قصص الانبياء في القرآن الكريم
الطبعة : الطبعة السابعة  
المؤلف : سميح عاطف الزين
عدد الصفحات :   692
تاريخ النشر :   2005




صالح (عليه السلام)

هَلَك قومُ هودٍ (عليه السلام) بذنوبهم، فأورثَ الله ثمودَ أرضَهُم وديارَهم. وكانوا قوماً عرباً فخَلَفوهم فيها، وعَمَروها أكثر مما عَمروها.
وقال الله تعالى حكايةً عنهم: {وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ *} [الفَجر: 9]. إذ شادوا القصورَ، وفتحوا الطرقات، وغرسوا الحدائق والبساتين، وفجَّروا خلالها عيوناً، ونحتوا من الجبال حصوناً ليأمنوا غوائلَ الدهر ونوائبَ الحدثان. وكان يأتيهم رزقهم رغداً من كل مكان، ولكنَّهم لم يشكروا الله ولم يحمدوه بل عَتوا في الأرض وأفسدوا، وبَعُدوا عن الحقّ واستكْبَروا، واتَّخَذوا من الأصنام آلهة يعبدونها وأعرضوا عن آيات الله وأشركوا به. وظنُّوا أنَّهم في هذا النعيم خالدون، وفي تلك السَّعَةِ متروكون... هكذا اشتطت بهم الحياة، فماذا يكون مصيرهم ومآلهم؟.. إن من سنن الله تعالى في عدله المطلق قوله الكريم: {...وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً *} [الإسرَاء: 15].
فبعث الله العزيز الحكيم إليهم صالحاً (عليه السلام) من أَشْرَفِهم أصلاً وأوسعهم حلماً وأصفاهم عقلاً. فدعاهم إلى عبادة الله وحضهم على توحيده. فهو سبحانه الذي خَلَقهُم من تُراب، وعمر بهم الأرض واستخلفهم فيها، وأسبغ عليهم نعمه ظاهرةً وباطنة. ذكَّرهُم بأواصر القربى التي تربطه بهم، ووشائج النسب التي تصل بينه وبينهم، فهم قومُه وأبناءُ عشيرته وهو يحبُّ نفعهم ويسعى في خيرهم. لا يُضْمِر لهم سُوءاً ولا يريد بهم شراً. وطلب منهم أن يستغفروا الله ويتوبوا إليه مما اقترفوه من ذنبٍ واجترحوه من إثم، والله لمن دعاهُ من المؤمنين قريبٌ، ولمن سألَهُ مُجيب. فصُمَّت منهم الآذان، وأُغلقتِ القلوب وعميت الأبصار، فأنكروا عليه نبُوَّتَه وهَزِئوا بدعوته.
وقالوا: يا صالح! كنّا نَدَّخِرك لِمُلِمّات الدهر كي تُضيء ظلماتها بنور عقلك، وتَحُلَّ مُعضِلاتِها بصائِبِ رأيك، وكنا نرجو أن تكون عُدَّتَنا حين يحزُبُ الأمرُ ويشتدُّ الخطبُ، كما يدل عليه قول الله العزيز:
{...ياصَالِحُ قَدْ كُنْتَ فِينَا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَذَا أَتَنْهَانَا أَنْ نَعْبُدَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا وَإِنَّنَا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ *} [هُود: 62]؟
فتأمَّلْ وجهةَ نظرِ الكافرين من قوم صالح. إنَّهم يدلِفونَ إليه من بابٍ شخصيّ بحت، علَّهم يستميلونه، فيخاطبونه بقولهم: كنت مرجُوّاً فينا لعلمك وعقلك وصدقِك وحسن تدبيرك، ولكن خاب هذا الرجاء. أتَنْهانا أن نعبدَ ما يعبد آباؤنا؟ يا للكارثة!.. كلُّ شيء يا صالح إلاّ هذا، فما كُنَّا نتوقَّع أن تَعِيبَ أنت آلهتَنا التي وجدنا آباءنا عليها عاكفين..
وهكذا يعجبُ القومُ مما لا عَجَبَ فيه، ويستنكرون ما هو واجبٌ وحقٌ، ويدهشون أن يدعوَهم أخوهم صالحٌ إلى عبادة الله وحدَه.
ولكن لم كل ذلك منهم؟
لأنه لا حجة لديهم ولا برهان ولا سلامة تفكير... فكل ما في الأمر أنَّ آباءهم كانوا يعبدون هذه الآلهة، وهم لا يريدون أن يحيدوا عن عبادتها..
هكذا تفْعَلُ العادة في الإنسان فعلها القويّ. وهكذا يَفعلُ التقليدُ في الإنسان فِعلَهُ العَتيّ، وهكذا يجيء النبيُّ فيُفجّرُ هذا التقليدَ الأبلَهَ، ويحطم هذه العادات والأعراف المُهلِكة، لأن العادة هي العمل المكرَّر من الفرد، والعرفُ هو العملُ المكرَّرُ من الجماعة.
وهكذا تُعلِنُ عقيدة التوحيد عن نفسها كدعوة للتحرّر الفكريّ قبلَ كلّ شيء، دعوةٍ إلى إطلاق العقل البشريّ من عقال التقاليد، وأوهام الأعراف وخرافات السابقين.
هذه هي دعوةُ التوحيد في صميمها.. إعلانٌ بميلاد تحرّر الفكر والعقل من أجل الوصول إلى الحقائق التي تنقل الإنسان من القَلَق إلى الطمأنينة، ومِنَ الشقاء إلى الراحة في الدنيا والسعادة في الآخرة.
حذَّرهم صالح (عليه السلام) من مخالفتِه، وخوَّفهم بأسَ الله وبطشَه، وبيَّن لهم أنَّهُ لا يَقصِد من وراء دعوته نفعاً مادياً، ولا يطلب جزاءً على النصيحة، ولا يتطلع إلى رئاسة، وإنما أجرُه على الله ربّ العالمين، وذلك دَرْءاً لكلِّ شُبهةٍ قد تُساور نفوسهم، ودَفْعاً لكلِّ شكٍّ قد يجول في خواطرهم. فآمن به بعضُ المستضعفين من قومه وكَفَرَ الملأُ الذين استكبروا، مصرِّين على عنادِهم متمادينَ في طُغيانهم، محاولين صدَّهُ عن نَشْر دعوته وصَرفه عن تبليغها، زاعمين أنَّهم إن اتَّبعوه حادوا عن جادَّة الحقِّ، وخالفوا الطريقَ المستقيم.
فقال لهم صالح (عليه السلام) : يا قوم إن عَصَيتُ ربيّ فمن يمنعني من عذابه أو يَعْصِمني من عِقابه؟ إنْ أنتم إلاّ مفتَرون، وإني أعرضُ عليكم أمرين:
إن شِئْتُم فاسألوني حتى أسأل إلهي فيجيبكم عمّا تسألون، وإن شئتم سألتُ آلهتكم فإن «أجابتني» خرجتُ عنكم، فقد كرهتُ أعمالكُم أكثر مما كرهتموني. قالوا: أنصفت. واستعدوا ليوم يخرجون فيه، فخرجوا بأصنامهم إلى عيدهم وأكلوا وشربوا، حتى فرغوا فدعوه قائلين: يا صالحُ سَلْ!.
وسأل صالح (عليه السلام) آلهتهم.. فلم تجب لأنها أصنام جامدة لا تنفع ولا تضر بشيء..
قال: لا أرى آلهتكم تجيبني، فاسألوني حتى أسأل إلهي فيجيبكم الساعة. فقالوا: يا صالح... أخرج لنا من هذه الصخرة ناقةً عُشَراءَ جوفاءَ وبْراء، فإن فعلتَ صَدَّقْناك وآمنّا بك... فدعا صالح (عليه السلام) ربّه وسألهُ ما طُلِبَ إليه فانصَدَعَتِ الصخرة صَدْعاً كادت عقولُهم تطير منه، ثم اضطربَتْ كالمرأة يأخذها الطَّلْقُ وخرجت من بطنها ناقةٌ عشراءُ جوفاءُ وبْراءُ كما وصفوها وهم ينظرون مذهولين.
فلم يعد لدى قوم صالح ما يحتجّون به. ومع ذلك لم يؤمن منهم إلاّ نفر قليل، بينما ظلَّ غالبهم على ضلالهم، فقال لهم:
- هذه ناقة الله لها شِرْبٌ ولكم شِرْبُ يوم معلوم، فذروها تأكُلْ في أرض الله.
ولم يَر أولئك الناس قبلاً ناقةً تَسْتأثِر بمائهم كُلِّه، ولم يَعهدوا ناقة تُبعدُهم عن شِرْبِهِمْ.. ولكنَّ صالحاً (عليه السلام) خوَّفهم من الإقدام على مشاركتها وحذَّرهم من الفَتك بها، وأوصاهم ألاّ يَمَسُّوها بسوء فيأخذهم عذابٌ قريب.
ومَكَثت الناقة بينهم زمناً: ترعى في أرض الله، ثم ترِدُ الماءَ يوماً، وتصدُّ عنه يوماً آخر. وقد كان لقيامها على هذا النحو أثرٌ هامٌّ إذ مال لصالح (عليه السلام) نفر كثير من قومه، بعدما تبيّنوا صِدقَ رسالته وأيقنوا بصحَّة نبوَّته، في حين هَلَعَتْ لذلك قلوب المستكبرين، فقالوا للذين آمنوا: {أَتَعْلَمُونَ أَنَّ صَالِحًا مُرْسَلٌ مِنْ رَبِّهِ} [الأعرَاف: 75]؟ قال المستضعفون المؤمنون: {...إِنَّا بِمَا أُرْسِلَ بِهِ مُؤْمِنُونَ *} [الأعرَاف: 75]. فقال لهم المستكبرون: {...إِنَّا بِالَّذِي آمَنْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ *} [الأعرَاف: 76].
ولم تكُ لهم حيلةٌ إلاّ التآمر. وكان تآمرهم على قتل الناقة حتى يمحوا الآية التي تكذِّبهم ويطمسوا الحجَّة التي تُسَفِّههم.
تلك منذ أقدم العصور وإلى اليوم أساليب الأنظمة الكافرة، الجائرة والمستبدة وهذا سلاحها منذ بداية الخليقة. تتولّى الأمور فيها فئة لا تحتكم إلى العقل أو الحوار، ولا تعتبر بالحجة والبرهان، وإنَّما تمتدُّ أيديها إلى السلاح لتقتل، ما دام القتلُ الوسيلةَ الأسهلَ والحلَّ الأقربَ في تصوّرها لإنهاء المشاكل التي تجابهها.
وقد حاول القوم ذلك، وكانوا كلما همُّوا بقتل الناقة قَفَلوا راجعين وأدبروا خائفين. وطالَ بهم الأمرُ على هذه الحال، يدفعهم الشرُّ لعقرها ولكن تمنعهم الرهبةُ من قتلها، فلا يجرؤ أحدهم على إيذائها، ولا يتقدَّم واحدٌ إلى مسِّها.
ولم يَرَوا بُدّاً من الاستعانة بالنساء، وهُنَّ قادرات على تحقيق المآرب التي تلاقي هوىً في نفوسهنَّ. وليس عليهنَّ إلاَّ بذلُ بعض ما يملكن من دلال، والإتيان بشيء من الإغواءِ بما يُزيِّنهنَّ من جمال. والمرأة الجميلة الحاذقة إنْ أمرت كان عشَّاق الجمال طوعَ أمرها، وإن تمنَّت تسابقوا إلى تحقيق أمنيتها. وها هي ذي (صدوقُ ابنةُ المُحيا) ذاتُ الحسب والمالِ، تعرض نفسها على (مَصْرَع بن مَهْرَج) إن هو عَقَرَ ناقة صالح، وخلَّص القوم من هذه الآية البيّنة، والحجَّة البالغة التي فَتَنت القوم عن دين آبائهم... وتلك أيضاً (عُنَيْزَةُ بنتُ غُنَيْم) تجتذبُ (قدارَ بن سالف) إليها، وتعرض عليه إحدى بناتها للغاية نفسها. وصادفَ هذا الإغواء هوىً في نفسي الرجلين وزادهما بأساً وقوَّةً، وأفاض عليهما إقداماً وجرأة، فسعيا بين القوم يلتمسان من يؤازِرهُما، ويبحثان عمَّن يُعاضِدُهما، فاستجاب لهما سبعةٌ آخرون.
وتنادوا فيما بينهم، يبررون ما سوف يقدمون عليه، {فَقَالُوا أَبَشَرًا مِنَّا وَاحِدًا نَتَّبِعُهُ إِنَّا إِذًا لَفِي ضَلاَلٍ وَسُعُرٍ *} [القَمَر: 24]. وقالوا: {أَأُلْقِيَ الذِّكْرُ عَلَيْهِ مِنْ بَيْنِنَا بَلْ هُوَ كَذَّابٌ أَشِرٌ *} [القَمَر: 25].
وعلى كؤوس الخمرة تلاقت الهمساتُ حول صالح (عليه السلام) وناقته. فقال أحدهم وما زال في عقله بقيَّةٌ لَمْ يطْمِسها الشراب:
- يا قوم! قد حذَّرنا صالح من المساسِ بالنَّاقة، وهدَّدنا بالعذاب القريب... فأخمدَ الجالسون هذا الصوت العاقلَ بكأسين من الخمر، ثم قالوا لبعضهم بعضاً: كم هو شُؤمٌ صالحٌ هذا وناقَته! الخلاصُ منه أفضل.. ولكنْ نبدأ بقتل الناقة.
وانطلقوا إلى الناقة يرصُدُونها ويرقبونها. فلما صَدَرتْ من وِرْدِها ورَجعت عن مائها، كَمَنَ لها (مَصرع) فرماها بسهمٍ انتَظَمَ عَظْمَ ساقيها، وابتدرها (قدار بن سالِف) بالسيف، فكشف عن عُرقوبها، فَخَرَّت على الأرض، ثم طَعنها في لُبَّتِها فَنَحَرَها... عقروا الناقة وَعَتَوْا عن أمرِ ربِّهم ثم جاؤوا صالحاً مستهزئين بأن ينزل عليهم العذاب الذي يعدهم به، كما يخبرنا رب العالمين بقوله المبين: {فَعَقَرُوا النَّاقَةَ وَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ وَقَالُوا يَاصَالِحُ ائْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ *} [الأعرَاف: 77]. فقال لهم صالح (عليه السلام) لقد اجْتَرَحْتُم ذنباً عظيماً، واقترفتم إثماً كبيراً، فَتَمَتَّعوا في دارِكم ثلاثة أيامٍ، يأتيكم بعدها العذابُ، ويحِلُّ بكم في نهايتها العقاب، وذلك وعدٌ غير مكذوب.
ولعلَّهُ قد ضَرَب لهم ذلك الميعاد تَرْغيباً لهم في الإنابة إلى الله وحثاًّ على الإصاخة إلى دعوته إلاَّ أن الشكوك كانت قد تأصَّلتْ في نفوسهم، والأوهام قد تسلَّطت على أفئدتهم، فلم يُغنِهِم الإنذار، فسألوه أن يعجِّل بعذابهم، فقال: يا قوم!.. إنَّكم تستعجلون بالسيّئة قبلَ الحسنة فهل تستغفرون الله لعلّكم تُرحَمون؟.
وتَمَادَوا في الضلال بدل أن يستفيقوا، فأضمروا قتله وقتل من آمنَ معه. ولكنَّ الله لم يُمْهِلْهُم بل أحبَطَ كيدَهم وردَّ عليهم مكْرَهم، وأنقذ صالحاً والذين آمنوا معه من العذاب الأليم، إذ سرعان ما أخذت الصاعقة الذين كفروا بظلمهم فأصبحوا في ديارهم جاثمين. ولم يمنعهم ما شادوا من حُصون آمنةٍ، وقصورٍ شامخةٍ، وما جمعوا من أموالٍ وافرة، وما غرسوا من جنّاتٍ واسعةٍ.
ورأى صالحٌ (عليه السلام) ما حلَّ بقومه إذ أصبحت جُثثهم هامدة، وديارهم خاويةً فتولّى عنهم، والأسى يملأ نفسه، والحسرة تَقْطَع نياطَ قلبهِ وقال: {...يَاقَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَةَ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ وَلَكِنْ لاَ تُحِبُّونَ النَّاصِحِينَ *} [الأعرَاف: 79]....



Copyright © Samih Atef El-Zein 2010     VINTOB