قصص الانبياء في القرآن الكريم
الطبعة : الطبعة السابعة  
المؤلف : سميح عاطف الزين
عدد الصفحات :   692
تاريخ النشر :   2005




الأسلوب القرآني المعجز بوضوحه وقوته وجماله

يتجلَّى القرآن الكريم بفصاحته وبلاغته وسموه إلى درجة تفوقُ مستوى العقل البشريّ. وذلك ظاهرٌ في أسلوبه المعجز الذي فيه من الوضوح والقوَّة والجمال ما يُدهش البليغ من بني البشر، وهو الأسلوب الواضح الذي فَهِمَهُ العربُ المُشرِكون، فتواصَوا فيما بينهم ألاَّ يسمعوا لهذا القرآن مخافةَ الإيمان، بل واللغو فيه لعلهم يغلبون أتباعه، كما ينبئنا بذلك قوله تعالى: {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لاَ تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ *} [فُصّلَت: 26].
والأسلوب بحد ذاته معانٍ مرتبةٌ في ألفاظ منسَّقة.
ووضوح الأسلوب يكون ببروز المعاني المرادة من خلال التعبير الذي أُدِّيَتْ به.
أما قوّةُ الأسلوب فتكون باختيار الألفاظ الملائمة والمناسبة لأداء المعنى أي الألفاظ القادرة على إيصال المعنى الذي تتوخاه، وبما يحمله أو ينطوي عليه، وذلك من خلال تناسقها وتلاؤمها معه بالضبط. فالمعنى الرقيق يُؤدّى باللفظ الرقيق كقوله تعالى: {وَيُسْقَوْنَ فِيهَا كَأْسًا كَانَ مِزَاجُهَا زَنْجَبِيلاً *عَيْناً فِيهَا تُسَمَّى سَلْسَبِيلاً *} [الإنسَان: 17-18] وكقوله تعالى: {إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازًا *حَدَائِقَ وَأَعْنَابًا *وَكَوَاعِبَ أَتْرَابًا *وَكَأْسًا دِهَاقًا *لاَ يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلاَ كِذَّابًا *جَزَاءً مِنْ رَبِّكَ عَطَاءً حِسَابًا *} [النّبَإِ: 31-36].
والمعنى الغليظ يؤدّى باللفظ القويّ كقوله تعالى: {إِنَّ جَهَنَّمَ كَانَتْ مِرْصَادًا *لِلطَّاغِينَ مَآبًا *لاَبِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا *لاَ يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْدًا وَلاَ شَرَابًا *إِلاَّ حَمِيمًا وَغَسَّاقًا *جَزَاءً وِفَاقًا *} [النّبَإِ: 21-26].
والمعنى المحبّب يُؤتى له بالَّلفظ المحبَّب، كما في قصة يوسف (عليه السلام) بقوله تعالى: {وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا} [يُوسُف: 100].
وحين يكون المعنى مستنكراً يجب أن يكون اللفظ مناسباً لهذا الاستنكار، ومنه: {...إِنَّ أَنْكَرَ الأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ *} [لقمَان: 19]، ومنه أيضاً {...فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ *} [الأعرَاف: 176].
ومثل هذه القوة في الأسلوب، حيث الألفاظ تتناسب وتتناسق مع المعنى لا تجدها إلا في القرآن المبين، وفي القرآن وحده من دون سائر الكتب والأسفار.
جمال الأسلوب: هو الذي يجمع بين وضوح المعاني وقوَّة التعبير ويكون باختيار أصفى العبارات وأليقها بالمعنى الذي أدَّتْهُ، كالآيات التي أتينا على ذكرها، فهي بدون عناءٍ اختارت أصفى العبارات اللائقة بالمعاني التي أدَّتها.
وأنت ترى أنَّه قد صاحب تأديةَ المعاني بهذه الكيفيّة تعابيرُ تصوّرُها ألفاظٌ منتقاة، يظهر فيها النَّغَم الذي يحرّك النفس عند تصويرها. الأمر الذي يبعثُ في السامع المدرِك لعُمقِ تلك المعاني وبلاغة التعبير خُشوعاً عظيماً حتى كاد بعض البلغاء من العرب المشركين أن يسجدوا لها مع كُفرِهم وعنادِهم.
ثم إنَّ المدقّق في ألفاظِ القرآن وآياته يَجدُ أنّه يُراعي، عند وَضْع الحروف مع بعضها، الأصوات التي تَحدُثُ عند خروجها من مخارجها، فيجعل الحروفَ المتقاربةَ المخارج مُتقاربةَ الوضعِ في الكلمة أو الجملةِ، فلا يقول - مثلاً - كالباعقِ المتدفِّقِ، وإنما يقول: «كصيّب أُنزِلَ من السماء».
أما إذا حصل تباعدٌ بين مخارجها فيجعلُ الحروفَ المتقاربَةَ المخارج متقاربةَ الوضعِ في الكلمةِ أو الجملة، فلا يقول ـ مثلاً ـ الهعخع. وإنما يقول: «سُنْدسٌ خُضْرٌ».
وأمَّا إذا حصل التباعُد بين المخارج فيفصلُ بينها بحرفٍ يُزيلُ وَحْشَةَ الانتقال، ويأتي في نفس الوقت بحرفٍ محبَّبٍ ذي مخرجٍ خفيفٍ على اللسان، حسن الوقع في الأُذن، يتكرَّر كاللازمة الموسيقية، كمثل آية واحدة هي آية الكرسي التي وضع الله سبحانه وتعالى فيها أربعة وعشرين لاماً، وكان لكل لامٍ منها جرسٌ لطيف لا يشبعُ السمعُ من تكراره. فانظر إلى تلك اللامات في هذه الآية الكريمة إذ يقول الله تبارك وتعالى: {اللَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لاَ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلاَ نَوْمٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلاَ يُحِيطُونَ بِشَيءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بِمَا شَاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَلاَ يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ *} [البَقَرَة: 255].
وهكذا تجدُ القرآن الكريم يُنْزِلُ كل معنى من المعاني في اللفظ الذي يليقُ به، وتراه منسجماً مع الألفاظ التي حولَهُ والمعاني التي معه، حتّى لا تجدُ أيّ نشازٍ في آيةٍ من آياته.
والذوقُ السليمُ هو العُمدةُ في معرفة حُسْنِ الكلمات وسلاستِها، وتَمْييزِ ما فيها من وجوهِ البشاعةِ أو مظاهرِ الجمال. لأن الألفاظ أصواتٌ: فالذي يطرَبُ لصوت البُلْبُلِ وينفر من أصوات البوم والغربان، ينبو به سمعهُ عن الكلمة إذا كانت غريبةً متنافرةَ الحروف.. بينما التنافر في الحروف: هو نقلُ الكلمة إلى السمع بصعوبةٍ يجدها اللسان ثقيلةً حين أدائها، ولا ضابط لمعرفة الثقل والصعوبة سوى الذوق السليم المكتسب بالنظر في كلام البلغاء وممارسة أساليبهم. ولذا تُوجَدُ في اللغة العربية ألفاظٌ مأنوسة، مألوفة، متداولة، يفهمها الناسُ ويتفقهون في وجوه استعمالها كلفظة «النوى»(+)، و«النقع» وهو (الغبار المتصاعد في الفضاء)، و«العفاء» ومعناها (البلى)، وعبارة: و«همى الغيث»: إذا سقط بغزارة، ولفظة «الطلول» أو الأطلال ومعناها (ما تبقَّى من آثار القوم بعد زوالهم)، والسعْدُ ومعناها (السرور واللذةُ والتنعمُ بالعيش).. وبمقابلها تجد ألفاظاً غير مأنوسة ولا مألوفة، ولا متداولة: مثل «الغطش» للظُلمة: وفيها يقول الشنفرى، وهو شاعر من صعاليك الجاهلية:
دعستُ على غطشٍ وبغشٍ(+) وصحبتي
سُعارٌ وإرزيز(+) ووجرٌ(+) وأفكلُ(+)
فهو قد استعمل الألفاظ التي لم تَصقُلها المدنيَّةُ ولم يَسْتَسِغها الذوقُ. ونحن نختارُ منها لفظةَ: «غطش» التي أتى على ذكرها القرآنُ الكريم بقوله تعالى: {أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا *رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا *وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا *} [النَّازعَات: 27-29]. فترى هنا هذه اللفظة «وأغطش» قد سَمَتْ بِبلاغَتِها وبرزَتْ بأناقتها ففاقَتْ لفظةَ «وأظلم ليلها» وفي نفس الوقت لم يظهر عليها حين قُرِنت بلفظةٍ أخرى أنها ثقيلة منفِّرة أو غير مألوفةً ينفرُ منها السمع.
فالقرآن الكريمُ طِرازٌ خاصٌّ في التعبير والنَّظمِ، فهو لم يجىء على منهاج الشعر الموزون المقفَّى وإن كنت تجده أحياناً يقول:
«ويُخْزِهِم ويَنْصُرْكم عليهم
وَيَشْفِ صُدُورَ قَومٍ مؤمنين»
ويقول:
«لَنْ تَنالُوا البِرَّ حَتَّى
تُنْفِقُوا مِمّا تُحبُّونَ»
فمثل هذه الآيات ليستْ شعراً وإن كانت تصلُحُ أنْ تكون أبياتاً من الشعر على وزن الوافر والرَّمل.
ولم يأتِ القرآن، أيضاً، في تركيب آياته كلها على منهاج النثر المرسل كما ترى في قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ لاَ يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ} [المَائدة: 41]. وفي قوله تعالى: {وَمِنَ الَّذِينَ هَادُوا سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ} [المَائدة: 41] ولا هو على منهاج النثر المزدوج أو النثر المسجوع، وإن كنت تجده يبدعُ في النثر المسجوع فيقول: {يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ *قُمْ فَأَنْذِرْ *وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ *} [المدَّثِّر: 1-3].
ثم تجدُهُ يتسامى في الازدواج فيقول: {أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ *حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ *كَلاَّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ *ثُمَّ كَلاَّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ *كَلاَّ لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ *لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ *} [التّكاثُر: 1-6]. وأحياناً يُطيل الازدواج فيقول: {قُتِلَ الإِنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ *مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ *مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ *ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ *ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ *ثُمَّ إِذَا شَاءَ أَنْشَرَهُ *كَلاَّ لَمَّا يَقْضِ مَا أَمَرَهُ *} [عَبَسَ: 17-23].
وهكذا.. فإننا لو تتبَّعنا جميع تعابير القرآن الكريم، فلا نَجِدهُ ملتزِماً شيئاً مما في أسلوب العرب من شعر أو نثر على اختلاف أنواعها، ولذلك فإنه لا يضاهيه أو يماثله أي قول قاله البشر.
ومن إعجازه الظاهر أنك تلاحظ كل ما ذكرناه من الإعجاز عندما تقرأ عن النبيّ نوح (عليه السلام) أو عن أيِّ نبيّ يقصُّ علينا القرآنُ الكثيرَ من أخباره. فتراهُ أحياناً يختارُ الأحرف التي تقرعُ الآذان عند سماعِها، مثل حرف القاف والراء ويحددها بثماني آيات فيقول: في «سورة القمر»:
{كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ فَكَذَّبُوا عَبْدَنَا وَقَالُوا مَجْنُونٌ وَازْدُجِرَ *فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ *فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُنْهَمِرٍ *وَفَجَّرْنَا الأَرْضَ عُيُوناً فَالْتَقَى الْمَاءُ عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ *وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ *تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا جَزَاءً لِمَنْ كَانَ كُفِرَ *وَلَقَدْ تَرَكْنَاهَا آيَةً فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ *فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ *} [القَمَر: 9-16].
وإذا تأملت هذه الآياتِ وأحصيت عدد أحرف «القاف» فيها لوجدتها سبعة أحرف تقابلها ثمانيةُ أحرف من حرف «الكاف» فيكون مجموع عدد الكافات والقافات خمسة عشر حرفاً، يرافقها أربعة عشر حرفاً من «الراء».
ومن وجود هذا التوازن الدقيق في الأحرف التي تشبه بعضها بعضاً في المخارج ترى الأذنَ تَتَقَبَّلُ هذه الأصوات بدويّها فيتهيَّأ للسامع أنها تحملُ معانيَ جليلةً رهيبةً، ولو لم يُنصت إلى المعاني. أما إذا أنصت وأصغى، فإنه يهلع من الخوف ويتأثر تأثراً غير خَفيّ..
هذا في القرآن الكريم... أما إذا سمعت الشاعر يقول:
وقبرُ حربٍ في مكانٍ قفر
وليسَ قُربَ قبرِ حربٍ قبرُ
وأردت أن تردّد هذا البيتَ من الشعر لتلَعثم منك اللسانُ ونفر منك السماعُ. كل هذا لأن الشاعر أكثرَ من حرف القاف والراء. فأين هذا من ذاك؟!..
ومن ناحية أخرى جاء القرآن الكريمُ في مكان آخر بنفس المعاني التي صوَّرها عن نوح (عليه السلام) وبنفس عدد الآيات الثماني أيضاً. ولكنه لَوَّنَها بتلوينٍ آخر ونسجَها بأكثريَّةٍ ساحقة من حرفي: «النون» و«اللام» فَوَضَعَ فيها أربعاً وعشرين (نوناً) وستَّ عَشْرَة (لاماً) أي بمقدار ثُلثي حروف «النون». ومع هذا التكرار الكثير تجد السلاسة والعذوبة عند تلاوة تلك الآيات الكريمة، لأن «اللام والنون» هما من الأحرف الليّنة الرقيقة على السمع.. كما يظهر في هذه الآيات من سورة الصافات بقوله تعالى: {وَلَقَدْ نَادَانَا نُوحٌ فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ *وَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ *وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ *وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الآخِرِينَ *سَلاَمٌ عَلَى نُوحٍ فِي الْعَالَمِينَ *إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ *إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ *ثُمَّ أَغْرَقْنَا الآخَرِينَ *} [الصَّافات: 75-82].
ثم أنزل عدد الآيات إلى ستّ آيات في «سورة الأعراف» فقال عزّ وجلّ:
{لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ *قَالَ الْمَلأَُ مِنْ قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي ضَلاَلٍ مُبِينٍ *قَالَ يَاقَوْمِ لَيْسَ بِي ضَلاَلَةٌ وَلَكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ *أُبَلِّغُكُمْ رِسَالاَتِ رَبِّي وَأَنْصَحُ لَكُمْ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ *أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جَاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلَى رَجُلٍ مِنْكُمْ لِيُنْذِرَكُمْ وَلِتَتَّقُوا وَلَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ *فَكَذَّبُوهُ فَأَنْجَيْنَاهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا عَمِينَ *} [الأعرَاف: 59-64].
ثم أنزل العدد إلى ثلاث آيات في «سورة يونس» فقال تعالى:
{وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوحٍ إِذْ قَالَ لِقَوْمِه ياقَوْمِ إِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ مَقَامِي وَتَذْكِيرِي بِآيَاتِ اللَّهِ فَعَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ لاَ يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ وَلاَ تُنْظِرُونِ *فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَمَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِي إِلاَّ عَلَى اللَّهِ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ *فَكَذَّبُوهُ فَنَجَّيْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ وَجَعَلْنَاهُمْ خَلاَئِفَ وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ *} [يُونس: 71-73].
ثم تحدّى بإعجازه الهائل جميع المستكبرين فأوجز ما ذكره عن نوح (عليه السلام) بآيتين فقط وفي ثلاثة أمكنة: في «سورة الأنبياء»، وفي «سورة العنكبوت»، وفي «سورة الحاقة»، كما سترى في الصفحة 152.
وكذلك أكثر سبحانه التفصيل عن نوح (عليه السلام) في «سورة هود» فذكره بأربع وعشرين آية. قال تعالى:
{وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ *أَنْ لاَ تَعْبُدُوا إِلاَّ اللَّهَ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ *فَقَالَ الْمَلأَُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ مَا نَرَاكَ إِلاَّ بَشَرًا مِثْلَنَا وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلاَّ الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ وَمَا نَرَى لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ *قَال ياقَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآتَانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ أَنُلْزِمُكُمُوهَا وَأَنْتُمْ لَهَا كَارِهُونَ *وَيَاقَوْمِ لاَ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مَالاً إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلَى اللَّهِ وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّهُمْ مُلاَقُو رَبِّهِمْ وَلَكِنِّي أَرَاكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ *وَيَاقَوْمِ مَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إِنْ طَرَدْتُّهُمْ أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ *وَلاَ أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلاَ أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلاَ أَقُولُ إِنِّي مَلَكٌ وَلاَ أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِي أَعْيُنُكُمْ لَنْ يُؤْتِيَهُمُ اللَّهُ خَيْرًا اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا فِي أَنْفُسِهِمْ إِنِّي إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ *قَالُوا يانُوحُ قَدْ جَادَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ *قَالَ إِنَّمَا يَأْتِيكُمْ بِهِ اللَّهُ إِنْ شَاءَ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ *وَلاَ يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُّ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِنْ كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ هُوَ رَبُّكُمْ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ *أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ إِنِ افْتَرَيْتُهُ فَعَلَيَّ إِجْرَامِي وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تُجْرِمُونَ *وَأُوْحِيَ إِلَى نُوحٍ أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلاَّ مَنْ قَدْ آمَنَ فَلاَ تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ *وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا وَلاَ تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ *وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلأٌَ مِنْ قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنْهُ قَالَ إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ *فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُقِيمٌ *حَتَّى إِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلاَّ مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ وَمَنْ آمَنَ وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلاَّ قَلِيلٌ *وَقَالَ ارْكَبُوا فِيهَا بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَحِيمٌ *وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ فِي مَوْجٍ كَالْجِبَالِ وَنَادَى نُوحٌ ابْنَهُ وَكَانَ فِي مَعْزِل يابُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنَا وَلاَ تَكُنْ مَعَ الْكَافِرِينَ *قَالَ سَآوِي إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاءِ قَالَ لاَ عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلاَّ مَنْ رَحِمَ وَحَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ *وَقِيلَ يَاأَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ وَيَاسَمَاءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ الْمَاءُ وَقُضِيَ الأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ وَقِيلَ بُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ *وَنَادَى نُوحٌ رَبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ *قَال يانُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلاَ تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ *قَالَ رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَإِلاَّ تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخَاسِرِينَ *قِيل يانُوحُ اهْبِطْ بِسَلاَمٍ مِنَّا وبَرَكَاتٍ عَلَيْكَ وَعَلَى أُمَمٍ مِمَنْ مَعَكَ وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ ثُمَّ يَمَسُّهُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ *} [هُود: 25-48].
ثم أتى على ذكر النبيّ نوح (عليه السلام) في «سورة المؤمنون» ونسج ألفاظاً تحتوي على نفس المعاني في سبع آيات فقال عزّ وجلّ:
{وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلاَ تَتَّقُونَ *فَقَالَ الْمَلأَُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ مَا هَذَا إِلاَّ بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُرِيدُ أَنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لأَنْزَلَ مَلاَئِكَةً مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي آبَائِنَا الأَوَّلِينَ *إِنْ هُوَ إِلاَّ رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ فَتَرَبَّصُوا بِهِ حَتَّى حِينٍ *قَالَ رَبِّ انْصُرْنِي بِمَا كَذَّبُونِ *فَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ أَنِ اصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا فَإِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ فَاسْلُكْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلاَّ مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ مِنْهُمْ وَلاَ تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ *فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنْتَ وَمَنْ مَعَكَ عَلَى الْفُلْكِ فَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي نَجَّانَا مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ *وَقُلْ رَبِّ أَنْزِلْنِي مُنْزَلاً مُبَارَكًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ *} [المؤمنون: 23-29].
ثم أطال وفصَّلَ في ست عشرة آية في «سورة الشعراء» فقال تعالى:
{كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ *إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ نُوحٌ أَلاَ تَتَّقُونَ *إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ *فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ *وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِي إِلاَّ عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ *فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ *قَالُوا أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الأَرْذَلُونَ *قَالَ وَمَا عِلْمِي بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ *إِنْ حِسَابُهُمْ إِلاَّ عَلَى رَبِّي لَوْ تَشْعُرُونَ *وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الْمُؤْمِنِينَ *إِنْ أَنَا إِلاَّ نَذِيرٌ مُبِينٌ *قَالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يَانُوحُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمَرْجُومِينَ *قَالَ رَبِّ إِنَّ قَوْمِي كَذَّبُونِ *فَافْتَحْ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ فَتْحًا وَنَجِّنِي وَمَنْ مَعِي مِنَ الْمُؤْمِنِينَ *فَأَنْجَيْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ *ثُمَّ أَغْرَقْنَا بَعْدُ الْبَاقِينَ *} [الشُّعَرَاء: 105-120].
وأوجز كثيراً في «سورة الأنبياء» حيث قال عزّ وجلّ:
{وَنُوحًا إِذْ نَادَى مِنْ قَبْلُ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرَبِ الْعَظِيمِ *وَنَصَرْنَاهُ مِنَ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ *} [الأنبيَاء: 76-77].
وفي «سورة العنكبوت»، حيث قال عز من قائل:
{وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلاَّ خَمْسِينَ عَامًا فَأَخَذَهُمُ الطُّوفَانُ وَهُمْ ظَالِمُونَ *فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَصْحَابَ السَّفِينَةِ وَجَعَلْنَاهَا آيَةً لِلْعَالَمِينَ *} [العَنكبوت: 14-15].
وفي «سورة الحاقة» حيث قال عزّ وجلّ:
{إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ *لِنَجْعَلَهَا لَكُمْ تَذْكِرَةً وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ *} [الحَاقَّة: 11-12].
ثمَّ خصَّصَ سورةً كاملة باسمه في القرآن الكريم هي «سورة نوح» (عليه السلام)، وهي مكية وعدد آياتها ثمانٍ وعشرون آية:
بسم الله الرحمن الرحيم
{إِنَّا أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ أَنْ أَنْذِرْ قَوْمَكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ *قَالَ يَاقَوْمِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ *أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ *يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرْكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمّىً إِنَّ أَجَلَ اللَّهِ إِذَا جَاءَ لاَ يُؤَخَّرُ لَوْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ *قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلاً وَنَهَارًا *فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائِي إِلاَّ فِرَارًا *وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَارًا *ثُمَّ إِنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهَارًا *ثُمَّ إِنِّي أَعْلَنْتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرَارًا *فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا *يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا *وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا *مَا لَكُمْ لاَ تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا *وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا *أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا *وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجًا *وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الأَرْضِ نَبَاتًا *ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيهَا وَيُخْرِجُكُمْ إِخْرَاجًا *وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ بِسَاطًا *لِتَسْلُكُوا مِنْهَا سُبُلاً فِجَاجًا *قَالَ نُوحٌ رَبِّ إِنَّهُمْ عَصَوْنِي وَاتَّبَعُوا مَنْ لَمْ يَزِدْهُ مَالُهُ وَوَلَدُهُ إِلاَّ خَسَارًا *وَمَكَرُوا مَكْرًا كُبَّارًا *وَقَالُوا لاَ تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلاَ تَذَرُنَّ وَدًّا وَلاَ سُوَاعًا وَلاَ يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا *وَقَدْ أَضَلُّوا كَثِيرًا وَلاَ تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلاَّ ضَلاَلاً *مِمَّا خَطِيئَاتِهِمْ أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا نَارًا فَلَمْ يَجِدُوا لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْصَارًا *وَقَالَ نُوحٌ رَبِّ لاَ تَذَرْ عَلَى الأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا *إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلاَ يَلِدُوا إِلاَّ فَاجِرًا كَفَّارًا *رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِي مُؤْمِناً وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَلاَ تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلاَّ تَبَارًا *} [نُوح: 1-28].
فكان القرآن، كتابُ الله المبين، بكل ما ذكرناه، واضحَ الإعجاز في أسلوبه من حيثُ كونُه طرازاً خاصّاً من القول لا يُشْبِهُ كلام البشر، ولذا قال البلغاء: إنَّ اللغة العربية هي نثرٌ وشعرٌ وقرآن. وأما من حيث إنزالُ المعاني في الألفاظ والجمل اللائقة بها، ووقعُها على أسماع من لا يؤمن بها ولكنه يُدرك بلاغَتها ويتعمَّقُ في معانيها، فإنه لا بدَّ أن ينحني إعجاباً وإكباراً حتى يكاد أنْ يسجُد لها. وكذلك لو نزلت على أسماعِ من لا يفهم معانِيها فإنه يأسرُه نَغَمُ هذه الألفاظ وهي تُتلى في نَسَقٍ مُعْجِزٍ يُؤخَذُ به السامع قسْراً ولو لم يفهم المعنى.
ولذلك كان القرآن وسيظلّ معجزاً إلى يوم القيامة...



Copyright © Samih Atef El-Zein 2010     VINTOB