قصص الانبياء في القرآن الكريم
الطبعة : الطبعة السابعة  
المؤلف : سميح عاطف الزين
عدد الصفحات :   692
تاريخ النشر :   2005




5 - تحطيم الأوثان والأصنام

لم تنفع تلك الهزَّة العقلية التي أثارها إبراهيم (عليه السلام) مع قومه في مراقبة الكواكب، ولم تؤثر فيهم حججه وبراهينه التي ساقها، وهو يحاول أن يلامس في كيانهم الفطرة الإنسانية كي يوقظها من الجهالة ويأخذ بيدها إلى طريق الإيمان.. وها هو قد أدرك أن تلك الهزة العقلية التي انتظر أن تحدثها تأملاته في ملكوت السماء لم تكن بدرجة كافية لتغيير المحتوى الداخليّ للإنسان. ولذلك صمَّم على اللجوء إلى عملية جديدة، قد تكون أشد إثارة ورهبةً في نفوس القوم، علَّها تحقق اليقظة التي ينشد..
وكما جرَّب مع أصحاب عبادة الكواكب، فلا بد أن يقوم بتجربة مماثلة مع أولئك الذين يعبدون الأصنام والأوثان. وعلى هذا صمَّمَ الرسولُ الشابُّ أن يتصدى للقوم بنقدٍ لاذع للتماثيل التي كانت في اعتقادهم «آلهة» أو رموزاً مشخَّصة لآلهة.. وإذا كانت بدايته في الدعوة لم تحقق نجاحاً مع أبيه آزر في هذا المجال، فإنَّ عليه أن يعاود التكرار مع هذا الأب لعلَّه يهتدي إلى الإيمان. إذ يرى إبراهيم (عليه السلام) ضرورة أن يكون أبوهُ من المهتدين، لما للأب من مكانة في نفس الولد الصالح.. ولذلك توجَّه مجدداً إليه وإلى أبناء قومه من عبدةِ التماثيل، يسألهم عن سبب اتخاذها آلهةً، ويبين لهم الضلال والخزي في عبادتها، لأنها في الحقيقة، لا تعدو كونها جمادات لا حراك فيها، ولا تنفع أو تضرُّ في شيء. ثم إنها من صنع أيديهم، فمحال أن تكون محلاًّ للعبادة والتقديس!..
ويُبرز القرآن الكريم ذلك الاحتكاك العقائديّ الذي كان يثيره إبراهيم (عليه السلام) مع حُماة الجهالة في بابل، ومن بينهم أبوه آزر، وذلك من خلال هذا الحوار الذي تنزَّل في الكتاب المبين بقوله تبارك وتعالى: {إِذْ قَالَ لأَِبِيهِ وَقَوْمِهِ} [الأنبيَاء: 52]:
- {...مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ *} [الأنبيَاء: 52].
- {قَالُوا وَجَدْنَا آبَاءَنَا لَهَا عَابِدِينَ *} [الأنبيَاء: 53].
- {قَالَ لَقَدْ كُنْتُمْ أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ فِي ضَلاَلٍ مُبِينٍ *} [الأنبيَاء: 54].
فالنبيّ إبراهيم (عليه السلام) يسمي معبوداتهم «تماثيل» ولا يقول عنها «آلهة» كما يدَّعون... ويجدهم يعترفون بأن عبادتهم تلك إنما هي وراثية، وتقليد عقائديّ أعمى. في حين أن العقيدة هي أثمن ما في الحياة، وأقدس ما في قلب الإنسان وعقله، ولذلك يجب ألاَّ تؤخذ تقليداً وعمايةً، بل يجب أن تدرك بالعقل والقلب.. ومن هنا كانت مجابهته تلك وهو يبين لهم أنهم هُم وآباؤهم في ضلال مبين..
وتتكرر لقاءات إبراهيم (عليه السلام) بقومه. ويتكرر معها حواره ونقاشه لهؤلاء القوم، إذ يقول لهم، كما يذكر القرآن الكريم بقوله تعالى:
- {...مَا تَعْبُدُونَ *} [الشُّعَرَاء: 70].
- {قَالُوا نَعْبُدُ أَصْنَامًا فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ *} [الشُّعَرَاء: 71].
- {قَالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ *أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ *} [الشُّعَرَاء: 72-73].
- {قَالُوا بَلْ وَجَدْنَا آبَاءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ *} [الشُّعَرَاء: 74].
- {قَالَ أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ *أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الأَقْدَمُونَ *فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلاَّ رَبَّ الْعَالَمِينَ *الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ *وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ *وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ *وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ *وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ *} [الشُّعَرَاء: 75-82].
وتتكرر اللقاءات ويحتدم الحوار والنقاش، ثم يتفرق القَوم، كل في سبيله، من غير أن يهتديَ أحدٌ منهم، بل يظلون معرضين عن دعوة النبيّ إبراهيم (عليه السلام)، منكرين لآرائه وحججه، على الرغم مما تحمل من صدق المعنى، ووضوح البرهان، وملامسة العقل والقلب..
ولكنَّ النبيَّ الكريم، وهو يعلن للقوم براءته من الشرك، وطاعته لرب العالمين، وعبادته لله الواحد الأحد، لا يأبه لصلف القوم وتعنُّتهم، بل يجبههم بالتهديد، مقسماً بأنه سيكيد أصنامهم ويحطمها عندما تحين له الفرصة، وذلك يظهر بقول الله تعالى: {وَتاللَّهِ لأََكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ بَعْدَ أَنْ تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ *} [الأنبيَاء: 57].
ربما لم يأخذ القومُ هذا التهديد على محمل الجِدِّ، بل ربما يكونون قد سخروا من هذا الشاب وهو يجهد في استمالتهم إليه، فلم يأبهوا إليه، وتركوه على حاله.. أما هو (عليه السلام) فقد راح يتحيَّن الفرصة ليضرب ضربته القاضية، بالتجربة العملية، وبالبرهان الحسيّ، علَّها تكون أجدى وأنفع لدى القوم.
وكان من عادة أهل بابل أن يقيموا في كل عام، وبمناسبة أحد أعيادهم، احتفالاً على الضفة الأخرى من نهر دجلة، حيث يخرج جميع الناس من المدينة للمشاركة في هذا العيد. وسأله أهله أن يرافقهم إلى الاحتفال، فاعتذر. إذ كان يعتزم تنفيذ الخطة التي يُعِدُّها، فبدا غارقاً في التأمل، ورأوه على هذه الحال {فَتَوَلَّوْا عَنْهُ مُدْبِرِينَ *} [الصَّافات: 90].
ووجد إبراهيم (عليه السلام) أن الساحة قد فرغت له، فأخذ فأساً وذهب إلى المعبد، ليقف أمام تلك التماثيل التي صُفَّت في داخله على اختلاف هيئاتها وأشكالها، ومن حولها، وعلى أعناقها، وعند أقدامها توزعت النذور من الحلى والألبسة والأطعمة...
وتقدَّم من هذه التماثيل وقد امتلأت نفسه بازدرائها وبالسخرية ممن يعبدها. وأمعن في ازدرائه حتى لكأنه يستنطقها، وهو يعلم أنها لا تجيب. {فَرَاغَ إِلَى آلِهَتِهِمْ فَقَالَ أَلاَّ تَأْكُلُونَ *مَا لَكُمْ لاَ تَنْطِقُونَ *} [الصَّافات: 91-92]... ثم أهوى بفأسه عليها الواحد تلو الآخر {فَجَعَلَهُمْ جُذَاذًا إِلاَّ كَبِيرًا لَهُمْ لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ *} [الأنبيَاء: 58](+).
وهكذا حطَّمَ إبراهيم (عليه السلام) أوثانَ وأصنامَ قومِهِ وجعلها تتناثر على أرض المعبد إلاَّ الوثنَ الكبير، فإنه أبقى عليه، لغايةٍ أرادها، وعمد إلى الفأس فعلَّقها في رقبته، ثم غادر المكان، وقد أحسَّ بالفرح يملأ قلبه، وبالسعادة تغمر كيانه على ما فعل. وانصرف من هنالك إلى الجبال، مطمئن البال، هانئاً بالقرار، لكي يشكر ربه على ما هداه إلى فعله، ويسبحه بما يستحق من الجلال والإكرام، لأنه العليّ العظيم.
وعاد أهل بابل في المساء إلى بيوتهم، ودخل كاهن المعبد ليجد ما لم يكن بالحسبان، وما لم يخطر يوماً على باله أو بال أحدٍ من القوم... لقد هالَهُ ما يرى، وروَّعه ما يجد أمامَهُ فانقلب إلى الخارج يولول ويصرخ:
- يا أهل بابل!. هلموا إلى آلهتكم، وانظروا ماذا جرى لها!.
يا أهل بابل! لقد وُطئت كرامتكم!. فتعالوا واشهدوا على المصيبة الكبرى!...
وجاءَ القوم يَتَدَافعون إلى المعبد، ليروا المشهد الصاعق الذي أخذ بألبابهم وغشَّى أبصارهم، فأمسوا في مكانهم جامدين، كأنهم الأموات. وما إن خفّ عنهم وقع الصدمة قليلاً حتى صاروا يتصايحون بأصوات حانقة، قائلين:
- {...مَنْ فَعَلَ هَذَا بِآلِهَتِنَا إِنَّهُ لَمِنَ الظَّالِمِينَ *} [الأنبيَاء: 59].
فانبعثت من بينهم أصوات غاضبة تقول:
- {...سَمِعْنَا فَتىً يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ *} [الأنبيَاء: 60].
- {قَالُوا فَأْتُوا بِهِ عَلَى أَعْيُنِ النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ *} [الأنبيَاء: 61].
واجتمع الشعب الهائج، وعلى رأسه الملك والكهان في قاعة المعبد حيث أشلاء التماثيل، بعد أن أسرع جمع من القوم إلى الجبال، يبحثون عن إبراهيم (عليه السلام) في الأماكن التي كان يعتكف بها، بعيداً عن الناس.
وأحضر إبراهيم (عليه السلام) ليواجه جميع شعب بابل وحكامه. ووقف أمام الملك، وكبار الكهان من حواليه، هادئاً، مطمئناً، فصرخوا فيه وهم يشيرون إلى تلك الآلهة المحطَّمة، قالوا:
{...أَأَنْتَ فَعَلْتَ هَذَا بِآلِهَتِنَا ياإِبْرَاهِيمُ *} [الأنبيَاء: 62].
وأجاب بثقة وثبات وحزم:
{قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ *} [الأنبيَاء: 63].
فسادَ القومَ الوجومُ، ورانَ على القاعة الكبيرة السكونُ..
إنها فقط نظرات تتلاقى، وتساؤلات كثيرة تثار في الصدور!... ولكنَّ الإجابة عنها كانت بديهية، وهم يشعرون بها في قرارة أنفسهم، كما يصوِّرهم القرآن الكريم بقوله تعالى: {فَرَجَعُوا إِلَى أَنْفُسِهِمْ فَقَالُوا إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الظَّالِمُونَ *} [الأنبيَاء: 64].
إنها الحقيقة التي تصفع جهلهم، وتبين ظلمهم لأنفسهم: إنها تماثيل.. مجرَّد تماثيل بكماء، صمَّاء، فكيف تنطق؟ وهل يمكن أن تنطق؟!.
وأمام هذه الحقيقة الناصعة نكَّسوا رؤوسهم.. ولكنَّ أحدهم، ولعلَّه الكاهن الأكبر، وفي محاولةٍ منه لإنقاذ الموقف من الخزي، رفع رأسه وقال له: {...لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلاَءِ يَنْطِقُونَ *} [الأنبيَاء: 65].
وكان ذلك ما أراده إبراهيم (عليه السلام). فها هو الكاهن الكبير في بابل يعترف أمام الشعب كله أن هذه الأوثان والأصنام التي يعبدونها، لا تنطق. إذن ماذا يجب أن يكون الاستنتاج؟ إنها ليست أهلاً للعبادة!... إذن فلِمَ لا ينبذون الشرك، ويعبدون الله تعالى الذي لا شريك له؟. ودعاهم إبراهيم (عليه السلام) للتعقّل والأخذ بعقيدة التوحيد، التي تقوم على الإيمان بالله الواحد الأحد، بقوله تعالى: {قَالَ أَفَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لاَ يَنْفَعُكُمْ شَيْئًا وَلاَ يَضُرُّكُمْ *أُفٍّ لَكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ *} [الأنبيَاء: 66-67].
إنها دعوة إلى الحق! ودعوة إلى العقل والإيمان!.
ولكن هل يستجيب لها الملك والكهان، وفي ذلك زوال الحكم القائم على الشعوذة وتسخير الشعب لخدمة مطامع الطغاة المستكبرين؟
لقد كان حرياً بشعب بابل أن يُعلن في تلك الساعة، الثورة على أولئك الظالمين الذين يضلِّلونه ويستعبدونه، ولكنه على عكس ذلك استكانَ وذلَّ. وعندها تنادى الكهان جميعاً: {قَالُوا حَرِّقُوهُ وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ *} [الأنبيَاء: 68].
ووجد فيها الملكُ وملَؤُهُ صرخةً منقذة، أعادت الهدوء إلى نفوسهم لأنها تحكم بالموتِ على الداعية المتمرد، الذي حاول في أفعاله وأقواله، أن يزلزل قواعدهم، وأن يقضيَ على كل ما لهم من سلطان ونفوذ، فأمر الملك بحبس إبراهيم (عليه السلام)، ودعا القوم إلى جمع الحطب للقضاء عليه حرقاً. كما أن الكاهن الأكبر أفتى بأن تحوَّل النذور إلى عملٍ ينصرون به الآلهة، ويعيدون لها قدسيتها وكرامتها، ويكون ذلك بالعمل والمشاركة في جمع الحطب وتكديسه في المكان الذي يُعدُّ للقصاص الكبير، والعذاب الأليم الذي سوف ينزلونه بإبراهيم (عليه السلام).



Copyright © Samih Atef El-Zein 2010     VINTOB