قصص الانبياء في القرآن الكريم
الطبعة : الطبعة السابعة  
المؤلف : سميح عاطف الزين
عدد الصفحات :   692
تاريخ النشر :   2005




6 - معجـزة الله العظمى

تراكمت أكداس الحطب والهشيم حتى صارت كالجبل. وأُعِدَّت في أتُّونٍ ينتظر لحظة الاشتعال.. ونودي في الناس إلى الاجتماع، فتحلَّقوا بعيدين عن السياج الذي ضربوه حول الأتُّون حتى لا تطالهم شظايا الحريق، وحرارة لهيبه عندما يستعر..
وجيء بإبراهيم ووضع في منجنيق كانوا أعدوه خِصِّيصاً لهذه الغاية، ثم قذفوا به بالمنجنيق فوق ألْسنة النار التي كانت تتصاعد وتتأجج لهيباً محرقاً، فوقع في وسط هذا البركان الملتهب، بينما كان الناس يرقبونه وهو يهوي في النار مصفّقين، فرحين..
كان ذلك الجمع من الناس يعتقد بأن إبراهيم سوف يتحول إلى كتلة من تلك الكتل التي تحترق، لمجرد وصوله إلى هذه الجحيم المتأججة، فباتوا ينتظرون حتى تخمد ألسنة اللهب، ويبقى الرمادُ، فيذهبون إلى بيوتهم هانئين..
أما إبراهيم (عليه السلام) فكان قد أوكل أمره إلى الله تعالى أمام هذا المصير، فهو سبحانه عالم بحاله لأنه بكل شيء عليم. وإذا كان جهادُهُ واحتماله الأذى من أجل تبليغ رسالة ربِّه، فإنَّ ربَّ الرسالة هو الذي يتكفل بحفظه.. ويكفيه أنه ما قصَّر في أداء واجبه، وأنه كان صادقاً في دعوته، جاهداً في تغيير معتقدات القوم. ولذلك فإنه لم يكن وجلاً ولا خائفاً، حتى وهو يرى تلك النيران التي أعدت له.. وكيف يخاف من كان مثله في إخلاصه لله العليّ القدير، وفي ثقته القوية برب العالمين، وصلته الوثيقة بذي العرش العظيم، وكلها تقوم على الالتزام والأداء اللذين سنَّهما لمسيرته..
نعم، لم تُزعزع تلك النيران كيانهُ، ولم يُزلزل لهبُها وجدانَهُ، بل ظلَّ على دعائه وتسبيحه لله تعالى بقلب سليم..
ويريد الله سبحانه وتعالى أن يجعل من هذه الحادثة برهاناً ساطعاً، وشاهداً حقاً، على أنه هو الله الذي لا إله إلا هو، إله واحد في السماوات والأرض، وأنه - جلّت عظمته - وحده يستطيع أن يتصرّف بشؤون الكون وما فيه من قوانين ونواميس وفق ما يشاء، لأنه يقول للشيء: كن، فيكون... وها هو سبحانه يبعث في اللحظة الحاسمة جبريل الأمين (عليه السلام) ليتلقى الرسولَ الكريمَ إبراهيمَ (عليه السلام) عندما قُذف به في المنجنيق، وليسأله وهو بين الأرض والسماء: هل لك من حاجة تسألها يا إبراهيم؟
ويُجيب النبيُّ إبراهيم (عليه السلام) باطمئنان المؤمن الواثق، والمجاهد الثابت: يا أخي جبريل، إن الله عالمٌ بحالي وغنيٌّ عن سؤالي، وهو أقرب إليَّ من حبل الوريد..
ويظل جبريل يحتضن إبراهيم (عليهما السلام) حتى يوصله إلى جوف اللهب، فيأتي أمر الله سبحانه وتعالى من عليائه إلى النار، كما يخبرنا الحق بقوله عز من قائل: {...يانَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلاَمًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ *} [الأنبيَاء: 69].
وطال انتظار الناس... ولكن ها هي أخيراً ألسنة النار تخمد، وسحب الدخان تتبدَّد، ويزول الحجاب الكثيف ما بين العيون ومكان تحديقها، فإذا الكل في دهشة عارمة لأنها كانت المفاجأة التي لم ينتظروها قطّ: فإبراهيم (عليه السلام) يجلس وسط كومةٍ من الجمر الأحمر هادئاً مطمئناً، وقد بانت عليه أمارات الارتياح حتى لكأنه ينعم في واحة خضراء، لا نار فيها ولا لهب.
وحدَّق القوم فيه، فإذا ثيابه ما زالت عليه لم تحترق، وما زال شعر رأسه كما كان، وجسمه سليماً معافىً، بل وزاد وجهه إشراقاً، وازدادت طلعته بهاءً.. إنه مرتاح مسرورٌ في جلوسه، يسبِّح ويحرِّك شفتيه بما لا يفقهون!.. فماذا يقول إبراهيم (عليه السلام) في تلك الساعة، بل بماذا كان يدعو قلبه، وتهمس شفتاه؟.. إنه يلهج بذكر الله، ويتعبَّد إليه سبحانه بالحمدِ والشكر، وبالتسبيح والثناء على ما يستحقه - جل وعلا - لأنه ربُّ العالمين.
ويحملق القوم في هذا القابع سعيداً وسط الجمر، ويفركون عيونهم بأيديهم وهم لا يصدقون ما يرون.. ولكن هل يكذِّبون أنفسهم، وهو أمامهم، يشاهدونه بالعين المجردة؟... لقد بهرهم المشهد وأخذتهم الدهشة حتى صاروا مثلَ البلهاء لا ينطقون، ومثلَ الكُسْحَانِ لا يقوون على الحركة..
وكان لا بد أخيراً من الاستفاقة، فإذا الكل يسائل نفسه: كيف نجا إبراهيم؟ وهل يمكن أن ينجوَ كائن حيّ من مثل هذا الأتُّون المستعر؟ بل هل يبقى شيء على حاله إن وقع فيه؟!... ولكنها الحقيقة الماثلة أمام سمعهم وبصرهم: إنه إبراهيم (عليه السلام) بذاته، ما زال حيّاً يرزق، بل ويبدو أنه ازدادَ ثقة وثباتاً عن ذي قبل...
إذن: لا بد من سرٍّ عظيم؟ ولكن ما هو هذا السر؟ طبعاً لن يعقل هؤلاء القوم معجزة الله العظمى!..
ولو أنهم عقلوا لأدركوا أنَّ اللَّهَ تعالى على كل شيء قدير. فهو وحده - سبحانه - قادر على أن يُفقد النار خاصية الإحراق، فيحيلها إلى البرودة بدلاً من الحرارة، وإلى السلامة بدلاً من الأذى.. وها هي النار التي أوقدوها تأتمر بأمر ربِّها، فتكون حقاً وفعلاً «برداً وسلاماً على إبراهيم (عليه السلام)»، برداً لإطفاء خاصية إحراقها، وسلاماً حتى لا يتأثَّرَ بجوّ البرودة الشديدة التي يكون تأثيرها على جسم الإنسان مثل تأثير النار، فهذه تذيب الجسم، وتلك تجعله جامداً خامداً لا حياة فيه، وهذه عظمة سر الخالق في هذه المعجزة التي حفظها القرآن الكريم لتكون عبرةً على مدى الأزمان وإلى أن يرث الله - تعالى - الأرض ومن عليها.. ومن الطبيعي ألاّ يدرك أهلُ بابلَ - في ذلك الزمان - ذلك السرَّ الإلهي،وقوة تلك المعجزة الربانية طالما أن الضلال ما زال يركب رؤوسهم، وما دامت العماية تغشِّي بصائرهم.. إنهم يدركون شيئاً واحداً، ألا وهو أنهم أرادوا بإبراهيم (عليه السلام) كيداً، فجعلهم ربُّهُ الأخسرين.. وها هو خسرانهم يبين لهم بأم العين، ويرتَدُّ كيدهم إلى نحورهم، فإذا النار التي أرادوا إحراق إبراهيم (عليه السلام) بها، تتأجج لهيباً في قلوبهم المحرقة، وبركاناً صاعقاً في نفوسهم الضالة، لتزيدهم خسراناً على خسران..
كانوا يحسون بذلك في أعماقهم، ولكنهم كانوا غير قادرين على فعل شيء، فانصرفوا بعد المعجزة لا يلوون على شيء وتفرَّقوا باقين على عقيدة الشرك والوثنية، ما عدا فئةً قليلةً جداً، عرفت المعنى وأدركت أنها المعجزة التي تفوق قدرات البشر، فأيقنت أن الربَّ الذي حمى إبراهيم (عليه السلام) ونجَّاه من النار المحرقة هو ربٌّ حقٌّ، وإلهٌ قادرٌ، وهو وحدَهُ يجب أن تدين له الناسُ بالعبادة والتقديس، فآمنت تلك الفئة بما يدعو إليه إبراهيم (عليه السلام)، وخضعت لله تعالى تعبدُهُ من دون سائر الأرباب والآلهة الأرضية. وكان من بين هذه الفئة المؤمنة، «لوط» الشاب، ابن أخي إبراهيم (عليه السلام)، و«سارة» ابنة خالته الشابة، التي دأبت على مراقبة إبراهيم (عليه السلام) منذ عودته من الغار، وأحست بأن أفعاله وأقواله كانت كلها صدقاً، وأمانة واستقامة.. وإذا كانت معجزة الله تعالى التي شهدها أهل بابل لم تؤثر فيهم، ولم تشغلهم في قليل أو كثير، فإنَّ ملكهم النمروذ بن كنعان كان على عكسهم، إذ وجد نفسه خائباً، لأنه لم يستطع أن ينالَ من إبراهيم (عليه السلام) شيئاً. فلئن كانت تلك النارُ لم تقتله، فإنَّ أية وسيلة أخرى لن تكون مجدية للخلاص منه، وأسقط في يده، فخنس مذموماً مدحوراً... بيد أنه، على الرغم من ذلك كله، لم يتخلَّ عن صلفه الجاهليّ في ادِّعائه الربوبية لبني قومه، ولذلك وجَدَ أنَّ عليه ألاَّ يستكين لئلا يفلت الزمام من بين يديه. فإذا ترك إبراهيم (عليه السلام) وشأنَهُ في متابعة دعوته، فلسوف يجتمع الناس إليه، وينصاعون لحججه وبراهينه، وفي ذلك الخطر الأشد على ملكه.. إذن فليحاول أن يُبعد إبراهيم (عليه السلام) عن القوم، وليشغله هو، دون غيره من الناس، وذلك بالاستمالة تارة، وبالنقاش والجدال تارة أخرى، علَّه يجد وسيلة يهزمه بها.. وهكذا أخذ يجادله، ويقول له:
- ما هذه الفتنة التي تشعلها في قومك يا إبراهيم؟ ومَن هو هذا الإلهُ الذي تدعو إليه من دوني؟ ألست أنا ربَّ بابل أُصرِّف الأمور فيها وأُدبِّرها، وأُبرمها وأنقضها بإرادتي؟ أليس القوم على ديني؟ فلِمَ تخرج أنت على هذا الإجماع، وتحاول أن تنقض معتقداتنا وتدنس مقدساتنا؟
ويرد عليه النبيُّ إبراهيم (عليه السلام) بالحجة الدامغة، كأن يقول له:
- ما أنت إلا بشر مثل سائر الناس. ولا يمكن للبشر أن يكونوا آلهةً... ثم إنك تُحَاجُّني في ربي، فلتعلم يا هذا أن الله هو رب السماوات والأرض. وهو الذي ينشىء المخلوقات كلها بعد أن أنشأ الكون والحياة والإنسان. وهو وحده الذي يتحكم في المصائر جميعاً، يمنح الحياة والملك والرزق لمن يشاء، ويعزّ ويذلّ من يشاء. وهو الذي خلقك على هذه الصورة، وهو الذي يحييك ويميتك مثلما يحيي ويميت كلَّ كائن حيّ..
أجل لقد أراد إبراهيم (عليه السلام) أن يبين لهذا الملك أن الله تعالى هو الخالق، وأنه وحده يختص بالحياة والموت، وهو ما لا يستطيعه أي مخلوق، ولذلك انصب اهتمامه على قضية الحياة والموت، فقال للنمروذ: {رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ} [البَقَرَة: 258].
وتوهم النمروذ أنه يملك الحياة والموت، طالما أنَّ أوامره تنفَّذ في رقاب العباد، فإن أمر بقتل أحد قتل، وإن عفا عن أحد نجا..
هكذا توهم النمروذ معنى الحياة والموت، ولم يدرك المعنى الحقيقيَّ للموت والحياة... ولذا قال: بل أنا أحيي وأميت.
وإذْ أدرك إبراهيم (عليه السلام) قِصرَ فَهْمِ النمروذ عمَّا عَرَضَ عليه من حجة، دفعَ إليه بحجة أخرى تطاله بنفسه وتكشف عن عجزه التام، فقال له إبراهيم (عليه السلام) : {فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ} [البَقَرَة: 258].
إذن هناك ناموس كونيّ، ونظام شامل أودعه الله تعالى في هذا الكون. وأحد مظاهر هذا الناموس والنظام أن خلقَ الشمسَ وجعلَها تشرق من الشرق، وتغرب في جهة الغرب بالنسبة للكرة الأرضية. وهذه سنَّة الله لا تبديل لها، فهل يقدر هذا النمروذ الحقير «المتألِّه» أن يغيِّر هذه السنّة؟.. محالٌ.. ولذلك بُهت، وبدا عجزه وظهرت ضآلة ادِّعاءاته أمام حجة إبراهيم (عليه السلام) التي صدمته، وأذَلَّتْه على مرأى من جميع الحاضرين. وكان مكتوباً عليه حقّاً أن يُصدم، وأن يُذَل، وأن يظهر تضليلُه للآخرين. وكان لزاماً أن يُهزم أمام إبراهيم (عليه السلام). فأين هو من حامل رسالة الله، وأنَّى له الثبات أمام براهين النبوَّة وحججها المتفوقة؟!..
ولم يكن أمام النمروذ إلاَّ أن يلوذ بالصمت، ثم يصرف إبراهيم من مجلسه لئلا يُلحق به هزائم أخرى قد تكون أشدَّ وأدهى..
وتولَّى النمروذَ من حينها خوفٌ شديدٌ، وحِقْدٌ أعمى على إبراهيم.. فقد رأى نفسه عاجزاً فعلاً أمامه. يخاف أن يقتله - هذا إن أفلح في قتله ما دام مشهد النار ما يزال ماثلاً أمام عينيه - كما يخاف أن يتركه بين الناس، لأنَّ وجوده يشكل أكبر خطر على ملكه، إذ لا بُدَّ من أن تجتمع الناسُ إليه، وأن تلتفَّ حوله، وهو يملك من الوسائل والحجج ما يكفي لإقناعها.. إذن ما العمل؟!..
إن الوسيلة التي يمكن أن يتحاشى بها الخطر هي في إبعاد الناس عن إبراهيم (عليه السلام) بالتهديد والوعيد، فكل من تسوّل له نفسه الاجتماع به، أو الاستماع إليه، سوف يكون مصيره القتل..
وهكذا بثَّ النمروذ عيونَهُ في كل مكان تراقب إبراهيم في تحرّكه، وتضيّق الخناق عليه، حتى لتكاد تُحصي عليه أنفاسَه. ونجحت هذه الخطة، وحُبِسَ الناسُ عن إبراهيم (عليه السلام) خوفاً على حياتهم. وكان لها أن تنجح، لأنّ أهل بابل كانوا ضعاف النفوس، وقد استذلّهم النمروذ من قبل بجبروته وطغيانه، فانساقوا وراءه كالنعاج، وأطاعوا أوامره كالعبيد. وبذلك ابتعدوا عن إبراهيم (عليه السلام) حتى بات، وهو بين أهله وأبناء مجتمعه، وحيداً فريداً، لا يجرؤ أحد على الدنوِّ منه، ولا يقبل أحد أن يكلِّمه أو يسمع له..
cetirizin netdoktor cetirizin csepp cetirizin hund dosis
ciloxan notice ciloxan tropfen ciloxan alkohol



Copyright © Samih Atef El-Zein 2010     VINTOB