ويؤلمها كثيراً أن ترى بعلَها - هذا الرجلَ المؤمن، والنبيَّ المجاهد الذي أحبته من أعماقها، وآثرته على كل شيء في دنياها - محروماً من الخِلفة، خاصةً وأنها هي السبب في عدم العقب له، بعدما اقتربت من الشيخوخة، وبات محتماً، وفقاً لقوانين الطبيعية التي أودعها الله تعالى في خلق الإنسان أن تيأس من الحمل..
وبمثل هذه المشاعر المريرة جاءت زوجها وأشارت عليه أن يتزوج أمتها هاجر، فهي في سن الشباب والنضارة والخصب، علَّ الله سبحانه يرزقه منها بولدٍ، تشرق به حياتُه، ويسرِّي به عن نفسه من الحرمان، بل ليكون متعة لهم جميعاً، طالما أنها حُرِمَت هي من نعيم الأمومة، وعاطفة البنوَّة..
ووقف إبراهيم (عليه السلام) يقلّب الأمر، ويتبصَّر في العاقبة، فما وَجَدَ خيراً من موافقتها على رأيها، فتمَّ اقترانه بهاجَرَ. ومرت فترة على هذا القران، فإذا بزوجته الجديدة قد حملت، فلما حان موعدها أنجبت غلاماً زكياً، سمَّاه أبوه إسماعيل..
وها هو ذا إسماعيل مِنَّةٌ من الله جديدة يمنُّ بها على رسوله المغترب الصبور، الذي هجر الأهل والوطن من أجل رسالة الله في العالمين... وها هو ذا فضل الله يغمر هذا الشيخَ المؤمنَ ويستجيب لدعائه في الذرية والنسل: {رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ *} [الصَّافات: 100] فكانت الاستجابة بشرى من الله الكريم: {فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلاَمٍ حَلِيمٍ *} [الصَّافات: 101].
وقرَّت عين إبراهيم (عليه السلام) بغلامه الحليم، وطابت لوجوده نفسه.. ومن فرط حبه له - وهذا طبيعيٌّ بعد حرمانه الطويل من الأبناء - صار إسماعيل جُلَّ اهتمام أبيه، ومحطّ أنظاره، يصرف معه - أثناء راحته في البيت - غالبَ الوقت وهو يلاعبه ويعطف عليه، ويوفِّر له كل أسباب العيش والراحة. بل وقد شُغِل به بعض الشيء حتى عن زوجه سارة، التي كانت ملاذه في دنياه لرمي الأثقال عن كاهله، مما جعل هذا الانشغال عنها سبباً في اشتعال الغيرة في نفسها... ومع الوقت راحت هذه الغيرة تتحكَّم بها حتى أقضَّت مضجعها، ولم تعد تطيق النظر إلى الغلام، كما صار وجود هاجر في البيت مثاراً لضيقها وتبرُّمها..
وعاد إبراهيم (عليه السلام) مرةً إلى البيت ليجد زوجَهُ سارة في حالةٍ من الحزن واليأس مروِّعة، فجلس إليها يحاول أن يخفف عنها، إلاَّ أنها بقيت على سَورَةِ غضبها.. وبعد لأي وجهد، ولما لم تستطع أن تُخفيَ أمرها، كاشفت زوجها بحقيقة مشاعرها، وطلبت إليه أن يخرج بهاجر وابنها إلى مكانٍ بعيد، فلعلَّ عدم سماعها لصوتيهما، وعدم وقوع عينيها على صورتيهما، يعيد إليها الثقة بنفسها... وأنهت مطلبها هذا بالتشديد على أن يكون المكان الذي ينقلهما إليه بعيداً، حتى لا تَسمعَ من أخبارهما شيئاً..
صحيح أنَّ إبراهيم (عليه السلام) كان شديد الحب لسارة، ولكنه خشي أن يصرفَهُ ما يلقاه في البيت عن مهام الرسالة، فشكا إلى ربِّه من تلك المعاناة، فجاءه التبليغ يحمل إليه الأمر بأن يرحل بالطفل وأمه إلى الأرض التي يشاؤها الله تعالى مستقرّاً لهما...
ودعا إبراهيم (عليه السلام) ربَّه أن ينير له الطريق الذي سيسلكه بأهله. فلما أوحيَ له بالإذن للخروج ركب دابته، وحمل طفله وأمه، وارتحل يسير على هدى الله..
وظلَّ إبراهيم (عليه السلام) يُغِذُّ السيرَ، ويقطع الفلوات أياماً طويلة، حتى وصَلَ مكاناً مقفراً، في وادٍ أجردَ تُظلُّه الجبال وتحفُّ به التلال، فشعر بأن قوةً تشده إلى هذا المكان، وأحسَّ بأنَّ سرّاً يجذبه إليه.. وفي ذلك المكان نزل بأهله، وأقام لهما خيمة في ظل الصخور على جانب تلةٍ من تلك التلال. وبعد أن أمَّن لهما المقام استودعهما الله، محاولاً الرجوع من حيث أتى حتى لا يتأخر في العودة إلى فلسطين، وزوجته سارة بانتظاره. ولكنه ما إن لوى عُنُقَ دابته وقفل يريد المسير، حتى أمسكت به هاجر، تتشبث برجليه، وتشده من ثوبه، وهي ترفع صوتها شاكية، باكية. وقد أمسكت برأس دابته، وقبضت على خطامِها، تمنعها من المسير، وقالت لزوجها وهي تشرق بالدمع: «أين ترحَلُ يا شيخَنا وتتركنا؟ وإلى مَن تخلِّينا في هذه القفار؟ رحماك يا سيدي، وارأف بهذا الطفل، إنه لم يقترف ذنباً، ولم يرتكب إثماً... خلِّني وحدي واحمله معك، فربَّ وحشٍ يدهمنا، أو حيوان يؤذينا، فهل يهنأ لك عيش من بعده؟!»..
لقد أرادت هاجر أن تثير مشاعر الحنان في قلب الشيخ، والعاطفة الصادقة في وجدان الأب - وهو لم يكن ينقصه منهما شيء قط - ولذلك راحت تذكره بما لإسماعيل في قلبه من حب، وبما تتخوف عليه من الهلاك، حيث لا ماء ولا طعام في هذا المكان، وحيث الوحوش الضارية، التي لا يردها عنهما شيء!..
كانت العبرات في مآقيها أليمة، والدموع من عينيها سخية.. فذابت نفسُ إبراهيم (عليه السلام) أسىً، وتفطَّر قلبُهُ حزناً، حتى أنه لم يستطع أن يحبس دموعه، فبكى مع هاجر طويلاً، وتأوّه لحالها كثيراً..
ولكن ماذا يمكنه أن يفعل وهذا ابتلاءٌ من الله - سبحانه - لا يعرف كنهه؟ إنه مأمور بذلك من ربِّه، وعليه أن يلبِّيَ أمره ويطيعه، فلا يحبسه شيء عن ذلك، حتى ولو كانت هذه المشاعر بالافتراق عن فِلْذَةِ كبده الوحيد..
وهدَّأ إبراهيم (عليه السلام) من روعه وروع زوجه، حتى استكانت هاجرُ بعض الشيء، فطلب إليها أن تكفَّ عن أذى نفسها، ليطلعها على أمر ربّه الذي صدر إليه، ثم قال لها:
- إنه أمرٌ من الله يا امرأة، وهو ما شاء - سبحانه - لكما.. وهو - عزّ وجلّ - الذي أمرني أن أضعكما في هذا المكان، وهو يكفيكما...
وارتدَّت هاجر إلى نفسها وهي تسمَعُ كلام نبيّ الله خاشعة، مستسلمة لما يحكم به الله تعالى، لائذة بكنفه، آوية إلى رحمته، وقالت: لن يضيِّعنا الله الرؤوف الرحيم...
لقد آمنت هاجرُ بإبراهيم نبيّاً منذ أن دخلت بيتَه في مصر، وهو لا ينطق عن الهوى، ولذا أقنعتها إجابتُه فلاذت بالصمت، محتسبة، منيبة..
وها هو إبراهيم (عليه السلام) يغشاهُ الوحيُ ويخبره بأنَّه - ههنا - قد وصل بأهله إلى بيت الله الحرام، فقام مودعاً إياهم وقفل راجعاً مودِّعاً أهله، وما إن بلغ (كداء)، وهو جبل بذي طوى، حتى التفت إلى حيث ترك هؤلاء الأهل، فرفع ناظريه ويديه نحو السماء، داعياً ربَّهُ مبتهلاً: {رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلاَةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ *} [إبراهيم: 37].
وانصرفت هاجر بعد رحيل زوجها إلى الطفل، وهي تشرق بالدمع فتأخذه في أحضانها، وتنظر إليه بأحداقٍ ملأتها لهفة الأم الملتاعة..
ومرَّت الأيام سريعاً، ونفد الطعام والماء، من غير أن تجد هاجر، فيما حولها، ما يعوّض عما نفد، لتسدَّ به رمقها ورمق ابنها... وباتت خاوية البطن، لا تزدرد إلاَّ الغصّات، ولا تشرب إلاَّ الحسرات. فها قد نضب ريقها، وجفَّ حليبها، بعدما لاكها الجوع بأضراسه، وأيبس العطش نضارة جسمها. ولكن إشفاقها على هذا الطفل، كان أكبر بكثير من إشفاقها على نفسها. ولكم كان يعذّبها أن يصرخ على صدرها، وكأنه يستجير بها من العطش والجوع، وهي لا تستطيع له شيئاً..
وجفاها النومُ فقعدت وسط الظلام الدامس، ونفسها تتقطع حسرات على طفلها، حتى إذا طلع الصباح وأضاءت الشمسُ وهّاجة، اندفعت خارج الخيمة تهيم على وجهها، باحثة عما يدفع الموت عن ابنها. ولاح لها عن بعد بريق (في المكان المسمَّى بالصفا) خالته ماءً، فهرعت نحوه مهرولة، ولكنها لم تجد الماء، لأن البريق كان أشعة الشمس تنعكس سراباً على الصخر.. لوت عنقها تبحث في مكان آخر، فتراءى لها كأن ماءً في الناحية الثانية (في المكان المسمَّى بالمروة)، فركضت إليه تسعى للوصول إلى الماء فلم تجد إلا السراب عينه. وبين الذهول والأمل، راحت هاجر تهرول وتسعى بين الصفا والمروة، فلا تجدُ نفسها إلاَّ بين سراب وسراب، حتى قطعت سبعة أشواط في سعيها.
وهذا هو أصل السعي الذي يقوم به الحجيج كلَّ عام. وإنه أحد المناسك الواجبة لاكتمال فريضة الحجّ، لقوله تعالى: {إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ *} [البَقَرَة: 158]. وأما العبرة من هذا الطواف فهي لجوء الإنسان إلى الله تعالى، في حالة أشدّ ما يكون فيها احتياجاً إلى رحمة ربه في العفو والمغفرة، وطلب سدّ الحاجة، تيمناً بما أتته هاجر وهي بأمسِّ الحاجة إلى الخبير اللطيف، والرحمان الرحيم.
أُنهكت هاجر من التعب، وخارت قواها، فسقطت على الأرض، ولكنَّ هاجسَ الطفل انتشلها من تلك السقطة، فوقفت ببطء، مصوّبة أنظارها نحو تلك الخيمة التي تقبع فيها كتلةٌ من كيانها. ولمَّا لم تسمع بكاءً، ولم تَر حراكاً - وكان الجوع والعطش قد اشتدا عليها كثيراً وأثقلا حواسها فلم تعد ترى جيداً من بعيد - أَخَذَها الخوفُ على طفلها الذي ربما يكون قد أسلم الروح لخالقه. وطارت إليه على أجنحة اللهفة، لتقف قبالتَهُ مشدوهة، وهي تراه يفحص الأرض برجليه الصغيرتين، والماءُ ينْبَجِسُ بينهما، وقد غطَّى دائرة الطفل ومحيطه..
فهل تصدّق هاجر ما ترى؟!...
ولكنْ ها هو الماءُ ما يزال ينسابُ ويبلل قدميها، ويعيدها من ذهولها إلى حقيقة الواقع، فهل تشك إذن في ما ترى وتحس؟!...
وخرَّت على الأرض تبترد برحمة الله، وقد أيقنت أنَّ الذي أجفَلَ الوحش وأبعدَه في تلك الأيام والليالي التي قضتها في ذاك الوادي مع وليدها وحيدَين، والذي حفظهما من الموت عطشاً أو جوعاً، هو الذي أخرج الماء، فجعله يتدفق من هذه الأرض الجافة.
ورأت هاجر انسياب الماء فوق سطح الأرض، فراحت تجمع الترابَ والرملَ وتزمّهما إلى بعضهما. ولذلك سميت عين هذا الماء «زمزم». ثم تقدمت من طفلها، فوجدته يمتلىء حيوية، لم تنلْ منه قلةُ رضاعةٍ، ولم يأخذه فقدانُ حليب، فاعتصرته في أحضانها وشدَّته إلى قلبها، فرَنا إليها باطمئنان، واستكان على صدرها بأمانٍ، ثم غفا بهدأة الحنين ونام في طيّ الشوق، وعلى شفتيه ابتسامة تنبىء عن تسبيحٍ لإلهٍ قادرٍ حكيم. حقاً إن إسماعيل لطفلٌ زكيٌّ من الصابرين..
طفحت أسارير هاجر بالبشر، ونعمت بالسرور، فشخصت بناظريها إلى السماء، وعلّقت عينيها في البهاء، وانصرفت إلى الباري بالدعاء والرجاء.. كانت في حالةِ إشراقٍ روحانيّ رائع، جعلها تغفو وتستكين إلى رضى ربها الرؤوف العطوف، وهو - سبحانه - لم يُضيِّعها وطفلها. ولم تستفق هاجرُ من تلك الهدأة، إلاَّ على حفيف أجنحة الطيور وزغردتها، وقد جاءت رفوفاً تغطُّ على الماء، فتروي ظمأها، ثم تحوم من فوقها، وهي تملأ الفضاء تغريداً وغناءً..
وكانت قبيلة «جرهم» من العرب، تنزل في ذلك الزمن بـ «ذي مجاز» و«عرفات». ويشاءُ الله أن يهديَ تلك القبيلة إلى الماء الذي أخرجه بين قدمي إسماعيل، فجعلهم يرون الطيور تهبط وترتفع من بعيد، فاستبشروا بها خيراً، لأن القبائل في البادية، تعرف، بحكم تجاربها، أن الطيور لا تكثر فوق ناحيةٍ، إلاَّ ويكون فيها عادة حَبٌّ أو ماء، أو طعام..
ولم يخب ظنّ جرهم، إذ ما إن وصلوا حتى وجدوا عيناً يفور منها الماءُ، فنزلوا يرتوون ويبتردون... ولكن ها هي خيمةٌ وفي داخلها امرأة وطفل وحيدان في هذا الوادي المقفر!.. وتقدموا من المرأة يستعلمون خبرها، فقصَّت عليهم حقيقة أمرها بحذافيره، فأيقنوا أن لهذَين المخلوقَين مكرمةً عند الخالق، فطلبوا أن تقيم القبيلة في تلك الناحية بقرب هاجر وابنها. ولكنها وهي الإنسانة المؤمنة، المصدقة لزوجها النبيّ الكريم، تركت القرار له حين العودة إليهما...
وجاء إبراهيم (عليه السلام) فعلاً يتفقد أهلَهُ، فوجد أنعُمَ الله تفيض عليهما: ماءً، ولبناً، وطعاماً، بل وحمايةً من قومٍ مكرمين، فأَذِنَ ل«جرهم» بالإقامة هناك، كما كانت تمنَّت على هاجر..
وجاءت قبيلة جرهم إلى وادي مكة تتخذه موطناً ومقاماً، فكانوا أول الناس الذين طلب إبراهيم (عليه السلام) من ربِّه أن تهويَ أفئدتهم إلى أهله، فحلُّوا بتلك الأرض الطيبة. وقد شاء الله - سبحانه وتعالى - أن يأتيَ بهم ليؤمِّنوا وحدة الغريبَين، ويبعدوا عنهما الوحشة، بل وليكونوا أول نواةٍ لقبائل العرب التي عمَّرت هذا المكان، ثم دأبت على مدى عدة عصور بالوفادة إليه حجّاً وتبرّكاً، وأفئدتها مشدودةٌ إليه..
وها هو الإسلام بعد تلك العصور ينبثق في مكة بالذات، فإذا بالعالم الإسلاميّ بأسره، في مشارق الأرض ومغاربها، ومنذ بزوغ فجر الدعوة الإسلامية، يحنُّ إلى زيارة بيت الله الحرام، ولسوف يظل فؤاده يهوي إلى هذه البقعة المقدسة من الأرض حتى آخر الزمان.
إنه دعاءُ أبي الأنبياء إبراهيم (عليه السلام)، يستقرُّ في عوالم الله تعالى، وتحمله العصور والأجيال على الأرض، حتى يظل آية بيِّنة، وحجة ساطعة على حقيقة وجود الله، وتدبيره لشؤون خلقه... وها هي الأزمان تتعاقب، ويذهب الحجيج كل عام ليؤديَ مناسك الحج، فيحلّ بجوار نبع زمزم، الذي لم ينقطع منذ أيام إسماعيل، ليرتويَ من مائه ويتطهَّر به، ثم يحمله إلى أفئدة المؤمنين الذين وإن لم يحضروا إليه بعد بأجسادهم، إلاَّ أن حنينهم دائمٌ للحضور..
حلَّت جُرْهُمُ بمكة المباركة، فوهبَ كل صاحب خيمةٍ لإسماعيل شاة أو شاتين، حتى تشكَّلَ له بعض قطيع وهو ما زال في عمره النديّ... وهنا على بطحاء مكة بين متناثر الحصى وعين زمزم كان إسماعيل يترعرع في كنف أمه، ويدرج بين أطفال جرهم وبين أغنامها. فلما بلغ مبلغ الفتيان انصرف إلى الرعي والصيد، على عادة الناس يومئذٍ في الصحراء العربية.



Copyright © Samih Atef El-Zein 2010     VINTOB