قصص الانبياء في القرآن الكريم
الطبعة : الطبعة السابعة  
المؤلف : سميح عاطف الزين
عدد الصفحات :   692
تاريخ النشر :   2005




القصص الديني والتاريخ

لو طُلِبَ إلى بضعةِ أشخاص شهدوا واقعةً معينةً أن يكتبوا مشاهداتهم عنها، لما جاءت الصورة التي يُعطيها كلُّ واحدٍ منهم متفقةً تماماً مع الصورة التي يعطيها الآخر، ولكان في كتاباتهم تباينٌ واختلافٌ بقدر ما يختلفون فيما بينهم من حيث القدرة الفكرية، أو النمط في التعبير، أو الاتجاه في الميول والأهواء، لأن كل واحد منهم يرى تلك الواقعةَ بمنظارٍ مختلف ـ ولو بمقدار معيَّن ـ عن منظار الآخرين.
ولأمر ما لم يتعرّضِ القرآن الكريم للقصةِ بأكثرَ مما قصد منها موعظةً أو تربيةً، بعيداً عن التفاصيل التي لا تزيدُ في جوهرها أو تُنقصُ منه شيئاً، فتأتي لتُصيبَ الهدفَ المقصودَ أو لتوضّح الغايةَ المرجُوَّة... ولعلَّ الغايةَ القرآنيةَ من ذلك هي الابتعادُ عن القصص الأسطوريِّ، الذي طبعَ عقولَ الناس ورسَّخ في أذهانهم كثيراً من الأمور والقضايا التي لا تتوافقُ والإيمان بأبعادِهِ التربويّة والخلقيّة والدينية والإنسانية. ولذلك كان بعثُ الأنبياء والمرسلين لأجل إرشاد الناس وهدايتهم إلى الإيمان الصحيح بمختلف أبعاده الدنيوية والأخروية. وكانوا يَرَونَ الأساطيرَ قد عشّشت في الأذهان على نحو عقيدةٍ دينيةٍ يتوارثُها الأبناءُ عن الآباء، وغدت التراثَ الفلسفيَّ والحضاريَّ الذي تحفظُهُ الأجيالُ المتلاحقة أكثر مما تحافظ على غيره من العادات والتقاليد.. وهذا يفسِّر ذلك الزَّيفَ الزائد على أخبار الأنبياء وأعمالهم، وما أُضيف إليها مما هو غريبٌ عنها، أو ما أدخل عليها مما ليس منها، أو ما غُيِّرَ فيها مما لا يأتلف معها. وهذا كله قد أخرجَ القِصَص النبويّة عن حقيقتها وعن الغايات التي جاءت من أجلها. فبعض الكتب الدينية تتحدث عن الأنبياء بما يحمل زياداتٍ كثيرة لا مبرر لها. والمثلُ على ذلك تصوير النبيّ داود (عليه السلام) وكأنَّه ذاك الملكُ الشرقيُّ الذي يعيشُ حياةَ البذخ والترف، وتَحفُّ به الزوجات والجواري، وتتجاذبُهُ نزاعاتُهُنَّ وعواطفُهُنَّ، مع أنّه جلَّ عن ذلك الوصف الرخيص، وعلا عن أن تتحكم به الغرائز والميول. وهيهات أن يعرف غير العاقل الحكيم أن هذا الدسّ الرخيص اختلاقٌ دخيلٌ على الحقيقة ومخالفٌ للواقع، على الرغم من أنه عند عامة الناس يُعْتَبَرُ ثابتاً باعتباره مصدراً من مصادر التعلّق بالحياة المادية والتهافت على مسراتها... وبهذا الشكل من الدس والتزييف تصبح الطرقُ إلى إخضاع الجماعات، والأساليبُ إلى استغلالها أسهلَ وأيسَرَ، ما دامتْ مطبوعةً بالفكرة الدينية. وبمثل هذا الاختلاق، وعلى هذا النحو من الإدخال والاصطناع، كَثُرَتِ التفاسيرُ في القصص القرآنيّ الكريم. فحيكت حوله الخرافات، وتداخلت فيه الأساطير بما اصْطُلِحَ على تسميتِه بالإِسرائيليات. وأخبار كعب ووهب بن منبه، وغيرِهما من يهود المسلمين، هي الدليلُ على هذا الطابعِ الإسرائيليّ في التفسير للقرآن الكريم.
ولكن ما الغاية من هذا المنحى في الاختلاق؟!.
من المسلَّمات التي لا تقبل الجدل أن اليهود هم شعب ذو نوازعَ مادية. وكان هذا الشعب يسعى دوماً وراء الكسب الماديّ الذي يمكّنه من تحقيق الثروات الطائلة، والتحكّم في الاقتصاد، بُغية التأثير على الحكام، كي يصل إلى الغاية البعيدةِ وهي السيطرةُ الكاملة على كل الأمور، وعلى مَن بيده مقاليدُ الحكم، وإخضاعُ الشعوب، حتى تتحقّق لليهود كامل الأهداف التي يسعون وراءها!
ولما كان الناس في الغالبية الساحقة، يميلون بالطبع إلى الحياة المترفة، وينساقون وراءَ الشهوات والنزوات، فإنهم بلا شكٍّ سوف يُؤثِرونَ الوسائلَ التي تُؤمّن لهم الإمكانياتِ للحصول على الثروات.
وإذْ عرفَ الشعبُ اليهوديُّ كيف يستطيعُ السيطَرةَ على رؤوس الأموال كما قلنا، فقد باتَ سهلاً عليه أن يستغلَّ حبّ الناس للمال، وبالتالي اختراعُ الوسائلِ الكفيلةِ بنشرِ مختلف ضروب الغوايةِ والاستهواءِ للتعلّق بالماديات. وليس أكثر تأثيراً في النفوس من القصص التي تروي غرائب المتع وتصور أفانين الملذات، سيما إذا كانت تلك القصص ممزوجة بالطابع الدينيّ...
وهكذا برزَ هذا الأثر في نسيان الأساس الذي قامت عليه القصص الدينية في الأصل، وفي الانحراف وراءَ الصور الخرافية المليئة بالأباطيل والتُّرهات، الحافلة بالميول والأهواء... ومن مظاهر تلك الترّهاتِ والأباطيل الاعتقاد بما يسمّى الطيرة أو التشاؤم، أو بما يعرف بالفأل أو بالتفاؤل...
ومن قبِيلِه أنَّ الصَّابئة كانت تُعلّق أيامَ النَّحس أو السعد على الكواكب، وتعتمد على الأبراج في اكتشاف المستقبل... وقد لاقت هذه الخزعبلاتُ دعماً عن طريق بعض المصادفات التي كانت تحصل وتُحدِثُ أثراً معيَّناً في حالة من الحالات أو في مجالٍ من المجالات: كأن يحصل حدثٌ سعيد، أو تحلّ كارثة معيَّنة بظهور نجم مذنّب أو كوكب.. ولذا رأينا بعض المسلمين في عهد الرسالة قد ربطوا بين كسوفِ الشمس وبين وفاة إبراهيم ابن الرسول عليهما السلام، وقالوا: كُسِفت الشمسُ لموتِ إبراهيم!. فعرفَ النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) بالشائعة فعقد اجتماعاً وخطب فيهم قائلاً: «إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله، لا تنكسفان ولا تنخسفان لموت أحد، فإذا رأيتم ذلك فافزعوا إلى ذكر الله بالصلاة».
والغاية التي نريد الوصول إليها مما تقدم هي أن الأمم الشرقية قد تأثرت بالأساطير التي انطوت على حبّ الماديات، والركض وراء المسرّات، والهروب من «الجدّيات» التي تصنع المستقبل بأفضلَ من الماضي، وللأسف ظلت غالبية هذه الأمم تَرسُفُ في قيود الأساطير التي كبّلَتها، وتُحتَجَزُ في الأُطُر التي أحاطت بها. ويزيدُ في سوءِ طالِعِها أن أخذت القصصُ التي أُخرجت في أطوار انتقالها من مرحلة إلى مرحلة منحىً جديداً، فلم تعُدْ مقصورةً على الغيبيات والأمور الدينية بل امتلأت بطون الكتب، في القرنين التاسع عشر والعشرين الميلاديّين، المتوافقين مع القرنَين الثالث عشر والرابع عشر الهجريين، بأفكار جديدة ومتنوعة تتناول مختلف القضايا الاجتماعية والاقتصادية والسياسية... وازدهرت من خلالها المسارحُ، والسينما، والتلفزيون، ومختلف الوسائل السمعية والبصرية، وكلها تفعل فعلها العجيب في انحراف تربية الناشئة، وفي التأثير على العقول والنفوس، بما يتوافقُ والاتجاهات المادية التي أبعدت الإِنسانَ عن حقيقةِ وجودهِ، وعن معرفة الدور الذي هيّأه له الله سبحانه وتعالى في هذه الحياة. ولعلَّ أبرزَ الأدلة على شيوع تلك الأفكار، نوعٌ من القصص البوليسيّ الذي توسع الغرب فيه كثيراً، مظهراً نزعة القساوة وحِدَّة الشر عند الإنسان. وقد تفنَّن الكتَّابُ في سرد الوقائع والأحداث، وتصوير أشخاصها، وملاحقة مرتكبيها، على نحوٍ يجعل القارىء أو المشاهدَ يؤخذ بها، وينفعِلُ بتفاصيلها ونتائجها، مع ما يترتب على ذلك من الانطباعات التي تترَسَّخ في نفس الإِنسان بلا وعي منه ولا إدراك. وإن في أفلام العنف التي تسيطر على الإنتاج السينمائي الأميركي - بصورة خاصة - ما يؤكد هذا الواقع حتى اليوم..
وهذه الأنواع من القصص، وعلى الرغم من تأثيرها السيئ على صفاء الأنفس، إلاَّ أن أخطر منها تلك القصصُ، أو الحلقاتُ التلفزيونية التي تصوّرُ أبطال القصةِ أو الحادثة، أشخاصاً ذوي قدرات خارقة يستطيعون بها مواجهة أعتى القوى ومجابهتها على نحوٍ يُعيدُها إلى عوالم تلك الأساطير التي ظُنَّ أنها اندثرت إلى غير رجعة... وهذا لعمري أسوأ ما أنتجه الفكر البشريّ، ناهيك عن الانفعالات التي يُحدثها هذا النوع في نفوس الأطفال والناشئة بما يُخالف أبسط قواعدِ التربية، والسلوكِ الإِنسانيّ الصحيح... وربما كانت هذه القصص هي ما يستهوي الشبابَ بالذات، لما تُثِيرُ فيهم من الاندفاع وراء حبّ المغامرة. ولعلها كانت وراء ما يسمّى بـ«ظاهرة الرفض» عند الشباب، إذ يحاولون التخلّص من كل أساليب العيش القديمة التي عرفها آباؤهم وأجدادهم، ويَسنُّونَ لأنفسهم أنماطاً جديدةً من العيش تتوافق في رأيهم مع التقدم والتطوّر الذي يرافق استمرار الحياة حتى ولو كان ذلك على حساب نظام الحياة، واستقامتها، بما تحمل تلك الأنماطُ من تحللٍ واستهتار بالقيم الأخلاقية والمُثُل العليا، والمبادىء السامية. وهو ما نعايشه اليوم من المظاهر التي باتت واقعاً لا يمكن إنكاره. ومن الأدلة على هذا التحلّل إقامةُ العلاقات الجنسية بين الشبان والفتيات بلا زواج، أو التهافت على المسكرات، أو الانجراف في بُؤَرِ المخدّرات، ناهيك عن الركض وراء المال، وعقدِ صفقات غير مشروعة بقصد الربح السريع. وإنْ فشلَ أحدهُم في إحدى الصفقات، فإنه يعزو ذلك لسوء الحظ الذي منعه من تحقيق آماله.. فبئست الطرق الملتوية التي يسلكها هؤلاء الفاسدون لصناعة الحياة «الشريفة»!.
وهكذا يظهر لنا جلياً أثرُ الأفكارِ في حياة الإنسان، خصوصاً إذا ما حيكت تلك الأفكارُ بأسلوبٍ قصصيّ يستسيغهُ الذوقُ المنحرف، وتألفُه النفسُ المائلة إلى الهوى، فيفعل إذ ذاك فعله فيها، ويطبعُها بطابعٍ يتوقفُ عليه مستقبلُ الإنسان كله.. فإذا قُدِّر للإنسان أن يشهد سيلاً جارفاً من الكتب التي نزعت نحو المادة والجريمة، فمن الطبيعيِّ أن يؤدِّيَ ذلك إلى إبعاده عن الطريق القويم الذي يوصله إلى شاطىء السلامة والكرامة.. وهذا كله يجري ـ عن عمدٍ وسابق تصوّر وتصميم - بخلاف ما جاء به القرآن الكريم.
فعطاءات الله وأوامره لا تتعلقان بعمارة الدنيا فقط، بل تنبّه إلى طاعة الله عزّ وجلّ، لأن الإنسان غيرُ مخلّدٍ في هذه الحياة، ولا بدّ من الرجعة إلى الله عز وجل، لأنها هي المعاد والمصير، كما نبَّه إليها هود (عليه السلام) بني قومه بالقول الحق: {أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ *وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ *وَإِذَا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ *فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ *} [الشُّعَرَاء: 128-131].
فتبارك الله تعالى، الذي حثَّ الإِنسان على السعي، وعلى أخذ الأسباب بالمسبّبات حتى يتمكّن من غرس الأرض وعمارتها، ونيل الرزق الحلال، ونشر الخير العام، ولكن بشرط أن يضع نُصب عينيه ذكر أيام الله عزّ وجلّ.
أيها الإنسان!... إنَّ لك رجعةً إلى الله سبحانه وتعالى: {يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ *كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ثُمَّ إِلَيْنَا تُرْجَعُونَ *} [العَنكبوت: 56-57] ونحن ندعوك إلى النظر والتأمّل والتفكير في مضامين القصص القرآنية التي نضعها بين يديك.. فقارن بينها وبين ما قُدِّم من قصص، قديمةٍ وحديثة، حتى تصل إلى الحكم اليقين. وإنّك لواجدٌ، بإذن الله، أن قصَص القرآن، بما تقدّمه من تصوّرات ومعانٍ جليلة، وبما تحتوي من أدلّة وبراهين، إنما تهدف إلى نشر الخير للإِنسانية جمعاء. وهي بلا ريب من أسمى القِصَص وأروعها منذ الأزل وحتى يومنا الحاضر، وستظل كذلك إلى قيام الساعة..



Copyright © Samih Atef El-Zein 2010     VINTOB