قصص الانبياء في القرآن الكريم
الطبعة : الطبعة السابعة  
المؤلف : سميح عاطف الزين
عدد الصفحات :   692
تاريخ النشر :   2005




نوح (عليه السلام)

مسيرة الإنسان على هذه الأرض طويلة، وقد رافقتها الرسالات التي أنزلها ربُّ العالمين لبني البشر عبر صفوة من عباد الله، هم الأنبياء والرسل، ومن خلال ثُلَّة من أتباعهم، هم الأولياءُ الصالحون والمؤمنون الصادقون.. وقد كان ذلك رفقاً من الله تعالى بعباده، ورأفة بالإنسان الذي خلقه ورفعه ليسود جميع المخلوقات، بُغية إيصاله إلى الغاية الكبرى وهي الإيمان بحقيقة وجود الله. وقد شاء الله أن يضطلع الإنسان بهذه المهمة، فخلقه وميَّزه بخصائص معيَّنة، تحقق استقرار هذه الحقيقة في ضميره، وفي نظام حياته، من خلال جهده الإنسانيّ ذاته.
وقد عانَى الأنبياء والرسل (عليهم السلام) مشقَّاتٍ في سبيل الدعوة إلى الإيمان بالله، ولاقَوْا ألوان العذاب، بل وما هو أشدّ من العذاب: القتل، ولم تَهُنْ عزائمُهُم، ولا لانوا ولا استكانوا.
ونوح (عليه السلام) قد يكون أول نبيّ حمل أعباء تلك الدعوة إلى بني قومه، فآدم (عليه السلام) هو أبو البشرية، وقد اجتباه ربه نبياً، فكان معلماً لأبنائه وحفدته، وهادياً إلى الله بإذنه، لما قد ينفعهم في مختلف نواحي سلوكهم ونواحي حياتهم البدائية، وعلى رأس ذلك كله عبادة الله عزّ وجلّ وطاعته. حتى إذا طال بهم الأمد بعد وفاته، ضلّ معظمهم عن عبادة الله الواحد، لأنهم اتخذوا في أول عهدهم أنصاباً ترمز إلى قوىً قدَّسوها، قوىً غيبيَّة أو مشهودة. ولكن مع الزمن نسوا الرمزَ وعبدوا الأنصاب، فأرسل الله إليهم نوحاً يردُّهم إلى التوحيد، ويصحّح لهم تصوّرهم عن الله وعن الحياة والوجود.
والكتب السماوية السابقة تجعل إدريس (عليه السلام) سابقاً لنوح (عليه السلام). ولكن بعض المفسّرين يستبعد ما ورد في تلك الكتب، ويعتبره لغواً في تكوين عقيدة المسلم، والغرض منه التحريف أو الإضافة. غير أن ما يقرّره القرآن الكريم ونأخذ به، هو أن نوحاً (عليه السلام) كان في فجر البشريّة.
وقيل إن نوحاً (عليه السلام) قد بعثه اللهُ نبياً وهو ابن خمسين سنة، ولبث في قومه ألف سنة إلاّ خمسين عاماً. وقيل في عُمْره وفي بعثته إلى قومه غير ذلك، فاختلفوا فيه إذ قال بعضهم إنَّه عمَّر ألفاً وسبعمائة سنة، وأوصل البعض الآخر عمره إلى ألفين وسبعمائةٍ وخمسين عاماً. والقرآن الكريم يذكر أن نوحاً (عليه السلام) قد عمَّر طويلاً لأنه وُجد في قوم كانوا طوال العمر. وطول العمر هذا يوحي بأن الجنس البشريّ كان قِلّةً في ذلك العهد، ومن دون أن تتكاثر كما تكاثرت في العصور اللاحقة، وكما هي تزداد تكاثراً حقبة بعد حقبة، كما يدل عليه عددُ السكان في العالم، ولعلَّ ما يدعونا إلى هذا النظر هو ما نراه في سنَّة الله من الأحياء من طول العمر إذا قلّ العدد، كأن ذلك للتعويض والتعادل.. والله أعلم بذلك وما هي إلاّ نظرة من الناس وقياس!..
وكانت حياة قوم نوح (عليه السلام) غاية في البساطة، وبعيدة عن أيِّ تعقيد. يعيشون ويعملون في أجواء الطبيعة النقية المعطاء. وقد برزت شمائلُ نوحٍ (عليه السلام) وظهرت صفاتُه الفاضلةُ في أقواله وأفعاله منذ البدء، فكان رزين العقل، بعيد الأناة، طويل الصبر، آتاه الله طلاقةً في اللسان، ووضوحاً في البيان. يُجادل القوم بجلَدٍ، ويناقشهم برويَّة، يحمل في قلبه ولسانه قدرة كبيرة على الحجّة الدامغة، وقوّة فائقة على تصريف الأمور، وتدبير الشؤون.
حمل لواء الدعوة إلى الله، فأعرض عنه القوم. رغَّبهم في ثوابٍ يلاقونه، فلم يأبهوا لقوله، ولم يذعنوا لنصحه، وأنذرهم بالعقاب، يحلُّ بهم شديداً، فما كان منهم إلا أن عموا وصمّوا عن الوعيد والتهديد..
أما هو فلم يُبالِ بإعراض القوم، واندفاعهم في الضلال، بل أمعن في بذل الجهود وحثِّهم على وفاء العهود.. وكان كلما حَسِبَ أنه سيتغلَّب على ما في نفوسهم من العنت والجبروت، زادتهم دعوته إعراضاً عنه، وإصراراً على مواقفهم.. وزادهم فراراً ما كان يقذف به عقولَهم من حجج وبينات تدمغ باطلهم، فيهربون من الإذعان وينفلتون من المضايقة، وقد غلبت عليهم أهواؤهم، وازدادوا إمعاناً في الضلال، وإصراراً على العناد.
وكان نوح (عليه السلام) يناجي ربه، مبدياً الشكوى من عدم استجابة قومه للدعوة، مظهراً الأسى على مكابرة هؤلاء المعاندين، وبُعدهم عن صوت الهدى والحقّ. فهم لا يستحقّون الغفران، حتى يتوب الله عليهم ويخلّصهم من أوزارهم، ولا يفقهون معنى الإيمان، حتى يدركوا الحقيقة وتطمئن بها نفوسهم.. بل كانوا على خلاف ذلك تماماً حتى صاروا لا يطيقون رؤيته، فيسترون رؤوسهم، ووجوههم بالثياب إذا وقع نظرهم عليه، ولا يتحملون سماع صوته، فيجعلون أصابعهم في آذانهم حتى يولِّيَ عنهم، ويذهب.. فيا لهم من قوم، ما أشدّ استكبارهم!. وقد وصف الله سبحانه وتعالى موقفهم ذلك في القرآن المجيد على لسان نوح (عليه السلام) بالقول الكريم: {وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَارًا *} [نُوح: 7].
وما زال نوح (عليه السلام) يدأب في الدعوة دون ملل أو يأس، فيزيد في مساعيه، وينوّع في أساليبه، تارة بالجهر والجدال والنقاش، وتارة بالمداولة بين الإعلان والإسرار، ثم يشكو إلى الله فيقول: {ثُمَّ إِنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهَارًا *ثُمَّ إِنِّي أَعْلَنْتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرَارًا *فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا *} [نُوح: 8-10]. يدعوهم في السِّر وفي العلانية، في الليل وفي النهار، دون أي جدوى أو فائدة مرجوةٍ. ولجأوا، لشدة ضيقهم منه، إلى السخرية به، والهزء بأقواله، بل ولم يتورعوا عن أذيَّته، والتنكيل به، فكانوا يضربونه حتى يخرَّ مغشياً عليه. وكان إذا أفاق لا ينقم على أحدٍ من مسبّبي الأذَى له، ولا يجد ما يعوّض به آلامه إلا التوجّه إلى الله بالدعاء لهم بالهداية.. نعم كي يهديهم ربهم تعالى، لأنهم قوم جاهلون: «اللهم اهد قومي فإنهم لا يعلمون» ...
ولا نستغربَنَّ أن يقابل نوح (عليه السلام) الإساءة بالإحسان، والأذيَّة بدعاء الهداية ودفع البلاء. فهو نبيّ الله، وللأنبياء أخلاقٌ يرتفعون بها عن مساوىء أهل هذه الأرض وصفاتهم، ولهم مزايا يسْمون بها إلى معارج الارتقاء.
وعلى الرغم من كل ما أبان نوح (عليه السلام) لبني قومه من الحجج، وما أبدى من الأدلة، وما أظهر من الحلم، بل ومن الترغيب والترهيب، لم يجد منهم آذاناً صاغية، ولم ينصاعوا لحقيقة الإيمان طرفة عين، ولذلك رأى أن يعتمد أسلوباً آخر، وطريقةً جديدة قد تتلاءم مع قدرتهم العقلية، وتتوافق مع رؤيتهم الحسيَّة، وذلك من خلال التركيز على ما يحيط بهم من الكائنات، وما تحفل به حياتهم من الآيات، وكلها تدل على قدرة الله ووحدانيَّته، فراح يوجههم إلى ذلك، ويدعوهم إلى النظر والتفكر قائلاً لهم:
- يا قوم!... {أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا *وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجًا *} [نُوح: 15-16] فهم يرون نور القمر، وضياء الشمس، حقّاً... ثم يؤكد لهم نوح (عليه السلام) أن الله هو الذي خلق السموات، وجعل فيهنَّ القمر والشمس، يعطيان النور والضوء وأنَّ عليهم الإيمان به سبحانه، وعبادته بما يستحقه.. ولكنهم كانوا لا يحفلون به، ولا يهمهم من قوله شيء، حتى وإن دلّهم على طريق الهداية بما تراه عيونهم من الحقيقة الحسيّة المجرَّدَّة...
ويشاء الله أن يلازمهم القحط والجفاف، فيجد نوح (عليه السلام) في هذا الحدث سبيلاً قد يردعهم عن غيّهم، فيدعوهم إلى استغفار ربهم، عَلَّهُ يُذْهِب عنهم هذه الضائقة، ويُنزل عليهم المطرَ، فيُنبتُ النباتَ في حقولهم، ويَنشُرُ البركةَ في ربوعهم.. وذلك في مصداق قوله تعالى، على لسان نبيه نوح (عليه السلام) : {...اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا *} [نُوح: 10]. وزيادةً في استمالتهم، كان يحاولُ النفاذ إلى أفئدتهم والضرب على أوتار حساسيتها وإثارة مكامنها، فيردف في الموعظة ويمنيهم بما تقرّ به الأعين، وتطيبُ له الأنفس: {وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا *} [نُوح: 12].
فهو إذن يَعِد القوم بكل ما يتخيَّلون أو يتصوَّرون أنه مجلبة للسعادة.. بالمطر الغزير يتدفق أنهاراً ويروي السهول والبطاح، وبالأرزاق والأموال تفيض عليهم بالخيرات والبركات، وبالذرّيَّة تملأ عليهم حياتهم وتُسعِد وجودهم.. ولقاءَ ماذا؟ لقاءَ التوجّه إلى الله، بقلبٍ طاهر، ونيَّةٍ صافية، واستغفارِهم على ما سلف من جهالتهم وضلالتهم.
أَبَعْدَ هذه الدعوة من يُسر؟ وبعد هذا التنكّر لها من خُسر؟
إن هذه القاعدة يقرّرها القرآن الكريم في مواضع متفرّقة، عندما يربط بين الاستغفار وبين الأنعم الوفيرة التي تعمّ البلاد والعباد... فقد جاء في «سورة الأعراف»: {وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ} [الأعرَاف: 96].. وفي «سورة المائدة» يؤكد الله تعالى النتيجة الحسنة للإيمان والتقوى فيقول عزّ من قائل: {وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ آمَنُوا واتَّقَوْا لَكَفَّرْنَا عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلأََدْخَلْنَاهُمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ * وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ} [المَائدة: 65-66].. وأتى على نفس الغاية في «سورة هود» أيضاً: {أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ اللَّهَ إِنَّنِي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ * وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُمْ مَتَاعًا حَسَناً إِلَى أَجَلٍ مُسَمّىً وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ} [هُود: 2-3]...
هذه القاعدة القرآنية، هي قاعدة تقوم على أسبابها من وعد الله ومن سنَّة الحياة. والواقعُ العمليُّ يشهد بتحقّقها على مدار القرون. والحديث في هذه القاعدة عن الأمم لا عن الأفراد. فما من أمَّة قام فيها شرع الله، واتّجهت اتجاهاً حقيقياً لله بالعملِ الصالح والاستغفار المنبىء عن خشية الله الجبّار.. أجل ما من أمَّةٍ اتَّقت الله تعالى وعَبَدَتْهُ حق العبادة، وأقامت شريعته، فحققت العدل والأمن للناس جميعاً، إلا وفاضت فيها الخيراتُ، ومكَّن الله لها في الأرض، واستخلفها فيها بالعمران وبالصلاح..
ولكن البشريَّة، على ما يبدو، والأمم التي تؤلفها، لم تسر على هدى هذه القاعدة القرآنية، فظل الخطر يداهمها وظلَّ الشرّ يحيق بها.. وها هم قوم نوح (عليه السلام)، لا يعملون بما يدعوهم إليه نبيُّهم، بل، على العكس، هم يعصونه ويتَّبعون أهواءهم بغير حقّ، فيناجي نوحٌ (عليه السلام) ربه: {...رَبِّ إِنَّهُمْ عَصَوْنِي وَاتَّبَعُوا مَنْ لَمْ يَزِدْهُ مَالُهُ وَوَلَدُهُ إِلاَّ خَسَارًا *} [نُوح: 21].
وتعلَّقوا بآلهتهم من الأصنام والأوثان، وقاموا يستحثُّون الهمم في الدفاع عنها، فقالوا فيما بينهم: {...لاَ تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلاَ تَذَرُنَّ وَدًّا وَلاَ سُوَاعًا وَلاَ يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا *} [نُوح: 23].
...فبعد كل هذا الجهاد الذي بذله نوح (عليه السلام) وبعد كل هذا التوجيه، وهذا التنوير، لم يكن من القوم إلا العصيان.. وكانت دعوتهم إلى نصرة آلهتهم بدلاً من نصرة نبيّ الله، وخصَّصوا من هذه الأصنام أكبرها شأناً عندهم، إثارةً للنخوة الكاذبة، والحمية الآثمة في نفوسهم.
وكانت فئة قليلة منهم، قد هداها الله إلى نورانيّة الحقّ المبين، فآمنت بدعوة نوح (عليه السلام)، ولكن لم يُعجب القومَ أمرُ هذه الجماعة الصغيرة، فسعوا مُراوغين لإفساد ما بينه وبينها، فأتوه قائلين:
- يا نوح!... ليس لك أو لصحبك علينا فضل في العقل أو الحجى، ولا في رعاية المصالح. ما أنت، وهُمُ إلا أبعد الناس عن معرفة الحقيقة، وإننا لنظنّكم كاذبين..
وأجاب نوح (عليه السلام)، وسفاهة القوم لا تخرجه عن حلمه، وقذارة قولهم لا تثير غير مألوف فِعْلِه، يردُّ عليهم بالقول:
- أرأيتم يا قوم لو أنني كنت على بيّنةٍ من ربي، وحجَّةٍ شاهدةٍ بصدق دعواي، وآتاني رحمةً منه وفضلاً.. فعُمِّي عليكم القصد واشتبه الأمر، وحاولتم ستر الشمس بالكفِّ، أو لمْس النجوم بأيديكم، فهل أستطيع على الحق إلزامكم، أو أملك على الإيمان سلطاناً عليكم؟
وزادهم قوله إمعاناً في الخبث والدهاء، فقالوا له:
- يا نوح!.. لئن أردت لنا هداية وتوفيقاً، ولئن أردت لنفسك انتصاراً واعتزازاً، فما لك ولهؤلاء الأراذل من الناس، فأقصهم عن مجلسك، وأبعدهم عن حماك.. فنحن نربأ بأنفسنا أن نجاريَهم في اللسان، أو نجلسَ معهم في ذات المكان، أو نسيرَ وإيّاهم على ذات الطريق، أو نقترن معهم في الاعتقاد.. وكيف نتجاوب مع دين يستوي فيه السيد والمسود، والشريف والذليل، والأمراء والعبيد؟!..
بئس هؤلاء القوم، إن الدين عندهم طبقات اجتماعية، يقيمونها وفق أهوائهم، ويجسّدونها بحسب معتقداتهم! ولكن أنّى لنوحٍ أن يدانيَهم في أفكارهم فإنَّه لا يستجيب إلاّ لنداء الحقّ، ولا يأبَهُ إلاَّ لموقف الصدق، وإنه نبيُّ الله الذي يمقتُ الباطل حتى يعودوا عنه..
إن هؤلاء القوم يطلبون منه أن ينبذ الجماعة التي انضوت تحت رحمة الله الواحد الأحد، الفرد الصمد، فمقابل أي شيء يُقصيهم عنه ويبعدهم؟. من أجل أن يدخل سادة القوم في الدين؟!..
لا! إنهم كاذبون ولا يريدون ذلك، فلو أنهم آمنوا حقّاً بدين الله، لَجَعلوا أنصاره إخوةً لهم.. ولكنهم يريدونها صفقةً كاذبة، ليُبعدوا عنه المؤمنين، فلا يبقى أحدٌ في ديارهم على غير ما يعبدون، ويتوهّمون...
ويدرك نوح (عليه السلام) مقصدهم الخبيث، فلا يردّ إلا بلسان الأنبياء:
- إنها دعوة لكم جميعاً لا فرق بين سيّد ومسود، ولا بين غنيّ وفقير، ولا بين حاكمٍ ومحكوم، إلا بالإيمان والتقوى، فمن كان إيمانه أقوى، كان له الفضل، وكان عند الله وعندي من المقرَّبين...
ويتابع نوح (عليه السلام) ليكشف عن سوء نواياهم، فيقول لهم:
- يا قوم!... هَبُوا أنني أجبت مطلبكم، وحققتُ رغبتكم، وطردتُ جماعتي المؤمنة.. فعلى من أعتمد في نشر الدعوة؟ أأعتمد عليكم أنتم؟!.. لا والله، إنكم قوم كافرون، لا تريدون إلا الضلالة والبغي..
ويعود فيذكّرهم بالسلوك الإنسانيّ، وبما يترتّب عليه من آثار عند الواحد الديّان، فيقول: وهل أبادل الإحسان بالسيّئة، أو أقابل المعروف بالإساءة؟ وماذا يكون موقفي بين يديِ الله - عزّ وجلّ - إذا هم شكَوْا أمري إليه، وخاصموني على ما فعلت بهم؟ لا، لن أخالف أمر ربي، ولن أخذل جماعتي، اذهبوا مع غواية الشيطان، فما أنتم إلاّ قوم ظالمون.
لقد اشتدَّ الجدل بين نوح (عليه السلام) وبني قومه، واحتدم الخصام معهم، إذ جاؤوا يخادعونه، ويزيّنون له دُخولهم في دينه إن هو أبعد عنه الفئة الصالحة المؤمنة. ولكنها كانت لهم صفعة لم يتوقعوها منه، فقد آثر تلك الفئة عليهم، وجعلها أفضل منهم.. فهل يحتملونه بعد، وعلى رأسهم أسيادهم، وذوو النفوذ والجاه فيهم، أو يطيقون عليه اصطباراً؟!.
لقد أخذوا يسخرون منه كثيراً، ويسيئون إليه طويلاً.. ولكنه ظلَّ ماضياً في دعوته حتى رأوا أن يردّوا الحجة عليه بالفعل الماديّ، فطلبوا منه أن يحقّق ما أنذرهم به من تهديد، وأن يُحلَّ بهم عذابَ ربّه إن كان من الصادقين.. فقالوا له:
{...يانُوحُ قَدْ جَادَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ *} [هُود: 32]. فضاق بوقاحتهم وعنادهم ذرعاً، وانبعث من قلبه ذلك الدعاء على الظالمين، الضالين، الماكرين منادياً ربه: {...وَلاَ تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلاَّ ضَلاَلاً *} [نُوح: 24].
وفي غمرة من اليأس بصلاح هؤلاء القوم، وفي نهاية المطاف، وبعد أن أوحى الله علاَّمُ الغيوب إليه، أنه لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن، أكمل نوحٌ دعاءه لربّه: {وَقَالَ نُوحٌ رَبِّ لاَ تَذَرْ عَلَى الأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا *إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلاَ يَلِدُوا إِلاَّ فَاجِرًا كَفَّارًا *رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِي مُؤْمِناً وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَلاَ تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلاَّ تَبَارًا *} [نُوح: 26-28].
فقد أُلهم قلب نوح (عليه السلام) بأن الأرض تحتاج إلى غَسْل يُطهر وجهها من الشرّ العارم الذي انتهى إليه القوم في زمانه. وأحياناً لا يصلح أي علاج آخر غير تطهير وجه الأرض من الظالمين، لأن وجودهم يعوّق الدعوة إلى الله نهائياً، ويحول بينها وبين الوصول إلى قلوب الآخرين. وهي الحقيقة التي عبّر عنها نوح (عليه السلام) وهو يطلب من الله تعالى الإجهاز على الظالمين إجهازاً كاملاً فلا يُبْقي منهم دَيَّاراً (أي صاحب دار أو دِيار).
نوح (عليه السلام) يصنع السفينة قبل الطوفان
وأوحى الله تعالى إلى نوح (عليه السلام) {وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا وَلاَ تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ *} [هُود: 37].
وأطاع نوح (عليه السلام) أمر ربه، فاتخذ مكاناً بعيداً، ثم حمل إليه الألواح والمسامير، وراح يعمل على بناء سفينته..
وراح القوم، كلَّما مروا به، ورأوه على ما هو فيه من عمل، يتضاحكون فيما بينهم، ويسمعونه استهزاءهم وهم يقولون: أصبح نبيُّنا نَجَّاراً... وذلك من غير أن يتورع الوقحون عن مخاطبته قائلين:
- لقد زعمت يا نوح أنك نبيّ ورسول، فكيف أصبحت اليوم نجّاراً؟.
ويزيد غيرهم تهكّماً عليه بقولٍ لاذع:
- ما هذه يا نوح؟ سفينة تصنعها على الرمال القاحلة في الصحراء اللاهبة، بعيدة عن البحار والأنهار؟ هل أعددت الخيل لجرّها، أم سوف تكلِّف الريح بحملها؟
أما هو (عليه السلام) فكان لا يأبه لما يقولون، ولا يُبْدي اهتماماً لما يُعلِنون.. بل كان يعرض عنهم، ويظل منصرفاً إلى عمله بجدٍّ واهتمامٍ بالغين: ينشر الألواح، ويصل الأجزاء، ويشدّ الخشب إلى بعضه البعض بمساميرَ يصنعها من الخشب نفسه، وهو يقيم الجوانب، ويوسع الردهات ويثبت السواري، ويربط الأشرعة حتى استوت السفينةُ مكينةً، عاليةَ البنيان، واسعةَ الأركان..
وجاء اليوم الموعود الذي لم يكن قومُ نوح (عليه السلام) ينتظرونه. فقد ساق نوح (عليه السلام) إلى سفينته من كلٍّ زوجين اثنين، وذلك تحقيقاً لما أوحاه الله تعالى إليه من أجل ضمان بقاء النوع على الأرض، لأن الطوفان سيغطّي الأرض كلها، وسيُغرق الكائنات جميعها.. وإلاّ فما كان لحمل المؤمنين وكل تلك الأنواع من الحيوان والطير من معنىً!..
ثم نادى نوح (عليه السلام) بالقوم، ليأتوا إلى السفينة حيث النجاة من الغرق.. ولم يصدقوا، بل زادوا استهتاراً وسخرية بدعوته الخالصة للنجاة.. ولم يصعد إلى السفينة إلاّ من آمن به وتَبِعه، وكان عددهم قليلاً جداً..
وما إن وافى المؤمنون نوحاً، وأووا إلى السفينة، حتى فتح الله تعالى أبواب السماء بماء منهمر، وتفجَّرت الأرض عيوناً على أمرٍ قد قُدر، وبلغ السَّيلُ الزُّبى(+)، ثم جاوز القيعان إلى الربى.. ونظر نوح (عليه السلام) فيما حوله، فرأى ابنه قابعاً إلى ربوةٍ لا يتقدَّم نحو السفينة، فناداه: يا بنيّ اركبْ معنا، يرحمك الله.
فأجابه ذاك الابن الذي كان مزيَّف الإيمان، والذي كان يخفي في نفسه كفراً وزندقةً، قائلاً: {سَآوِي إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاءِ} [هُود: 43].
فقال له أبوه (عليه السلام): {لاَ عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ} [هُود: 43].
وراحت المياه ترتفع وتعلو، وهي تطفو رويداً رويداً على الكائنات والموجودات، في الوقت الذي كانت فيه الأمواج تفتح بين طيَّاتها للكافرين قبوراً، والزبد يخيط لهم أكفاناً... وبدأوا يُغالِبون الموت، ويُصارعون الموج، ولكن مصارعهم وحتوفهم كانت أقربَ إليهم من حبل الوريد.
وكانت عينا نوح (عليه السلام) لا تفارق ابنه كنعان وهو يخوض اللجج، ويدافع الموج، ويحاول أن يصعد الجبل حتى ينجوَ بنفسه من الهلاك... وناداه مرّة أخرى، أن يؤمن ويتوب ويتوجه إلى السفينة حتى يفوز بنصر الله، ولكن الابن كان قد غلب عليه الكفر، وطغى على قلبه الشرك.. فلم ينفع معه عطف الأب، ولم تُجْدِه منه شفقة ولا رحمة - لأن أمر الله تعالى هو الغالب - وكان أمره سبحانه أن يهلك ذاك الابن الجاحد، فحيل بينه وبين النجاة، وأغرقه الله العليّ القدير مع المغرقين، وأهلكه مع المهلكين.
وكانت أمنية نوح (عليه السلام) أن يخلّص ابنه من الغرق المحقَّق، ولو بالرغم منه، فنادى ربَّه: {رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ} [هُود: 45]. فأخبر الله تعالى - وهو وحده سبحانه يعلم ما في الضمائر والسرائر - نبيه نوحاً بما كان يجهله عن ابنه، إذ كان يظنه من المؤمنين، بينما هو في الحقيقة كافر، وذلك عندما وعظه ربُّهُ بقوله تعالى: {...إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلاَ تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ *} [هُود: 46].
أما زوجته فلم يهتم نوح (عليه السلام) لأمرها، ولم يستفسر عن حالها، فقد كان عالماً بما هي عليه من الكفر، والمؤمن ملزم أن يتبرّأ من غير المؤمن ـ وخاصة عندما يهديه فلا يستجيب له ـ وأن يقدّم الإيمان على اعتبارات الدم والقرابة، أو أيَّة اعتبارات أخرى..
.. وظلَّت الأمطار تتساقط، وترتفع فوق سطح الأرض، حتى غطت كل ما عليها..
ولم يعلُ على موجها إلاّ سفينة نوح (عليه السلام)، وهي تُقِلُّ تلك الفئة القليلة التي آمنت بحقيقة وجود الله تعالى، فنجاها إيمانها من الطوفان. وبذلك تحقق قَدَر الله على الأرض، وبلغ أمرهُ غايتَه، وطُويَت صحيفة القوم الظالمين...
وأخيراً كفَّت السماء عن المطر المدرار، وابتلعت الأرض الماء الهدّار، ورست السفينة على جبل الجوديِّ في أرض العراق، فهبط نوح (عليه السلام) ومن معه بسلامٍ ساجدين شاكرين لله العليّ العظيم، وإليه بالقلوب والنفوس مُنيبين، بعد أن كان الامتثال والطوع من السماء والأرض بالاستجابة لأمره تعالى: [ Kerr ]
وهكذا كان الطوفان، وكانت سفينة نوح (عليه السلام)، آيتين من آيات الله تعالى، دالتين على حقيقة الإيمان الكبرى التي حمل لواءها الإنسان منذ فجر التاريخ، كما كانتا للمؤمنين خلاصاً، وللجاحدين المستكبرين عذاباً...
ciloxan notice kobhvorlangtid.site ciloxan alkohol



Copyright © Samih Atef El-Zein 2010     VINTOB