قصص الانبياء في القرآن الكريم
الطبعة : الطبعة السابعة  
المؤلف : سميح عاطف الزين
عدد الصفحات :   692
تاريخ النشر :   2005




السور القرآنية وموضوعاتها

يقال في اللغة: تسوّر الحائط: تسلَّقَهُ، ومنه السوار: وهو حِليةٌ كالطوق تلبسه المرأة في معصمها أو زندها. أما السور فهو الحائط الذي يطوف بالمدينة، ويُسمّى به لارتفاعه.. والسورة هي المنزلة الرفيعة، كما عبر عنها الشاعر بالقول:
ألم تَرَ أنَّ الله أعطاك سورةً
ترى كلَّ مُلكٍ دونَها يَتَذَبْذَبُ؟
أي أعطاك منزلة رفيعة دونها الملك.
والسورة من القرآن الكريم هي بمثابة السور الذي يحيط بجوانب الموضوعات التي تشتمل عليها هذه السورة، تماماً كما يحيط السور بالمدينة. وقد سميت السورة القرآنية «سورة» لمكانتها الرفيعة في حفظ قول الله تعالى في كتابه المجيد الذي أنزله بلسان عربيّ مبين. وإنه والحق لكتابٌ ما تنزَّل من الأعالي، إلاَّ لتكون له هذه المكانة الخاصة والمميزة عما سواه، فحق أن يسوَّر بحفظ الله تعالى له، ليبقى على مكانته، ورفعة منزلته، ويكون سموّه فوق كل شيء، وعلى كل شيء في دنيا الأرض.
أما القصد من قوله تعالى: {سُورَةٌ أَنْزَلْنَاهَا وَفَرَضْنَاهَا} [النُّور: 1] فهو أنها تتناول جملة من الأحكام، والحِكم والمواعظ، والعبر التي تنبثق عن الموضوعات التي تضمنتها وما تتناول هذه الموضوعات من صور الحياة الإنسانية، خاصة وأنها تتناول فروضاً أوجبها الله تعالى لحفظ كرامة الحياة الإنسانية، منها المحافظة على النسل الإنسانيّ بإقامة الحدِّ على الزاني، ومنها المحافظة على الكرامة الإنسانية بإقامة الحد على القاذف.
ولذا لم يتحدّ القرآن الكريم الإنس والجنَّ على أن يأتوا بموضوعٍ يشبه مواضيع القرآن، ولا بصورةٍ شبيهةٍ بصورِ القرآن الكريم، بل تحدَّاهم أن يأتوا بسورةٍ من مثله مصداقاً لقوله تعالى: {وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ *فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ *} [البَقَرَة: 23-24].
وانطلاقاً من هذه المعاني، فقد حقت كلمة ربك - جلَّ وعلا - وكان تنزيل القرآن الكريم في مائةٍ وأربع عشرة سورة، توزعت بين السور الطوال معظمها التي أنزلت في المدينة المنورة وبين السور الوسطى والقصار التي أنزلت معظمها في مكة المكرمة والمدينة المنورة.
أما السور المكية فتتناول في الأصل أساس العقيدة الإسلامية، أي عقيدة التوحيد في نهاية مطافها وهي تتنزَّل عبر الرسالات التي حملها الأنبياء والرسلُ إلى أهل الأرض. بينما تبحث السور المدنية في معظم الأحكام الشرعية.
فمن ناحية العقيدة، وتعريفها الشموليّ أنه «ما عقد عليه القلب» فهي تتناول جوهر الإيمان بحقيقه وجود الله تعالى، وبأنه الله الذي لا إله إلا هو، وما يتفرع عن هذا الإيمان من أصول وفروع. وعرّفت العقيدة بذلك لأن لفظ «عُقد عليه» معناه جُزم به، أي صُدِّق به يقيناً، وهو عامٌّ يشمل التصديق بكل شيء. غير أن التصديق بالشيء ينظر فيه إلى ما يُصدَّق به، فإن كان أمراً أساسياً، أو متفرعاً عن أمرٍ أساسيّ كقصص الأنبياء، فإنه يصح أن يُسمى عقيدة، بحيث يدفع الاعتقاد به إلى اتخاذ موقف معين من هذا الشيء.
وأما من ناحية الأحكام الشرعية المنبثقة عن العقيدة فهي تتضمن خطاب الشارع - أي الله سبحانه وتعالى - المتعلق بأفعال العباد كالإجارة والبيع، والكفالة، والوكالة، وإقامة الحدود إلخ... أي أنها كل ما ورد في الكتاب والسنة من الأوامر والنواهي المتعلقة بأفعال العباد.
هذا بوجه عام ما تتناوله السور القرآنية من الموضوعات المتعلقة سواء بالعقيدة أو بالأحكام الشرعية وما ينبثق عنها جميعها من القضايا والشؤون، والأمور والأوضاع، والأحوال التي تتعلق بحياة الإنسان في الدارين.
ومن الثابت أن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قد قرأ القرآن كله سواء على فترات التنزيل أو بعد اكتماله، على جبريل (عليه السلام)، كما أن جبريل (عليه السلام) قد قرأه بدوره على النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم).
ومن الثابت أيضاً أن معظم السور لم تكن كل واحدة منها تتنزل دفعة واحدة، وفي زمن واحد، بل كان الوحي يحمل الآيات ويُقرئها للنبيّ فيأمر عليه الصلاة والسلام أن تُوضع كل آية في موضعها من السورة التي تعود لها، وبذلك كانت السورة الواحدة تظل «مفتوحة» فترة من الزمان تطول أو تقصر، حتى تكتمل جميع موضوعاتها، وقد تمتد هذه الفترة لسنوات عدة، كما الحال في «سورة البقرة»، وهي أطول سور القرآن الكريم وتضم بين دفَّتَيْها مائتين وثمانين وست آيات مباركة، منها آياتٌ نزلت في أوائل ما نزل بالمدينة، وأخرُ نزلت في أواخر ما نزل من القرآن الكريم.. وكذلك بالنسبة إلى «سورة النساء» فقد امتد نزول آياتها من بعد غزوة «أحد» في السنة الثالثة للهجرة إلى ما بعد السنة الثامنة حين نزلت مقدمة «سورة الممتحنة».
على أن الطابع العام لجميع سور القرآن الكريم هو أنَّ لكل سورة شخصيةً مميزة، وأنَّ لها موضوعاً رئيسياً أو عدةَ موضوعات رئيسية مشدودة إلى محور خاص. ومجمل سياقها يتناول هذه الموضوعات جميعها من جوانب معينة تحقق التناسق بينها. ولها إيقاعٌ موسيقيٌّ خاص، وإذا تغير هذا الإيقاع في ثنايا السياق، فإنما يتغير لمناسبة موضوعية خاصة. ولا يشذُّ عن قاعدة التناسق في الموضوع، وفي الإيقاع، طوالُ السور أو قصارُها، ولا عن قاعدة التناسق في ترتيب المواضيع، وفي انتقاء الألفاظ الدالة، والحبك المميز - لا بل واختيار الأحرف للّفظة الواحدة - سحر البيان لإبراز المعاني الهادفة، وقوة البلاغة لتوضيح الدلالات المعبرة.. وهذا ما جعل من القرآن الكريم معجزةً حيَّة دائمة، فلا يطرأ عليه أيُّ تبديلٍ أو تحويلٍ أو تغيير. وقد فشلت جميع المحاولات، وذهبت جميع الجهود التي بذلها أعداء القرآن من أجل الإدخال عليه، أو التحريف فيه، وباءت أعمالهم كلها بالخسران المبين، لسبب واحدٍ وهو أن هذا القرآن هو قول الله تعالى، وقد تكفَّل - سبحانه - بحفظه {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ *} [الحِجر: 9]. وسوَّره بمائةٍ وأربعَ عشرةَ سورة أودع الله تعالى في كل واحدة منها موضوعاتها التي تشتمل على صورٍ لا تعدّ ولا تحصى.. فهو محفوظ من ربه تبارك وتعالى - وهو رب العالمين - بأن أمرَ أن يُنزَّل على النحو الذي نزل فيه، يحمله جبريل الأمين (عليه السلام)، ويبلّغه رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فيحفظه في قلبه، ولسانه يردده، ليودعَهُ صدورَ قومٍ مؤمنين، ثم ليعود ويُمْليه على كتبة الوحي توقيفياً عن ربه - جلت عظمته ـ.
التفسير الموضوعي
وإنَّ من عظمة القرآن أهميةَ تأثيره في الحياة برمتها، فهو يملك أن يعمل في حياة الأمة الإسلامية منذ ولادتها، كما يملك أن يعمل في حياة الإنسانية جميعها. وإنه ليعايش الحياة الحاضرة وكأنما هو يتنزل في هذه اللحظة، لمواجهة شؤون الحياة في المعركة الدائرة بين الحق والباطل، وبين النور والظلام. وهذا ما جعل موضوعات القرآن الكريم متنوعة وشاملة، وجعل السورة الواحدة تتناول الموضوعات والصور التي تختصُّ بها وحدها. فإذا كانت السور القرآنية محدودة بالعدد إلاَّ أن موضوعاتها وصورها ليس لها حدود ولا نهاية. فكل موضوع يتناول جملة من الصور. وكل صورة تتناول جملة من الموضوعات وفق ما قد يصل إليه تفكير كل من حاول تفسير هذا الكتاب المبين تفسيراً موضوعياً والوقوف على معانيه التي تظهرها آياتُهُ وسورُهُ(+). ويمكن أن ندلِّل على تعدد الصور وتنوعها في السورة الواحدة في مثالٍ من إحدى السور القصار، وهي «سورة الطارق»: قال الله تعالى: {وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ *وَمَا أَدْرَاكَ مَا الطَّارِقُ *النَّجْمُ الثَّاقِبُ *إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ *} [الطّارق: 1-4].
{وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ *} [الطّارق: 1].. إنه قسَم من رب العزة. يقسم سبحانه وتعالى بهذه السماء التي ترونها من فوقكم، وبتلك السماوات التي ترونها ببصيرة العلم، وما في هذه السماوات من أفلاك ومجرات ونجوم وكواكب.. ويثنّي في نفس القسم بـ {...وَالطَّارِقِ *} [الطّارق: 1] ثم يبيّنه لنا بأنه {النَّجْمُ الثَّاقِبُ *} [الطّارق: 3]، الذي يثقب الظلام بشعاعه النافذ (وليس المقصود بهذا التحديد نجماً بذاته، بل ينطبق على جنس النجم، لأن أي نجم يبدو نوره واضحاً في الظلمة، ويدلُّ بأشعة نوره وهي تنفذ من خلال الظلام على وجوده). فهو إذن قسَمٌ بالسماء ونجومها الثاقبة للظلام، النافذة من هذا الحجاب الذي يستر الأشياء.. ولكن لِمَ كان هذا القسم من الخالق العظيم؟ إنه يقسم - جلَّت عظمته - بأن كل نفس عليها من أمر الله تعالى حافظ، وهو الرقيب الذي يراقبها، ويحصي عليها سكناتها وحركاتها، ويحفظ عنها كل ما تفعل أو تعمل أو تصنع، أو حتى ما تنوي أو تلفظ، أو تفكر أو تبطن..
والله - سبحانه وتعالى - يعيّن النفس، لأنها مستودع الأسرار والأفكار، وهي التي يناط بها الثواب والعقاب. وبهذا تحس وتشعر كل نفس بشرية أنها ليست متروكة بلا حسيب ولا رقيب، فهي أبداً موضع للمراقبة الدائمة حتى حين تنفرد وحدها، وتتخفى عن كل عين، وتأمن كل طارق. فهنالك الحافظ الذي يشق كل غطاء، وينفذ إلى كل مستور، تماماً كما يثقب النجم القويّ حجاب الليل الساتر. وهو نفسه الحافظ الذي يردُّ المكارهَ عن هذه النفس التي قد تنزلق بها، ما دامت تقوّي كُمُونَ الخير على الشر فيها، وتجهد للطاعة بدل المعصية..
والروعةُ في الأداء القرآنيّ التناسقُ بين المُقْسَمِ به {وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ *} [الطّارق: 1] والمُقْسَمِ عليه (النفس الإنسانية)، مما يجمع بين سنن الله - تعالى - في الكون، وسنن الله - تعالى - في الأنفس البشرية، التي يجب أن تحيا بتناسق مع الكون كله، ومع ما أوجد فيه الخالق العظيم من السنن والنظم والقوانين الثابتة التي تجعله يسير على هذا الانتظام كله حتى يأمر الله تعالى بتغييره أو تبديله أو تحويله.. ولأن الإنسان قد أوجده خالقه على هذه الأرض، وأناط به عمارتها، ولأن هذه الأرض هي إحدى مكوَّنات الكون، وتحكمها سنن خاصة بها، كان القسم بمشاهدَ من الكون لإبراز أهمية النفس في تكوين هذا الإنسان. ولذلك توخَّى النص القرآنيّ أن يشدَّ الإنسان إلى حقيقة خلقه، ونظام وجوده، فجاء بعد القسم والمُقْسَمِ عليه، قوله تعالى: {فَلْيَنْظُرِ الإِنْسَانُ مِمَّ خُلِقَ *خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ *يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ *} [الطّارق: 5-7]. أجل إنها ثلاث آيات قصيرة وبكلمات قرآنية وجيزة، ولكنها تحمل من الموضوعات، ومن الصور التي تتفرع عن هذه الموضوعات ما لا يقع تحت الحصر.. فلنتأمل بما يمكن أن يعتمل في الذهن من صور تحمله تلك الكلمات القرآنية الدالة - باعتبار أن الصورة هي ما تنقش في الأذهان - وما يمكن أن تتناول من موضوعات واسعة، تتفرع بدورها إلى موضوعاتٍ غيرها، ويظل هذا التفرع قابلاً للتنوع والتعدد بما لا يحدُّه التصوّر البشريّ.
ومن الأمثلة التي نسوقها على الصور التي يثيرها هذا النص القرآنيّ ما يلي:
- صورة النظر، وهي على نوعين: النظر الذهنيّ وموطنه العقل الذي ينتج الصور الحسية وغير الحسية، باعتبار أن الأمور الحسية منبثقة عن الحواس الخمس أي عن العقل الذي يتكوّن التفكير فيه باجتماع: الواقع والحواس الخمس والدماغ، والمعلومات السابقة، مما يجعل الإحساس ناجماً عن الحواس أي ما يرتبط بالعقل، وهو بخلاف الشعور الذي ينبثق عن القلب، وما يختزن من شتى أنواع المشاعر، مما يجعل الإحساس - ومصدره العقل - والشعور - ومصدره القلب - يجتمعان معاً في تكوين النفس الإنسانية. وبذلك يتلاقى النظر الذهنيّ مع النظر الماديّ فيعطيان من الصور ما شاء الله، وهو ما يرمي إليه النص القرآنيّ من عبارة «فلينظر الإنسان»..
ـ صورة هذا «الإنسان» الكاملة والتامة التي وجد عليها منذ الخليقة الأولى، والتي لم تتغيّر، ولم تتبدل على الإطلاق، فكما خلق الله تعالى آدم وحواء (عليهما السلام) كان خلق بني آدم جميعاً على نفس الصورة والشكل، وإنما من خلال النظام الذي أودعه الله تعالى في كل من الرجل والمرأة للإخصاب والإنجاب. وسوف تبقى صورة الإنسان هي نفسها إلى يوم البعث والحساب. كما ينبئنا بذلك القرآن الكريم، بقوله تعالى: {...فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لاَ تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ *} [الرُّوم: 30].
- صورة الماء وهي بذاتها تتفرع إلى صور عديدة منها:
* صورة الغازات التي يتكون منها، وكل غاز بنسبة معينة..
** صورة الغيوم التي تتكاثف حتى تبرد، وتتساقط ماءً أو بَرَداً أو ثلجاً..
*** صورة الماء السائل الذي يملأ ثلاثة أرباع الكرة الأرضية (المحيطات، والبحار، والأنهار، والبحيرات، والجداول، والبرك، والعيون) فضلاً عما يختزن منه باطن الأرض..
- صورة الملوحة التي تختص بمياه البحار، وما يتكون في هذه البحار من عوالم الأحياء والجماد..
- صورة العذوبة التي يستقي منها الإنسان والحيوان والنبات قوام وجوده.
- صورة الحياة برمتها التي لا وجود لها بدون الماء بدليل قوله تعالى: {أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلاَ يُؤْمِنُونَ *} [الأنبيَاء: 30]. أجل، إن من الماء كل شيء حيّ سواء النبات والحيوان، أو الإنسان الذي لا يعيش بدون وجود نسبة كبيرة من الماء في جسمه، فإذا فُقدت هلك هذا الإنسان ومات، وكذلك سائر الحيوانات والنباتات التي لا يمكنها العيش بلا ماء..
- صورة العرش العظيم بدليل قوله تعالى: {وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ} [هُود: 7].
- صورة الخلق البشريّ، وهي بدورها تنبثق عنها صور كثيرة ومنها:
* صورة «الماء الدافق» أي منيّ الرجل الذي يتجمع في عظام ظهره الفقرية، وماء المرأة الذي يتجمع في عظام صدرها العلوية. وبواسطة الرباط المقدس الذي يربط بينهما، وهو الزواج، يتم اجتماع الرجل والمرأة، وعلى الكيفية التي يلتقي ماؤه بمائها (المنيّ بالبويضة) يبدأ تكوين بذرة الخلق الآدميّ.
* صورة الجنين في تخلّقه خلال المراحل التي يمرُّ بها في بطن أمه، وما يرافق الحمل من تفاعلات داخلية ومؤثرات خارجية من شأنها أن تؤدي إلى حفظ الجنين أو إسقاطه.
* صورة الولادة والكيفية التي يخرج بها المولود الجديد، إذ هو يتكيّف وحده - وبأمر الخالق العظيم - في كل موضع يمرّ به خلال نزوله، دون أن يكون للأطباء أي دور بتاتاً في هذا التكيّف.
* صورة الطفل وقد خرج إلى هذه الحياة الدنيا بشراً سوياً، وعلى هذه الصورة التي أحسن الخالق المصور في إبداعها، فتبارك الله أحسن الخالقين.
* صورة الرجل وقد صار إنساناً في هذه الحياة، وصورة المرأة وقد صارت إنسانةً في هذه الحياة، ليكون التفاعل الذي تقوم عليه الحياة..
أرأيت إلى هذه الصور التي تختزلها ثلاث آيات في «سورة الطارق» بقوله تعالى: {فَلْيَنْظُرِ الإِنْسَانُ مِمَّ خُلِقَ *خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ *يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ *} [الطّارق: 5-7]..
أجل! أرأيت إلى هذه الصور التي لو شئت أن تطَّلع على أبحاث أهل العلم فيها، للقيت في وصفها تعباً، ولامتلأت من أسرارها عجباً؟!. وقد يلزمك سنين طويلة دون أن تحيط بكل موضوعاتها وتفصيلاتها؟!.. بدليل أن الموضوعات التي تتعلق بتكوين الإنسان الجسديّ ما تزال مفتوحة للنظر فيها، واكتشاف أشياءَ جديدةٍ عنه، يظهرها العلم في تقدمه المستمر..
ولا يقتصر تعدد الموضوعات والصور على مطلع «سورة الطارق» وحده، إذ كل ما تبقى من هذه السورة المباركة يحمل أيضاً من الموضوعات والصور ما يملأ أسفاراً عديدة، شأن هذه السورة كشأن سائر سور القرآن الكريم التي تمتلىء بما يعجز الإنسان عن الإحاطة به بصورة شاملة وتامة. والسرُّ في ذلك أنها كلمات الله - عزّ وجلّ - وكلمات الله لا تنفد، بما يؤكده قوله العزيز: {قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا *} [الكهف: 109]. وقوله تعالى: {وَلَوْ أَنَّمَا فِي الأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلاَمٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ *} [لقمَان: 27]. ولذا نرى أن كل صورة تحوي موضوعات عدة، كما أن كل موضوع يحوي صوراً عدة، لا حصر لها. الله أكبر.. إن قلوب المؤمنين لتخشع حقاً، وجلودهم لتقشعر فعلاً وهم يستمعون إلى كلام الله - عزّ وجلّ - في هاتين الآيتين المباركتين، فيدركون كم يحوي هذا القرآن العظيم بين دفّتَيْهِ من دعوةٍ للإنسان كي يغوص في أعماقه، ويفيد من فضله ومكرماته، كما يدلنا عليه أمير المؤمنين الإمام عليّ بن أبي طالب (كرم الله وجهه) وهو يقول في فضل القرآن: «واعلموا أن هذا القرآن هو الناصحُ الذي لا يغشُّ، والهادي الذي لا يضلُّ، والمحدّثُ الذي لا يكذب. وما جالسَ هذا القرآنَ أحدٌ إلاَّ قام عنه بزيادة أو نقصان: زيادةٍ في هدى، أو نقصانٍ من عمىً. واعلموا أن ليس على أحدٍ بَعْدَ القرآن من فاقةٍ، ولا لأحدٍ قبل القرآن من غنى، فاستشفوه من أدوائكم، واستعينوا به على لأوائكم(+) فإنَّ فيه شفاء من أكبر الداء: وهو الكفر والنفاق، والغيّ والضلال. فاسألوا الله به، وتوجهوا إليه بحبه، ولا تسألوا به خلقه، إنه ما توجَّه العباد إلى الله تعالى بمثله. واعلموا أنه شافِعٌ مُشَفَّعٌ، وقائلٌ مصدَّق». أجل إن أمير المؤمنين علياً (كرم الله وجهه)، وبعدما استنطق القرآن، يدعونا إلى أن نكون من أتباعه، أي من العاملين على معرفة ما فيه. وإذا كانت كلمات الله تعالى في هذا الكتاب المبين لا يمكن للعقل البشريّ أن يحدّ موضوعاتها وصورها، إلاَّ أن على المفكر بذل الجهد لمعرفة ما يمكن معرفته منه، وهذا لا يكون إلا بالتفسير الموضوعيّ.
لقد حاولنا بهدي من الله تعالى، وببركة رسوله الكريم أن نفسر القرآن بطريقة «التفسير الموضوعيّ» فجاء في اثني عشر مجلداً تناولت كثيراً من موضوعات هذا الكتاب المبين. وهي في الحقيقة ليست إلاَّ موضوعات محدودة بالنسبة لعلمنا المحدود، وقليلاً من كثير لا يستطيع أحد في العالمين إحصاءه. وإن كان باستطاعة كل من يقدر على التفسير الموضوعيّ أن يكتشف موضوعات غيرها، وأن يبحث في آفاق جديدة لعوالم كتاب الله المجيد. بل ويظل بإمكانه أن ينهل من هذا المعين العذب الذي لا ينقطع ما دام القرآن قائماً أبداً، وإلى ما شاء الله تعالى.. والتفسير الموضوعيّ قد يبدأ من القرآن، ويأتي التفسير موضوعياً من القرآن نفسه. وقد يبدأ من الواقع لمعالجة موضوع معين، فيستنطق هنا المفسِّرُ القرآنَ ليعطيَ حكمه على هذا الموضوع، باعتبار أن القرآن الكريم هو الصامت الناطق، فإن حاولنا تفسيره بطريقة التفسير التجزيئي كان هو الصامت، أما إن أردنا تفسيره موضوعياً فكان هو الناطق، بل ومعطي الأحكام التي تعالج شؤون الحياة برمتها، بل وشؤون الآخرة في ما هو مطلوب من الإنسان معرفته، والاهتداء إليه.
وهذا ما يجعلنا نؤكد أن التفسير الموضوعيّ إنما ينطلق دائماً من الواقع، حتى ولو كان الموضوع الذي يبحثه غيبياً، وقد تناوله القرآن في جملةٍ من آياته وأدلته، وشواهده، كما هو الحال مثلاً في «الجنة» التي عرَّفها الله تعالى لمستحقيها الذين آمنوا وعملوا الصالحات من عباده. فهي في الحقيقة أمر غيبيّ لا نحسّ واقعها ونحن في دنيا الأرض، ولا نتذوق طعم فاكهتها وثمراتها، ولا نشعر بأنهارها تجري من حولنا، ولا بأطيارها تشدو على أفنانها. ولكنَّ وصفها كما جاء به القرآن الكريم يجعلها ماثلة أمام حواسنا ومشاعرنا، لأنه ملتحم بواقعنا، إذ إننا نعرف ما هي الأنهار الجارية، والبساتين الغنّاء، والظلال الوارفة، ونعرف أنواعاً كثيرة من الطيور التي يؤكل لحمها والتي لا يؤكل لحمها... كل هذا الواقع الذي نعيشه حالياً يعطينا القرآن المبين صوراً عنه في الجنة تلامس أحاسيسنا ومشاعرنا، وتجعلها تتآلف مع واقع هذه الحياة التي نحياها في دنيانا. ومن تلك الأوصاف التي يبيّنها لنا القرآن الكريم عن الجنة قوله تعالى: {مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصْفّىً وَلَهُمْ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَمَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ كَمَنْ هُوَ خَالِدٌ فِي النَّارِ وَسُقُوا مَاءً حَمِيمًا فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ *} [محَمَّد: 15]؛ وقوله تعالى: {لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ *خَافِضَةٌ رَافِعَةٌ *إِذَا رُجَّتِ الأَرْضُ رَجًّا *وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسًّا *فَكَانَتْ هَبَاءَ مُنْبَثًّا *وَكُنْتُمْ أَزْوَاجًا ثَلاَثَةً *فَأَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ *وَأَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ *وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ *أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ *فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ *ثُلَّةٌ مِنَ الأَوَّلِينَ *وَقَلِيلٌ مِنَ الآخِرِينَ *عَلَى سُرُرٍ مَوْضُونَةٍ *مُتَّكِئِينَ عَلَيْهَا مُتَقَابِلِينَ *يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ *بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ وَكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ *لاَ يُصَدَّعُونَ عَنْهَا وَلاَ يُنْزِفُونَ *وَفَاكِهَةٍ مِمَّا يَتَخَيَّرُونَ *وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ *وَحُورٌ عِينٌ *كَأَمْثَالِ اللَّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ *} [الواقِعَة: 2-23]؛ وقوله تعالى: {وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقًا قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ وأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ *} [البَقَرَة: 25]، أي أن الثمار التي يرزقونها في الجنة تتشابه في أنواعها وألوانها ورائحتها مع ما هو موجود على الأرض التي كانوا يعيشون واقعها من قبل عندما كانوا في الحياة الدنيا.
ومَثَلُ النار كمثلِ الجنة - وقد جاء البحث عنهما في كتابنا «الأمثال» من خلال التفسير الموضوعيّ - إذ يعطينا القرآن الكريم الصورة الحسية عنها كما نعرفها في واقعنا الحياتيّ، وهو ما يدل عليه أيضاً قول الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) : «أهونُ عذاب أهل النار جمرةٌ في أخمصِ القدمين يغلي منها الدماغ»(+)...
وهذا هو الحال بالنسبة لسائر الأمور الغيبية التي تتصل وتلتحم بالواقع الذي نعيشه نحن بأجسادنا ومأكلنا ومشربنا.
يستفاد من ذلك كله أنه يجب علينا أن ننطلقَ دائماً من الواقع كلما أردنا أن نلج فهم التفسير الموضوعيّ، وأن نعيَ هذا الواقع ونفهمه فهماً دقيقاً لأنه أصعب بكثير من التفقّه في الأحكام الشرعية المتعلقة به.. أجل إن التفقّه في فهم الواقع يتطلب دقةً متناهية، لأنه لو فهمنا الواقع بشكل خاطىء، وطُبِعت صورته في أذهاننا، ثم ذهبنا نتلمس من القرآن الأدلة الشاهدة على صحة الواقع أو عدم صحته لوقعنا في الخطأ الفادح. والسبب في ذلك أننا نكون قد أتينا بالأدلة التي تعالج الواقع الخاطىء الذي انطبع في أذهاننا، وليس الواقع الذي نعيشه على حقيقته، ونريد حكماً لمعالجته. فيجب دائماً في التفسير الموضوعيّ الانطلاق من الواقع المعاش حقاً وصدقاً، كي يكون الفهم صحيحاً وسليماً، وتكون المعالجة ناجحة ومفيدة.
والتفسير الموضوعيّ لا يعني أبداً أن بإمكان الإنسان تبيينَ القرآن أو تأويلَه، وإنما مجرد تنسيق وجمع كل ما يتعلق بموضوع معين، وإعطاء ما يمكن إعطاؤه حول هذا الموضوع من خلال ما ورد في القرآن كله... ولذلك كان الأمر بعيداً عن معاني تبيين القرآن، لأن الإنسان - ومهما علا شأنه في العلم والمعرفة - يبقى غير معنيٍّ بهذا التبيين، لأن تبيين القرآن مقصورٌ على القرآن نفسه، وعلى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) مما يستدعي بالضرورة توضيح ماذا يعني التبيين، وماذا يعني التأويل، والفارق بينه وبين التفسير..
التبيين
يعبّر في اللغة عن التبيين بمفردات عديدة مثل: بيّن وتبيّن واستبان وبيان. وكل منها تدل على معنى خاص بها. وهذه أمثلة من القرآن الكريم على ذلك، قال تعالى: {قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الآيَاتِ} [آل عِمرَان: 118]. وقال تعالى: {قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ} [البَقَرَة: 256]. وقال تعالى: {...وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ *} [الأنعَام: 55]. وقال تعالى: {هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ} [آل عِمرَان: 138].
والآيات القرآنية قد تكون آيات مُبيَّنات أو آيات مُبيِّنات. فالآية المبيَّنة اعتباراً بمن بيَّنها، والمبيِّنة اعتباراً بما تبيِّنه هي، لأن البيِّنة هي الدلالة الواضحة سواء أكانت عقلية أم محسوسة، لقوله تعالى: {أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ} [هُود: 17]، وقوله تعالى: {لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَا مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ} [الأنفَال: 42]، ومن هنا سمي الشاهدان بالبيِّنة من البيِّنات لقول رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) : «البينة على من ادعى واليمين على من أنكر».
أما البيان فهو الكشف عن الشيء، ويُسمَّى ما بُيِّن به بياناً كما في قوله تعالى: {وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ} [النّحل: 44]. والبيان أعم من النطق، وقد اختص به الإنسان، ولذلك يسمى البيان كلاماً لكشفه عن المعنى المقصود إظهاره، كما في قوله تعالى: {هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ} [آل عِمرَان: 138]، كما يسمى ما يشرح به المجمل والمبهم من الكلام بياناً كما في قوله تعالى: {ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ *} [القِيَامَة: 19].
وهذا كله يدلنا على أن التبيين في القرآن الكريم لا يمكن أن يكون من عند الإنسان، بل هو من عند الله تعالى كما يظهر من الآيات المبيِّنة، ومن كلام رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) عندما بيّن معانيَ الآيات التي تحتاج إلى التبيين، وكان تبيينه لها بوحي من الله عزّ وجلّ لقوله تعالى: {وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى *إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى *} [النّجْم: 3-4]. وهذا يؤكد أن بيان القرآن كله إنما هو من عند الله - تبارك وتعالى - سواء في متن الآيات القرآنية المبيِّنة، كما في قوله تعالى: {إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ *فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ *ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ *} [القِيَامَة: 17-19]، أم بواسطة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) في قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا وَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ إِلاَّ أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا *} [النِّسَاء: 19]. فالله سبحانه وتعالى قد أنزل هذا الحكم في إرث النساء، ولكن السّنة النبوية الشريفة هي التي بيّنت كيفية تطبيقه. وكذلك الأمر في الصلوات فقد نزلت من الله العزيز الحكيم هذه الفرائض بأوقاتها، وأما كيفية إقامتها، وعدد ركعاتها فهي عن النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)، عندما قال عليه الصلاة والسلام «صلّوا كما رأيتموني أصلِّي» إلى غير ذلك في كثيرٍ من الأحكام بل والمفاهيم التي كان يبينها سيدنا رسول الله، مما يقطع به الحكم، وبصورة لا تقبل أي جدل بأن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) كان مبيِّناً للقرآن بوحيٍ من ربه عزّ وجلّ.. وكذلك ينفي القول بأن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) كان مفسراً للقرآن، لأن التفسير يدخل فيه الاجتهاد.
لذلك كان جديراً بالمسلمين وعيُ هذه الحقيقة بعدما ذهب بعض العلماء الأجلاّء إلى القول تارةً بأن الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) كان مفسراً، وتارةً إلى أنه كان مجتهداً. وربما سبب ذلك كان عدم الانتباه إلى الفارق الكبير بين تبيين القرآن وتفسيره.. لأنه محال على رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أن يكون مفسراً أو مجتهداً، وهو الذي بعثهُ ربُّهُ تعالى بالهدى، وليبيّن للناس ما نزل إليهم - لا ليفسر مفردات القرآن وألفاظـه - وإلاَّ لو اعتبرنا صحيحاً ما ذهب إليه أولئك العلماء والمجتهدون لخالفنا منطوق القرآن نفسه، ومنطوق الوحي، بل ودور الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) بأنه بشير ونذير من رب العالمين.
التفسير والتأويل:
الفَسْر في اللغة: هو إظهار المعنى المعقول.
والتفسير هو ما يختص بمفردات الألفاظ وغريبها. ولذا يقال: فسَرتَ (المخففة) أو فسَّرت (المشددة) عندما يكون القصدُ توضيحَ اللفظ، والمراد منه.. والجدير بالذكر أن لفظة «تفسير» قد وردت في القرآن الكريم مرةً واحدة فقط.. وذلك في قول الله تعالى: {وَلاَ يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلاَّ جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا *} [الفُرقان: 33]. ويختلف التفسير عن التأويل. فبينما يؤدي التفسير إلى بيان المراد باللفظ، يؤدي التأويل إلى بيان المراد بالمعنى، وما سيؤول إليه هذا المعنى فيما بعد..
وقد يجتمع التفسير والتأويل لإبراز ما يحتوي اللفظ من المعاني، كما هي الحال في تفسير الرؤيا وتأويلها، أي ما سوف تؤول إليه الرؤيا، كما عبَّر عن ذلك القرآن الكريم بلفظة «تَعْبُرُون» في الآية 43 من «سورة يوسف».. قال تعالى: {وَقَالَ الْمَلِكُ إِنِّي أَرَى سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعَ سُنْبُلاَتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ يَاأَيُّهَا الْمَلأَُ أَفْتُونِي فِي رُؤْيَايَ إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّؤيَا تَعْبُرُونَ *} [يُوسُف: 43]، أي أفيدوني عن معنى هذه الرؤيا وما يمكن أن تعبِّر عنه من وقائع وأحداث..
تلك كانت رؤيا ملك مصر، عندما رأى في المنام ما حكى عنه النص القرآنيّ فجمع الملك مَلَأَه من أهل العلم والمعرفة وطلب إليهم أن يفسّروا له تلك الرؤيا وأن يخبروه بما يمكن أن تؤول إليه، إن كانوا يستطيعون تأويل الرؤى.. ولم يقدر أحَدٌ على ذلك إلاَّ يوسف (عليه السلام) فقد عبَّر عن الرؤيا بما تعني، وأخبر الملك عما سيحل في بلاده من الجفاف والضيق الاقتصاديّ، وما عليه أن يفعل لكي يعبر بالبلاد من تلك الضائقة. وكان ذلك بوحي من الله - عزّ وجلّ - أوحاه إلى يوسف (عليه السلام).
وإذا كانت كلمة «تفسير» لم ترد إلاَّ في آية واحدة من كل القرآن الكريم، فإن سوراً عدة قد وردت فيها لفظة «تأويل». وكل سورة كان للتأويل فيها موضوع أو موضوعات تختلف عن موضوعات التأويل في سورة أخرى. ويمكن أن نسوق على ذلك الأمثلة التالية:
1 - كان يوسف (عليه السلام) ما يزال غلاماً عندما رأى مناماً، فجاء أباه يخبره به... {إِذْ قَالَ يُوسُفُ لأَِبِيه ياأَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ *} [يُوسُف: 4]. قال له أبوه: {يابُنَيَّ لاَ تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا} [يُوسُف: 5].
وبالفعل فقد حصل ما توقع الأب، إذ كان كيد إخوة يوسف (عليه السلام) له بأن رموه في بئر، ولكن الله تعالى نجاه وعاش في مصر بعيداً عن أهله في فلسطين.. وكانت رؤيا الملك، وعبَّرها له يوسف، فولاَّه الملك وزيراً عنده، حينها جَمعَ إليه أبويه وإخوته. فلما دخلوا جميعهم عليه رفع أبويه على العرش، فانحنى له أبواه وإخوته انحناء تقدير ومحبة، فعندها قال لأبيه: {ياأَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا} [يُوسُف: 100]. أي هذا ما آلت إليه تلك الرؤيا التي أخبرتك بها عندما كنت صغيراً.. إذ عنى بـ«أحد عشر كوكباً»: إخوته، وعنى بـ«الشمس والقمر»: أمَّهُ وأباه، وعنى بالسجود له: انحناءهم أمامه وهم يحيّونه على عادة أهل ذلك الزمان تعبيراً عن الإكرام وزيادةً في الاحترام..
2 - وهذه خلاصة أحداث شهدها موسى (عليه السلام) وهو يرافق أحد عباد الله الصالحين (وهو الخضر (عليه السلام) كما قال المفسرون) وتأويل تلك الأحداث التي اعتبرها موسى (عليه السلام) مستهجنة، مستغربة حتى بانت له الحكمة منها:
أ - فقد رآه يعيب سفينة ركبها معه، حتى يوقفها في مكانها، فلا تمخر عباب البحر..
ب - ورآه يقتل غلاماً بعد أن نزلا من السفينة، دون أن يؤذيه الغلام بشيء..
ج - ورآه يهدم جداراً ثم يبنيه بدون أجر وبدون طلب من أحدٍ في بلدة استطعما أهلها وهما يمران فيها، فأبوا أن يضيّفوهما.. وكان موسى (عليه السلام) كلما رأى شيئاً من ذلك يستغرب، ويحتج على العبد الصالح، حتى لجَّ في الأمر، فقال له عندها العبد الصالح: سوف أنبئك بتأويل تلك الأحداث على أن لا تصاحبني بعد ذلك:
- أما السفينة فكانت لمساكين يعيشون منها، وكان وراءهم في البحر ملك غاصِب في حربٍ مع عدوه، لا يجد سفينة صالحةً إلاَّ ويستولي عليها ظلماً وعدواناً، فأردت أن أعيبها كي لا يأخذها ذلك الملك، فيقوم أصحابها بعدها بإصلاحها وتبقى لهم وسيلة للكسب.
- وأما الغلام فكان أبواه مؤمنين، وكان طائشاً متهوراً وعلم الله أنَّ الكفر قد عشش في نفسه، وخوفاً من أن يرهق أمه وأباه، ويوقعهما في الكفر، فقد أمرني ربي أن أقتله، حتى يبدلهما الله خيراً منه.
- وأما الجدار فكان لغلامين يتيمين وكان على وشك الانهيار وكان تحته كنز قد خبأه لهما أبوهما قبل وفاته، فإن وقع هذا الجدار فسوف يظهر الكنز ويأخذه الناس، لذلك قمت بهدمه وإعادة بنائه حتى يبقى الكنز مخفيّاً، فيستخرجانه عندما يبلغان سن الرشد، وينتفعان به.. وكل ما فعلته لم يكن عن أمري ومن تلقاء نفسي بل مما أمرني به الله العزيز الحكيم {...ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا *} [الكهف: 82].
3 - ومن التأويل في القرآن الكريم قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَومِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً *} [النِّسَاء: 59].. أي أن رد الأمر المتنازع فيه إلى كتاب الله لبيان حكمه، وإلى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فيما بيَّن عنه هو خير لكم ليكون المآل سليماً، وصحيحاً بحول الله تعالى وحكمته، فما يدلكم عليه القرآن، وسنة الرسول هما الأجدرُ بالاتباع لأن الرجوع إليهما سوف يجعل نتيجة النزاع بإذن الله الخبير العليم خيراً.
4 - ومنه قوله تعالى: {هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُولُو الأَلْبَابِ *} [آل عِمرَان: 7].
أي أن في القرآن آياتٍ محكمات، واضحاتِ الدلالة والمعنى فلا تحتاج لأي تفسير أو تأويل لأنها تحمل معنىً واحداً، وهي أم الكتاب، كما أن فيه آياتٍ متشابهاتٍ تحمل أكثر من معنى، فهي لا تُفهم معانيها، ودلالاتُها، ولا مقاصدُها البعيدة إلاَّ بقرائن، قد تترتب عليها أحداث وأحكام في المستقبل، لأن معرفة المستقبل داخلةٌ في علم الغيب، ولا يعلم الغيب إلا الله سبحانه وتعالى. ولذلك فإن التأويل هو الذي تؤول إليه الأمور فيما بعد، لا يعلمه إلا الله سبحانه وتعالى، لأنه يدخل في المآل والمصير.
وعلى هذا فإن معنى الآية الكريمة يكون أن في القرآن آياتٍ محكماتٍ لا تحتمل التأويل، وأُخرَ متشابهاتٍ هي التي تحتمل التأويل. فأما الذين في قلوبهم زيغ وأمراض فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة، إما لجهلهم أو لوقوعهم في اللبس والشبهات، وإما لأنهم يريدون الدسَّ على معاني القرآن وتحميل المعنى أكثر ما يحتمل بحسب أغراضهم الدنيئة، ولذلك يحاولون تأويله بما يوافق مقاصدهم الخبيثة. وكل ذلك ابتغاء الفتنة، والصدِّ عن سبيل الله. بينما في الحقيقة لا يعلم تأويل القرآن إلا اللهُ تعالى، لأنه وحده - سبحانه - يعلم الغيب وما ستؤول إليه الأمور التي تشير إليها بعض الآيات المتشابهات إشاراتٍ لا يستطيع الإنسان إدراكها قبل حصولها.. أما المؤمنون الراسخون في العلم فإنهم يأخذون بالمحكم منه والمتشابه دونما أي تأويل، لأنهم يؤمنون ويقولون: إنَّ كل ما أنزل في هذا القرآن هو من عند الله ربنا تبارك وتعالى، وقد آمنا بالمتشابه منه ولو لم نعلم معناه على الوجه الواضح تماماً، كما آمنا بالمحكم منه لأنه كله من عند ربنا. وما يعلم هذه الحقيقة، ويتعظ بها إلا أصحاب العقول النيّرة، الذين يؤمنون حق الإيمان، ولا يبتغون الفتنة، ولا يبغونها عوجاً.
لذلك فإن الآية (7) من سورة آل عمران تؤكد بصورة قاطعة أن تأويل القرآن لا يعلمه إلا الله سبحانه وتعالى. ذلك أن (الواو) في عبارة «والراسخون في العلم» هي استئنافية، وليست (واو العطف) فينتهي المعنى المفيد عند: {وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللَّهُ} [آل عِمرَان: 7]، ليبدأ معنى مفيد آخر باستئناف القول: {وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ} [آل عِمرَان: 7] أي بكلٍّ من المحكم والمتشابه لأنه من عند ربنا. فالراسخون في العلم لا يعلمون تأويله، لأن تأويله هو في علم الغيب الذي اختص به الله تعالى. ولكن الراسخين في العلم وبما حباهم الله تعالى من المعرفة يقولون: آمنا بالمحكم الذي لا يحمل إلا معنىً واحداً، وبالمتشابه الذي يحمل أكثر من معنى.
فهذه الأمثلة التي أوردناها في الآية 99 من «سورة يوسف» وفي الآية 59 من «سورة النساء». والآية 7 من «سورة آل عمران» تبين معنى التأويل، وتدلُّ على أنه أي شيء يحدث وتترتب عليه نتائج في المستقبل، لا يعلمه إلا الله سبحانه وتعالى. وأما الذي يتحقق بفعل الإنسان فإنه يقف عند حدِّ التفسير - دون أن يتعداه إلى التأويل ـ، أي تفسير الحدث بما آل إليه، ووفقاً لما أخبر عنه في السابق.
ويكفي الإنسان أن يقصر بحثه على تفسير القرآن الكريم، وأن يترك التأويل والتبيين لأن مناطهما بالله تعالى ورسوله الكريم.. ومن يقتحم أبواب التفسير القرآنيّ، ويلج طريق التفسير الموضوعيّ، فسيهتدي إن شاء الله العليم الحكيم إلى ما فيه نفع الأمة، ومصلحة العباد، وذلك من خلال معالجة القضايا المستجدة، والمسائل المعاصرة، والأمور الحادثة بما يعيد إنسان العصر إلى روحانية الإيمان، وينتشله من عالم الماديات التي أفسدت عليه فطرته وحياته.
ويقيناً إن شريعتنا الغراء لا يعوزها شيء، وكفى بشرعنا أنه من عند الله تعالى. فإن حصل التقصير فمردُّه إلى نفوسنا، وإلى تخاذلنا وتوكلنا على غيرنا - من غرب وشرق - حتى باتت أفكارنا شبه مشلولة عن استنباط الحكم الشرعيّ كلما دعت إليه الحاجة في حياتنا المعاصرة.
وإن التفسير الموضوعيّ للقرآن الكريم - وحده - قادر على أن يتوغل، أفقياً وعمودياً، في شتى أمور الحياة وشؤونها لكي يوجد الأفكار الرئيسية التي تعبِّر عن وجهة نظر الإسلام في كل شيء... ففي الاقتصاد يجب أن نستخرج ونستنبط من الكتاب والسنة النظام الاقتصاديّ كما يعالجه الإسلام، ومثله النظام الاجتماعيّ الذي تقوم عليه علاقة الرجل بالمرأة، أو النظام السياسيّ الذي تقوم عليه الدولة والحكم.. وكذلك الأمر في مجال العلاقات الدولية، والسياسة الدولية، وكل ما يتعلق بالناس، أفراد وجماعات، في علاقتهم مع ربهم - جلَّ جلاله - وفي علاقاتهم مع بعضهم البعض، وقبل كل شيء في تربية أنفسهم، وتنقية قلوبهم.. ولن نقدر، على كل حال، أن نفيد من القرآن الكريم إلاَّ ما تمكّننا به قدرتنا وطاقتنا البشرية، وعلمنا المحدود بالقياس إلى علم الله - سبحانه وتعالى - لأنه هو الحكيم الخبير، وقد أحاط بكل شيء علماً..
وإننا نأمل في ما قدمناه أن نكون قد أعطينا فكرةً واضحةً عن السور القرآنية، التي تقيم سُوراً منيعاً وسياجاً متيناً لصورِ وموضوعاتِ الكتاب المبين، بما فيها القصص القرآنيّ الذي يشكل نسجاً خاصاً بموضاعاته وصوره التي تنبىء عن حياة تلك الثلة الواعية من الأنبياء والرسل، والتي تساعدنا على حلّ ما يواجهنا في حياتنا، شرط أن نتخذ منهم القدوة الصالحة، والأسوة الحسنة. وهذه القصص هي إحدى موضوعات القرآن الكريم، رغم أن القصة الواحدة قد ترد في عدد من السور، وأحياناً يكون جانبٌ منها متمِّماً لموضوعٍ غير متعلق بالنبيّ الذي تحكي عنه القصة، كما جاء في «سورة غافر»، عندما تحدَّث مؤمن فرعون عن يوسف (عليه السلام)، كما في قوله تعالى: {وَلَقَدْ جَاءَكُمْ يُوسُفُ مِنْ قَبْلُ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا زِلْتُمْ فِي شَكٍّ مِمَّا جَاءَكُمْ بِهِ حَتَّى إِذَا هَلَكَ قُلْتُمْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ مِنْ بَعْدِهِ رَسُولاً كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مُرْتَابٌ *} [غَافر: 34]. كما أن صورة أحد الأنبياء لا تكتمل في سورة واحدة، بل نحتاج لنعطيَ الصورة التامة عن هذا النبيّ إلى الأخذ من سورٍ متعددةٍ كما هو الحال عن حياة آدم ونوح (عليهما السلام) - مع أنه يوجد سورة كاملة عن نوح - وحياة إبراهيم وهود وصالح عليهم أفضل الصلاة والسلام. بل وقد ترد القصة عن حياة نبيٍّ في آيتين كريمتين وفي سورتين من القرآن المجيد كما هي الحال في قصة إدريس (عليه السلام). والقرآن كله، رغم أنه كتاب الله للناس كافة فإنه يروي حياة النبيّ محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) في مجمله، رغم ما يحتوي عليه هذا الكتاب من بيان للناس عن شؤون الكون والحياة والإنسان، إذ لا نجد سورة من سوره إلا وفيها خطاب للنبيِّ محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) من ربه، كي يعيش الوحي الذي يُنَزَّلُ عليه، ويبلغه للناس بمفرده ومجمله، حتى يكتمل في النهاية التبليغ، وتكتمل الرسالة الإسلامية بتمامها، ولا يعود من بعدها حجة للناس على الله، أو حجة للعباد على الخالق...
amantadin cena amantadin ratiopharm amantadin nedir



Copyright © Samih Atef El-Zein 2010     VINTOB