قصص الانبياء في القرآن الكريم
الطبعة : الطبعة السابعة  
المؤلف : سميح عاطف الزين
عدد الصفحات :   692
تاريخ النشر :   2005




8 - الارتحال إلى مصر

حلَّت في بلاد الكنعانيين المصائبُ، واعترتها النوائب.. فقد جاءها قحطٌ شديدٌ أتى على الاخضرار وأيبس الأشجار. وزاد في الطينة بِلَّةً ما عقبه من غلاء في مواد الغذاء، وما صاحبَهُ من ارتفاعٍ في الأسعار، حتى لم يعد الناس في تلك البلاد قادرين على مواجهة سبل العيش الضيّقة، ومعاندة أسباب الحياة القاسية..
وعاد إبراهيم (عليه السلام) يدعوهم إلى التوحيد، والإيمان، عسى أن يغفر الله لهم، ويزيل الغمّ ويفرج الكرب عنهم، ويصبح الناسُ آمنين من آفات الجوع والفقر والمرض، ولكنه رأى أن لا جدوى من دعوته للقوم، فارتحل بصحبة زوجه سارة، وهبط أرض مصر، حيث مقاليد الحكم لملك من العرب، عملاق الجسم، قويّ الشكيمة والنفوذ، شديد البأس والبطش...
كانت سارةُ روعةً في الجمال، وآية في الحسن، وقد رآها يوماً وهي في السوق أحدُ بطانة الملك، فراعَهُ فرطُ جمالها، وذهب توّاً إلى مليكه، يزيّن له أمرَ الظفر بها، والتمتّعِ بحسنها... وما زال يشيد بأوصافها حتى اشتعلت الرغبة في نفس الملك، فأمر جنوده بالذهاب إليها واقتيادها إليه.. ولحقَ بها إبراهيم (عليه السلام)، وما زال يعالج حرّاس القصر حتى أذنوا له بالدخول، فوقف في مجلس الملك ينتظر الإذن له بالكلام.
وسأله الملك عن حاجته، فأبدى العذرَ، ثم قال:
- أيها الملك، إن المرأة التي أمرتَ أن يؤتى بها القصرَ هذا الصباح، هي أختي، وقد ألِفَتِ الحياةَ معي، واعتادت على رفقتي، حتى لا يمكنها العيش بدوني..
وقاطعه الملك بالقول:
- ولكنَّ الحال يختلف معها وهي في صحبة الملوك، ولسوف نوفِّر لها من أسباب السعادة ما يجعلها تقرُّ عيناً وتنساكَ.
وردَّ إبراهيم (عليه السلام) :
- العفو أيها الملك، إنها امرأة ليست كغيرها، ولا إخالها ترضى بالبعاد عني مهما توفرت لها المسببات!.
لقد أراد إبراهيم (عليه السلام) أن يوجِدَ عذراً يثني به هذا الملكَ المعتديَ عن مرامِهِ، فلم يجهر بأن سارة زوجُهُ، لئلاّ يكون في ذلك خطر على حياته، فقد تُسوِّل للملك نفسُهُ الإقدامَ على قتله للتخلّص منه. ولئن استعمل إبراهيم (عليه السلام) التورية، فليس ما يعيبه قولاً ولا فكراً، لأنه لم ينطقْ إلاّ بالحقّ، فالأخت تكون في الدين، كما تكون في النَّسب. وزوجُهُ سارة أوَّلُ امرأةٍ آمنت به، وعملت بمعتقده.. وإن دينه الإسلام يجعل الناس إخوة في العقيدة. هكذا كان مراد إبراهيم (عليه السلام) عندما قال للملك بأن سارة أخته. ولكن أنّى لملكٍ ظالمٍ أن يعلمَ ما يُبطنُ إبراهيم (عليه السلام)، بل وأنَّى لسائر البشرية أن تعلم ما في ضمير الإنسان وقلبه، وهل يعلمُ بالسّرائر إلاَّ الله؟
وهل كان الإلهام الذي أتى إبراهيمَ (عليه السلام) في تلك الآونة، إلا من عند الله، إذ خشي على نفسه من جمالٍ آتاه الله لزوجه، وقد يدفعُ هذا الجمالُ عبداً أرعَنَ لقتله، وإن كان هذا العبدُ في ثوب ملك؟!..
وأفاق من شروده على قول الملك، يأمُرُهُ بالانصراف، فخرج يجرُّ أذياله وهو في همٍّ وضيق. ولم يجد متنفّساً لكربِه إلاَّ الله، فرفع ناظريه إليه تعالى بالدعاء:
«أللهمَّ هذه أمَتُك، وزوجةُ خليلك، فاصرف عنها السوءَ، واحفظها برعايتك، وارحمني وإيّاها، يا أرحم الراحمين».
وحملت الملائكة دعاء إبراهيم (عليه السلام) إلى المدى الذي أراد ربه تعالى أن يصل إليه، فجاءته الاستجابة إلهاماً بالوعد الحق: أنْ كن آمناً مطمئناً يا إبراهيم..
واجتمعت النساء حول سارة يلبسنها فاخر الثياب، ويزيّنَّها بثمين الحلى والمجوهرات، وهي غير عابئة بشيء من ذلك، بل على العكس، أحسَّت بها متاعاً يلسعُ جسدها، ويكوي معصمها وجيدَها... فتقززت نفسُها، وزادت حزناً على حزن...
وجلست سارة كئيبةً، صامتة، مطرقة، في قلبها غصَّةٌ، وفي عينيها دمعة. إنها المرة الوحيدة التي تُفارق فيها إبراهيم (عليه السلام) الحبيب، منذ زواجهما. وهي حالةٌ مرّةٌ على قلبها، مُمِضّةٌ(+) لنفسها، لا ترغبُ في الحياة بدونه، ولا ترى للوجود معنى بفراقه.. انطوت على ذاتها، فإذا هي كتلةٌ من أسىً وعذاب...
ودخل الملك مخدعها، ورآها على تلك الحال، فحاول أن يطيّبَ خاطرها، وأن يُغريَها بأسباب اللذة والمتعة، ولكنه ما إن مدّ يده نحوها، حتى أحسَّ ألماً في قلبه، واضطراباً في كيانه.. وهلع من فرط ما ألمَّ به، فارتمى على أريكة بجانبها، وكمثل لمح البصر عادت إليه عافيته..
أعاد الكرَّةَ، وحاول الدنوَّ منها مرة ثانية، فعاودته حالة التمزق والانهيار.. وتكرَّرت المأساة مرات عديدة، وسارةُ واقفةٌ ترقبُ بحذر وخوف تخبُّطَ هذا الرجل في آلامِهِ وانفعالاته. وكان منتصفُ الليل قد آذن بالانصراف، عندما لاذَ الملكُ من وجهها بالفرار، وهرب يلتجىء إلى فراشه، حيث راح يغطُّ في نوم عميقٍ.. وتراءت له في المنام حقيقةُ سارة، وبعلها إبراهيم (عليه السلام)، فهبَّ مذعوراً ونادى حرّاسه: أحضروا تلك المرأة..
أُدخلت سارة غرفة الملك، وهي ترتعد من الخوف والقلق، ولكنه ما إن رآها حتى هبَّ واقفاً، وتقدَّم نحوها - وهو يشير لجنوده بالخروج - بخطىً هادئة، رصينة، وهو يقول:
- سلامٌ عليك أيتها المرأة واطمئنان...
وكأن الأمر في حلم غير قابل للتصديق، إلاَّ أنها الحقيقة التي تعيها بسمعها وبصرها، مما جعل سارة لا تتفوه بأية كلمة..
ورأى الملك الوجوم الذي يُغشّي وجهها، فأراد أن يزيدها في الاطمئنان، فأمسك بكرسيّ قَرَّبَهُ إليها، ثم دعاها، بأدب واحترام للجلوس وهو يُردف:
- لا خوف عليك ولا حزن يا زوجَ إبراهيم. أنت وزوجك في ديارنا على الرحب والسعة، نقدمُ لكما العون، ونخلص لكما الودّ..
وآثرت سارةُ السكوت على الكلام، فزاد الملك ابتسامه، وعاد يقولُ لها:
- هل تريدين أن نأتيَ بزوجِك إلى هنا، أم ترغبين في الذهاب إليه...
وطارت نفسها شوقاً إلى إبراهيم (عليه السلام)، فأجابت بفرح:
- بل دعني أذهب إلى زوجي..
وها هي ذي سارةُ في الطريق تحثُّ الجند على الإسراع، بينما كان إبراهيم (عليه السلام) في بيته يُعايشُ ليلاً من الأسى ما عرفهُ قطّ في حياته، ويعاني من محنةٍ ولا أشدّ، ومن بلاء ولا أعظم.. إنه غريبٌ عن هذه الديار، وفد إليها يبتغي فضلاً من ربه، ويأمل في لقاء أناسٍ قد يؤمنون برسالته، ولكنه لم يكد يصلُ مصرَ، حتى دهمته المصيبة، وسلبتْ منه زوجه.. إنه نبيٌّ، وقد طنَّ في أذنيه صدىً من الأمان عندما كان الجنود يقتادون زوجه.. ولكنَّه بشريٌّ أيضاً، وفيه العاطفة والشعور.. وإنه مؤمن صادق ويعلمُ بأن الله الذي أنجاه من حرّ النار وسعيرها، سوف يحفظه من وصمة العار وذُلِّها... ولذا نراه قابعاً في وحدته، وليس له إلاَّ الدعاء والتضرّع إلى الله العليِّ القدير، حتى إذا سمع ضرباتٍ تتوالى على الباب، هبَّ مسرعاً ليجد أمامه زوجه سارة، ومعها امرأة ترافقها..
وكان لقاءٌ بين الزوجين الصادقين، يُغني عن كل وصفٍ أو بيان...
سأل إبراهيم (عليه السلام)، بعدما صلّى إلى الله، وحمدَهُ على رحمته به، وعونه له: من تكون هذه المرأة التي جاءت مع زوجه؟ فقالت له: إنها هاجر، وهي جاريةٌ وهبها إيّاها الملك، زيادةً في التكريم والتقدير...
وأقام إبراهيم (عليه السلام) في مصر ما شاء الله له أن يقيم. وعاش مع زوجه وأمتِها، وادع النفس، هانىء البال، راضيَ الحال.. أقدم على العلم الرساليِّ والعمل في سبيل العيش الكريم بكدٍّ وجهد، وثابَرَ على السعي بصدق ووفاء حتى أفاضَ الله عليه خيراتٍ كثيرة، وبركات وفيرة... فازداد مالُه، وكثرت أنعامُه، وفاضت أرزاقه، وذاع صيتُهُ بين الناس، محموداً، مأثوراً.. حاول أن يبث في نفوس القوم عقيدته، وأن يغرس في تلك الديار بذور الإيمان، ولكنه اصطدم بجهل الناس، وتحكُّم المادة بهم، فكانوا لا يهتمون بالأمور المعنوية، ولا يحفلون بالقضايا العقلية أو النفسية، همّهم العمل، والانشغال بالمتاع واللذة، ينغمسون في الترف، ويَلِغون في الفحش، إلاَّ فئةً قليلةً نادرة ممَّن هداهم الله تعالى.
لم يُفلح إبراهيم (عليه السلام) في صرف الأكثرية الساحقة من الناس عمّا هم عليه، بل ظلّوا عن دعوته يعرضون، حتى باتوا يحسّون به ضِيقاً وبرماً. وكأنما كان نجاحُهُ في أعمالهِ، وثراؤه في حياته، سبيلاً في تحوّل القوم إلى حسده، والسعي للإيقاع به، فراحوا يعملون في الخفاء على أذيّته.. وأحسَّ إبراهيم (عليه السلام) تلك الجفوة، وما يُبطنون من سوء النيّة، فأزمع على الرحيل، وقفلَ إلى بلاد الكنعانيين راجعاً، حيثُ الديار التي اتخذها من قبل موطناً، وأقام فيها من الزمن ردحاً...



Copyright © Samih Atef El-Zein 2010     VINTOB