قصص الانبياء في القرآن الكريم
الطبعة : الطبعة السابعة  
المؤلف : سميح عاطف الزين
عدد الصفحات :   692
تاريخ النشر :   2005




7 - الهجرة إلى فلسطين من بلاد الشام

وعلى تلك الحالة عاش إبراهيم (عليه السلام) ردحاً من الزمن، فبذل كل جهد لكي يهتديَ أبناء قومه، ولكنَّ جميع جهوده باءت بالفشل، فعزم على الرحيل من بابل، إلاَّ أنه آثر قبل ترك البلاد أن يتخذ له شريكة حياة.
وكانت ابنة خالته «سارة» قد آمنت بدعوته، وأخلصت له، كما أنها أحبته حبّاً جمّاً. فلما عرض عليها الزواج منه، وافقته عليه، ثم وضعت بعد زواجهما الميمون كل ما كانت تملكه تحت تصرف زوجها إبراهيم.. ولعلَّها كانت تملك كثيراً من المواشي والزروع..
واعتزل إبراهيم (عليه السلام) قومَهُ، لينصرف إلى دعاء ربِّه.. وأسرَّ إلى زوجه بأنه يريد أن يهاجر إلى ربه علَّه يجد في أرض أخرى قوماً يؤمنون بالدين الحنيف الحق. وكان إسراره لها بقوله تعالى: {...إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ *} [الصَّافات: 99].
وعرفت الفئة القليلة المؤمنة عزم إبراهيم الرسول على الرحيل، فهيأت نفسها للذهاب معه. وكان أولَ المهاجرين الرجلُ المؤمنُ «لوط» إذ أعلن لعمه عن أمنيته في اتِّباعه والمهاجرة معه إلى ربه بقوله تعالى: {...إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَى رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ *} [العَنكبوت: 26].
وفي ليلة ظلماء خرج إبراهيم (عليه السلام) من مسقط رأسه في بابل، وفي رفقته زوجه «سارة»، وابن أخيه «لوط» ومعهم المؤمنون القلائل الذين اهتدوا وآمنوا برسالته.
إنها هجرة لرسولٍ كريم من أرض أجدبت من الإيمان فلم ينبت فيها إلا الضلال، وأمحلت إلا من الوثنية فلم تزدهر فيها عقيدة التوحيد..
وهي هجرة إلى أرض جديدةٍ علَّ أناسها يتقبلون رسالة التوحيد، فتصلح لأن تكون تربةً صالحةً لنماءِ وخصب هذه الرسالة المقدسة..
ومرَّ في طريقه بـ«أور» الكلدانيين، ثم ارتحل منها إلى «حاران» وهي بلدة في فلسطين التي كان الكنعانيون يحكمون جزءاً منها.
أقام إبراهيم (عليه السلام) أول الأمر في بلدة تدعى «شكين» وهي التي تعرف اليوم باسم «نابلس». ولكنَّ مقامه فيها كان قصيراً، إذ كان ينتقل منها إلى الجنوب ليؤديَ مهمة الدعوة والتبليغ بعد أن أنجاه ربُّه من عنت القوم الكافرين، وأنجى معه لوطاً المؤمن، حتى يصِلَ بدعوته إلى الأرض المباركة، وذلك بقوله تبارك وتعالى: {وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطًا إِلَى الأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ *} [الأنبيَاء: 71].
وكانت هذه الهجرة تجربة جديدة للنبيِّ المجاهد إبراهيم (عليه السلام) الذي لم يكن يحلُّ في مكان إلاَّ ويدعو إلى الإيمان بالله تعالى. ولكنه لم يكن يجد العقول المتفتحة، ولا الآذان الصاغية، ولا النفوس الصافية لتتقبَّل هذه الدعوة، ولذلك كان يرتحل دوماً حتى وَصَلَ إلى أرض فلسطين من بلاد الشام، فاستقرَّ فيها، كما شاءَ الله تعالى له ذلك.
ولم يتوقف النبيُّ إبراهيم (عليه السلام) في هذه الأرض الجديدة عن الدعوة إلى دين الله العزيز الحكيم. ولكنَّه وجَدَ بالإضافة إلى غربته عن وطنه، غربةً جديدة في عدم تقبُّل الناس هنا أيضاً للهداية. ومع ذلك كانت هذه المجافاةُ للدين الحق دافعَه القويَّ للبناء والتغيير، فظل على العهد قائماً، وللإيمان بالله داعياً.
إنها أوقات عصيبة يواجهها إبراهيم (عليه السلام) بإعراض أهل فلسطين عنه. ويزيد في همه أنَّ قضية هامة كانت تشغل فكره، وتزعج قلبه منذ كان في بابل، ولم يستطع أن يجد لها حلاًّ..
إنه يؤمن إيماناً صادقاً وواعياً بأنَّ اللَّهَ جلَّ وعلاَ هو خالق الخلق، وهو الصانع والمدبّر، وسنن الحياة في جميع مخلوقاته تثبت ذلك.. كما وأنَّ الله جلَّ وعلا هو الذي يميت الخلائق، وقد وضع لكلٍّ منها أجلها..
ولكنَّ مسألةً عميقةَ الغور، شديدةَ البعد كانت تَشْغَلُ قلب هذا الداعية، في مراقبته للوجود، ولمخلوقات الله تعالى، وهي من الحقائق الكونية والأسرار الوجودية التي لا يدركها أحد.. وهذه المسألة الهامة لا تتعلق في هذه الحياة الدنيا وحسب، وإنما تتعلق بالحياة الآخرة، فكيف يبعث الله تعالى الموتى ويحيي من في القبور؟.
إنه على يقين بأنَّ الله العليّ العظيم {إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ *} [يس: 82]. ولكنَّ قلب إبراهيم (عليه السلام) المتفتح دوماً على الحقِّ، يريد أن يعرف كيف يحيي الله الموتى، ويبعث من في القبور؟ فقد كان يخرج إلى البراري ويصعد إلى أعالي الجبال، عسى أن يشفيَ غليل قلبه المتعطش إلى تلك المعرفة. وها هو إبراهيم (عليه السلام) الآن على جبال فلسطين وأمامه صفحات الكون، وفي وجدانه آيات الله في الخلق، يتأمل ويراقب، فتزيده آيات الله العظمى إشراقاً وصفاءً، فتصعد نفسه الزكية نحو السماوات العُلى، تسأل الباري - عز وجل - أن يزيدها اطمئناناً، وأن يزيدها نوراً وعلماً.. ويصدر في هذه اللحظات الرجاء من إبراهيم إلى ربه تعالى: {رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى} [البَقَرَة: 260].
ويأتي الوحيُ سائلاً: «أوَ لَمْ تؤمن؟»
«قال: بلى. ولكن ليطمئنَّ قلبي».
ويستجيب الله العزيز الحكيم لرجاء رسوله الكريم، لكي يُطمئِنَ قلبه الكبير للمسألة التي تشغله، فيَصَدُرُ الأمر إليه بأن يأخذ أربعة من الطير، وأن يضمها إليه محصياً ما فيها من خلقٍ وتكوين، ثم بعد ذلك فليقطِّعْ كلاًّ منها قطعاً قطعاً وليخلطْها جميعاً، ثم لِيفرِّقْها أجزاء، وليَجعلْ كل جزء على جبل، ثم لِيدْعُ بعد ذلك تلك الأجزاء إليه...
وفعل إبراهيم (عليه السلام) ما أمره به ربُّه، وفرَّق أجزاء الطيور على الجبال، ثم دعاهنَّ إليه، فإذا بالطيور الأربعة تعود كما كانت، وقد جاءت إليه على أجنحة السرعة، وهي تتدفَّقُ بقوة الحياة..
وتأكد لإبراهيم رؤية قدرة الله تعالى على البعث والنشور، وأنه سبحانه على كل شيء قدير. وها هي البيِّنة الواضحة، والدليل القطعيّ الثابت قد تحقق أمام عينيه.. فكانت تلك هي الحكمة التي ألهمها الله تعالى لنبيّه إبراهيم، كي تظل أبد الدهر الشاهدَ الصادقَ للإنسان على البعث والنشور، ولكي لا يكون لدى الإنسان بعدها أيُّ شكٍّ بأنَّ الله تعالى يحيي الموتى، ويبعث من في القبور..
والجدير بالتذكر والتدبر أن قضية البعث والإحياء لم تزعج قلب إبراهيم (عليه السلام) عبثاً. فها نحن نرى اليوم، وكما تفكّر إبراهيم منذ آلاف السنين، أن للموت حالاتٍ عديدةً، فمن الناس من يهوي من السماء ويتناثر لحمه وعظامه، ومنهم من تلتهمه النيران وتذروه رماداً، ومنهم من يتمزَّق جسده أشلاء صغيرة في باطن أسماك البحر عندما يغرق، ومنهم من يتحول إلى تراب في القبور بعد أن تأكل الديدان لحمه وتُفَرِّق عظامه... فكيف يجمع الله تعالى، يوم البعث، كلَّ فرد على صورة خلقه، ويعيده كما كان على نفس التركيب جسداً ونفساً وروحاً؟! هذا ما أراد إبراهيم (عليه السلام) معرفته بإلهام ربه، كي تكون البينةُ ظاهرةً على أن الله تعالى قادر على إحياء الموتى، وأن وعده بيوم البعث حق. وهو ما ثبت لأبراهيم (عليه السلام) بالدليل الحسيّ، وما رآه بأم العين عندما أعاد الله تعالى إحياء الطيور على يديه، وإعادتها كما كانت عليه. وهو البرهان القاطع الذي حفظه القرآن لكي يُنَبِّهَ إليه الناس على أمد الدهر وطوله.. وها إنَّ القرآن المجيد يؤكد هذه الحقيقة أيضاً، وفي «سورة القيامة» بالذات، لكي يردَّ على كل متسائل أو مرتاب، وبما يُبعد عن قلبه أو عقله أيَّ غموض حول هذا الشأن، فيقول سبحانه وتعالى: {أَيَحْسَبُ الإِنْسَانُ أَلََّنْ نَجْمَعَ عِظَامَهُ *بَلَى قَادِرِينَ عَلَى أَنْ نُسَوِّيَ بَنَانَهُ *} [القِيَامَة: 3-4]. ويقول سبحانه وتعالى: {...أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعًا إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ *} [البَقَرَة: 148] أي كيف ما تكون الحالة التي انتهت إليها أجسادكم، وفي أي مكان حصل هذا الانحلال، فإنَّ الله تعالى يأتي بكم جميعاً من القبور من باطن الأسماك، أو من ذرات الغبار لأن الله على كل شيء قدير.
وكذلك نُري إبراهيم ملكوت السموات والأرض وليكون من الموقنين.. وحقّاً، وبإيمانه القويّ الذي لا تزعزعه الجبال ولا الأحداث، لم يشرك إبراهيم (عليه السلام) بربِّه أحداً، فكان أُمَّةً قائمة بذاته: {إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ *شَاكِرًا لأَِنْعُمِهِ اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ *} [النّحل: 120-121]. فسلام على إبراهيم في العالمين.
ciloxan notice ciloxan tropfen ciloxan alkohol
amantadin cena amantadin medikament amantadin nedir



Copyright © Samih Atef El-Zein 2010     VINTOB