قصص الانبياء في القرآن الكريم
الطبعة : الطبعة السابعة  
المؤلف : سميح عاطف الزين
عدد الصفحات :   692
تاريخ النشر :   2005




التكوين

قال الله تعالى: {أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلاَ يُؤْمِنُونَ *} [الأنبيَاء: 30].
1 - كانت السموات والأرض ملتصقتين منسدتين، ففتق الخالق العظيم السموات فجعلها سبعاً وجعل الأرض التي نعيش عليها واحدة وفقاً لما يهدينا إليه القرآن الكريم. وكانت السماء لا تمطر وبعد فتقها بدأت تمطر، وكانت الأرض لا تُنبت فبدأت تنبت وصارت صالحة للحياة.
2 - {وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً} [هُود: 7].
المراد بخلق السموات والأرض هو جمعُ أجزائها وفصلُها وفتقُها في ستة أيام أولها الأحد وآخرها الجمعة.
{وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ} [هُود: 7] أي أن المادة الأولى التي كان يتألف منها الكون يومئذٍ هي الماء. وأما قوله تعالى: {ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ} [الرّعد: 2] فيعني احتواءه السموات والأرض علماً وتدبيراً، وإحاطةَ علمه سبحانه وتعالى بكل ما فيهنّ وما بينهنَّ.
وأما قوله تعالى: {...وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَلاَ يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ *} [البَقَرَة: 255] فمعناه: ولا يعجزه حفظهما وهو العليّ في مكانته، العظيم في خلقه.
3 - {وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ *وَالأَرْضَ فَرَشْنَاهَا فَنِعْمَ الْمَاهِدُونَ *وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ *فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ *} [الذّاريَات: 47-50].
ومعنى: {وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ} [الذّاريَات: 47]، أي بقوّة.
4 - {أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ *وَالأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ *تَبْصِرَةً وَذِكْرَى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ *} [ق: 6-8].
أي بنيناها بغير عمد ترونها، وزيّناها بالكواكب، وما لها من فروج أي شقوق تعيبها.
5 - {تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ *الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ *الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَانِ مِنْ تَفَاوُتٍ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ *ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئًا وَهُوَ حَسِيرٌ *} [المُلك: 1-4].
«طباقاً» : بعضها فوق بعض من غير مماسة.
«ما ترى في خلق الرحمن من تفاوت» أي من تباين وعدم تناسب. «فارجع البصر» أي أعده إلى السماء. «هل ترى من فطور» أي هل ترى من صدوع وشقوق. «ثم ارجع البصر كرّتين» أي مرّة بعد مرّة. «ينقلب إليك البصر خاسئاً» أي ذليلاً لعدم إدراك الخلل. «وهو حسير» أي وهو كليل منقطع عن رؤية الخلل.
نحن لا نريد البحث في العوالم السماوية، وما خلق الله فيها، وما هي عليه من إحكام وتنظيم، بل نترك هذا لمن يريد أن يعرف ما في هذا الكون من اتساع وشمول ودقة وانتظام فيعود إلى علوم الفيزياء والكيمياء والرياضيات العالية ونظرياتها، وخاصة علم الفلك، ليرى في الحقائق التي اكتشفتها هذه العلوم ما يدهش العقول، ويرمي النفوس في الذهول.
وإذا كان موضوعنا هو خلق الإنسان وتكوينه، فإنا نكتفي إذن بالإشارة فقط إلى ما له علاقة بهذا الموضوع، وبإعطاء صورة ولو جزئية ومبسطة، عن هذا الكون الفسيح.
فإذا ما تصورنا الكون كالمحيط الضخم، كانت المجرات - وفقاً للرأي الفلكيّ الحديث ـ كالجزائر الكبيرة، ومجرتنا ـ المسماة درب التبَّان ـ إحداها. وكانت مجموعتنا الشمسية رقعة صغيرة في هذه المجرة، وأرضنا جزءاً صغيراً من هذه الرقعة.
وبتعبير آخر، وبشيءٍ من التفصيل، يمكن القول بأن العِلْمَ قد توصل إلى التقرير بأن الشمس التي ترسل أشعتها إلى الأرض هي واحدة من شموس عديدة متباينة الأوصاف والأقدار والتكاوين، تؤلف في مجموعها نظاماً نجمياً ضخماً أطلق عليه اسم «المجرة». وهي تبلغ من الضخامة مبلغاً يذهل الخيال، وتبدو للعين المجردة في ليلة صافية الأديم كأنها نهر، أو نطاق مضيء، غبش الضياء، مقوس فوق الرأس، ومن هنا سميت الطريق اللبنية أو درب التبانة. وقد وصفها هرشل - في أول العقد التاسع من القرن الثامن عشر - للجمعية الملكية بقوله: «إنها طبقة ممتدة من النجوم وليست شمسنا ومجموعتنا الشمسية سوى جزء منها».
ويشبِّهُ العلماء هذه المجرة أي «درب التبانة» بعجلة أو بحبة عدس، يبلغ قطرها مئة ألف سنة ضوئية(+) وهي تدور على مركز فيها، فتتم الدورة في مئتين وعشرين مليون سنة، وتنشىء في دورانها أذرعاً منحنية على جسمها الرئيسيّ، فتصير كأنها حلزون، وفي إحدى هذه الأذرع يقع نظامنا الشمسيّ على خمسة وعشرين ألف سنة ضوئية من المركز. ومجرتنا هذه تحتوي على مئة ألف مليون شمس أو نجم تقع أكثرها في الوسط، والمسافات بينها شاسعة، حتى ليمكن القول إن معظم الحيّز الذي تشغله المجرة هو فراغ أو قريب من الفراغ، لأنّه يحوي سُحُباً لطيفة من مادة غازية كونية أو غبار، أو من ذرات سائبة، وبخاصة ذرات الايدروجين.
وقد أظهر علم الفلك والعلوم المتآزرة معه، أنَّ هنالك ألوفَ الملايين من المجرات، مثل مجرتنا، تبعد عنا ملايين السنين الضوئية، وهي تتباعد عنا، وبعضها يتباعد عن بعض، بسرعة عظيمة. وإن أقرب مجرة إلى مجرتنا تبعد عنها نحو مليوني سنة ضوئية، ودراستها تبين أنها على شبَه كبير بمجرتنا، شكلاً وقدراً وتكويناً. أما المجرة التي تبدو في صورة الدب الأكبر فتبعد ثمانية ملايين سنة ضوئية. وهنالك أيضاً من المجرات ما يبعد أكثر بكثير حتى يبلغ بضعة ألوف الملايين من سنيِّ الضوء.
هذا وقد دلَّت الأبحاث، في وسيط التاريخ وحديثه، على وجود بقع من الضياء السديمي(+) «لطخ سحابية» وهي تقابل لفظ «نيبولا» ( Nebula ), وبتقدم البحث، بدأ يتضح أن تلك البقع التي تسمى «السدم» هي عوالم نجمية ضخمة واقعة خارج مجرتنا، وأن منها مجرة قائمة بذاتها، وتضم ألوف الملايين من النجوم، فأطلقوا عليها أوصافاً مختلفة كقولهم: «السدم الواقعة خارج المجرة» أو «العوالم الجزرية» على اعتبارها جزراً في خضم الكون.
وهكذا تبدو الأرض، في هذا التصوير الجزئيّ للكون الفسيح، كوكباً سيَّاراً يدور حول الشمس، وتجاريها في ذلك كواكب سيارة أخرى، وأجرام متعددة الأشكال والأوصاف فتؤلف في جملتها ما وقع الاصطلاح على تسميته بالمجموعة الشمسية أو «النظام الشمسيّ».
وهذا النظام الشمسيّ مركزه الشمس، وحولها تدور تسعة كواكب سيارة، وهي بحسب ترتيبها في بعدها عن الشمس: عطارد (أقربها)، الزهرة، الأرض، المريخ، المشتري، زحل، أورانوس، نبتون، بلوطو (أبعدها). ولبعض هذه الكواكب أقمار تدور حولها: فللأرض قمر، وللمريخ قمران، وللمشتري اثنا عشر قمراً، ولزحل تسعة، ولأورانوس خمسة، ولنبتون قمران. وليس لعطارد، أو الزهرة، ولا لبلوطو قمر - فيما نعلم -.
وهكذا يتبين أن في النظام الشمسيّ عدداً من الكواكب السيارة، منها ما هو أكبر من الأرض، ومنها ما هو أصغر، ومنها ما هو أسرع دوراناً من الأرض حول الشمس وحول محوره، ومنها ما هو أقل منها سرعة في دورانه.
ويضم أيضاً النظام الشمسيّ أجراماً عديدة، كبيرة وصغيرة، لا تكاد تحصى. منها الكويكبات، وهي تعد بالألوف، ويغلب الظنّ على أنها نثار كوكب قديم سطت عليه القوى الكونية فتفتت، فبقيت شظاياه تدور في فلكه بين المريخ والمشتري. ومنها ذوات الأذناب أو المذنّبات، التي يدور كثير منها في مدارات إهليليجية مستطيلة. ثم هناك الشهب التي تشق الفضاء فرادى، كخيوط من الضياء، أو تنهمر أحياناً في زخَّاتٍ تتبدى للعين حين تدخل جو الأرض، فيحصل الاحتكاك وترتفع الحرارة، فتومض حتى ينتهي أمرها أو تتفرقع فتسمى عندئذٍ النيازك، وتبقى منها بقية قليلة تبلغ الأرض فهي الرجم، كما حصل في سيبيريا وأريزونا منذ عشرات السنين.
وجميع هذه الكواكب السيارة، والأجرام الأخرى، في النظام الشمسيّ، متفتقة عن السماء، كما يقول القرآن الكريم، أو منفصلة عن الشمس أو عن كوكب آخر قديم، كما يقول العلماء. والمعنى واحد...
والسؤال الهام: هل إن الأرض دون غيرها من أجرام الكون - وبالتحديد من كواكب النظام الشمسيّ - صالحة للحياة، أو ثمّة كواكبُ أخرى في نظامنا الشمسيّ، أو حول شموس أخرى في مجرتنا، أو في المجرات الخارجية، تتوافر في بعضها أحوال مؤاتية لنشأة الحياة واستمرارها وتطورها؟.
ليس في الوسع الرد على هذا السؤال المترامي تراميَ الكون نفسه، ولكن من الثابت، أنه لم يتم حتى الآن اكتشاف مقومات للحياة، على الأقل في أي من الكواكب الأخرى، على غرار الحياة التي تعرفها الأرض. وإذا حصرنا البحث في الكواكب السيارة التي يشتمل عليها نظامنا الشمسيّ، فإن مقومات الحياة على هذه الكواكب غير موجودة، باستثناء المريخ الذي يذهب البعض إلى القول باحتمال وجود أحياء على سطحه، ولكن من طبقة الأحياء النباتية الدنيا وحسب، وهذا ما يفضي إلى الاستنتاج بأن الأرض وحدها هي الصالحة للحياة من دون الكواكب السيارة الأخرى في النظام الشمسيّ. وقد أدى الاكتشاف العلميّ إلى تقرير استبعاد مقومات الحياة على هذه الكواكب نظراً لتكوين كل منها، وما ينطوي عليه هذا التكوين من انعدام بيئة مؤاتية للحياة. ويبدو ذلك في إظهار بعض خصائص كل كوكب من كواكب النظام الشمسيّ، على النحو التالي:
فعطارد: أقرب هذه الكواكب إلى الشمس وإن كان معدل بعده عنها ستة وثلاثين مليوناً من الأميال. وهو صغير الحجم لا يزيد على حجم قمر الأرض، ويدور حول الشمس أربع مراتٍ في السنة أي أن سنته هي ربع سنة الأرض. الجاذبية فيه قليلة. ليس فيه هواء... ولهذه الأسباب فهو لا يصلح للحياة.
الزهرة: تتلألأ كالماسة الصافية بعد الغروب أو قبل الشروق، وتكاد تكون هي والأرض من حيث الحجم أختين توأمين. وتدور على نفسها في نفس المدة التي تدور فيها حول الشمس أي خلال 225 يوماً. وهي مثل القمر، تتجه بأحد وجهيها نحو الشمس، بحيث تبلغ الحرارة فيها (90) درجة. بينما تكون حرارة الوجه الثاني (20) درجة تحت الصفر. ليس فيها هواء ولا ماء. بل فيها بخار سميك. وهذه المزايا تجعلها غير صالحة للحياة.
المريخ: يدور حول نفسه مرّة كل 24 ساعة تماماً كالأرض. ولكنه يدور حول الشمس مرة كل (687) يوماً. ويبعد عن الشمس حوالى 142 مليون ميل. وحرارته في النهار بضع درجات فوق الصفر، ولكنها في الليل تنزل إلى (70) درجة تحت الصفر. سطحه برّ لا بحر فيه ولا ماء، وإن توهَّم بعض الباحثين، في النصف الأول من القرن العشرين، أن على سطحه أحياء.. وها هم اليوم قد وصلوا إليه ولم يعثروا على شيءٍ يستحق الذكر، بل ما وصلوا إليه هو ما عرفوه عنه من قبل ومازال البحث بين أرجائه عن شيءٍ مفيدٍ جارياً.
وأما ما عرفوه قبلُ عن طبيعته فهواؤه مؤلف من غاز أثقل من الأوكسجين. جاذبيته 3/1 جاذبية الأرض فلا تكفي إذن لحفظ الأوكسجين في هوائه. ولهذه الأسباب فهو لا يصلح أبداً للحياة، على رأي غالبية المحققين من العلماء.
المشتري: هو كالجبار بين كواكب الشمس يفوق حجمه حجم الأرض ألفاً وثلاثمائة مرة، وتفوق كتلته كتلة الكواكب السيارة مجتمعة. ويُتم دورته حول الشمس في 12 سنة، ويدور على محوره في كل (10) ساعات. يبعد عن الشمس 484 مليون ميل تقريباً. درجة الحرارة فيه (130) درجة تحت الصفر. كثافته (4/1) كثافة الأرض. ويرجح العلماء أنه كتلة من الغاز والمواد الذائبة التي تجمعت في هذه الكتلة، فمن البديهي ألاّ يكون صالحاً للحياة.
زحل: يُتم دورته حول الشمس في 29 سنة ونصف السنة تقريباً. ودورته على محوره في (10) ساعات. وبعده عن الشمس 887 مليون ميل، فيصل إليه من حرارة الشمس جزء من (90) جزءاً مما يصل إلى الأرض، وهو متفرد بوجود حلقات مضيئة حوله، علاوة على تسعة أقمار...
كثافته أقل من (4/1) كثافة الأرض. ويظهر أن مادة سطحه مائعة متحركة. فمن الطبيعي أنه لا يصلح للحياة.
أما أورانوس ونبتون وبلوطو: فعدم صلاحها للحياة أظهرُ لأسباب كثيرة، ولا سيما أن الأول يتم دورته حول الشمس كل (48) سنة و7 أيام، ويدور على محوره في (10) ساعات، وبُعده عن الشمس (172) مليون ميل. والثاني (نبتون) يتم دورته حول الشمس في (169) سنة تقريباً، ويدور على محوره في (10) ساعات، وبعده عن الشمس 2792 مليون ميل. وبلوطو يتم دورته حول الشمس في (247) سنة، وبعده عنها 3670 مليون ميل تقريباً... فهل تصلح الحياة إذن على كوكب سيّار، الشتاء فيه (42) سنة أو (84) سنة أو (123) سنة، والصيف فيه كذلك. ونهاره خمس ساعات، وليله خمس ساعات أيضاً؟!.
ولنترك نحن هذا الكون لخالقه، يدبّره كما يشاء، ولنترك للعلماء أن يكتشفوا، ويزيدوا اكتشافاً كلما تقدمت الخبرات والوسائل التي تتيح لهم مجالاً أوسع في الاكتشاف، ثم نقف البحث أو نقصره على أحد أجزاء هذا الكون، نظراً لما له من علاقة وثيقة بالإنسان وحياته، ونعني بهذا الجزء أرضَنا التي نحيا على ظهرها، وتضمُّنا بين جوانحها.
فأرضنا التي منَّ الله تعالى علينا بخلقها كما دلَّت عليه آيات كثيرة من كتابه المجيد، وذكَّرنا بما في هذا الخلق من دلائل القصد والحكمة والنظام، هي السيّار الوحيد الذي جعله الله صالحاً للحياة: فقربها من الشمس معتدل. والحرارة التي تصل إليها معتدلة. ودورتها اليومية معتدلة وكافية لإحداث نهار وليل معتدلين صالحين للسعي والراحة. ودورتها السنوية معتدلة وكافية لإحداث فصول معتدلة صالحة لإرواء الزروع وإنضاجها. وهي تمتاز بالماء والهواء وسائر العناصر الأخرى التي بها قوام الحياة البشرية.
أجل إن هذه المزايا هي التي تجعل الأرض صالحة للحياة. ذلك أن حجمها أصغر من حجم الشمس بمليون و300 ألف مرة. وأن كتلتها أي وزنها أقل من الشمس بـ 332 ألف مرة تقريباً، وأنها أكثف السيارات جميعاً، بل أكثف من الشمس نفسها لأن كثافة الشمس هي ربع كثافة الأرض. فالثقل النوعيّ لكل جسم في الشمس أخفّ من الثقل النوعيّ للجسم نفسه وهو على الأرض.
هذا، وإنّ بُعدها عن الشمس يبلغ حوالى (93) مليون ميل، وإن دورتها اليومية حول نفسها تتم في 24 ساعة. ودورتها السنوية حول الشمس تتم في 365 يوماً وربع اليوم. وشكل مدارها حول الشمس إهليلجيّ(+). وإن سرعة دورانها حول نفسها تبلغ حوالى ألف ميل في الساعة. وسرعة دورانها حول الشمس تجري بمعدل (18) ميلاً في الثانية أي نحو (55) ألف ميل في الساعة. ووضعها على مدارها مائل بزاوية قدرها 23 درجة.
ويقول العلماء لو كان حجم الأرض أكبر مما هو أو أصغر، أو كان ثقلها وكثافتها أقل أو أكثر، لاختلَّ أمر الحياة أو تغيَّرَ أو تشوَّه. لأن حجمها متناسب مع سرعتها، ومع دورتها وثقلها، ومتناسب مع قوّة جذبها. فلو زاد الحجم أو نقص لتغيَّرت السرعة والمدّة. ولو قلَّ جذبها لأفْلَتَ الأوكسجين منها. ولولا الدورة اليومية لما كان الليلُ والنهارُ دائبين ثابتين.
ولو زادت سرعة دورانها حول نفسها عن ألف ميل في الساعة أو قلَّت، كما هو الحال في بقيَّة السيارات، فكانت مثلاً مئة ميل في الساعة لأصبح طول النهار (120) ساعة، أو لاحترقت زروعنا في لهيب النار وذوَت في زمهرير الليل، ولاختلَّ ميزان العمل في النهار، والراحة والنوم في الليل. ولكنَّ هذه السرعة ثابتة لم يطرأ عليها تبديل في ثانية واحدة منذ أن خلقها الله الحكيم الخبير. ولولا الجاذبية التي تربطنا بالأرض، بل لولا التعادل الدقيق بين الجاذبية التي تلصقنا بالأرض وقوَّة البعد عن المركز ( Force centrifuge ) التي تطردنا عن سطحها لطرنا وطارت بيوتنا، وزحلت بحارنا من وسط الأرض إلى القطبين... فسبحان الذي قدَّر كل شيء بدقة وإتقان، حتى جعل الأرض صالحة للحياة...
وبعدُ، إذا ما تأمَّلنا في تلك العوامل والأسباب التي جعلت الأرض وحدها في النظام الشمسيّ، صالحةً للحياة، دون السيارات الأخرى في هذا النظام، فإننا ندهش متسائلين:
ولمَ كانت الأرض وحدها هكذا؟..
والجواب: من أجل أن تكون صالحة للحياة..
ولمن تكون هذه الحياة؟
لمن شاء الله الحكيم العليم أن يجعله خليفةً في الأرض.
ومن هو خليفةُ الله في أرضه؟
إنَّه الإِنسان...
وممَّ خلق الإنسان؟
من تراب الأرض وطينها، أي من الأرض نفسها..
وماذا يعني ذلك؟
يعني أن الله سبحانه وتعالى عندما جعل الأرض وحدها صالحة للحياة، فقد أراد لمن يعمّر هذه الأرض، أن يتكوّن منها، وأن تظل حياته منها، ثم يعود إلى أصله من التراب، فكما بدأ من تراب فإنه يعود إلى تراب.. وهذه دلالة الله العظمى، وآيته الكبرى في تكوين الإنسان وفي خلقه. فقد شاء أن يجبلَ الإنسانَ الأول (آدم (عليه السلام)) من طين الأرض وصلصالها، ويخلطه بمائها، ثم يعجنَه ويكوّنه على الصورة التي أراده عليها، وما إن يلفحها الهواء، وتصلها حرارة الشمس حتى تصلب، وتشتد، وتأتيها الروح بإذنه تعالى، فتستوي بشراً سوياً...
وهكذا يكون أصل الإنسان من الأرض، التي خصَّها الله ـ تعالى ـ بالحياة، فمن الطبيعيّ أن يكون الإنسان كائناً حيّاً، وحياته تستمرّ من الأرض الحيَّة، التي تعطيه الغذاء والماء، فإنْ فقدهما فلا حياة له.. لذلك نجدُ أنَّ كلَّ ما يأكله الإنسان إنما أصله من الأرض سواءٌ أكان من اللحم أو الخضار أو الحبّ أو الفاكهة التي منها طعامهُ ـ وبعض شرابه ـ بمختلف أصنافه وأنواعه وأشكاله... حتى إذا امتنع عليه طعامٌ أو شراب مما تعطيه الأرضُ، فقد الحياة...والحكمة الأعظم أنَّهُ بعد انتهاء أجله على الأرض فإنه، إلى الطين والتراب يعود، أي إلى الأرض التي خلق منها في الأصل.
وبعد، أيها القارىء الكريم، فهل من عجب، بعد الذي عرفناه، أن يخصّ الله سبحانه وتعالى، الأرض وحدها بالحياة من دون سائر الكواكب السيارة حول الشمس؟ وأن يعطيها من المزايا والخصائص ما يكفل تأمين هذه الحياة؟! ثم يخصّ الإنسان من بين كل الخلائق عليها بنفخٍ من روحه، بعد أن كوَّن له الخلْقَ الجسميّ والنفسيّ كاملين، ويطلق عليه اسم التراب تبييناً لصحة خلقه منه، وذلك أن الإنسان الأول، إنما كان خلقُهُ من أدمة الأرض: أن اشتقاق آدم إنما يأتي لكونه مخلوقاً من تراب باعتبار أنَّ الأدمة في اللغة إنما هي مشبهة بلون التراب. وآدَمَ أدماً بين القوم: «أصلح وألَّف ووفَّق بينهم» مما يدل على أن اسم «آدم» إنما يعني الإصلاح والتأليف بين عناصر تكوينه. وهي خصيصة اختص بها آدم (عليه السلام)، وقد شاءَ الله تعالى أن يجعل لها معنىً جوهرياً للدلالة على أهم خواص الخلق وهي الفكر والإرادة والنطق، وهي فعلاً الخصائص التي يتصف بها الإنسان وتميزه عن سائر المخلوقات. وهنا السرّ الذي أودعه الخالق في هذا المخلوق البشريّ إذ جعل اسم الإنسان الأول يقترن بأصله من الطين وجعل فيه من المزايا والصفات التي لا تكون إلا له وحده من دون سائر مخلوقاته على سطح الأرض. وفي ذلك ما يكفي من الأدلة والبراهين للتأكيد على الخلق الإنسانيّ المميز، والعناية الخاصة التي أولاه إياها خالقه العليّ العظيم.
ولو سأل سائل:
هل لجسم مخلوقٍ من صلصال كالفخار أن تستقرّ فيه الروح ويستوي بشراً؟
والجواب سهل وبسيط للغاية: إن الله تعالى الذي جعل هذا الكون على هذا المدى من الاتساع بحيث لم يقدر العقل البشريّ أن يحدّه بعد، وجعل فيه هذا النظام الخارق في الدقة والإتقان، بحيث تَسْبَحُ المجرَّاتُ، والأفلاك، والكواكب، التي لا تعدّ ولا تحصى، كل في نطاق محدد، معيّن، ثابت لا يحيد عنه ـ ومثاله، كما رأينا، الأرضُ التي ما تزال على نفس السرعة الثابتة لم تتغيَّر منذ وجودها ـ أجل إن الخالق العظيم الذي سنَّ للكون كله مثل هذا الانتظام الشامل الكامل، لقادرٌ بكلمة «كن» أن يمنح لأي كائن ما يشاء أن يمنحه من القدرة والحركة. وهكذا فإنه عزّ وجلّ عندما نفخ في الإنسان من روحه فإن هذه النفخة قد فعلت فعلها في الجسم الترابيّ، فاستوى بشراً سوياً أي ذا قدرات خارقة تكمن جميعها في ما انطوى عليه تكوينه الروحيّ والنفسي والجسديّ.. فكان حرياً به أن يبلغ ما بلغ من النضوج الفكري، وأن يصنع من نتاج هذا الفكر ما يذهل العقول ويدهش النفوس...
ثم إنه ثبت في العصر الحديث، وبعد كثير من التجارب والاختبارات، أن مادة هذا الكون تتكوّن من ذرات العناصر الأربعة (التراب والماء والنار والهواء)، وأن هذه العناصر الأربعة تتكوَّن هي نفسها من عناصر وعناصر أخرى، وأن هذه العناصر الكثيرة تتكوَّن من أجزاء صغيرة، وأن تلك الأجزاء الصغيرة مكوَّنة من أجزاء أصغرَ منها بكثير، هي الذرات ( Atoms ) التي تبلغ كلُّ منها حداً كبيراً من الصغر، بحيث قُدِّرَ قطر الذرّة الواحدة بجزء من خمسين مليون جزء من (البوصة)، ووزنها يتراوح على اختلاف العناصر بين جزءين و395 جزءاً من مليون مليار مليار جزء من الغرام.
وهذا الحجم يراه العلماء عظيماً بالنسبة لحجم الإلكترونات والبروتونات التي تتألف منها الذرة. وللتدليل على ذلك يمكن القول بأن الفرق بين حجم الذرّة كلها وبين حجم الإلكترون الذي هو فيها كالفرق بين ذرّة الغبار وغرفة في منزل...
ومن الطبيعي أن تتكون الذرّة من جوف وما يحيط به أو يغلفه من أجزاء أخرى.. فللذرّة غلاف تدور فيه نواة واحدة أو نوىً كثيرة... أما الغلاف فهو مؤلّف من إلكترون ( Electron ) واحد أو إلكترونات بحسب العناصر، وأما النواة فهي مؤلفة من بروتون ( Proton ) واحد أو من بروتونات كثيرة، ومن نيوترون ( Neutron ) واحد أو نيوترونات كثيرة، إلاّ في الهيدروجين فلا نيوترون فيه.
والإلكترون عبارة عن وحدة كهربائية سالبة، والبروتون عبارة عن وحدة كهربائية موجبة، والنيوترون عبارة عن وحدة كهربائية محايدة ( Neutre ) سالبة ولا موجبة.
وهكذا تكون المادة والعالم كله ونحن معه عبارة عن وحدات أو شحنات كهربائية. فالمادة التي يتألف منها العالم، ونحن معه، عبارة عن طاقات كهربائية متجمعة على شكل ذرات وعناصر. وقد كان العالم آنشتين أول من جاء بنظرية النسبية التي تقول بأن «المادة والقوّة هي شيء واحد» وقد صدق رأيه، وصحّت نظريته، عندما أمكن فلق الذرّة وتحويل مادتها إلى قوّة. وما دام أن المادة والقوّة شيء واحد، وقد أمكن أن تتحوَّل المادة إلى قوة، كما ثبت علمياً بتفجير الذرّة، فلا مانع من أن يثبت يوماً إمكان تحويل القوّة إلى مادة. وهذا ليس ببعيد، وهو أقرب إلى الإيمان بإمكان خلق مادة العالم من العدم.
وبذلك يكون آنشتين قد وضع أساس العلم الحديث الذي يقول بالوحدة ما بين المادة والقوّة، وبتحوّل المادة إلى طاقة وفنائها. وقد استنتج من خلال نظريته النسبية التي أوجدها مفهومي «الخلق والفناء» - على حد ما أمكنه التعبير عنهما - وهذا خلافاً للنظرية القائلة أن «لا شيء في الطبيعة يخلق ولا شيءَ يفنى». وبذلك كان آنشتين من أكثر الناس إيماناً بالله في محيطه. فقد كان يرى أنه ما من عالِمٍ ينفذ إلى بعض أسرار الحكمة والنظام في الخلق إلا ويكون إيمانه بالله عظيماً. بل كان يرى أن العلم لا يستقيم في سيره بلا إيمان، وأن الإيمان لا يستنير بغير العلم، وفي هذا كله يقول:
«إن أجمل هزّة نفسية نشعر بها هي تلك الهزّة التي تَعْرونا عندما نقف على عتبة الخفاء من باب الغيب. إنها النواة لمعرفة الحق في كل فنٍّ وكل علم. وإنه لميْتٌ ذلك الذي يكون غريباً عن هذا الشعور، فيعيش مستغلقاً رُعْبَاً، من غير أن تجد روعةُ التعجب إلى نفسه سبيلاً. إن جوهر الشعور الدينيّ في صميمه هو أن نعلم بأن ذلك الذي لا سبيل إلى معرفة كُنه ذاته موجود حقّاً، ويتجلى بأسمى آيات الحكمة وأبهى أنوار الجمال، التي لا تستطيع ملَكاتنا العقلية المسكينة أن تدرك منها إلا صورها الجِبِلِّيّة في السطح دون الدقائق في الأعماق».
ثم يهتف آنشتين بإيمان العالم الذي يدرك ما بين الإيمان بوجود الله - تعالى - وبين المعرفة من صلةٍ وثيقة، فيقول: «أيّ إيمان عميق بالحكمة التي بُنيَ عليها هذا الكون، كان إيمان كبلر ونيوتن؟ وأيّ شوق لهّاب كان شوقهما لأنْ يريا أضأل شعاعٍ من نور العقل المتجلّي في هذا الكون؟... إنني لا أستطيع أن أتصوّر عالماً حقاً لا يدرك أن المبادىء الصحيحة لعالم الوجود مبنيّة على حكمة تجعلها مفهومة عند العقل. إن العلمَ بلا إيمان ليمشي مشية الأعرج، وإن الإيمان بلا علم ليتلمَّس تلمّس الأعمى». وكأننا به يهتف من عمق إيمانه:
{هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ} [الزُّمَر: 9].
هذه هي القوّة النورانية التي نفخها الله في الإنسان حتى تجعل عقله هادياً له، فيريه قوّة الله تعالى في كونه، وفي خلقه: {أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا} [البَقَرَة: 165] و{...إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ *} [الحَديد: 25]. فلا تسـأل يا صاح بعد: كيف يقول الله للشيء: كن فيكون. {إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ *} [يس: 82] وهذا هو أمر التكوين وأمر الخلق.
والربط القرآنيّ بين أول خلق وبين تتابع هذا الخلق واضح وصريح. فهو القائل عزَّ من قائل: {وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ مِنْ سُلاَلَةٍ مِنْ طِينٍ *ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ *ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ *} [المؤمنون: 12-14].
{وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ} [ق: 16] إيجاداً وإبداعاً مع عدم سبق المادة الأصلية.
{مِنْ سُلاَلَةٍ} [المؤمنون: 12] الصفو الذي يُسلُّ من الأرض، إشارة إلى أن المواليد كلها أصول للإنسان وأنَّه المقصود بالذات، الجامع لطباع أولئك المواليد.
{ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً} [المؤمنون: 13] بالإنضاج والتخليص الصادر عن القوى المعدَّة لذلك، أي أنَّ في قوله تعالى: {ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً} [المؤمنون: 13] تحقيقاً لما صار إليه الماء من خلق الصور البعيدة، وقوله: {...فِي قَرَارٍ مَكِينٍ *} [المُرسَلات: 21] يعني الرحم. «ومكين» تعني أن الرحم مجهّز - كما ثبت - في تكوينه وفي خصائصه بما يمكّن أشدّ التمكين للجرثومة التي يكون منها اللقاح. حيث إنَّ فيه مخابىءَ للجرثومة عجيبة قد خلقت خصِّيصاً لذلك، ثم إنَّ فيه موادَّ منفرزة لوقايتها وحفظ الحياة لها والدفاع عنها.
أما الطور الثالث فهو {ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً} [المؤمنون: 14] أي صيَّرناها دماً قابلاً للتمدّد والتخلّق باللزوجة والتماسك. فقد ثبت في آخر ما انتهى إليه علم تكوين الجنين أن الجرثومة التي يكون منها اللقاح في منيِّ الرجل، تعلو برأسها نازعة كالسنان فتهاجم البويضة في الرحم، وتخرقها بسلاحها لتعلق بها ولذا سميّت علقة، فإذا هما قد امتزجتا. وهذا هو التحوّل الأول من نطفةٍ إلى علقة. ولما كان بين هذه المراتب مهلةٌ أو بُعدٌ، فقد عطف بـ «ثم» المقتضية للمهلة ما بين هذا الدور والأدوار الأخرى..
وبعد انقضاء المهلة المحددة يأتي الدور الثاني وهو تحويل {الْعَلَقَةَ مُضْغَةً} [المؤمنون: 14] أي تحويل الدّم جسماً صُلباً قابلاً للتفصيل والتخليط والتصوير والحفظ. وجعل مَرْتَبَةَ المضغة في الوسط، قبلها ثلاث حالات وبعدها كذلك، لأنها الواسطة بين الرطوبة السيّالة والجسم الحافظ للصور. ثم يأتي دور العظام بقوله تعالى: {فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا} [المؤمنون: 14] أي صلَّبنا تلك الأجسام بالحرارة والشدّة حتى قبلت التوثيق والربط والإحكام والضبط، وذلك بعدما تتخلّق الأعضاء المشاكِلة للعظام ويتحوّل دم المحيض مغذياً. وقوله: {فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا} [المؤمنون: 14] يعني حال تحويل الدم إلى لحم وشحم والدور الذي يكون فيه الإنسان كالنبات: {وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الأَرْضِ نَبَاتًا *ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيهَا وَيُخْرِجُكُمْ إِخْرَاجًا *} [نُوح: 17-18] فتكون أطوار الخلق سبعة تقابل الكواكب السبعة السيّارة. وقد ربط بعض المفكّرين بينها وبين المراحل السبع التي يتكوَّن منها الإنسان. فهل من الصدف أو من العبث أن يكون عدد مراحل خلق الإنسان سبعاً، والسموات سبعاً، وعدد الأيام التي يتكوَّن منها الزمن سبعاً، وتسمية القرآن بالسبع المثاني والقرآن العظيم؟!
وبعدما أخذ المخلوق يشتدّ، ويفيض بالحياة والحركة من نفخ الروح فيه، استوى بشراً إنساناً فيه من دقة الصنع ما يثير التعجّب كما يشير إلى ذلك سبحانه وتعالى: {...ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ *} [المؤمنون: 14] ومعنى: خلقاً آخر، تكوينه على صورة الإنسان، بعدما كان خلقه في أطواره الأولى متشابهاً مع خلق الحيوانات الأخرى كما يؤكّد ذلك العلم الحديث. فهذا العالم (فون بير) يجمع أجنَّةَ حيواناتٍ مختلفةٍ في مرحلة معينة من مراحل تطوّرها، ويحتفظ بها في وعاء زجاجيّ فيه مطهر حافظ من التعفّن والتمصُّل. ولثقته بنفسه لم يضع على كل جنين ما يوضّح هويته أو نوعه. وعندما عاد إليها فيما بعد ليدرسها، لم يستطع أن يُرجع معظمها إلى أصولها التي جاءت منها. ولذا نراه يكتب في مذكراته:
«إنني لا أستطيع أن أحدد إطلاقاً إلى أيّة فصيلة أو رتبة تنتمي هذه الاْجنة... فقد تكون لسحالى أو لطيورٍ صغيرة أو لحيوانات ثدييّة في مراحل نموّها المبكّر... فكم هي متشابهة في أشكالها وتكوينها هذه البدايات لأجنة تلك الحيوانات؟!..».
ومما لا شك فيه أن هذا التكوين للمخلوقات إنما هو نتاج لنظام الزوجية، هذا النظام الذي يقول العلماء بأنه مطرد وشامل لجميع الأحياء من الحيوانات والنباتات كلها بطريقة واحدة، ونسق واحد، وأعضاء تكون متماثلة، ولقاح يكاد يكون متماثلاً، ويتساءلون كيف اتفق هذا الاطّراد والشمول والتماثل في كل حيّ؟.
هذه صورة بيانية لمراحل الخلق

إنسان خنزير طائر سلحفاة سمندر سمكة
كم هي متشابهة هذه البدايات لأجنة الحيوانات المختلفة إذ كلما عدنا إلى الوراء في الزمن (الصورة 1) كان من الصعب تمييزها، ثم يبدأ التمييز بين أجنة السمكة والسمندر (حيوان برمائي). في حين أن الحيوانات الفقرية يصعب تمييزها (الصورة رقم 2) ومن مراحل متأخرة نسبياً يمكن تمييز الطائر والخنزير والإنسان (الصورة رقم 3).
لقد لفت هذا الاطراد نظر الفيلسوف هنري برغسون. فبعد أن تكلّم عن حاسة الإبصار، واستبعد أن يكون اطِّرادها في الإنسان وفي جميع الحيوانات على نسق واحد، وتركيب مماثل، أثراً من آثار المصادفة قال:
«وإذا سلَّمنا بأن هذه المصادفة جائزة الحدوث في تكوين حاسة إبصار واحدة في جميع الحيوانات، وقلنا إن الحيوانات ترجع إلى نوع واحد، فماذا نقول في النبات، وهو نوع آخر يسير في طريق مختلفة كل الاختلاف عن طريق الحيوان، إذا نحن رأيناهما يسيران على طريقة واحدة في عملية التناسل(+)؟ فكيف اتفق أن اخترع الحيوان الذكورة والأنوثة، ووفق النبات إلى الطريقة نفسها وبالمصادفة نفسها؟».
صورة عن بعض مراحل تكوين الجنين
amantadin cena amantadin medikament amantadin nedir



Copyright © Samih Atef El-Zein 2010     VINTOB