قصص الانبياء في القرآن الكريم
الطبعة : الطبعة السابعة  
المؤلف : سميح عاطف الزين
عدد الصفحات :   692
تاريخ النشر :   2005




4 - إبراهيم عليه السلام وقومه المشركون

عاش إبراهيم (عليه السلام) غريباً في بيته بعد تجربته المريرة مع أبيه آزر. ولكن هل يمنعه هذا عن المضيِّ في متابعة الدعوة؟ وهل يمكنه أن يستكين، أو أن تضعف عزائمه، وهو النبيُّ المكلَّف بهداية الناس إلى رسالة التوحيد ونشرها؟.
لا، لن يَثْنِيَهُ عن ذلك شيء في الوجود. ولكن ماذا يفعل مع قومه؟ هل يتبع معهم نفس الأسلوب المباشر الذي اتبعه مع أبيه، أم يعتمد أساليبَ أخرى قد تكون أجدى وأنفع؟.. وبعد تفكير اهتدى إبراهيم (عليه السلام) إلى ما يجب القيام به، فراح يخالط القوم، ويتودد إليهم، ويحضر مجالسهم وسهراتهم.. وفي تلك السهرات خاصة، كان جلُّ اهتمامه منصبّاً على التأمل في كواكب السماء، لأنه يعرف أن طائفة كبيرة من القوم تعبدها، وهو يريد أن يقوم بتجربة حسِّية معهم، كي يصل إلى النتيجة الحتمية التي تبين لهم فساد تلك العبادة... ففي ليلة هادئةٍ، والسماء صافية، جلس إبراهيم (عليه السلام) يسمر مع القوم وهو يرقب السماء مزهرة بالكواكب، مرصعة بالنجوم، حتى رأى في الأفق الغربيّ، كوكب «الزهرة» وهو من أجمل الكواكب الدُّرية وأشدها سطوعاً.. هذا الكوكب الساطع الجميل الذي يعتقد القومُ بأنه يمنح الأرض والإنسان الخِصبَ والحياة. وحثَّ إبراهيم (عليه السلام) القومَ على مراقبة الكوكب وهو يسير رويداً رويداً إلى أن أفل واختفى... وهنا يحقق إبراهيم (عليه السلام) تجربته الأولى بنجاح، فيبدي للقوم بأن الربَّ الذي يرعى الإنسان والحياة على الأرض لا يغيبُ، وأن هذا الكوكب الآفل غيرُ جدير بالربوبية، وانتهى إلى أنه لن يعبد هذا الكوكب. ويصوِّر لنا القرآن الكريم، تجربة إبراهيم (عليه السلام) تلك، بقوله تعالى: {فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لاَ أُحِبُّ الآفِلِينَ *} [الأنعَام: 76].
وفي مرة أخرى، وأثناء تبادله الحديث مع القوم، كان إبراهيم (عليه السلام) ينتظر طلوع القمر، فلما بزغ وتلألأ نوره وبدا أنه أكبر من الكوكب الآفل الذي تبرأ منه، وجَّه أنظار القوم إليه، ودعاهم لتأمله، ثم قال لهم: «هذا ربي»... ولكنه بقي في مجلسه تلك الليلة حتى دلوك الفجر، عندما غاب القمرُ ولم يعد يراه. فلما أفل، قال: {...لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لأََكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّآلِّينَ *} [الأنعَام: 77].
ثم اتخذ إبراهيم (عليه السلام) موقفاً جديداً، فلم يعد يستدرج القوم لئلا ينفروا منه، ولكنه يُعلن أمامهم وبشكل صريح، بعد أن تجاوز التعريض، إلى أن تلك الكواكب التي تأفل، لا يمكن أن تكون أرباباً يعبدها الناس. وأنَّ هنالك ربّاً آخر، هو ربُّه الحق، الذي إنْ لم يهدِهِ فسوف يكون من الضالين..
لقد أراد إبراهيم (عليه السلام) أن يبث فيمن حوله، روح الشك بالكواكب، وبعد أن كان تركيزه في البداية على أكثرها نوراً وجمالاً: الزهرة والقمر، عاد وأوضح للقوم بأن هذَين الكَوكَبين غيرُ جديرين بالعبادة.. إذن فأي من الكواكب أو النجوم التي تطل على الأرض، له تأثير مميّز على الناس؟ أوَليست هي الشمس؟ بلى... إذن ليعمد إلى البرهان بأنَّ هذه الشمس، هي مثل غيرها من كواكب السماء، وأنه من الخطل الاعتقادُ بأنها ربٌّ يعبد، فتبطل أيَّةُ حجةٍ لدى القوم..
وبالفعل، وفي إحدى صبيحة يوم جميل كانت الشمس قد بزغت، تبهر العيون، وتغطّي الأرجاءَ بضوئها الساطع القويّ، فراح إبراهيم (عليه السلام) يبدي دهشته لمنظرها الرائع، ويشدُّ القومَ إليه في تأمّلها والانبهار بها، وما إن تأكد له انجذاب القوم، حتى أعلن أن الشمس هي الربُّ الذي يبحث عنه، فهي أكبر الكواكب، وأشدُّها ضياء وحرارة، وأكثرها فائدة للحياة، وذلك كما قال الله تعالى: {فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ} [الأنعَام: 78].
وظلَّ إبراهيم (عليه السلام) طوال ذلك النهار مهتماً بالشمس، والناس من حوله يرقبون، حتى حلَّ المساء، وغابت وراء الأفق، وعمَّ الظلامُ الأرض، عندها أعلن على القوم براءته من تلك الكواكب التي يعبدونها زيفاً، ومن غيرها من عقائد الشرك والوثنية. ثم وجَّهَ وجهه، وعلى مرأى من أسماع القوم وأبصارهم، إلى الله الحق، الرب القادر، الخالق العظيم، الذي فطر السموات والأرض، فهو وحده المتفرد بملكه، ولا شريك له أبداً.. وكانت صرخته المدوية تلك، النابعة من الأعماق، بقوله تعالى: {إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِي لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ *} [الأنعَام: 79].
ودهش أهل بابل من هذا التوجه الغيبيِّ لإبراهيم (عليه السلام) - ومنهم من خاف عليه من غضب الكواكب - وانبرى بعضهم لمحاججته في عبادته لله، وفي الدعوة لدينه. ولكنَّ إبراهيم (عليه السلام)، الذي آتاه ربُّه من العلم ما لم يعلموا، كان قادراً على دفع حججهم ببراهينه القوية، ونقض الأوهام التي يخوفونه بها، لا بل إنه هو الذي وضعهم في موقع الحرج والخوف، لأنهم مشركون، بينما هو لا خوف عليه وعلى المؤمنين معه ولا هم يحزنون.
نعم إنها الحقيقة التي يجب أن يدركها كل الناس، ألا وهي أنَّ المؤمنين لهم أمانٌ من الله وهداية، بينما المشركون، والكافرون، والجاحدون، والطغاة، وأمثالهم، لا أمانَ لهم، بل إنَّ العقاب والعذاب مصيرهم يوم يقوم الحساب.
ويصوِّر لنا القرآن الكريم، دفاع إبراهيم (عليه السلام) الرائع، وحججه الدامغة، التي كان يسردها على قومه لكي يواجه عقولهم الضيقة بالحقيقة التي لا مناص منها، والتي تدعوهم إلى عبادة إله واحدٍ أحد، حكيم عليم، يُعز من يشاء، ويذل من يشاء، وذلك بقوله تعالى: {وَحَآجَّهُ قَوْمُهُ قَالَ أَتُحَآجُّونِّي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدَانِ وَلاَ أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلاَّ أَنْ يَشَاءَ رَبِّي شَيْئًا وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا أَفَلاَ تَتَذَكَّرُونَ *وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلاَ تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ علَيْكُمْ سُلْطَاناً فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ *الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ *وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ *} [الأنعَام: 80-83]. صدق الله العظيم.
وكان حريّاً بالقوم بعد هذا البيان أن يؤمنوا، ولكنهم لم يفعلوا بل ظلُّوا على عبادة الكواكب والتماثيل، لينالوا الخِزْيَ في الدنيا، وفي الآخرة لهم عذاب مهين على شركهم وضلالهم.
cetirizin netdoktor cetirizin yliannostus cetirizin hund dosis



Copyright © Samih Atef El-Zein 2010     VINTOB