قصص الانبياء في القرآن الكريم
الطبعة : الطبعة السابعة  
المؤلف : سميح عاطف الزين
عدد الصفحات :   692
تاريخ النشر :   2005




هود (عليه السلام)

وكان النداء إلى نوح (عليه السلام) : {...يانُوحُ اهْبِطْ بِسَلاَمٍ مِنَّا وبَرَكَاتٍ عَلَيْكَ وَعَلَى أُمَمٍ مِمَنْ مَعَكَ وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ ثُمَّ يَمَسُّهُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ *} [هُود: 48].
ومضى قومُ نوح (عليه السلام)، وطوتهم الأمواج العاتية في ثنايا البلاء، إلا فئةً قليلة آمنت، فلم تُستبعد من الحياة، ولم تندثر إلى العدم، بل نجت واسْتُخْلِفَتْ في الأرض.
وراحت تَشيد البنيان، وتُؤسّس العمران، وترفل بنعيم العيش، وهَدْأة الأمان.
وتدورُ عجلةُ الزمان، ويئنُّ الشيطان من بطالةٍ كادت تقتله.. فيخرج من وكره، ويوسوسُ لأحفادِ أولئك المؤمنين الناجين من قوم نوح (عليه السلام)، مزيّناً لهم الجهالة والضلالة، وكأنه يقول لهم: «عليكم ألاَّ تَنْسَوا آباءكم الذين أنجاهم الله من الطوفان. فقد كانوا قوماً مؤمنين، يستحقّون التخليد والتمجيد، فلِمَ لا تُقيمون لهم التماثيل، وتسنّون الطقوس التي تدُلُّ على إقراركم بفضائلهم.. فإن لم تفعلوا، فأنتم بحقوق أهلٍ أبرارٍ عاقّون، وبالحفاظ على عهودهم ناكثون..».
وكان أولئك الأحفادُ هم قومَ عادٍ، وأخاهم هوداً. وقد بعثه الله تعالى فيهم نبياً. وكانوا يعيشون ما بين اليمن وعُمان، في المنطقة التي تُعرف ب«الأحقاف»، حيث أسبغ الله عليهم نعماً وخيراتٍ، جعلت أرضهم تتفجرُ بالينابيع والعيون، وتمتلىء بالشجر والزرع، وتزدانُ بالحدائق والجنان، وتزهو بالازدهار والعمران..
وزادهم الله من نِعَمِهِ، بما مَنَحَهم من بَسْطةٍ في الأجساد، وقوّةٍ في الأبدان، قلَّ أن تُؤتى لغيرهم من الجماعات أو الأقوام.
وبَدَل أن يُقرّوا بفضل الله عليهم، وبِحُسن صنيعه لهم، ويصدعوا لأمره ومرضاته، فقد أغواهُم الشيطانُ وأضلَّ قلوبهم، فانقلبت مع الأيام عهودهم للآباء عبادةً للأصنام، وارتفعت في ديارهم الأوثانُ، تستقيم آلهةً يركعون لها ويسجدون، وبالمذلَّة نحوها يتوجَّهون... إنْ فزعوا من شرّ، أو خافوا من ضُرّ، هرعوا إليها مستنصرين. وإن وقعوا على خيرٍ أقبلوا نحوها شاكرين.. تالله ما أشدَّ مكرَ إبليسَ فقد غَلَبهم بكيده، وأعادَ للأرض بلواها من الظلام، وشكواها من الحرام، بعدما عرفت عهوداً من النور والإيمان..
ولم تقف ضلالةُ (عادٍ) عند السجود للأصنام، أو عندَ تلويثِ النفوسِ بعبادة الأوثان، بل تمادت في الغيّ والبطلان، واندفع أبناؤها يعيثون فساداً وانحداراً في الأخلاق حتى امتلأت أرضهم بالظلم والجور والاستبداد.. فأذلَّ كبيرُهُم صغيرَهم، وبطش قويُّهم بضعيفهم، وسيطر غنيّهم على فقيرهم.. مما أفقد أولئك القومَ، كل المقاييس الأخلاقية، وكافة القيم الإنسانية... ولكن مهما تمادى البشر في ضلالتهم، ومهما ابتعدوا في إسفافهم، تظلُّ لدى الخالق - عزّ وجلّ - رحمةٌ بهم ورأفة. فها هو الله سبحانه وتعالى - وفيما عادٌ في الجهالة يهيمون، وفي الفساد ينغمسون - يرسل إليهم هوداً (عليه السلام) رسولاً من أنفسهم، يحدِّثهم باللغة التي يفقهون، ويخاطبهم بالأسلوب الذي به يقتنعون، ويرشدهم إلى الطريق السويّ، إلى الصراط المستقيم، علَّهم إلى أنفسهم يعودون، وإلى خالقهم يهتدون.. وقد أبانَ لهم تفاهةَ ما يعبدون، وأَظْهَرَ لهم هوانَ قَدْرِ ما يُؤلِّهون، وفسَّر لهم الآياتِ التي تحفلُ بها حياتُهم، وكيف هم عنها يعمهون.. وأشار عليهم بالتفكير والتبصّر في كل ما يفعلون، وأنذَرهم بأنّ ذلك كلَّه رحمةٌ من ربّهم، ورأفةٌ بهم، لأنه - سبحانه - لا تفيده طاعتهم ولا تضرُّه معصيتهم..
وقد كان هود (عليه السلام) من أوسط القوم نسَباً، وأكرمهم خُلُقاً، وأرجحهم عقلاً، وأوسعهم علماً.. اختاره الله تعالى ليكون أميناً على رسالته، وصاحباً لدعوته.. فصدع بالأمر الجلل، وشدَّ العزمَ والأملَ، وانبرى إلى قومه يُعيدهم إلى جادة الصواب.. فخاطبهم داعياً إلى تَرْكِ عبادة الأوثان، وهادياً إلى الحقّ والإيمان:
يا قوم!.. أحجارةً بأيديكم تنحتون، ثم أمامها تركعون وتسجدون؟!..
يا قوم!.. هل أتاكم من هذه الأصنام خطرٌ مُداهم، أو ضررٌ قائم؟!..
يا قوم!.. هل قدَّمتْ لكم هذه الأوثان غنىً، أو جلبت لكم نفعاً!..
إنَّكم أهلي وأبناء قومي، وإنّي أربأ بكم عن الانزلاق إلى هذا الدرك المشين..
يا أهلُ، ويا خلاّن!.. إني أدعوكم إلى التطلّع بالأبصار، والتبصُّر بالأفئدة نحو الحقّ المبين... لا إله إلاّ الله، وحده نعبد، وبه نستعين، وعليه نتوكل.. هو الذي خلقكم ثم رزقكم، ثم يميتكم، ثم يحييكم ويبعثكم من جديد.. ألم تروا أنه مكَّن لكم في الأرض التي دحاها، وبسط منكم الأجساد التي صوَّرها، وبارك لكم في الزرع والشجر والأنعام التي أوجدها؟!..
يا قوم!.. آمنوا بالله وحده، وحاذروا أن تكابروا وأن تَعْمَوْا، فيصيبكم ما أصاب قومَ نوحٍ، وما قومُ نوح عنكُم ببعيد!...
ألا ما أعظم الإنسانَ وهو ينادي بالحقّ، وما أسماه وهو يجهر بالإيمان حتى ليجعل الرعشة تسري في الأجساد، عندما تصغي إليه القلوب، وتعي مقاصده العقول!. وها هوذا هود (عليه السلام) رسولٌ من الله - تعالى - إلى بني قومه، إلا أنه إنسانٌ فَرْدٌ ووحيد، يواجه جماعة برمَّتها، بل قوماً بأسرهم - وكلهم غلاظٌ، شداد، جبابرة، عُتاة - يصرخ فيهم، مسفِّهاً عقيدتهم، متبرِّئاً من آلهتهم، منكراً عاداتهم وتقاليدهم.. فهل بعدُ من قوَّةٍ أشدُّ من قوَّته في مواقفه؟ وهل بعدُ من جرأةٍ أكبرُ من جرأته في مواجهاته؟!.
لا، ليس سرّاً من أسرار الغيب، أن يكون الإنسان على مثل هود (عليه السلام) في قوته وجرأته حين يتوفَّر له الإيمان بالله، وحين يكون رائدُه نصرة الحقّ، وسبيلُه الدفاعَ عن المُثُل العليا.. أليست هي الطاقات العظيمة التي تهب الإنسان تلك القدرة للوقوف مثل هذه المواقفِ الرائعة، الخالدة!.. وهيهات لبشريَّة في أمسها، وفي غدها، أن تتخلَّص من الأدران والشوائب، إن لم يقيّض الله تعالى لها أفراداً أفذاذاً، يمدُّهم بعونه، ويغرسُ فيهم القوّةَ والبأس، ويشدُّ منهم العزمَ والإرادة.. وليس ذلك على الله بكثير، فهو القويُّ الجبَّار، العزيزُ المتعال، وهو القادرُ على كل شيء، وكلُّ دابَّة في الأرض هو آخذٌ بناصيتها.. وإذا منَّ الله على إنسان بنوره القدسيّ، وأولاه نعمة الرسالة، ومنحه الوعدَ بالنصر، فلا قوَّة في الوجود تقفُ إذ ذاك في وجهه، ولا أحدَ في العالم يردّه عن تحقيق أهدافه.. تماماً كما فعل هود (عليه السلام) وهو يجادل قومه بعد كفرهم، إذ وقف يخاطبهم وحيداً، في حين ظنَّ القوم به ضعفاً، إذ لا نصير ولا معين من حوله، فماذا هو قادرٌ على أن يفعل؟!..
ولكنَّ هوداً (عليه السلام) كان يمتشق سلاحَ القوَّة من ربه تعالى، إذ كان في قلبه إيمان بالله، وفي نفسه حبٌّ لخالقه الملك القدوس العزيز الحكيم، فلم يأبه لسفاه قومه، ولم يحفلْ بهُزئهم، بل أعلن على ملئهم، وبكلِّ حزمٍ وبأسٍ، تبرُّؤه من جهالتهم، وتسفيهَهُ آلهتهم، وهي حجارةٌ صمَّاءُ، بكماءُ عمياء، لا حولَ لها ولا طَول... وأنذرهم في النهاية بعذابٍ أليمٍ سوف يدركهم...
ولم يستجيبوا لنداء الحقّ يطلقه نبيُّهم هود (عليه السلام) على مسامعهم، وبقوا على عنادهم، يخالفون سنن الله في خلقه... فهل يمكنهم أن يغيّروا هذه السنن؟ لا، إنهم غير قادرين على ذلك، ولن يجدوا لسنَّة الله تحويلاً... ولكنهم حاولوا وداوروا، فقال له بعضهم:
يا هود، أتدَّعي أننا بعد أن نموتَ ونصيرَ عظاماً وتراباً، أإننا لمبعوثون؟
وأجابهم هود (عليه السلام): نعم! أنتم وآباؤكم الأولون..
فانفجرت الأفواهُ بالضحك، وتعالتِ الصيحاتُ بالاستغراب، وانهالتِ السخريات.. وعلا اللّغطُ والحوار: ماذا يدَّعي هذا الرجل! مسكين، لقد مسَّه الجنونُ، وخالط عقله الوهمُ! كيف لجسدٍ بعد أن يتحلَّل ويتحوَّل إلى ترابٍ أن يعودَ إلى ما كان عليه؟ ولمَ يقومُ الأموات من موتهم؟ وما معنى يوم القيامة الذي عنه يتحدَّث؟
ووقف هود (عليه السلام)، يدافع عن الحقيقة التي نُدِبَ من أجلها.. وصرخ في القوم قائلاً: أيها الناس، اسمعوا وعوا:
إن الموت لا يشكِّل النهاية للإنسان، فليس بين بدء الخلق البشريّ ونهايته على هذه الأرض سوى أزمانٍ وأزمان... يعيش الإنسان فترة قصيرة منها، ويأتي خلالها كثيراً من الأفعال والأعمال، والتَّصَرُّفات، ويتكلم كثيراً من الأقوال... ثم يطويه الموت الذي هو حقيقة لا يمكن أحدكم نكرانها أو تجاهلها.. إلاَّ أنَّ تلك النهاية المحتومة لا تعني العدم المطلق، لأنه لا شيءَ، في خلق الله تعالى، إلى العدم قبل إنجاز الغاية منه، ولذلك لا بدَّ من تقويمٍ لعمل الإنسان، وقولِهِ، وأهدافه ومقاصدِه. ولئن رأيتم ظالماً ينعم بالسلطان والاحترام، أو مجرماً يُفلتُ من التجريم والعقاب، فإنَّ ذلك إلى أجلٍ محتوم، وقدرٍ معلوم.. إذ أين تذهب شكايات المظلومين، وإلى أين تؤول آلامُ المضطهدين والمعذَّبين، ولأيّ سببٍ تُهدَر حقوق المحرومين... وهل تستوي هذه الأعمال مع ما أتاه الأبرارُ الصالحون، وما قدَّمه المؤمنون الصادقون، أو ما قام به الأتقياء النقيّون؟!.
فهل يُدفَنُ الحق والباطل، والخير والشر، والحسن والقبيح مع الموتى في التراب ليأكلها عدم موهوم، وتذهب أعمال الإنسان هباءً بلا نتيجةٍ أو حساب؟
وهل عقلٌ يقبلُ بذلك، أو نفسٌ ترضى به؟
فإذا كنتم أنتم، يا بني البشر، تقيمون في حياتكم الدنيا أوزاناً، وتسنّون أحكاماً، وتعلنون أقداراً، فهل يمكن ألاّ يكون لدى خالقكم وإلهكم وربكم العدلُ الأسمى، والحكمُ الأجلّ والحساب الأحقّ، من كل ما تقيمون أو تسنّون، أو تعلنون؟!.. لا يا قوم! لا تظنّوا بالله الظنون... إنَّ يوم العدالة الكبرى حق اليقين بخلاف كل ما تقدّرون وتعلمون، ويوم الحساب الأكبر عين اليقين، وفيه ينال كل امرىء ما جناه في دنياه. فيكون له مكانه، وتكون له مرتبته الخاصة به! إنَّه اليوم الذي لا ينفع فيه مال ولا بنون، ولا جاه ولا عظَمَة، ولا قوة ولا بأس.. لا ينفع فيه إلاّ من أتى الله بقلبٍ سليم، وفعلٍ أمين، وعدلٍ قويم.. فويل للظالمين من عذاب يوم عظيم، يومَ يقوم الناس لربّ العالمين فلا تفلت ذرّة من خير إلا وكان لها جزاؤها، ولا تفلت ذرَّة من شرّ إلاَّ وكان لها عقابها..
ولهذا اليوم العظيم، ليوم القيامة والدِّين ضرورتان:
الضرورة الأولى هي أن الخير لا يكون دائماً هو المنتصر في هذه الحياة، إذ أحياناً يجيّش الشرّ جيوشه، ويقضي على أهل الحقّ، فهل يجوز أن تذهب جرائمهُ بدون عقاب؟
ولو افترضنا أنَّ يوم الحساب لن يكون، فلسوف يضيع عندئذٍ حقّ أهل الخير ويكون محكوماً عليهم بالظلم، والله سبحانه وتعالى قد حرَّم على نفسه الظلم، وجعله محرَّماً بين عباده. فيوم الحساب هو اليوم الذي تعاد فيه جميع الحقوق لأصحابها، ومن هنا كان الأمر يتَّصل بعدل الله بين عباده ومخلوقاته.
والضرورة الثانية تتصل بسلوك الإنسان نفسه، إذ إن الاعتقاد بيوم الدين، والإيمان بالوقوف أمام حسابٍ محتومٍ، يَلقى بعده الإنسان ثواباً أو عقاباً، مع ما ينجم عنهما من دخول الجنَّة أو النار.. إن مثلَ هذا الاعتقاد، من شأنه أن يوجِّه أنظار الناس وقلوبهم إلى عالم آخر، فيشدّهم عن التعلّق بزخرف الدنيا وزينتها، ويبعدهم عن الطمع والأنانيّة، ويمنعهم من ارتكاب المعاصي، وإتيان الفواحش والمنكرات.. ولولا ذلك الاعتقاد، وخاصّة الرهبة من العقاب في الآخرة، لسادت الأرضَ شريعةُ الغاب، ولأكل القويُّ الضعيف، تماماً كما تفعل الأسماك في البحار... ومن هنا فإنَّه بمقدار ما يؤمن الإنسان بيوم القيامة وبيوم الحساب، بمقدار ما يتجنَّب الإساءةَ، سواء لنفسه أو لغيره، مع ما تحمله عبارة «الإساءة» من مختلف أنواع القول والفعل والتفكير. ولا يعودُ الإنسان يقلقُ لكونه لم يحقّق جزاء سعيه في عمره القصير المحدود، وبذلك يسمو ويرتقي نحو الكمال. وهكذا يكون إيمانه نقطة الانطلاق لحبِّ الله وطاعته، والخوفِ من بطشه، ما دام يوقنُ بأنَّ الله هو الذي بدأ الخلق ثم يعيده..
ولكنَّ الذين كفروا من قوم هود، - ومثلهم اليوم من هم على شاكلة قوم هودٍ - قالوا لبعضهم بعضاً: {أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذَا مِتُّمْ وَكُنْتُمْ تُرَابًا وَعِظَامًا أَنَّكُمْ مُخْرَجُونَ *هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ لِمَا تُوعَدُونَ *إِنْ هِيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ *} [المؤمنون: 35-37].
وخاطبوا هوداً (عليه السلام) قائلين: يا هود! ما هذا العذاب الذي تعدنا به، وتتوقَّع لنا أن نلقاه؟ إننا لن نأبَهَ لوعيدك، فأتِنا بما تعدُنا إن كنت من الصادقين.
وتبين هود (عليه السلام) العنادَ في موقفهم، والتحجّر في عقولهم، والتمسّك بآرائهم، والتمادي في أقوالهم، فأجابهم:
- لقد بلَّغتُ ولم أُقصِّر. وجاهدتُ ولم أتوانَ. وأُشْهِدُ الله أنّي ما أحجمتُ وما أغفلت، وأني وفيتُ وأدَّيت. والله خيرُ الشاهدين.
ولم يُفْلح هود (عليه السلام) في ثَنْيِ قومه عن الضلالة، ولم ينجح في إرشادهم للهداية فابتعدوا عنه معرضين، ولأقواله مستنكرين. ومرَّتْ فترةٌ من الزمن، حُبِسَتْ بعدها الأمطار عنهم، وذوت زروعهم، وذبلت أغصان أشجارهم، فراحوا يترقّبون قلقين..
وظهَرَتْ بعد حينٍ سحبٌ دكناءُ ملأت من فوقهم الأجواء. فخرجوا من بيوتهم، مستبشرين مهلّلين وهم يردِّدون: هذا سحابٌ عارضٌ ممطرنا. وراحوا يتهيأون لاستقباله، معدّين حقولهم لنزوله.
وجاءهم هودٌ (عليه السلام) منذراً: لا تفرحوا، ولا تأملوا، إنَّه سحاب فيه نقمة، هو ما استعجلتم به، ريح فيها عذاب أليم.
ولم يحفلوا بمقالته، أو يلتفتوا إليه، بل زادهم قوله هزءاً به وسخرية، وبقوا على فرحتهم، ينتظرون الرياح التي ستحمل إليهم المطر المدرار. ولكن لم يلبثوا إلاَّ قليلاً حتى جاءتهم ريحٌ عاصفٌ، تحمل على أجنحتها رحالهم ودوابهم، لترميَها بقوَّة خارقة في أماكنَ سحيقةٍ، وعلى مسافات بعيدة... وراعهم الخوف، وأدركهم الهَلَع، فأسرعوا إلى بيوتهم يحتمون فيها، وهم يظنّون أن بيوتهم قادرة على حمايتهم، وأن عدم خروجهم من منازلهم فيه نجاتهم...
وخاب الظنّ، وتبدَّد الوهم.. فقد عمَّ بديارهم البلاء، وسيطر على جنباتها الدمار، بعدما حملت تلك الريح رمال الصحراء، تذروها سبع ليال وثمانية أيام حسوماً، حتى أصبحوا في أماكنهم صرعى كأنهم أعجاز نخل خاوية..
ومن بعدها، لم يرَ أحدٌ لهم أثراً. دَرَس رسمهُم، ومحا التاريخُ خبرَهم، ولولا العبرة والموعظة لما أتى على ذكرهم القرآن الكريم...
أمّا هودٌ (عليه السلام) فقد أوى، ومن تبعَهُ وآمنَ به، إلى مكان يحتمون فيه فلا تقربهم ريحٌ، ولا يطالُهم رملٌ، وظلّوا على حالهم حتى هدأت العاصفة، فقاموا يحمدون الله على سلامتهم، ويضرعون إليه شاكرين رأفته، ورحمته بهم.
ثم انتقل هود (عليه السلام) وصحبه إلى حضرموت. وهنالك قضى البقيَّة الباقية من عمره، في طاعة الله وأمانه، وفي نعيم الحياة وصفائها.
فسلام الله على هود إنه كان من عباد الله الصالحين.



Copyright © Samih Atef El-Zein 2010     VINTOB