قصص الانبياء في القرآن الكريم
الطبعة : الطبعة السابعة  
المؤلف : سميح عاطف الزين
عدد الصفحات :   692
تاريخ النشر :   2005




نظام الزوجية

من البديهي القول إن التناسل عبر نظام التزاوج هو الوسيلة لديمومة الحياة واستمرارها على هذه الأرض كما شاءها المولى الكريم باعث الحباة والوجود. ونظام التزاوج بين الذكر والأنثى هو الدليل الثابت على ما في اطّراد الزوجية في النبات والحيوان من القصد، ونفي المصادفة. ويظل التكوينُ الجنينيُّ للإنسان في تصويره، وخلقته، من بويضته ونطفته، وعلقته ومضغته، وعظامه وكسوتها، وقراره المكين إلى قدره ومدته، أعظمَ دليل على ما أراده الخالق العظيم كما يبيّنه في قوله تعالى: {يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ خَلْقًا مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ فِي ظُلُمَاتٍ ثَلاَثٍ} [الزُّمَر: 6].
ويكون الخلق في هذه الظلمات الثلاث على النحو التالي: تتكوَّن عند المرأة بويضة مثل بيضة الدجاجة، ولكنها أصغر منها بكثير. قطرها يراوح بين جزء وجزءين من (10) أجزاء من المليمتر. ووزنها جزء من مليون جزء من الغرام. وفيها محّ ( Cytoplasme ) وفي المحّ الحويصلة الجرثومية ( Noyau التي يبلغ قطرها جزءاً من (700) جزء من القيراط. وفي الحويصلة تكمن النطفة الجرثومية ( Nuclإole التي يبلغ قطرها جزءاً من (3000) جزء من القيراط. فتلك البويضة، وبالمقادير التي رأينا تتكوّن في داخل المبيض المظلم ضمن حويصلة تسبح في سائلها الألبوميني. فإذا نمت هذه الحويصلة وازداد السائل الذي في باطنها يتمدّد غشاؤها ويرقّ ثم ينفجر وتخرج البويضة منها ومن المبيض كله.
وتسير البويضة إلى فم البوق، وهو عبارة عن طريق ضيّق ضيّق، دقيق دقيق، قطره قطر شعرة، يختبىء وراء الرحم ويمتدّ منها إلى المبيض. ويدخل الحيوان المنَوي الذكري من الرحم حتى يصل إلى البوق، حيث يلتقي البويضة. ولكن هذا الحيوان صغير جداً جداً، بالنسبة إلى البويضة، فطوله عبارة عن 60 جزءاً من ألف جزء من المليمتر، يسبح بسرعة هائلة في السائل الذي يقذف به، وسباحته تتم في حركة لولبيّة، حتى تؤتيَ السرعة المطلوبة. وجوهر هذا الحيوان المنَويّ في رأسه لا في ذنبه، ولذلك جُعل له رأس مكوز، وجُعل برأسه عنق لولبيّ، وجُعل لعنقه ذنب طويل يضرب به الماء الذي يسبح فيه ويقذف بنفسه، وجُعل هذا الذيل معقوداً بأنشوطة لينفك عنه إذا دخل البويضة.
أما عدد الحيوانات المنوية الذكرية فيربو على (200) مليون، ولكنه لا يصل إلى البويضة إلا ما كان أقواها وأسرعها، حتى يمكنه اختراق الباب الخاصّ الذي يوصله إلى البويضة، وهو الباب المسمّى: باب الجاذبية ( Cآne D’attraction فعندما يدخل الحيوان المنويّ ينغلق هذا الباب، وتنقطع الجاذبية فتموت بعد إغلاقه جميع الحيوانات المنوية الأخرى.
وهكذا فإن الرحم تستقبل كل شهر البويضةَ التي تستقر فيها، فتنفتح خلايا غشائه المخاطيّ، وتتسع الشعيرات الدموية فيها، وتنشط الغدد. فإذا لم يتم التزاوج بين البويضة والسائل المنَويّ، كانت الدورة الشهرية في موعدها لدى المرأة، أما إذا تم التزاوج فإنه يبدأ العمل المشترك ما بين الحيوان المنَويّ والبويضة في بناء الإنسان الجديد.
{صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ} [النَّمل: 88]!!
فيمشج الشريكان: كل شريك ما عنده بما عند الآخر من عناصر التخطيط النوويّ الكروموزومات ( Chromosomes وما فيها من الخِلَق المخلّقة (الجينات Gءnes التي خطَّها وخلَّقها وسوّاها القادر المقدّر بأقلام الإرث المتحدّر، عبر الأجيال، من الجدود والآباء إلى الأبناء وأبناء الأبناء (سلالة من طين) ثم (سلالة من ماء مهين). ومن هذا الاختلاط تتكوَّن النطفة الأمشاج التي دلَّ عليها أحسن الخالقين بقوله تعالى: {إِنَّا خَلَقْنَا الإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ} [الإنسَان: 2].. وعناصر التخطيط والتخليق والتسوية التي يخلّق الله بها المضغة لتكون بشراً سويّاً فرداً يتميَّز عن غيره من الناس بكل صفاته الجسدية والعقلية من شكلٍ وقدٍّ ولونٍ، وذكورةٍ وأنوثةٍ وجمالٍ، وقوة حواسّ وذكاء وأخلاق، ترسم كلها للفرد الخطوط الأولى من حظه في الحياة.
وهكذا فإن البويضة النطفة الأمشاج، التي تحمل في نواتها عناصر التخطيط النوويّ، تسير سيراً رهواً بطيئاً في البوق فلا تنتهي منه إلى الرحم إلا بعد 8 أيام أو عشرة تقوم خلالها بتقسيم نفسها تقسيماً بعد تقسيم لكي تهيىء كل قسم وتعدّه للدور الذي سيقوم به في تكوين الجنين الجديد، أو في حفظه وحمايته ووقايته، أو في تغذيته.
وعندما تصل البويضة النطفة إلى الرحم تلتصق بجداره، وتبدأ خلايا الأقسام عملها العظيم بالتعاون مع بعضها أو مع خلايا جدار الرحم، فتجعل حول الجنين غلافاً فوق غلاف فوق غلاف...
فالغلاف الأول الظاهر الذي يحيط بجميع الأغشية ويسمى السَّلى ( Chorion المعدّ في جانبه الملتصق بجدار الرحم كوسيلة للتغذية الأولية ثم لتكوين المشيمة العجيبة، وفي جانبه الظاهر غير الملتصق بجدار الرحم كوسيلة لوقاية الجنين وحفظه.
والغلاف الثاني تقوم البويضة النطفة بنسجه تحت (السلى) ليحيط بالجنين إحاطة كاملة من وراء غلاف مائي يحيط بالجنين إحاطة مباشرة ليقيه مع الغلافين الأولين كل صدمة أو رجَّة تأتي من الخارج.
وتبدأ في الوقت نفسه، الخلايا الجرثومية (المخلَّقة)، التي تُكوِّن الجنين، سيرها في تطوّرها من نطفة إلى علقة إلى مضغة، على الترتيب الذي ذكره القرآن الكريم..
ومن هذه المضغة المخططة المخلّقة بكروموزوماتها المتخالطة وجيناتها يبدأ تكوين الأعضاء والأحشاء، كما بدأ تكوين أغشية الحفظ والوقاية والتغذية من الخلايا المحّيَّة غير المخلّقة. فيقوم قسم من الخلايا الجرثومية بتكوين مبادىء القلب، بينما يقوم قسم آخر منها بتكوين مبادىء المخّ ومبادىء العمود الفقريّ، إلى جانب خلايا أخرى تقوم بتكوين مبادىء الأحشاء من الجهاز الهضميّ والتنفسيّ والتناسليّ، إلى جانب خلايا أخرى تقوم بتكوين العظام، كلٍّ في دائرة اختصاصه. فلا ينتهي الشهر الثاني إلا وتصبح المضغة إنساناً كاملاً بجميع أعضائه وأحشائه وأعصابه. وهنا السرّ في الخلق، إذ إن هذه الخلايا قد وضع فيها الخالقُ الفطرةَ التي تُعطيها القدرةَ على أن تسوّيَ إنساناً كاملاً، ولكنها تصير عاجزةً حين تصبح هي نفسُها إنساناً كاملاً عن أن تخلق ذبابة {قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى *} [طه: 50].
أما الوظيفة التي تقوم بها المشيمة فهي آية أخرى من آيات الإعجاز. فخلايا السلى وخلايا جدار الرحم تشترك كما قلنا في صنع المشيمة للجنين.. وهذا الجنين الجديد، يحتاج إذا صار مضغة وتكوّنت أعضاؤه، إلى طريقة من التغذية غير الطريقة الامتصاصية الارتشاحية الساذجة التي تحصل بين حبلِ السلى وبين جيوب الدم الرحمية، لأن حاجة الجنين إلى الدم إذا كبر ستكون أكبر، وحاجة الدم إلى التصفية إذا كثر ستكون أكثر. ولما كان لا يجوز أن يدخل دم الأم بذاته إلى الجنين، وأن دم الجنين يجب أن يتخلَّص من أقذاره وسمومه كما يتخلّص كل حيوان، فلا بد من وجود آلة كبرى تتولى هذا الترشيح والتوريد والتصدير بين دم الأم الوارد المطهَّر ودم الجنين الصادر القذر، فكانت المشيمة العجيبة التي بنتها الخلايا من خمل الكوريون وأهدابه ومن جيوب الدم الرحمية، وجعلتها موصولة بسرَّة الجنين بحبل يحمل منها إليه عناصر الغذاء والأوكسجين التي تستخلصها المشيمة من دم الأم، ثم يحمل الحبل من الجنين إلى المشيمة، في وريد آخر، ما يتكوَّن في جسم الجنين من سموم وأقذار حتى إذا خرج الجنين إلى عالم النور والهواء والثدي، وأصبح قادراً على تنفس الهواء برئتيه وامتصاص الغذاء بشفتيه، وقادراً على حرق قمامته في سَحْره (رئته)، ولفظها من نحره، قُطعت المشيمة عن الولد وسُدَّ باب السرَّة إلى الأبد.
إن هذا النظام العجيب، والتصميم الغريب من خلق الإنسان في أصلاب الرجال وبويضات النساء، ووجوده في الأجنة في بطون النساء لهو الآية الكبرى على قدرة الله في الخلْق.. ولو تأمّل الإنسان وتفكَّر، لوعى وتبصّر.
هذا هو الإنسان الذي خلقه الله في أحسن تقويم، وجعل أصله من طين الأرض وترابها. سبحانه وتعالى عما يشركون.
ciloxan notice ciloxan bivirkninger ciloxan alkohol



Copyright © Samih Atef El-Zein 2010     VINTOB