قصص الانبياء في القرآن الكريم
الطبعة : الطبعة السابعة  
المؤلف : سميح عاطف الزين
عدد الصفحات :   692
تاريخ النشر :   2005




2 - إبراهيم وأبـوه آزر(+)

دخلَ إبراهيم على أبيه آزر، فهبَّ يلقاه بفرحٍ عارم، إذ كان شوقه لرؤيته كبيراً. وها هو الآن أمام ناظرَيه وفي أحضانه، شابٌّ مكتمل الرجولة، عليه خلقة بهية لم يألفها في أحدٍ من قبلُ، فأجلسه بقربه يحادثه، ويأنس إليه. وسرعان ما تبين لآزر، أن ابنه لا يتمتع فقط بصلابة عوده، ومتانة جسمه وحسب، بل إنه يتميّز بنضوج فكريّ، وبمواهبَ ذاتيَّة، قلَّما تكون عند غيره من الشباب، وهم في مثل سنِّه.. فَسُرَّ لذلك سروراً عظيماً، وأثنى على العطايا الكبيرة التي منحت له.. وكأنما عميت البصائر عن إبراهيم - وهذا تقدير الله عز وجل وحكمته -، فلم يستغرب الناسُ وجودَه بين أهله. وإن السياقَ القرآنيَّ لم يأتِ على ذكر وشاية قامت عليه، أو تحقيقٍ جرى معه من أحد.. فعاشَ في بيت أبيه مثل سائر إخوته.. ولكنه وجَدَ، خلال فترةٍ وجيزةٍ، وهو يراقب ما يدور حوله، أن أباه آزر يمتهن صناعة نحت التماثيل، فلمّا سأله عن هذه الصنعة، أجابه:
- هذه التماثيل هي الأوثان والأصنام التي تُعبد في بابل يا بنيّ.
ودهش إبراهيم مما يسمع، فقال لأبيه:
- أتعبدون ما تصنعون بأيديكم؟ إن هي إلاّ جمادات لا تسمع ولا تبصر، ولا تضرُّ ولا تنفع، فكيف تكون خليقةً بالعبادة؟!...
ولم يأبه آزر لحجة إبراهيم، بل سيطر عليه نفعه الماديّ، فأجابه بغضب:
- إننا نعبدها كما عبدها آباؤنا الأوَّلون. وهي مصدر رزقي ورزق عيالي. وغداً سوف تحمل على كتفك عدداً من هذه التماثيل، وتدور في الأسواق لتبيعها، كما يفعل الآخرون..
ولكي يمنع عليه أيَّ تردّدٍ في القبول، أردف يقول له: إنها مصدر رزقنا يا بنيّ!..
وشعر إبراهيم بالضيق، لأنه يؤمن بالله الواحد الأحد الذي هداه إلى حقيقته القدسية، والذي هو وحدَهُ أحق بالتقديس والعبادة، فكيف يروِّج تماثيلَ هي أحق بالسخرية لحقارة شأنها؟!.. ولكن ماذا بوسعه أن يفعل: هل يمتنع عن النزول على إرادة أبيه، أم أنه يطيعه، وينفذ رغبته؟!. وتفكَّر مليّاً ثم انتهى إلى أمر لم يفصح عنه، حتى كان الصباح، فحمل إبراهيم بعض تلك التماثيل ونزل بها إلى الأسواق، يتجوَّل وينادي:
- مَنْ يشتري ما لا يضرُّهُ ولا ينفعه؟
وعادَ إلى البيت من غير أن يبيع شيئاً، فسأله أبوه: عُدت خائباً؟
وردَّ إبراهيم بأنه تجول في الأسواق طوال النهار منادياً على من يشتري، ولكنَّ أحداً لم يُقبل عليه، فلم يبعْ شيئاً.
وعادَ إبراهيم في اليوم التالي إلى التجوال بالتماثيل، ولكنَّه، في هذه المرة، علَّق خيوطاً في أعناق بعضها، وراح يجرها وراءه في الأسواق وهو ينادي:
- من يشتري ما لا يضره ولا ينفعه؟
وهكذا دأب إبراهيم على إبعاد الناس عن بضاعة أبيه، بل لقد تعمَّد أن يكرِّههم بشرائها بما يُظهر من أساليب السخرية بها، حتى أنَّه كان يُغْرقُ أحياناً تلك التماثيل في الماء أو الحمأة، ويقول:
- اشربي.. كلي.. هيا تكلمي وادفعي عنك، بل لِمَ لا تدعين هؤلاء القوم الجاهلين إلى شرائك؟!.
وجاء القوم إلى آزر، يَشُون إليه بأفعال ابنه إبراهيم. فلما عرف ما يفعل، خاف على بضاعته من الكساد، فنهره، ومنعه من الخروج بها ثانية.
ciloxan notice kobhvorlangtid.site ciloxan alkohol



Copyright © Samih Atef El-Zein 2010     VINTOB